استعراضات الحوثيين العسكرية... رسائل لتخويف الداخل وابتزاز الخارج

مواقف أممية ودولية باهتة وتحذيرات يمنية من تصاعد خطر الإرهاب الإيراني

جانب من الاستعراض الحوثي العسكري في الحديدة يظهر صنفاً من الألغام البحرية (تويتر)
جانب من الاستعراض الحوثي العسكري في الحديدة يظهر صنفاً من الألغام البحرية (تويتر)
TT

استعراضات الحوثيين العسكرية... رسائل لتخويف الداخل وابتزاز الخارج

جانب من الاستعراض الحوثي العسكري في الحديدة يظهر صنفاً من الألغام البحرية (تويتر)
جانب من الاستعراض الحوثي العسكري في الحديدة يظهر صنفاً من الألغام البحرية (تويتر)

استغل الحوثيون فترات الهدنة اليمنية المجددة لإقامة عدد من الاستعراضات العسكرية في صنعاء وذمار ومناطق أخرى، وصولاً إلى الاستعراض الأكبر في مدينة الحديدة، في مسعى لإرهاب الداخل اليمني، وفي سلوك قرأه مراقبون وخبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط» بأنه يرمي إلى محاولة ابتزاز المحيط الإقليمي والدولي.
وبعيداً عن اللهجة الأممية القلقة جراء هذا التصعيد غير المسبوق، والتبعات القانونية بسبب الانتهاك الصارخ لـ«اتفاقية استوكهولم» الخاصة بالحديدة، أفصح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي عن إصراره في المضي بالتشبث بالواقع الانقلابي والانسلاخ عن الهوية اليمنية لمصلحة رعاته في طهران، كما اتضح من خطبته خلال الاستعراض الميليشياوي في الحديدة.
وفي حين لم يرَ المراقبون للشأن اليمني مفاجأة في هذه الاستعراضات التي تحاول الميليشيات أن تسوق لنفسها بها، في أوساط المجتمعات المحلية لإرهابها أولاً، ومن ثم تحفيزها على دفع مزيد من الجبايات وتقديم مزيد من المجندين، كان اللافت في كل ذلك هي الرسائل الإرهابية المتمثلة في الاستعراض بالألغام البحرية والصواريخ التي زعمت الميليشيات أنها باتت من خلالها قادرة على التهديد الواسع لطريق الملاحة، وإمدادات التجارة الدولية المارة عبر البحر الأحمر.
العسكريون اليمنيون الذين علقوا على الاستعراضات الحوثية، وبخاصة الاستعراض الواسع الذي حشدت له الميليشيات أكثر من 15 ألف عنصر في مدينة الحديدة، يرون أن الخطر ليس في القدرة على الحشد بهذا الشكل، إذ تستطيع القوات اليمنية أن تنفذ استعراضات أضخم، وإنما يكمن في تحدي الجماعة الانقلابية للمجتمع الدولي وانتهاك «اتفاقية استوكهولم»، وكذا في التغاضي عن الرسائل التهديدية باستهداف واحد من أهم ممرات التجارة في العالم.
في السياق نفسه، أظهرت الحشود الاستعراضية حرص الميليشيات على تكثيف الترويج لفكرة أحقية العائلة الحوثية في حكم اليمن من منظور إلهي، بحسب ما عكسه الخطاب المصاحب لهذه الاستعراضات، مع تضخيم حضور صور زعيم الجماعة ووالده بدر الدين الحوثي وشقيقه مؤسس الجماعة حسين، كما أظهرت حجم الإنفاق العسكري، وأكدت -بالإضافة إلى ذلك- كيف أن مدينة الحديدة وسواحلها وموانيها باتت قاعدة إرهابية، إلى جانب أنها من زاوية أخرى، أظهرت الضعف الأممي المتمثل في الردود الخافتة لبعثة «أونمها» التي تصرف عليها ملايين الدولارات.

- تحذيرات يمنية حكومية
جاء أول رد حكومي رسمي على الاستعراضات الحوثية العسكرية، على لسان وزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الإرياني، حاملاً التأكيد على الخطر الذي باتت تمثله إيران في المنطقة، من خلال أداتها الحوثية.
ومع تصاعد الأصوات في الشارع اليمني، إلى وجوب صدور رد قوي وحاسم على هذه الاستعراضات التصعيدية لا يقل عن إعلان الانسحاب من «اتفاقية استوكهولم» رسمياً، يعتقد مراقبون أن مجلس القيادة الرئاسي بحاجة إلى مزيد من الوقت لترتيب أوراقه على الصعيد العسكري، وأن الاندفاعة غير المحسوبة ستكون لها عواقبها على عملية السلام برمتها.
في هذا السياق، وصف الوزير الإرياني استعراض الميليشيات الحوثية للألغام والصواريخ البحرية «إيرانية الصنع» من طرازات مختلفة، في عرض أقامته بمدينة الحديدة، بأنه «يعكس الخطر الذي يمثله استمرار سيطرة ميليشيا إرهابية على سلامة السفن التجارية وناقلات النفط، في خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب». وهو خطر لطالما كانت الشرعية قد حذرت منه، وطلبت من المجتمع الدولي عدم التهاون معه.
وقال الإرياني في سلسلة تغريد على «تويتر»، إن تلويح ميليشيا الحوثي بالألغام والصواريخ البحرية بشكل علني «يمثل تحدياً سافراً للقوانين الدولية التي تحرم حيازتها، وتأكيداً على استمرار تدفق الأسلحة والخبراء الإيرانيين عبر مواني الحديدة، واستخدام طهران للحوثيين أداة لتهديد حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة والأمن والسلم الإقليمي والدولي».
وأضاف: «الاستعراض والتحشيد العسكري الحوثي لأسلحة محرمة دولياً تصعيد خطير، يأتي في ظل الهدنة الأممية، وانقلاب مكتمل الأركان على اتفاق السويد بخصوص الوضع في مدينة ومحافظة الحديدة، وتأكيد على استغلال ميليشيا الحوثي للاتفاق لترتيب وضعها عسكرياً في المدينة التي كانت قاب قوسين من التحرير».
وجدد وزير الإعلام اليمني دعوة الحكومة الشرعية للمجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمبعوثين الأممي والأميركي، وبعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها)، «لإعلان موقف واضح وخطوات رادعة إزاء التصعيد الحوثي الذي يهدد بنسف جهود التهدئة، وإعادة الأوضاع لنقطة الصفر، وممارسة ضغوط حقيقية على طهران لوقف تهريب الأسلحة».
تصريحات الإرياني -بحسب مراقبين- لا تعدو كونها تكراراً للتحذيرات السابقة من الخطر المتزايد للإرهاب الحوثي، في حين أنه ليس باستطاعة الأمم المتحدة ولا بعثتها صنع شيء أكثر من إبداء القلق؛ حيث إن الأمر رهن بإرادة القوى الدولية والإقليمية، في تقدير الرد المناسب على هذه التهديدات، إلى جانب إرادة القوى اليمنية المناهضة لانقلاب الميليشيات، والتي باتت كلها منضوية تحت مجلس الحكم الجديد (مجلس القيادة الرئاسي).

- تقدير الموقف الأممي
بات الشارع اليمني معتاداً على المواقف التي تصدرها المنظمة الدولية ووكالاتها، فإذا كانت عاجزة عن إجبار الميليشيات على إطلاق موظفيها المحتجزين منذ أشهر، فكيف لها -بحسب تعليق أحد المغردين اليمنيين- القدرة على وقف اعتداءات الميليشيات أو كبح جماح رغبتها في العنف، وإحكام قبضتها الانقلابية على شمال البلاد، أو وقف سيل الأسلحة المهربة من إيران.
ومع توقع أن يضمن المبعوث الأممي في إحاطته المقبلة أمام مجلس الأمن الدولي هذه التطورات التصعيدية من قبل الميليشيات؛ إذ إن ذلك هو كل ما يمكن أن يفعله، إلى جانب إخطار المجلس بالتصعيد الحوثي الأخير في تعز، كانت البعثة الأممية (أونمها) قد اكتفت بتغريدتين استباقيتين على «تويتر» تحذر فيها من تصاعد المظاهر العسكرية الحوثية في الحديدة، قبل أن تعززهما لاحقاً بثلاث تغريدات موجزة، أعربت خلالها عن «قلقها البالغ إزاء الاستعراض» الذي وصفته بأنه «خرق لاتفاق الحديدة».
وقالت البعثة التي بات يقودها الجنرال الآيرلندي مايكل بيري، إنها «تراقب الوضع عن كثب، وتكرر مناشدتها (لقيادة الحوثيين) أن تحترم بالكامل التزاماتها بموجب الاتفاق، لا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على المدينة خالية من المظاهر العسكرية».
وأضافت البعثة: «من الضروري بذل كل جهد لضمان حماية السكان المحليين من خلال التنفيذ الكامل للاتفاق».
يشار إلى أن القوات اليمنية المشتركة في الساحل الغربي، كانت قد أعلنت انسحابها من خطوط التماس في أطراف مدينة الحديدة، وأعادت انتشارها جنوباً أكثر من 100 كيلومتر، في سياق تنفيذ «استوكهولم» وهي الخطوة التي استغلتها الميليشيات لتقوم بالتمدد في المناطق المنسحب منها، مع تكثيف وجودها العسكري على كافة السواحل في المحافظة الاستراتيجية.

- مواجهة مكشوفة مع إيران
تعليقاً على الاستعراض العسكري الحوثي في الحديدة الذي كان قد سبقته استعراضات أخرى، من بينها استعراض واسع في صنعاء يوم 11 أغسطس (آب)، يرى الباحث والكاتب اليمني عبد الستار الشميري، أن كل ذلك يؤكد أن اليمنيين باتوا في «مواجهة مكشوفة مع احتلال إيراني كامل بقلبه الفارسي وبزته السلالية»، وفق تعبيره.
ويقترح الشميري أن ذلك «يقتضي عودة المجلس الرئاسي إلى خيارات أخرى، أهمها الخيار العسكري، وسرعة التوجه إلى الملف الأهم، وهو إعداد وحدات نوعية من الجيش وتوحيد منظومة الأمن». وأما ما عدا ذلك -من وجهة نظره- فليس سوى «مطاردة خيط دخان، وأوهام وتوهان في دهاليز الأمم المتحدة ومسقط، وحوار الطرشان» بحسب تعبيره.
ويعتقد الباحث والكاتب اليمني الشميري أن «فترة الهدنة منحت إيران فرصة أكبر لتزويد الحوثيين ببعض الأسلحة التي تم الاستعراض بها، وربما ما لم يظهر أكثر».
ويضيف: «هذا الدعم الإيراني بالسلاح والمال له طموح جموح تريد طهران الوصول إليه، عبر الورقة الحوثية التي باتت أهم نسخة عسكرية لإيران في أهم رقعة جغرافية في المنطقة العربية، إذ إنها النسخة الأكثر قبحاً والأكثر جهلاً، وربما الأعمق ولاء».
وتابع الشميري توصيفه بالقول: «الحوثية الورقة الأهم والأقل كلفة، وربما لذلك تحاول إيران بأسرع وقت ممكن تعميم مناهج التشيع لها، عبر المدارس والمساجد ووسائل الإعلام الحوثية، والسعي لجعل الحقل الجمعي والجهاز المفاهيمي في المناطق التي يسيطرون عليها حقلاً خمينياً خالصاً، بكل مفرداته وألوانه وطقوسه وتماثلاته».
وفي نهاية المطاف، تطمح إيران –بحسب الشميري– «لتؤسس لوقائع دويلة داخل الدولة اليمنية، أو تقتطع جزءاً منها، ليس ذلك فحسب؛ بل تتعداه لتتحرش وتطمع في بقية المناطق اليمنية المحررة، في تهامة والوسط والجنوب، لتضمها إليها، كي تقضي على كل الآمال وعلى كل ما ناضل لأجله جموع اليمنيين عبر أجيال متعاقبة».
ويحذر الشميري من أن «النموذج الحوثي بات يعد أكبر إنجاز للنظام الإيراني في العشر سنوات الأخيرة، والبعض يراه أهم من ورقة ونموذج (حزب الله)، وأذرع وفيالق إيران في منطقتنا العربية»، بحسب قوله.
ولا يرى الكاتب والباحث اليمني عبد الستار الشميري أنه يبالغ بالقول إن «نظام الخميني السياسي الممزوج بالمذهب هو محنة الشعوب العربية في العصر الحديث، منذ الحرب العراقية، وأنه الخطر الأبرز من كل الأخطار على كثرتها».
ويشدد: «هذا يستوجب عملاً عربياً موحداً عبر الجامعة العربية، وغيرها، والعمل الواحد لمواجهة هذا الخطر الجامح بكل الوسائل الممكنة قبل فوات الأوان».


مقالات ذات صلة

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

العالم العربي غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

وصف المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الخميس) اللقاء الذي جمعه برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في عدن بـ«المثمر والجوهري»، وذلك بعد نقاشات أجراها في صنعاء مع الحوثيين في سياق الجهود المعززة للتوصل إلى تسوية يمنية تطوي صفحة الصراع. تصريحات المبعوث الأممي جاءت في وقت أكدت فيه الحكومة اليمنية جاهزيتها للتعاون مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر لما وصفته بـ«بتصفير السجون» وإغلاق ملف الأسرى والمحتجزين مع الجماعة الحوثية. وأوضح المبعوث في بيان أنه أطلع العليمي على آخر المستجدات وسير المناقشات الجارية التي تهدف لبناء الثقة وخفض وطأة معاناة اليمنيين؛ تسهيلاً لاستئناف العملية السياسية

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

في خطوة أحادية أفرجت الجماعة الحوثية (الأحد) عن القائد العسكري اليمني المشمول بقرار مجلس الأمن 2216 فيصل رجب بعد ثماني سنوات من اعتقاله مع وزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي شمال مدينة عدن، التي كان الحوثيون يحاولون احتلالها. وفي حين رحب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ بالخطوة الحوثية الأحادية، قابلتها الحكومة اليمنية بالارتياب، متهمة الجماعة الانقلابية بمحاولة تحسين صورتها، ومحاولة الإيقاع بين الأطراف المناهضة للجماعة. ومع زعم الجماعة أن الإفراج عن اللواء فيصل رجب جاء مكرمة من زعيمها عبد الملك الحوثي، دعا المبعوث الأممي في تغريدة على «تويتر» جميع الأطراف للبناء على التقدم الذي تم إنجازه

علي ربيع (عدن)
العالم العربي أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

في مسكن متواضع في منطقة البساتين شرقي عدن العاصمة المؤقتة لليمن، تعيش الشابة الإثيوبية بيزا ووالدتها.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

فوجئ محمود ناجي حين ذهب لأحد متاجر الصرافة لتسلّم حوالة مالية برد الموظف بأن عليه تسلّمها بالريال اليمني؛ لأنهم لا يملكون سيولة نقدية بالعملة الأجنبية. لم يستوعب ما حصل إلا عندما طاف عبثاً على أربعة متاجر.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

يجزم خالد محسن صالح والبهجة تتسرب من صوته بأن هذا العام سيكون أفضل موسم زراعي، لأن البلاد وفقا للمزارع اليمني لم تشهد مثل هذه الأمطار الغزيرة والمتواصلة منذ سنين طويلة. لكن وعلى خلاف ذلك، فإنه مع دخول موسم هطول الأمطار على مختلف المحافظات في الفصل الثاني تزداد المخاطر التي تواجه النازحين في المخيمات وبخاصة في محافظتي مأرب وحجة وتعز؛ حيث تسببت الأمطار التي هطلت خلال الفصل الأول في مقتل 14 شخصا وإصابة 30 آخرين، كما تضرر ألف مسكن، وفقا لتقرير أصدرته جمعية الهلال الأحمر اليمني. ويقول صالح، وهو أحد سكان محافظة إب، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد بسبب الحرب فإن الهطول ال

محمد ناصر (عدن)

حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)

في ظل متغيرات سياسية وأمنية وعسكرية متسارعة، تواصل محافظة حضرموت ترسيخ حضورها في صدارة المشهد اليمني، مستندة إلى ما تحقق من استقرار أمني وتقدم في إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية، بالتوازي مع حضورها السياسي المتنامي في النقاشات المتعلقة بمستقبل الدولة وترتيبات المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أحيت السلطة المحلية في المحافظة، إلى جانب قيادة المنطقة العسكرية الثانية والأجهزة الأمنية، الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيم «القاعدة»، في فعالية رسمية حملت رسائل رمزية وميدانية بشأن تثبيت الأمن وتعزيز الجاهزية.

وتأتي هذه المناسبة في وقت تواصل فيه المنطقتان العسكريتان، الأولى والثانية، تنفيذ عملية دمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، بإشراف سعودي، في مسار يستهدف إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس أكثر انتظاماً ومهنية، واستكمال جهود تطبيع الأوضاع في مدن المحافظة عقب الأحداث التي شهدتها مطلع العام الحالي، بما يُعزز الاستقرار ويدعم حضور مؤسسات الدولة.

مناسبة تحرير ساحل حضرموت جاءت مع تصدر المحافظة المشهد اليمني (إعلام حكومي)

وفي إطار إحياء هذه الذكرى، وضع وكيل محافظة حضرموت حسن الجيلاني، ممثلاً عن عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي، ومعه قائد المنطقة العسكرية الثانية اللواء محمد اليميني، ومدير عام الأمن وشرطة ساحل حضرموت العميد عبد العزيز الجابري، إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في النصب التذكاري وساحة الشهداء بمدينة المكلا.

وأكد الجيلاني حرص قيادة السلطة المحلية على تخليد تضحيات الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً لحضرموت والوطن، مشيراً إلى أن تلك التضحيات ستظل محل فخر واعتزاز، بعدما سطّر أصحابها أروع ملاحم البطولة في مواجهة التنظيمات الإرهابية واستعادة مؤسسات الدولة.

وما لفت الانتباه خلال الفعالية ارتداء فرقة الموسيقى العسكرية زي قوات البادية الحضرمية التي تشكّلت قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في أواخر ستينات القرن الماضي، في خطوة رمزية هدفت إلى استحضار الإرث العسكري المحلي، وربط الحاضر بجذور تاريخية شكلت جزءاً من هوية حضرموت العسكرية والوطنية.

جاهزية قتالية

وشهدت حضرموت سلسلة من الفعاليات العسكرية والوطنية وفاءً لتضحيات مَن أسهموا في دحر الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار؛ حيث نظّم معسكر «قيادة لواء حضرموت» في مديرية دوعن عرضاً عسكرياً وحفلاً خطابياً بالمناسبة، تخلله الاحتفاء بتخرج دفعة جديدة من المشاركين في دورة تنشيطية، بحضور قائد اللواء العميد الركن سالم بن حسينون، ورئيس شعبة التدريب بقيادة المنطقة العسكرية الثانية العميد ناصر الذيباني.

وأكد بن حسينون ضرورة الحفاظ على الجاهزية القتالية في أعلى مستوياتها، مع الالتزام الصارم بالضبط والربط العسكري، مشيداً بصمود أفراد اللواء في مواجهة التحديات الأمنية خلال الأحداث الأخيرة، مشيراً إلى أن تلك التجارب أسهمت في تعزيز قدراتهم القتالية وخبراتهم الميدانية، ورفعت من مستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف السيناريوهات الأمنية والعسكرية.

فرقة الموسيقى العسكرية بالزي التراثي لجيش البادية الحضرمي (إعلام حكومي)

وشدّد على أن اللواء سيظل درعاً منيعة في مواجهة أي تهديدات، مؤكداً أن وعي المقاتلين وثباتهم أفشل مختلف الرهانات المعادية، وأن مواصلة برامج التدريب المكثف تُمثل ضرورة لتعزيز كفاءة الأفراد ورفع مستوى الجاهزية العامة للوحدات، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

من جانبه، أشاد رئيس شعبة التدريب بمستوى الأداء والانضباط الذي أظهره المشاركون في الدورة التنشيطية، معتبراً ذلك ثمرة مباشرة للجهود التدريبية المكثفة خلال المرحلة الأولى من العام التدريبي، ومؤكداً أن المنطقة العسكرية الثانية تواصل، بمختلف وحداتها، مسيرة التميز والانضباط بدعم متواصل من قيادتها، وبما يُرسخ الأمن والاستقرار في حضرموت.

كما استعرض ركن التدريب في اللواء النقيب محمد الميدعي مراحل الإعداد القتالي والمعنوي التي خضعت لها الدفعة المتخرجة، مؤكداً جاهزيتها للانخراط في مختلف المهام العسكرية، قبل أن تختتم الفعالية بعرض عسكري، استعرضت خلاله السرايا والوحدات المشاركة مهاراتها القتالية بانضباط عالٍ، ما عكس مستوى متقدماً من التدريب والاستعداد الميداني.

عرض بحري

في السياق نفسه، شهد خور مدينة المكلا عرضاً بحرياً لتشكيلات من قوة خفر السواحل ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى العاشرة لتحرير ساحل المحافظة من سيطرة تنظيم «القاعدة»، بحضور عدد من القيادات في السلطة المحلية والعسكرية والأمنية، إلى جانب حشد من السكان الذين تابعوا الاستعراض البحري الذي حمل بدوره رسائل واضحة بشأن تطور القدرات الأمنية في حماية الساحل.

واستعرضت زوارق الدوريات البحرية تشكيلات منتظمة عكست مستوى الجاهزية والانضباط العالي الذي تتمتع به قوة خفر السواحل، وقدرتها على تنفيذ المهام الأمنية في المياه الإقليمية بكفاءة واقتدار، إلى جانب تنفيذ مناورات بحرية متنوعة ضمن مجموعات، واستعراض الزوارق الخاصة والمجهزة التي تُستخدم في حماية الشريط الساحلي ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة.

تشكيلات خفر السواحل تستعرض قدراتها في سواحل المكلا (إعلام حكومي)

وأكد قائد قوة خفر السواحل بحضرموت، العقيد البحري عمر الصاعي، أن هذا العرض يُجسد ما وصلت إليه القوات من تطور ملحوظ في مجالات التدريب والتأهيل، بفضل الدعم والاهتمام الذي توليه القيادة السياسية والعسكرية، معتبراً أن تحرير ساحل حضرموت شكّل نقطة تحول مفصلية في تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ دعائم الدولة.

وأوضح أن قوات خفر السواحل تواصل أداء مهامها الوطنية بعزيمة عالية لحماية الشريط الساحلي، ومواجهة مختلف التحديات الأمنية، بما يُسهم في حفظ الأمن والاستقرار، ويُعزز قدرة الدولة على بسط حضورها في المجال البحري، في امتداد لجهود أوسع تشهدها حضرموت لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ نموذج أمني أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.


الأمن اليمني يعلن تفكيك خلية اغتيالات في عدن

جندي يمني يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية بالقرب من باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية بالقرب من باب المندب (رويترز)
TT

الأمن اليمني يعلن تفكيك خلية اغتيالات في عدن

جندي يمني يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية بالقرب من باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية بالقرب من باب المندب (رويترز)

أعلنت الأجهزة الأمنية اليمنية ضبط خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال، واستهداف السلم المجتمعي في العاصمة المؤقتة عدن، في عملية وصفت بأنها تأتي ضمن الجهود المتواصلة لتعزيز الأمن والاستقرار، وإحباط مخططات تخريبية تستهدف تقويض حالة الهدوء النسبي التي تشهدها المدينة.

ونقل الإعلام الرسمي عن مصدر أمني مسؤول قوله إن العملية جاءت بعد رصد ومتابعة دقيقة، وأسفرت عن القبض على عدد من العناصر المتورطة، وضبط مواد وأدلة مرتبطة بأنشطة الخلية وداعميها، مشيراً إلى أن التحقيقات الأولية كشفت عن مخططات لاستهداف شخصيات اجتماعية ودينية، في محاولة لإثارة الفوضى وزعزعة أمن العاصمة المؤقتة واستقرارها.

وأكد المصدر الأمني أن الأجهزة المختصة تواصل استكمال التحقيقات لكشف ملابسات القضية كافة، وتعقب بقية العناصر المرتبطة بهذه الخلية، تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات المختصة لينالوا جزاءهم وفقاً للقانون، مجدداً التأكيد على يقظة الأجهزة الأمنية وجاهزيتها للتعامل الحازم مع أي محاولات تستهدف الأمن العام والسكينة العامة.

جهود يمنية لحفظ ركائز الأمن في عدن وتعزيز قدرة الدولة على حماية مكتسباتها (إعلام حكومي)

وترجح المؤشرات الأولية - وفق المصدر - ارتباط هذه الخلية بعدد من الحوادث الإجرامية الأخيرة، من بينها حادثة اغتيال رجل الأعمال والقيادي في حزب «الإصلاح» الدكتور عبد الرحمن الشاعر، مؤكداً أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد المسؤوليات بصورة دقيقة، والكشف عن امتدادات الشبكة والجهات التي تقف خلفها.

إدانة حكومية

أدانت الحكومة اليمنية بأشد العبارات جريمة اغتيال الشاعر، ووصفتها بأنها تصعيد خطير يستهدف استقرار العاصمة المؤقتة عدن، ويأتي ضمن محاولات منظمة لإرباك المشهد الداخلي وتقويض ما تحقق من استقرار أمني خلال الفترة الماضية.

وقال وزير الإعلام معمر الإرياني، في تصريح رسمي إن استهداف أي مواطن أو شخصية سياسية يمثل مساساً مباشراً بمسؤولية الدولة تجاه جميع أبنائها دون استثناء، كما يمثل اعتداءً على سيادة القانون والنظام العام، ويهدد الثقة العامة بمؤسسات الدولة.

وأضاف أن هذه الجرائم تأتي في سياق محاولات ممنهجة لخلط الأوراق، عبر إعادة إنتاج الفوضى كأداة لفرض وقائع خارج إطار الدولة، بما يهدد السلم المجتمعي.

وحذّر الوزير اليمني من أن استهداف شخصية سياسية اليوم، أياً كانت، قد يفتح الباب أمام استهدافات أوسع تمس مختلف المكونات، وهو ما يستدعي موقفاً وطنياً جامعاً لمواجهة مثل هذه الممارسات.

معدل ضبط الجرائم

بالتوازي مع التطورات الأمنية في عدن، كشفت بيانات رسمية عن ارتفاع معدلات ضبط الجرائم في المناطق والمحافظات اليمنية المحررة خلال الفصل الأول من العام الحالي، في مؤشر يعكس تنامي فاعلية الأجهزة الأمنية، واتساع نطاق حضورها الميداني.

ووفق تقرير صادر عن الإدارة العامة للبحث الجنائي بوزارة الداخلية، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط 2721 جريمة وحادثة جنائية من أصل 3064 جريمة وحادثة مسجلة، بنسبة ضبط بلغت 88 في المائة، كما تمكنت من ضبط 2987 متهماً من أصل 3251 متهماً بارتكاب تلك الجرائم، بنسبة ضبط وصلت إلى 91 في المائة.

وأشار التقرير إلى أن عدد المجني عليهم في تلك الجرائم والحوادث بلغ 2291 شخصاً، بينهم 154 قتيلاً ومتوفى، من ضمنهم 16 امرأة، إضافة إلى 429 مصاباً، بينهم 41 امرأة، في أرقام تعكس استمرار التحديات الأمنية، لكنها تظهر في الوقت نفسه ارتفاع قدرة المؤسسات المختصة على المتابعة والضبط.

أنجزت السلطات اليمنية مرحلة متقدمة من دمج التشكيلات الأمنية (إعلام حكومي)

وبيّن التقرير أن 1990 جريمة وحادثة أُحيلت إلى النيابة العامة، فيما انتهت 455 قضية بالصلح وتنازل المجني عليهم، وأُوقفت الإجراءات في 81 قضية أخرى، بينما أُحيلت 97 قضية إلى جهات وأجهزة أخرى ذات اختصاص، في حين لا تزال 81 قضية قيد التحري والمتابعة، وسُجلت 200 جريمة ضد مجهول.

واستعرض التقرير اليمني التوزيع الجنائي للقضايا المسجلة، موضحاً أن الجرائم الواقعة على الأموال تصدرت القائمة بواقع 1284 جريمة، تلتها الجرائم الواقعة على الأشخاص والأسرة بعدد 1167 جريمة، إلى جانب 330 جريمة مخلة بالآداب العامة، و41 جريمة ذات خطر عام، و18 جريمة ماسة بالوظيفة العامة، و17 جريمة تزوير وتزييف، و9 جرائم ماسة بالاقتصاد القومي، و4 جرائم مخلة بسير العدالة، فضلاً عن 113 حادثة غير جنائية.

وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، سجلت حضرموت الساحل العدد الأعلى من الجرائم والحوادث بواقع 912 جريمة وحادثة، تلتها العاصمة المؤقتة عدن بـ518 جريمة، ثم لحج بـ361 جريمة، والضالع بـ323، وتعز بـ231، ومأرب بـ192، وأبين بـ142، فيما سجلت حضرموت الوادي والصحراء 107 جرائم، والمهرة 28 جريمة، وسقطرى 18 جريمة وحادثة.


هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».