محاولة إيجاد ترجمة «غوغل للحيوانات»

يستخدمها العلماء للتنصت على خفافيش الفاكهة والغربان والحيتان

اقترحت الخوارزميات أن مستعمرات فئران الخلد العارية لها لهجات مميزة (نيويورك تايمز)
اقترحت الخوارزميات أن مستعمرات فئران الخلد العارية لها لهجات مميزة (نيويورك تايمز)
TT

محاولة إيجاد ترجمة «غوغل للحيوانات»

اقترحت الخوارزميات أن مستعمرات فئران الخلد العارية لها لهجات مميزة (نيويورك تايمز)
اقترحت الخوارزميات أن مستعمرات فئران الخلد العارية لها لهجات مميزة (نيويورك تايمز)

قد لا يكون في جرذ الخلد العاري ما يدعو إلى النظر إليه، لكن لديه الكثير ليقوله. فالقوارض المجعدة والمشعرة التي تعيش في مستعمرات كبيرة تحت الأرض مثل النمل لديها مَلكة صوتية بديعة؛ فهم يصفرون، ويغرّدون، ويصدرون فحيحاً.
وعندما يلتقي زوج من الفئران الطائشة في نفق مظلم، فإنهما يتبادلان التحية المعتادة. قالت أليسون باركر، عالمة الأعصاب في «معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ في ألمانيا»، إنهم «يصدرون زقزقة ناعمة ويغردون وتجري بينهم محادثات صغيرة».
واكتشفت الدكتورة باركر وزملاؤها ثروة من المعلومات الاجتماعية مخبأة في تلك الحوارات اليومية عندما استخدموا خوارزميات التعلم الآلي لتحليل 36000 صرير ناعم مسجل في سبع مستعمرات لجرذان الخلد.
لم يكن لكل جرذ بصمة صوتية خاصة به فحسب، بل كان لكل مستعمرة لهجتها المميزة الخاصة بها، التي جرى تناقلها ثقافياً عبر الأجيال. فخلال أوقات عدم الاستقرار الاجتماعي - كما في الأسابيع التي أعقبت خلع ملكة المستعمرة بالقوة - تفككت تلك اللهجات المستخدمة. وعندما استهلت ملكة جديدة حكمها، ظهرت لهجة جديدة بدأت في الترسخ.
قالت الدكتور باركر، التي تدرس الآن العديد من الأصوات الأخرى التي تصدرها القوارض: «اتضح أن مكالمة الترحيب، التي اعتقدت أنها ستكون بسيطة جداً، معقدة بدرجة كبيرة. فقد أحدث التعلم الآلي نوعاً من التغيير في بحثي».
تفوقت أنظمة التعلم الآلي التي تستخدم الخوارزميات لاكتشاف الأنماط في مجموعات كبيرة من البيانات في تحليل اللغة البشرية، ما أدى إلى ظهور تقنيات مساعَدة صوتية تتعرف على الكلام، وأيضاً برامج نسخ تتولى تحويل الكلام إلى نص وأدوات رقمية تترجم لغات البشر.
في السنوات الأخيرة، بدأ العلماء في نشر هذه التقنية لفك تشفير الاتصالات الحيوانية باستخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحديد متى تتعرض الفئران للتوتر أو ما هو سبب صراخ خفافيش الفاكهة. وهناك عدة مشروعات أكثر طموحاً قيد التنفيذ لعمل كتالوج شامل لمحادثات الغربان، ورسم خريطة لحديث حيتان العنبر وعمل تقنيات تسمح للبشر بالرد.
في هذا السياق، دعت ديانا ريس، الخبيرة في التعرف على الدلافين والتواصل في «كلية هانتر» والمؤسس المشارك لمؤسسة ««Interspecies Internet، المعنية بتسهيل التواصل مع مختلف المخلوقات، إلى محاولة إيجاد ترجمة «غوغل للحيوانات».
البشر حديثو العهد بهذا المجال، والعديد من المشروعات لا تزال في مهدها. والبشرية ليست على وشك الحصول على حجر رشيد لفك شفرات أغاني الحيتان أو فهم لغة التواصل بين القطط. لكن العمل جارٍ لكشف أن التواصل مع الحيوانات أكثر تعقيداً بكثير مما يبدو للأذن البشرية، وأن الثرثرة تقدم رؤية أكثر ثراء للعالم خارج جنسنا البشري.
في السياق ذاته، قال توم موستيل، صانع أفلام الحياة البرية والعلوم ومؤلف كتاب «كيف يتحدث الحوت» الذي سيطرح قريباً، إن هذا المسعى «يشبه اختراع التلسكوب - أداة جديدة تسمح لنا برؤية ما كان موجوداً بالفعل ولكننا لم نتمكن من رؤيته من قبل».
تنصت متقدم
إن دراسات التواصل مع الحيوانات ليست بالجديدة، لكن خوارزميات التعلم الآلي يمكن أن تكتشف الأنماط الدقيقة التي قد لا يدركها المستمعون من البشر. على سبيل المثال، أظهر العلماء أن هذه البرامج يمكنها تمييز أصوات الحيوانات الفردية، والتمييز بين الأصوات التي تصدرها الحيوانات في ظروف مختلفة، وتقسم نطقها إلى أجزاء أصغر، وهي خطوة مهمة لفك الرموز، بحسب دان ستويل، الخبير في الاستماع الآلي في جامعة تيلبورغ و«مركز ناتشورالز للتنوع البيولوجي» في هولندا.
قبل سنوات، استخدم الباحثون في جامعة واشنطن التعلم الآلي لتطوير برنامج يسمى «DeepSqueak»، يمكنه تلقائياً اكتشاف وتحليل وتصنيف الموجات فوق الصوتية. ويمكن للتعليم الآلي أيضاً التمييز بين المكالمات المعقدة التي تشبه الأغنية التي تصدرها الحيوانات عندما تشعر بالرضا وبين المكالمات الطويلة والمسطحة التي تصدرها عندما لا تكون كذلك. وقد عبّر كيفن كوفي، عالم الأعصاب السلوكي بجامعة واشنطن، الذي كان جزءاً من الفريق الذي طور البرنامج، عن ذلك «يمكنك الحصول على فكرة شخصية مباشرة من فم الحيوان عن شعوره».
تم تغيير الغرض من برنامج «DeepSqueak» ليتعامل مع أنواع أخرى، بما في ذلك الليمور والحيتان، فيما طوّرت فرق أخرى أنظمتها الخاصة للكشف تلقائياً عندما يكون الدجاج أو الخنازير في محنة من خلال أصواتها.

فك التشفير
يتطلب فك تشفير معنى حديث الحيوانات أيضاً كميات كبيرة من البيانات حول السياق المحيط بكل صرير ونعيق. ولمعرفة المزيد عن أصوات خفافيش الفاكهة المصرية، استخدم الباحثون كاميرات فيديو وميكروفونات لتسجيل مجموعات من الحيوانات لمدة 75 يوماً ثم راجعوا التسجيلات، ولاحظوا بشق الأنفس العديد من التفاصيل المهمة، مثل أي خفاش كان ينطق وفي أي سياق، وتضمن كل تسجيل 15000 حديث.
الخفافيش مخلوقات داجنة تتشاجر في كثير من الأحيان في مستعمراتها المزدحمة، والغالبية العظمى من أصواتها عدوانية. وفي هذا المعنى، قال يوسي يوفيل، اختصاصي أمراض الأعصاب الذي قاد البحث: «تراها تدفع بعضها بعضا. تخيل ملعباً كبيراً ويريد الجميع العثور على مقعد».
لكن نظام التعلم الآلي يمكن أن يميز بدقة 61 في المائة بين المحادثات العدوانية التي تجري في أربعة سياقات مختلفة، لتحديد ما إذا كانت محادثة معينة قد صدرت أثناء قتال على الطعام أو التزاوج أو الجلوس أو النوم. وأشار الدكتور يوفيل إلى أن هذا العمل البحثي ليس بالأداء المثالي، لكنه أفضل بكثير من نسبة دقة 25 في المائة المرتبطة بالتخمين العشوائي البعيد عن الدراسة.
وبمستويات أكبر من التخمين، تفاجأ الدكتور يوفيل باكتشافه أن البرنامج يمكنه أيضاً تحديد أي خفاش كان الطرف المتلقي للتوبيخ. وسجل الباحثون في بحثهم لعام 2016 أن «هذا يعني أن الخفاش المتنصت قادر نظرياً، إلى حد ما، على تحديد ما إذا كان الفرد (أ) يخاطب الفرد (ب) أو الفرد (ج)».
ورغم أن الفكرة لا تزال غير مثبتة، فقد تختلف الخفافيش في نطقها اعتماداً على علاقتها بالجاني ومعرفته به، بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الناس نغمات مختلفة عند مخاطبة جماهير مختلفة.
استطرد الدكتور يوفيل قائلاً: «إنها مستعمرة، وهي اجتماعية للغاية، وتعرف بعضها بعضاً. ربما عندما أصرخ في وجهك من أجل الطعام، فإن الأمر يختلف عما يحدث عندما أصرخ في وجه شخص آخر من أجل الطعام. لذا فإن نفس الحديث سينطوي على فروق دقيقة مختلفة قليلاً، التي تمكننا من اكتشافها باستخدام التعلم الآلي».
ومع ذلك، فإن اكتشاف الأنماط ليس إلا البداية، حيث يحتاج العلماء بعد ذلك إلى تحديد ما إذا كانت الخوارزميات قد كشفت عن شيء ذي مغزى عن سلوك الحيوان في العالم الحقيقي.
وأضاف الدكتور ستويل قائلاً: «عليك أن تكون حريصاً جداً على تجنب اكتشاف الأنماط غير الحقيقية». فبعد أن اقترحت الخوارزميات أن مستعمرات فئران الخلد العارية لها لهجات مميزة، فقد أكدت الدكتورة باركر وزملاؤها أن القوارض كانت تستجيب للزقزقة الناعمة الصادرة عن أفراد في نفس مستعمراتها أكثر من استجابتها للقوارض في مستعمرات أجنبية قد لا تفهم لغتها. ولاستبعاد احتمال أن فئران الخلد العارية كانت تستجيب ببساطة للأصوات الفردية التي أدركوها، كرر الباحثون التجربة باستخدام زقزقات اصطناعية ناعمة قاموا بتوليدها لتتناسب مع لهجة مستعمرة الفئران.
اختتم مايكل برونستين، خبير التعلم الآلي في أكسفورد المشارك في المشروع، قائلاً: «كعالم، ربما يكون هذا هو المشروع الأكثر جنوناً الذي شاركت فيه على الإطلاق».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

يوميات الشرق «بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

ما حكاية القرد «بانش» الذي يشكّل ظاهرة تغزو وسائل التواصل؟ وكيف تحوّلت حيوانات صغيرة إلى نجوم بسبب قصصها المؤثّرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق هيكل عظمي لحيوان الماموث في معرض (بيكسلز)

من الماموث إلى طائر الدودو... توجه عالمي لإحياء الحيوانات المنقرضة بالتكنولوجيا

كشفت جلسة في القمة العالمية للحكومات المنعقدة في دبي عن أن هناك توجهاً لإعادة إحياء بعض الأنواع الحيوانية المنقرضة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
يوميات الشرق حياة جديدة تتعثَّر في خطواتها الأولى (حديقة حيوان سميثسونيان)

ضيف غير متوقَّع في واشنطن بعد غياب 25 عاماً

وصف مسؤولو الحديقة الولادة بأنها حدث نادر ومبهج، ليس فقط بالنسبة إلى الحديقة الوطنية، وإنما بالنسبة إلى حماية الأفيال الآسيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق حيوانات غريبة وغير أليفة على أكتاف المشاهير وفي غرف نومهم

حيوانات غريبة وغير أليفة على أكتاف المشاهير وفي غرف نومهم

غرائب المشاهير تطول حيواناتهم غير الأليفة ولا المألوفة؛ الأمر لا يقتصر على أفعى أو قرد، بل يشمل أسداً وأخطبوطاً وبومة وخنازير وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق سلوكها يكشف عن عالم أوسع مما نراه عادةً (إنستغرام)

بقرة تُفاجئ العلماء وتُعيد التفكير في ذكاء الماشية

بدأ العلماء إعادة تقييم قدرات الماشية بعد اكتشاف بقرة نمساوية تُدعى «فيرونيكا»، تبيّن أنها تستخدم الأدوات بمهارة مثيرة للإعجاب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شيفيلد وينزداي يحقق رقماً قياسياً سلبياً بهبوطه للدرجة الثالثة

شيفيلد وينزداي تأكد هبوطه للدرجة الثالثة (نادي شيفيلد وينزداي)
شيفيلد وينزداي تأكد هبوطه للدرجة الثالثة (نادي شيفيلد وينزداي)
TT

شيفيلد وينزداي يحقق رقماً قياسياً سلبياً بهبوطه للدرجة الثالثة

شيفيلد وينزداي تأكد هبوطه للدرجة الثالثة (نادي شيفيلد وينزداي)
شيفيلد وينزداي تأكد هبوطه للدرجة الثالثة (نادي شيفيلد وينزداي)

أصبح شيفيلد وينزداي، الذي خُصمت منه 18 نقطة بسبب مخالفات مالية، أول فريق في تاريخ رابطة الدوري الإنجليزي لكرة القدم يهبط في مثل هذا الوقت المبكر من الموسم، بعدما تأكدت مشاركته في الدرجة الثالثة في الموسم المقبل بخسارته 2 - 1 أمام شيفيلد يونايتد الأحد.

وبعدما غابت عنه الانتصارات منذ سبتمبر (أيلول) الماضي وسلسلة من 11 هزيمة متتالية في جميع المسابقات، وصل رصيد وينزداي إلى سالب 7 نقاط بفارق 41 نقطة عن منطقة النجاة في الدرجة الثانية.

ومع تبقي 13 مباراة فقط في الموسم، لم يعد بإمكان وينزداي الهروب من الهبوط إلى دوري الدرجة الثالثة.

وتأخر وينزداي 2 - صفر في الشوط الأول من قمة مدينة شيفيلد وحاول العودة في النتيجة أمام يونايتد الذي لعب بعشرة لاعبين. وقلص تشارلي مكنيل الفارق في الدقيقة 53. وبدأ النادي، الذي تأسس منذ 158 عاماً، إجراءات إشهار إفلاسه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو معروض للبيع حالياً.


إدارة ترمب تستعدّ لإعادة دراسة وثائق لاجئين قانونيين في أميركا

متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

إدارة ترمب تستعدّ لإعادة دراسة وثائق لاجئين قانونيين في أميركا

متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

منحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دوائر الهجرة والجمارك صلاحيات موسعة لاحتجاز اللاجئين، بمن فيهم المقيمون القانونيون الذين ينتظرون الحصول على البطاقة الخضراء، المعروفة باسم «غرين كارد»، لضمان «إعادة فحص» ملفاتهم، في خطوة إضافية للحدّ من الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وأعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، في مذكرة مؤرخة 18 فبراير (شباط) الماضي، ومقدمة من محامي الوزارة إلى محكمة فيدرالية، أن إدارة الهجرة والجمارك مُكلّفة باحتجاز اللاجئين الذين دخلوا الولايات المتحدة بشكل قانوني، ولكنهم لم يحصلوا رسمياً بعد على «البطاقة الخضراء» (غرين كارد). وهؤلاء لاجئون مُنحوا ملاذاً آمناً في الولايات المتحدة بعدما ثبت أنهم فرّوا من الاضطهاد في بلدانهم الأصلية بسبب عرقهم أو دينهم أو جنسيتهم أو آرائهم السياسية أو انتمائهم إلى فئة اجتماعية معينة.

مقرات احتجاز حكومية

تاريخياً، أعادت الولايات المتحدة توطين عشرات الآلاف من اللاجئين سنوياً، ويخضع معظمهم لعملية تدقيق تستمر سنوات في مخيمات اللاجئين في الخارج، قبل وصولهم إلى الأراضي الأميركية. لكن إدارة ترمب أوقفت فعلياً برنامج اللاجئين هذا، مع استثناءات محدودة لبعض الفئات، بما في ذلك الأفريقيون البيض، المعروفون باسم «الأفريكان»، الذين ادعى ​​مسؤولون في الإدارة أنهم يفرون من الاضطهاد العنصري في جنوب أفريقيا لأنهم بيض.

وبموجب القانون الأميركي، يجب على اللاجئين التقدم بطلب للحصول على وضع المقيم الدائم القانوني «غرين كارد» بعد عام من وصولهم إلى البلاد. وتسمح المذكّرة الجديدة لسلطات الهجرة باحتجاز الأفراد طوال مدة عملية ‌إعادة التدقيق.

وتشدد المذكرة الحكومية على وجوب أن يعود اللاجئون إلى مقرات احتجاز حكومية من أجل «الفحص والتدقيق» بعد عام من دخولهم إلى الولايات المتحدة، مضيفة ‌أن «هذا الشرط القائم على الاحتجاز ‌والتفتيش يضمن إعادة التدقيق في ملفات اللاجئين بعد مرور عام واحد، ويوائم إجراءات التدقيق بعد قبول الدخول مع تلك المطبقة على متقدمين آخرين للقبول، ويعزز السلامة العامة».

وتمثل السياسة الجديدة ‌تحولاً عن المذكرة السابقة الصادرة عام 2010، التي نصّت على ‌أن عدم الحصول على صفة المقيم الدائم بصورة قانونية ‌ليس «سبباً» للترحيل من البلاد، وليس «سبباً كافياً» للاحتجاز.

ومن خلال المذكرة الجديدة، تدّعي إدارة ترمب أن اللاجئين الذين لم يصبحوا مقيمين دائمين في الولايات المتحدة بعد عام من وصولهم إلى البلاد يجب أن يعودوا إلى عهدة الحكومة لإعادة النظر في قضاياهم وفحصها. وصدر التوجيه من مدير إدارة الهجرة والجمارك بالإنابة، تود ليونز، ومدير خدمات المواطنة والهجرة الأميركية، جوزيف إدلو، الذي يشرف على عملية منح «غرين كارد».

عمليات ترحيل!

تنص المذكرة على أن هؤلاء اللاجئين يمكنهم العودة إلى عهدة الحكومة طوعاً من خلال الحضور لإجراء مقابلة في مكتب الهجرة. ولكن إذا لم يفعلوا، تنص المذكرة على أنه يجب على إدارة الهجرة والجمارك العثور عليهم واعتقالهم واحتجازهم.

وجاء في المذكرة أنه «يتعين على وزارة الأمن الداخلي اعتبار مرور عام واحد بمثابة نقطة إعادة تدقيق إلزامية لجميع اللاجئين الذين لم يُعيدوا وضعهم إلى الإقامة الدائمة القانونية، وذلك لضمان إما تحديد موعد لعودتهم إلى الحجز للتفتيش، أو في حال عدم امتثالهم، إعادتهم إلى الحجز من خلال إجراءات إنفاذ القانون».

ويمنح هذا التوجيه إدارة الهجرة والجمارك (آيس) صلاحية «الاحتفاظ بحجز» هؤلاء اللاجئين «طوال فترة التفتيش والفحص». وأوضح المسؤولون أن هذا الفحص يهدف إلى تحديد ما إذا كان اللاجئون حصلوا على وضعهم كلاجئين عن طريق الاحتيال، أو ما إذا كانوا يشكلون تهديداً للأمن القومي أو السلامة العامة، بسبب صلات محتملة بالإرهاب أو سجلات جنائية خطيرة.

وتُشير المذكرة إلى أنه يجوز تجريد اللاجئين الذين يثيرون الشكوك خلال هذا الفحص من وضعهم القانوني، واتخاذ إجراءات ترحيلهم.

ورداً على سؤال حول هذا التغيير في السياسة، قال ناطق باسم دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأميركية إن إدارة ترمب «تنفذ القانون كما أقره الكونغرس»، مضيفاً أن «البديل هو السماح للمهاجرين الفارين بالتجول بحرية في بلادنا دون أي رقابة. نرفض السماح بحدوث ذلك».

وبذلك، اتخذت إدارة ترمب خطوات غير مسبوقة لإعادة فتح ملفات اللجوء وإعادة النظر في قضايا الأشخاص الذين مُنحوا سابقاً وضعاً قانونياً في الولايات المتحدة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وجّهت الإدارة مسؤولي الهجرة لمراجعة ملفات اللاجئين الذين جرى قبولهم في عهد الرئيس السابق جو بايدن، مع إمكان إعادة استجوابهم في بعض الحالات لتحديد ما إذا كانوا يستوفون التعريف القانوني للاجئ.

الحقوقيون يعترضون

في أواخر العام الماضي، أطلقت إدارة ترمب ما يسمى «عملية باريس» لإعادة النظر في قضايا آلاف اللاجئين في مينيسوتا. وتزامن هذا الإجراء مع نشر آلاف من عملاء الهجرة الفيدراليين في منطقة مينيابوليس. وأفاد محامون عن حالات نُقل فيها لاجئون محتجزون في مينيسوتا جواً إلى تكساس لاحتجازهم واستجوابهم هناك، قبل أن يوقف قاضٍ فيدرالي العملية.

وأثار هذا القرار انتقادات من جماعات الدفاع ‌عن اللاجئين. وقال رئيس منظمة «أفغان إيفاك»، شون فاندايفر، إن التوجيه «تراجع متهور عن سياسة راسخة منذ زمن طويل»، مضيفاً أنه «ينقض الثقة مع أشخاص قبلتهم الولايات المتحدة قانوناً ووعدتهم بالحماية».

كذلك، أفادت رئيسة منظمة «هياس»، بيث أوبنهايم، أن «هذه السياسة محاولة مكشوفة لاحتجاز آلاف الأشخاص الموجودين بشكل قانوني في هذا البلد، وربما ترحيلهم، وهم أشخاص رحّبت بهم الحكومة الأميركية نفسها بعد سنوات من التدقيق الحازم».

وفي عهد ترمب، بلغ عدد المحتجزين لدى وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك هذا الشهر نحو 68 ألف شخص، بزيادة تقارب 75 في المائة، مقارنة بوقت توليه المنصب العام الماضي.


تعديل وزاري مرتقب بليبيا عقب عودة الدبيبة من رحلة علاج

صورة من فيديو بثه نجل الدبيبة لتجوله في ميلانو الإيطالية 21 فبراير
صورة من فيديو بثه نجل الدبيبة لتجوله في ميلانو الإيطالية 21 فبراير
TT

تعديل وزاري مرتقب بليبيا عقب عودة الدبيبة من رحلة علاج

صورة من فيديو بثه نجل الدبيبة لتجوله في ميلانو الإيطالية 21 فبراير
صورة من فيديو بثه نجل الدبيبة لتجوله في ميلانو الإيطالية 21 فبراير

يسود الترقب العاصمة الليبية طرابلس لعودة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، بعدما خضع لفحوصات طبية في مدينة ميلانو الإيطالية، وهي الوعكة التي تسببت في إرجاء الإعلان عن تعديل وزاري مرتقب للمرة الثالثة على التوالي.

ونشر محمد الدبيبة، نجل رئيس الحكومة، مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي مساء السبت، يظهر فيه والده وهو يتجول في شوارع ميلانو. وهدفت هذه الخطوة الإعلامية إلى التأكيد أن الدبيبة «بصحة جيدة» ولم يخضع لأي تدخل جراحي، بل اكتفى بإجراء فحوصات طبية روتينية ومتابعة دقيقة لحالته.

وحسب مراقبين، تتجاوز لقطات تجول الدبيبة في ميلانو السبت كونها مجرد «طمأنة طبية»؛ فهي تحمل رسالة سياسية موجهة للداخل الليبي، مفادها أن رئيس الحكومة لا يزال يمسك بزمام الأمور، ولم يغادر المشهد كما روجت بعض الحسابات المعارضة.

وكان من المتوقع أن يعود الدبيبة إلى طرابلس الأحد لاستئناف مهامه، حيث يواجه ضغوطاً سياسية كبيرة لإتمام التعديل الوزاري الذي يهدف، حسب مقربين منه، إلى تعزيز قبضة الحكومة في ظل التجاذبات الأمنية والسياسية التي تشهدها البلاد، وآخرها التوترات في مدينة مصراتة.

وأفادت وسائل إعلام محلية ومصادر مطلعة بأن الدبيبة كان يعتزم عقد اجتماع لمجلس وزراء حكومته، الأحد، بمقر حكومة الوحدة في طريق السكة بالعاصمة، للإفصاح عن تفاصيل التعديل الحكومي الجديد، إلا أن الأزمة الصحية الأخيرة، التي استلزمت نقله إلى إيطاليا بشكل مفاجئ، أدت إلى تجميد المشهد السياسي مؤقتاً.

ويشير تكرار تأجيل التعديل الوزاري للمرة الثالثة إلى عمق التحديات التي تواجه الدبيبة؛ بين صراعات النفوذ بين المجموعات المسلحة في الغرب، والضغوط الدولية لتوحيد المؤسسات.

ويأتي التعديل الوزاري المرتقب كـ«ورقة أخيرة» لمحاولة إعادة ترتيب البيت الداخلي. ومع ذلك، فإن «وعكة ميلانو» قد تمنح الدبيبة وقتاً إضافياً للتفاوض مع القوى الميدانية قبل الإعلان الرسمي عن أسماء الوزراء الجدد.

إلى ذلك، وفي تطور أمني جديد يعكس التوترات المستمرة داخل مدينة مصراتة بالغرب الليبي، أصدر قادة ما يُعرف بـ«كتائب وسرايا ثوار مصراتة» بياناً أدانوا فيه القبض على العقيد ميلاد الصويعي، «آمر فرع جهاز المخابرات» في المدينة، وعدد من رفاقه، من قبل مجموعات مسلحة تابعة لعبد السلام زوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس.

كما أدان البيان مشاركة عناصر من «مهجري بنغازي» في الهجوم على مقر المخابرات بمصراتة إلى جانب قوات زوبي، واصفاً العمل بأنه «إرهابي» يهدف إلى زعزعة استقرار المدينة. كما شدّد البيان على رفض الدفاع عن أي منضمين إلى «الجماعات الإرهابية»، مع التأكيد على الدعم الكامل للمؤسسات الشرعية داخل مصراتة.

وفي السياق ذاته، شارك عدد من المحتجين في وقفة احتجاجية سلمية أمام بلدية مصراتة، مطالبين رئيس الحكومة في طرابلس بإصدار قرار يقضي بتخصيص مقر المخابرات لصالح المنطقة العسكرية الوسطى، وإدخاله تحت سلطة وزارة الدفاع مباشرة.

يأتي هذا التصعيد على خلفية احتجاز ميلاد الصويعي بعد تورطه المزعوم في قضية القبض على أبريك مازق، القيادي السابق في «مجلس شورى ثوار أجدابيا» المصنف إرهابياً، والمتهم بالمشاركة في هجوم بنغازي على القنصلية الأميركية عام 2012.

وأدت هذه التطورات إلى سيطرة قوات تابعة للمنطقة العسكرية الوسطى على مقر جهاز المخابرات في مصراتة، مما أثار توتراً أمنياً ومظاهرات محلية رافضة للفوضى، وسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المسلحة المتنافسة في غرب ليبيا.

الباعور مع سفير الصين الجديد في طرابلس 22 فبراير (خارجية الوحدة)

من جانب آخر، قال الطاهر الباعور، وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة»، إنه تسلم من ما شيوي ليانغ، سفير الصين الجديد، نسخة من أوراق اعتماده، تمهيداً لبدء مهامه الرسمية، مؤكداً حرص ليبيا على تطوير مستوى الشراكة الاستراتيجية في المجالات كافة. ونُقل عن ما شيوي إعرابه عن امتنان بلاده للتسهيلات التي قدمتها حكومة الوحدة ووزارة الخارجية، والتي أسهمت في استئناف عمل سفارة الصين في طرابلس.