أين تذهب الأموال في عالم مرتبك؟

أين تذهب الأموال في عالم مرتبك؟
TT

أين تذهب الأموال في عالم مرتبك؟

أين تذهب الأموال في عالم مرتبك؟

قال المحللون الاقتصاديون في بنك «أوف أميركا كورب»، إن المستثمرين يستعدون لمواجهة صدمة الركود الاقتصادي بتسريع وتيرة الانسحاب من سوق الأسهم بعد تحذيرات مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) من أنه لن يتراجع بسهولة في معركته ضد التضخم، وهو ما يعني مواصلة زيادة أسعار الفائدة.
وحسب بيانات مؤسسة «إي بي إف آر غلوبال» للبيانات المالية، فإن أسواق الأسهم العالمية سجلت خروج أموال تفوق الأموال التي تدفقت إلى السوق بقيمة 9.4 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي يوم 31 أغسطس (آب) الماضي، وهو رابع أكبر خروج للأموال من سوق الأسهم خلال العام الحالي. وسجلت سوق الأسهم الأميركية أكبر موجة خروج للأموال خلال 10 أسابيع، حيث وصل صافي الأموال الخارجة من السوق خلال الأسبوع الماضي إلى 4.2 مليار دولار.
وقال محللو «بنك أوف أميركا»، بقيادة ميشيل هارتنت، في تقرير، إنهم يتوقعون «صدمة تضخم سريع وصدمة ركود بطيء»، في ظل استمرار النمو الاقتصادي، مدعوماً بارتفاع أسعار المستهلك وحزم التحفيز المالي والمدخرات الكبيرة للمستهلكين وتأثيرات الحرب في أوكرانيا.
وتعثرت سوق الأسهم الأميركية في أعقاب تصريحات جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الجمعة الماضي، التي قال فيها إن المجلس لن يبطئ وتيرة زيادة أسعار الفائدة في ظل معدل التضخم المرتفع، وهو ما أدى لفقدان مؤشر «إس آند بي 500»، الأوسع نطاقاً، للأسهم الأميركية، حوالي تريليوني دولار من القيمة السوقية للشركات المدرجة عليه خلال الأيام الخمسة الماضية، وخسارة نحو نصف مكاسبه التي حققها أثناء فترة صعود الأسهم خلال الصيف الحالي.
ومن بين العلامات السلبية، أظهر تقرير اقتصادي نشر الخميس استمرار مؤشر نشاط قطاع التصنيع في الولايات المتحدة خلال أغسطس الماضي عند أقل مستوياته منذ عامين.
وذكر معهد إدارة الإمدادات الأميركي أن مؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع سجل خلال أغسطس الماضي 52.8 نقطة، نفس مستواه في يوليو (تموز) الماضي، وهو أقل مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2020 عندما سجل 52.4 نقطة. وكان المحللون الذين استطلعت «بلومبرغ» آراءهم يتوقعون تراجع المؤشر إلى 51.9 نقطة خلال الشهر الماضي.
جاء استقرار المؤشر الرئيسي لقطاع التصنيع، في الوقت الذي ارتفع فيه المؤشر الفرعي للطلبيات الجديدة إلى 51.3 نقطة خلال الشهر الماضي، مقابل 48 نقطة خلال يوليو. وتراجع مؤشر الإنتاج إلى 50.4 نقطة، مقابل 53.5 نقطة خلال الفترة نفسها.
في الوقت نفسه ارتفع مؤشر التوظيف في القطاع إلى 54.2 نقطة خلال الشهر الماضي، مقابل 49.9 نقطة خلال الشهر السابق، وهو ما يشير إلى عودة الوظائف في القطاع إلى النمو بعد ثلاثة أشهر من الانكماش. وقال تيموثي فيور رئيس لجنة مسوح شركات التصنيع في معهد إدارة الإمدادات، إن «المزاج ما زال متفائلاً بشأن الطلب، حيث جاءت خمسة ردود إيجابية مقابل كل رد حذر» على الأسئلة بشأن توقعات الطلب لدى قطاع التصنيع. كما استمر أعضاء اللجنة في التعبير عن قلقهم بشأن تباطؤ الاقتصاد الأميركي ككل.
وفي مقابل المخاوف من الحركة شديدة السرعة للفيدرالي، أظهر مسح اقتصادي شمل عدداً من الخبراء أن البنك المركزي الأوروبي ما زال متأخراً في الحركة للحد من زيادة معدل التضخم في منطقة اليورو، وعليه التحرك بقوة أكبر ووتيرة أسرع مما كان يعتقد من قبل للسيطرة على الأسعار.
وذكرت وكالة «بلومبرغ» أنه على الرغم من قرار البنك المركزي الأوروبي في يوليو الماضي زيادة سعر الفائدة بأكثر من التوقعات، قال نحو ثلثي المحللين الذين شملهم المسح، إن مسؤولي البنك يتحركون ببطء شديد في مواجهة التضخم الذي وصل إلى 9.1 في المائة.
ويتوقع الخبراء زيادة الفائدة الأوروبية مجدداً بمقدار 75 نقطة أساس خلال اجتماع مجلس المحافظين يوم 8 سبتمبر (أيلول) الحالي. كما يرى المحللون أن ينصب تركيز البنك المركزي الأوروبي على وقف ارتفاع الأسعار أكثر من التركيز على قطع الطريق على الركود الاقتصادي في منطقة العملة الأوروبية الموحدة التي تضم 19 دولة من دول الاتحاد الأوروبي.
وتتوقع أغلب الأسواق المالية أيضاً زيادة الفائدة الأوروبية بمقدار 75 نقطة أساس خلال الأسبوع المقبل، على غرار ما فعله مجلس الفيدرالي الأميركي الذي رفع سعر الفائدة بمعدلات كبيرة خلال الشهور الأخيرة.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

الاقتصاد زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

أعلنت السفارة الأميركية في طوكيو، الأحد، عن تحديد موعد انعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طوكيو)
الاقتصاد ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

أسدل الستار على «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي» بصدور وثيقة تاريخية حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام محل صرافة مزين بلوحات من الفينيل عليها صور أوراق نقدية من فئة الدولار في سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)

ارتفاع الدولار مع فرملة الاحتياطي الفيدرالي لتوقعات خفض الفائدة

ارتفع الدولار يوم الخميس من أدنى مستوياته الأخيرة، بعد أن أظهر محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي أن صنّاع السياسة لا يبدون عجلة في خفض الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)

حثَّ الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، على معاملة جميع الدول على قدم المساواة، وذلك بعد أن فرض الرئيس الأميركي تعريفةً جمركيةً بنسبة 15 في المائة على الواردات عقب قرار غير مواتٍ من المحكمة العليا.

وقال لولا للصحافيين في نيودلهي: «أريد أن أقول للرئيس الأميركي دونالد ترمب إننا لا نريد حرباً باردة جديدة. لا نريد تدخلاً في شؤون أي دولة أخرى، نريد أن تُعامل جميع الدول على قدم المساواة».

وقد قضت المحكمة العليا، ذات الأغلبية المحافظة، يوم الجمعة، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، بأن قانوناً صدر عام 1977، استند إليه ترمب لفرض رسوم جمركية مفاجئة على دول بعينها؛ مما أدى إلى اضطراب التجارة العالمية، «لا يُخوّل الرئيس فرض تعريفات جمركية».

وأضاف لولا أنه لا يرغب في التعليق على قرارات المحكمة العليا لدولة أخرى، لكنه أعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات البرازيلية مع الولايات المتحدة إلى طبيعتها» قريباً.

ومن المتوقع أن يسافر الزعيم اليساري المخضرم إلى واشنطن الشهر المقبل للقاء ترمب.

وقال لولا، البالغ من العمر 80 عاماً: «أنا على يقين بأن العلاقات البرازيلية - الأميركية ستعود إلى طبيعتها بعد محادثاتنا»، مضيفاً أن البرازيل لا ترغب إلا في «العيش بسلام، وتوفير فرص العمل، وتحسين حياة شعبنا».

يختلف لولا وترمب، البالغ من العمر 79 عاماً، اختلافاً جذرياً في وجهات النظر حول قضايا مثل التعددية، والتجارة الدولية، ومكافحة تغير المناخ.

ومع ذلك، يبدو أن العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة في طريقها إلى التحسُّن بعد أشهر من التوتر بين واشنطن وبرازيليا.

ونتيجة لذلك، أعفت إدارة ترمب صادرات برازيلية رئيسية من الرسوم الجمركية البالغة 40 في المائة التي فُرضت على الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية العام الماضي.

تقارب

وقال لولا، الذي وصل إلى الهند يوم الأربعاء لحضور قمة حول الذكاء الاصطناعي ولقاء ثنائي مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي: «العالم لا يحتاج إلى مزيد من الاضطرابات، بل يحتاج إلى السلام».

تدهورت العلاقات بين واشنطن وبرازيليا في الأشهر الأخيرة، حيث أثارت غضب ترمب محاكمةُ وإدانةُ حليفه، الرئيس البرازيلي السابق اليميني المتطرف جايير بولسونارو.

وفرض ترمب عقوبات على عدد من كبار المسؤولين، من بينهم قاضٍ في المحكمة العليا، لمعاقبة البرازيل على ما وصفها بـ«حملة اضطهاد» ضد بولسونارو الذي حُكم عليه بالسجن 27 عاماً لدوره في محاولة انقلاب فاشلة بعد خسارته انتخابات عام 2022 أمام لولا.

وقال لولا، بوصفهما أكبر ديمقراطيتين في الأميركتين، إنه يتطلع إلى علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة. وأضاف: «نحن رجلان في الثمانين من العمر، لذا لا يمكننا التهاون بالديمقراطية. علينا أن نأخذ هذا الأمر على محمل الجد. علينا أن نتصافح وجهاً لوجه، ونناقش ما هو الأفضل للولايات المتحدة والبرازيل».

كما أشاد لولا بمودي بعد أن اتفقت الهند والبرازيل على تعزيز التعاون في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، ووقَّعتا مجموعةً من الاتفاقات الأخرى يوم السبت. قال: «أكنّ كثيراً من المودة لرئيس الوزراء مودي».


لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن خروج رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المفاجئ من مأدبة عشاء منتدى دافوس الشهر الماضي مجرد تعبير عن غضب عابر، بل كان رسالةً سياسيةً واضحةً تعكس الضيق الأوروبي من نبرة واشنطن الجديدة، وإعلاناً مبكراً عن ولادة نهج أوروبي جديد لا يقبل التوبيخ ولا ينتظر الإجماع. فبينما كان وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، يشنُّ هجوماً حاداً على سياسات القارة العجوز وطاقتها، قرَّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن «الصمت لم يعد خياراً»، فغادرت القاعة متبوعة بشخصيات قيادية أخرى، في مشهد اختصر حالة «الطلاق النفسي» والتوتر المتصاعد بين ضفتَي الأطلسي.

وفي مقابلة موسَّعة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، حوَّلت لاغارد ذلك الموقف الاحتجاجي إلى عقيدة عمل سياسية؛ مؤكدة أن القارة قد استيقظت بالفعل على وقع ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقرَّرت «المضي قدماً بمَن حضر». ومن خلال تبني استراتيجية «تحالفات الراغبين»، تسعى لاغارد إلى تحرير القرار الأوروبي من قيود التبعية والبيروقراطية، لتعلن رسمياً أن أوروبا الجديدة ستبني مستقبلها بعيداً عن الوصاية، أو انتظار الموافقات الجماعية المعطلة.

ففي إطار سعيها لكسر الجمود الاقتصادي، حثت لاغارد الحكومات الأوروبية على الاعتماد على ما أسمتها «تحالفات الراغبين» لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة منذ زمن طويل. وتتبنى لاغارد رؤيةً جريئةً ترى أن الاتحاد الأوروبي لا يحتاج بالضرورة إلى إجماع الدول الـ27 للمضي قدماً؛ بل يمكن لمجموعات أصغر من الدول أن تقود قاطرة التغيير في ملفات حيوية، مثل توحيد أسواق رأس المال.

واستشهدت رئيسة البنك المركزي بتجربة «منطقة اليورو» التي تضم 21 دولة فقط دليلاً قاطعاً على نجاح التكامل العميق دون الحاجة إلى الإجماع الشامل، قائلة بوضوح: «ليس لدينا الـ27 دولة حول الطاولة، ومع ذلك، فإن النظام يعمل بنجاح». وترى لاغارد أن هذا النموذج هو المَخرج الوحيد لتجاوز «عنق الزجاجة» السياسي في بروكسل.

وفي رسالة شديدة اللهجة وجَّهتها للقادة الأوروبيين هذا الشهر، حدَّدت لاغارد 5 إصلاحات عاجلة تحت عنوان «وقت العمل»، شملت توحيد التنظيمات الشركاتية، وتنسيق الإنفاق على البحث والتطوير، مؤكدة أن تنفيذ نصف هذه الإصلاحات فقط كفيل برفع إمكانات النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل مذهل.

إرث التغيير

منذ توليها رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019، خاضت لاغارد معارك داخلية لتغيير ثقافة المؤسسة؛ فكان أول قرار رمزي لها هو استبدال الطاولة البيضاوية لتحل محلها طاولة مستديرة لإلغاء التراتبية بين أعضاء المجلس الـ25. ورغم البدايات الصعبة التي اتسمت ببعض الارتباك في الأسواق، فإنها نجحت في قيادة البنك لخفض التضخم إلى مستويات أدنى من المستهدف البالغ 2 في المائة دون التسبب في أزمات ديون في دول هشة مثل إيطاليا.

وتطمح لاغارد في سنواتها الأخيرة بالمنصب إلى تحويل اليورو إلى «عملة عالمية حقيقية» قادرة على المنافسة بوصفها عملة احتياط دولية، خصوصاً مع ازياد التساؤلات حول دور الدولار في ظل سياسات ترمب. وتؤكد لاغارد أن هذا الأمر «لا يحدث بالخطابات، بل بالعمل الجاد»، مشيرة إلى توسيع مرافق «الريبو» لتشمل البنوك المركزية العالمية، في رسالة ضمان بأن «السيولة باليورو ستكون متاحة دائماً لمَن يتعامل بها».

سيادة رقمية

تعد «السيادة الرقمية» حجر زاوية آخر في إرث لاغارد المرتقب، حيث تدفع بقوة نحو إطلاق «اليورو الرقمي» العام المقبل. والهدف بالنسبة إليها ليس مجرد مواكبة التكنولوجيا، بل تقليل اعتماد أوروبا على الشركات الأميركية الكبرى مثل «فيزا» و«ماستر كارد» في معالجة المعاملات المالية الأوروبية، وضمان استقلالية النظام المالي للقارة.

ومع اقتراب نهاية ولايتها في أبريل (نيسان) 2027، تتردَّد تقارير حول إمكانية استقالتها المبكرة لمنح الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة اختيار خليفتها قبل الانتخابات الفرنسية. ورغم رفضها التعليق المباشر، فإنها أكدت أن «مهمتها لم تنتهِ بعد»، مشيرة إلى رغبتها في تعزيز ما أنجزته ليكون «صلباً وموثوقاً». وبينما تلوح في الأفق خيارات مستقبلية مثل قيادة «منتدى الاقتصاد العالمي»، تظل لاغارد حالياً مركز الثقل الذي يراقب العالم من فرانكفورت، محاولةً حماية «قارتها» من رياح التغيير المقبلة من الغرب.


الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.