أشعيا برلين ينقّب في جذور الرومانسية

رغم دعواته المبكرة للتعددية والتسامح فإن اسمه ما زال مغموراً عندنا

أشعيا برلين
أشعيا برلين
TT

أشعيا برلين ينقّب في جذور الرومانسية

أشعيا برلين
أشعيا برلين

كثيرة هي أسماء الفلاسفة الغربيين الذي لهم في تاريخ الأفكار موقع وأثر، وتتفاوت أهمية كل اسم تبعاً لدرجة الوعي الفكري بدور العقل في تحقيق حركات التحديث الكبرى وإحداث تحولات حضارية مهمة في حياة البشر. بيد أن من النادر أن نجد فيلسوفاً يراهن على الخيال الرومانتيكي مثلما يراهن على العقل التجريدي في بلوغ الحقائق كأن الخيال والعقل فعل واحد بلا تحجيم في النظر أو التدبر لأي منهما.
ويعد أشعيا برلين (1909 - 1997) من هؤلاء القلائل الذين تجسدت في أعمالهم هذه التعادلية بين الخيال والعقل من خلال تبني مبادئ الرومانتيكية ولا سيما دور العاطفة والأخلاق في الفكر السياسي. وإيزيا الروسي المولد والبريطاني الجنسية فيلسوف ومؤرخ اجتماعي ليبرالي درس تاريخ الأفكار قديمها وحديثها فوجد أن الفكر الإنساني يحتاج إلى إعادة تنظيم عقلاني يضع حداً للفوضى الفكرية وسيادة الخرافة والانصياع الأعمى للعقائد وحماقات الأنظمة القمعية وطيشها.
وكان اهتمام برلين بالملاحم والروايات قد أمدّه بالأفكار فتمثل كثيراً من نصوص الشعراء والروائيين وتولستوي في مقدمتهم، يقول: «حين كنت شاباً قرأت رواية (الحرب والسلم) وكانت تلك قراءة مبكرة للغاية لم يظهر التأثير الفعلي لهذه الرواية علي إلا لاحقاً». وكان شديد البحث عن المقولات التي تخدم توجهاته، كمقولة هيراقليطس «لا يمكن للمياه أن تتوقف عن الجريان»، ومقولة إيمانوئيل كانت «من نسيج الإنسان الفاسد لم يصنع أي شيء مستقيم أبداً»، ومقولة شيلر «الأملود الأعوج»، ومقولة هيردر «إن لكل مجتمع مركز ثقل خاصاً به»، وكذا الحال مع آخرين كأفلاطون وأرسطو وديكارت وفيكو وفيتشه وفولتير وفرويد.
وعلى الرغم مما في آرائه من أهمية تصب في صميم تطلعاتنا وتلائم مرحلتنا الراهنة من قبيل القول بالكوزموبوليتانية والتعددية والتسامح والتنوع الثقافي، فإن اسمه ما زال مغموراً عندنا وقلّما نهتم بنتاجه والتمثل بآرائه. وليس أدل على ذلك الاضطراب العجيب في ترجمة كتبه إلى اللغة العربية حتى إنك لتجد نفس الموضوعات متكررة في كتابين أو ثلاثة، ولكل واحد منها عنوان مختلف، فضلاً عن الاختلاف غير المبرر في ترجمة اسمه «Isaiah Berlin» ما بين (أشعيا وإيزايا وإيزيا وإيسيا وأزيا، وبرلن وبرلين وبيرلن).
إن ما يجعل لهذا الفيلسوف مكانة خاصة في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة أمران مهمان: الأول حماسته منقطعة النظير للرومانتيكية. وهي في نظره ليست مجرد مذهب أدبي أو حركة تنويرية نشأت في القرن الثامن عشر وألهمت منظّري الحركات الأدبية ومؤرخي الفلسفة كثيراً من الرؤى والنظريات ثم ذوت مع ظهور الواقعية، بل هي حركة تصلح لكل زمان ومكان وهي التي «أحدثت تحولاً هائلاً وجذرياً لم يعد بعده شيء كما كان سابقاً»، نظراً لما فيها من ديمومة تتضاد مع العقلانية ولكونها ثورة دائمة التجدد على كل ما هو تقليدي واتّباعي.
وكثيرة هي الأسس الرومانتيكية التي عليها بنى برلين تصوراته الفكرية، منها أن اللاعقلانية آلية من آليات التفكير، والعقل الذي نمجده مجرد «دمية محشوّة، منحتها الخرافة الصارخة واللاعقلانية صفات الألوهية» ومنها أن المعايير القابلة للبرهنة لم تعد طريقاً للوصول إلى الحقائق، بل إن للمفاجئ والبدائي والنائي أن يكون طريقاً للمعرفة والتوق إلى اللانهائية وتمجيد الإرادة في الثورة ضد خرافة العالم المثالي.
ومع إيمانه بأن الحقيقة أجمل شيء في العالم بأسره، غير أن للأخلاق أهمية أكبر، من هنا احتلت القيم الأخلاقية المركز في توجهاته الرومانتيكية وبسببها صار يُعرف بفيلسوف القيم الذي استقرأ تاريخ البشرية فوجد من الضروري الدعوة إلى نظام عالمي جديد وجد إرهاصاته في أعمال الروائيين هكسلي وأوريل، وهذا الأمر يجعله سباقاً في الدخول إلى المرحلة ما بعد الأنوارية الرافضة للأناركية أو الفوضوية.
وبسبب نزعته الأخلاقية، بدا برلين واثقاً أولاً من أفول الأفكار الطوباوية في السعي وراء المثل الأعلى داخل العالم الغربي، ومتشائماً ثانياً مما يراه في العالم المعاصر من نزعات قومية وعواصف آيديولوجية وحكومات استبدادية ونزعات شوفينية وتمييز عنصري وتعصب ديني.
وهو متأثر في نزوعه الرومانتيكي هذا بالفيلسوف الإيطالي جيمامباتيستا فيكو (1668 - 1744) تأثراً كبيراً في وقت لم يكن أحد في جامعة أكسفورد -كما يذكر برلين- قد سمع بفيكو سوى كوليغوود الذي ترجم له كتاب «كروس» وحضه على قراءته. وبالفعل قرأه وأعجبته أفكاره لا سيما فكرة تعاقب الحضارات البشرية. وإذا كان جوهان غوتلب فيتشه هو الأب الروحي للرومانتيكية فإن فيكو في نظر برلين هو الأب الحقيقي لمفهوم الثقافة الحديثة والتعددية الثقافية التي تقرّ أن لكل ثقافة أصيلة رؤية تنفرد بها، وهو الذي لم يفترض أن البشر منغلقون على عصورهم أو ثقافاتهم معزولون في صناديق لا نوافذ لها. وهذه النظرة الانفتاحية التي دشنها فيكو في كتابه «العلم الجديد» سابقة لما أرساه علماء الاجتماع الأنثربولوجيون فيما بعد حول أساطير وسلوكيات المجتمعات البدائية فلم يروها هراء أو بربرية، بل ذهبوا إلى أن أقدم القبائل البدائية كان عندها الخيال قوياً مثلما هي قدراتها العقلية.
وكما تأثر إدوارد سعيد بفيكو في التنظير لما بعد الكولونيالية كذلك تأثر برلين بفيكو في القول بالتعددية والانفتاح والاندماج وهو ما جعله يضيف إلى علم الأخلاق كثيراً من الرؤى الجديدة، وهو القائل: «أمضيت أربعين عاماً من عمري في محاولة أن أقول شيئاً عمّا أقحمني في هذا الشأن خصوصاً عن نقطة تحول نجم عنها تغير حاسم في أفكاري».
إن النقطة الحاسمة في تأثر برلين بفيكو تنبع من هذا التلاقي بين الخيال الرومانتيكي والتفكير العقلي التجريدي. وبسبب ذلك صار برلين مفكراً كوزموبوليتانياً، وشرح الأمر كالآتي: «فكرة أنك تستطيع أن تفهم البشر الآخرين فقط من خلال بيئتهم التي تختلف كثيراً عن بيئتك هذا هو أصل فكرة الانتماء، لهذا السبب كانت فكرة إنسان كوزموبوليتاني يشعر بالانتماء في باريس كما يشعر به في كوبنهاغن أو آيسلندا أو الهند».
ولأن الخيال الخصب المتنوع هو قطب رحى الحركة الرومانتيكية في الفن والفلسفة، ذهب إلى أن الحقيقة ليست واحدة أو لا تتجزأ -كما يرى الفكر الغربي- بل هي قابلة للنقد. ومن هنا آمن بأن للفنتازيا أهمية لا غنى عنها في فهم المعرفة التاريخية، منطلقاً من إيمان صميم بالترابط الوثيق بين فلسفة الأفكار وجماليات الفن ودورها في توجيه النشاط الإنساني، مؤكداً أن التكامل في النظرة الشمولية للفن لا يأتي إلا من التلاقي الخالص والحتمي ببين الفلسفة والفن.
الأمر الثاني في أطروحة الفيلسوف برلين، يتمثل في توجيه نزعته الرومانتيكية توجيهاً قصدياً باتجاه معارضة الماركسية. وإذا كنا نضع في كفة واحدة كل ما تقدم من تأثر برلين بالرومانتيكية كحركة تنويرية وبفيكو كمفكر تعددي، فإن الكفة الأخرى التي تعادلها تتمثل في موقف برلين من كارل ماركس ونقده اللاذع له. وأول ذلك هجومه الصارم عليه بوصفه كارهاً للرومانتيكية والأكثر عداءً للعاطفة، يحب القتال في جميع الجبهات، يرى تاريخ المجتمع هو تاريخ النضال بين طبقات يناوئ بعضها بعضاً ولا بد أن تخرج إحداها منه منتصرة وهي دوماً طبقة البروليتاريا.
وتتبع طفولة ماركس ومراهقته وتنقلاته فوجده مفكراً «كانت تعوزه تماماً صفات القائد أو الزعيم الشعبي العظيم وهو لم يكن داعية عبقرياً مثل الديمقراطي الروسي إسكندر هوزن، ولم تكن لديه بلاغة بامونين العجيبة... فلم يكن معروفاً لدى عامة الناس»، (كتابه: كارل ماركس، ترجمة عبد الكريم أحمد، دار القلم، القاهرة، ص2).
ويتجلى حنقه على ماركس أكثر حين يدخل إلى تفاصيل فلسفته من ناحية أنه تكلم باسم قانون الطبيعة لا باسم البشر وأن هدفه كشف الحقيقة ودحض الأباطيل قبل كل شيء. وأنه كرس حياته لوضع الخطط التي تكفل انتصار الذين وضع نفسه على رأسهم وهو انتصار كان التطور التاريخي -كما يرى برلين- كفيلاً بأن يحققه على أي حال.
أما لماذا صار ماركس رائداً لجيله؟ فلاعتقاده الصارم بضرورة قطع كل صلة بالماضي من أجل إقامة نظام اجتماعي جديد لما بدا لماركس أيضاً من «أن المشاعر الإنسانية المخلصة ستار تترعرع خلفه بذور الضعف والخيانة بعيداً عن الأنظار نتيجة للرغبة في الوصول إلى حل وسط مع الرجعية... يقوم على الخوف من الحقيقة»، (الكتاب، ص 10).
وكثيرة هي مواطن سخرية برلين من ماركس، فالمدة التي قضاها ماركس مثلاً في مكتبة المتحف البريطاني بلندن -وخلالها لم يقابل إلا قلة من الإنجليز فلم يفهم أسلوبهم في الحياة- لا تختلف عن المدة التي يمكن له أن يقضيها في أي مدينة أخرى مثل مدغشقر شرط أن يجد فيها الكتب والجرائد. كما سخر من ماركس وهو يستشهد بحادثة جرت عام 1843 فيها دخل ماركس -وكان محرراً لجريدة راديكالية- في مشادة حول موضوع اقتصادي كان فيه جاهلاً جهلاً تاماً بمبادئ النمو الاقتصادي وتاريخه ثم قام بتعليم نفسه ليظهر عام 1848 كمفكر سياسي واقتصادي يضع نظرية اقتصادية كاملة عن المجتمع وتطوره معبراً بتعالٍ عن أنه سيعطي كل ذي حق حقه. ولإيمان برلين بأن الأشياء لا يمكن أن توصف دون الرجوع إلى أهداف صانعيها، وجد أن كثيراً من المبادئ التي جاء بها ماركس هي ببساطة غصب لأفكار فلاسفة سابقين، ذلك أن القرن الثامن عشر لم يكن مجدباً من مثل هذه المبادئ، وكل الذي فعله ماركس وصار بسببه مشهوراً هو أنه أعطى أجوبة صريحة مألوفة لأسئلة كانت تشغل أذهان الناس في ذلك العهد.
ومن المبادئ المغصوبة (المادية الجدلية) ووجدها برلين بصورتها الكاملة في رسالة كتبها هولباخ قبل ماركس بقرن وكان فيها مديناً بالكثير لسبينوزا ثم أعاد فيورباخ كتابتها بصورة معدلة في عهد ماركس نفسه. ومنها مقولة «التاريخ البشري هو تاريخ الصراع بين الطبقات الاجتماعية» التي تعود لسان سيمون، وأول من قال بحتمية وقوع الأزمات الاقتصادية هو سيسموندي، وأن نظرية القيمة تعود إلى لوك وآدم سمث، ونظرية الاستغلال وفائض القيمة تعود إلى فوربيه وهودجسكين. وتابع برلين قائلاً: «وإنه لمن السهولة بمكان أن نستمر في هذه القائمة إلى أبعد من ذلك»، (ص 12). إن الإخلاص الذي تجمّل به إيزايا برلين تجاه الرومانتيكية جعله متحزباً لها ومتعصباً لمبادئها، ملغياً كل ما سواها من النزعات والحركات المذهبية التي قبلها والتي بعدها. ومن ثم بدا متطرفاً وهو يحاكم ماركس بمقصلة العاطفة ويضعه بين مطرقة الخيال وسندان العقل. ويبقى الأهم من ذلك نظام الأخلاق الذي فيه وجد برلين للقيم مكاناً رئيسياً، به تتوافق حياة البشر.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.