باريس تسعى لإطلاق استراتيجية جديدة في أفريقيا

ماكرون: يتعين مواجهة السرديات الكاذبة للروس والصينيين والأتراك

ماكرون برفقة وزراء في المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين بالإليزيه الخميس (رويترز)
ماكرون برفقة وزراء في المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين بالإليزيه الخميس (رويترز)
TT

باريس تسعى لإطلاق استراتيجية جديدة في أفريقيا

ماكرون برفقة وزراء في المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين بالإليزيه الخميس (رويترز)
ماكرون برفقة وزراء في المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين بالإليزيه الخميس (رويترز)

ليومين متتاليين، كان أحد محاور المناقشات الرئيسية في المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين عبر العالم، الذي التأم الخميس والجمعة حضورياً بعد غياب دام عامين بسبب جائحة «كوفيد - 19»، يدور حول وجود فرنسا في أفريقيا والتحديات الجديدة التي تواجهها من أطراف عديدة على رأسها روسيا، إلى جانب الصين وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. ويوماً بعد يوم، تجد باريس أن النفوذ والحضور اللذين كانت تتمتع بهما في عدد من البلدان الأفريقية، ومن بينها تلك التي كانت مستعمرات سابقة لها، أخذا يضعفان إن يكن يتلاشيان. وجاء انسحاب قوة «برخان» من مالي بعد تواجد عسكري متواصل دام تسع سنوات، ليشكل صفعة لباريس وانتصاراً بيناً لروسيا. ذلك أن ميليشيا «فاغنر»، التي يعد مؤسسها أفغيني بريغوجين من المقربين إلى الرئيس فلاديمير بوتين، هي التي حلت محل القوة الفرنسية ولكن أيضاً قوة الكوماندوس الأوروبية المسماة «تاكوبا» والتي بذلت باريس جهوداً جبارة لدى شريكاتها الأوروبية لإقناعها بإرسال وحدات من قواتها الخاصة للانضمام إلى القوة الفرنسية والمساعدة على احتواء ومحاربة التنظيمات الإرهابية في مالي بالدرجة الأولى، وفي بلدان الساحل الخمسة بشكل عام.
وتواجه باريس منافسة من كافة الأشكال: استراتيجية، وعسكرية، وسياسية، واقتصادية، وتجارية، وإعلامية. وهذه المنافسة الأخيرة هي التي شدد عليها الرئيس ماكرون باعتبار أن صورة فرنسا في القارة الأفريقية تتعرض لحملة تشويه غير مسبوقة. وقال ماكرون للسفراء الذين دعاهم ليكونوا أكثر دينامية في الرد على الحملات المعادية، إن «بلدنا يهاجم غالباً ويستهدف لدى الرأي العام «الأفريقي» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال التضليل «الإعلامي»». وأضاف ماكرون أن السرديات التي يعرضها الروس والصينيون والأتراك تروج أن «فرنسا بلد يمارس الاستعمار الجديد، وأنه يوطن قواته على الأراضي الأفريقية»، ما يذكر بالحقبة الاستعمارية في القرن التاسع عشر وحتى ستينات القرن الماضي. وإذ اعتبر ماكرون أن أمراً كهذا لا يمكن قبوله، فقد دعا إلى «مواجهته» وإلى محاربة «السرديات الكاذبة والأخبار المضللة ولشرح واقع الحضور الفرنسي». ودعا ماكرون سفراءه في البلدان الأفريقية إلى العمل من أجل «استراتيجية القدرة على التأثير والدفاع عن الإشعاع الفرنسي»، بالتوازي مع استخدام وسائل الإعلام والتواصل. وذهبت وزيرة الشؤون الخارجية كاثرين كولونا في الاتجاه عينه، الجمعة. فبعد أن أشارت إلى المنافسات الجديدة التي يتعرض لها النفوذ الفرنسي في أفريقيا، حثت سفراء بلادها في أفريقيا إلى «فضح التلاعب بالحقائق وكشف الأكاذيب والاستحواذ مجدداً على الصورة التي تريد فرنسا إبرازها». ووصفت كولونا هذه المعركة بأنها «تحدٍ استراتيجي». ولمزيد من الإيضاح، أضافت الوزيرة أن واجب الفرنسيين إظهار أنهم «شركاء طيبون يمكن الثقة بهم، وأنهم يحترمون» شركاءهم الأفارقة. ولخصت كولونا رؤيتها لكيفية التعاطي في المراحل القادمة، بقولها إن على السفراء أن «يعملوا مع الدول وأن يتحاوروا مع المجتمعات المدنية»، وإن باريس مستعدة «للوقوف إلى جانب الدول التي ترغب بذلك والاستجابة لما تطلبه منا، ووفق إرادتها».

هكذا تتبدى استراتيجية باريس الجديدة للمراحل اللاحقة. إنه نهج جديد في التعاطي مع البلدان الأفريقية، وخصوصاً تلك التي تتعرض لعمليات إرهابية أو قد تكون مهددة بالتعرض لها، أكانت بلدان الساحل «موريتانيا، مالي، النيجر، تشاد وبوركينا فاسو»، أو بلدان ما يسمى خليج غينيا وبشكل أوسع غرب أفريقيا. وقال ماكرون أكثر من مرة إن بلاده لن تتخلى عن مساعدة البلدان الأفريقية في الدفاع عن نفسها بمواجهة الإرهاب، ولكن وفق أساليب وأشكال جديدة بحيث تكون إلى جانب القوات المحلية وليس مكانها، ووفق رغبات هذه الدول. وتريد باريس أن تستخلص العبر من «التجربة المالية» المؤلمة. وبهذا الخصوص، رسمت كولونا الجمعة صورة سوداء للأوضاع في هذا البلد الذي «ينتقل من سيئ إلى أسوأ». وقالت: «نحن نرى في مالي تقدم المجموعات الإرهابية المسلحة في كافة أنحاء البلاد، وأن النازحين الماليين تتكاثر أعدادهم». وأضافت كولونا أن «النظام المالي الذي هو نتيجة انقلابين عسكريين يهاجم يوما الدانمارك، وفي اليوم التالي ساحل العاج، ولكن دوماً فرنسا. وغرضه أن ينسي الناس أنه بلا خطة عمل، وينتقل من فشل إلى فشل، ويربط نفسه بمرتزقة روس».
ومن الناحية العسكرية الصرف، وبعد انسحاب قوة «برخان» من مالي، قامت باريس بخفض عددها إلى النصف «نحو 2500 رجل مع معداتهم وأسلحتهم إضافة إلى الدعم الجوي واللوجيستي»، وعمدت إلى نشر الأساسي منها في النيجر، حيث تُشغل قاعدة مزدوجة الاستعمال «جوية وبرية»، وأفردت ما مجموعه 300 رجل إلى المنطقة المسماة «الحدود المثلثة» «بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو».
وإضافة لذلك، ترابط قوة كوماندوس فرنسية في واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو فيما قيادة القوة الفرنسية موجودة في نجامينا «عاصمة تشاد». وثمة قوات أخرى متواجدة في العديد من العواصم الأفريقية، أهمها في جيبوتي المستعمرة الفرنسية السابقة.
بيد أن الصعوبة التي تواجهها القوة الفرنسية، التي تقول باريس إن حجة وجودها الوحيدة في منطقة الساحل هي المساعدة على محاربة التنظيمات الإرهابية، تكمن في أنها لن تكون قادرة، منذ انسحابها من مالي، على القيام بأي عملية في هذا البلد. والحال، أن العديد من المراقبين يتوقعون أن يتواصل تمددها في مناطق مالي، وأنها قادرة على السيطرة على شمال البلاد ووسطها، قبل أن تصبح قادرة على تهديد العاصمة باماكو. وترى المصادر الفرنسية أن «فاغنر» ستكون عاجزة عن محاربتها، وأن اهتمامها مُنصبّ على أمرين: حماية النظام ممثلاً بالمجلس العسكري من جهة، ومن جهة أخرى النظر فيما يمكن أن تحصل عليه من ثروات البلاد المعدنية. يبقى أن استراتيجية باريس الجديدة تحتاج لأشهر وربما لسنوات لتبيان ما إذا كانت قادرة على تحقيق الأهداف الطموحة التي رسمها الرئيس ماكرون ووزيرة خارجيته.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إريتريا لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

إريتريا لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أفاد المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة، حبيب محمد عثمان، أمس، بأن بلاده لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا. وعن اتهامات إثيوبيا لإريتريا بزعزعة استقرارها، قال عثمان لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما تقوله أديس أبابا حالياً ادعاءات غير مقبولة ولا يقبلها الواقع، لأن إريتريا لم تعلن أنها تريد أن تغزو إثيوبيا، أو أي إقليم من الأقاليم الإثيوبية، أو تهديد أديس أبابا، وإنما العكس هو الموجود».

وجاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان قوات موالية للحكومة الإثيوبية السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى.

ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.


مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
TT

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل، حيث ينشط متشددون، من بينهم أعضاء في الفرع الإقليمي لتنظيم «داعش»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأفاد المصدران بأن قافلة تابعة للدرك تعرضت لكمين بالقرب من بلدة أبالا-فيلينجي يوم الأربعاء الماضي. وأضافا أن هجوماً منفصلاً وقع في بيرني-نكوني أودى بحياة أكثر من 30 جندياً يوم السبت. وأشارا إلى أن الهجومين نفّذهما إرهابيون، دون الخوض في التفاصيل.

وقالت مجموعة «سايت إنتليجنس غروب»، اليوم (الاثنين)، إن الفرع التابع لتنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، والمعروف باسم «تنظيم داعش - ولاية الساحل»، أصدر أمس (الأحد) بيانين أعلن فيهما مسؤوليته عن الهجومين.

وهاجم التنظيم المطار المدني وقاعدة جوية عسكرية في العاصمة نيامي في يناير (كانون الثاني)، ما يسلط الضوء على عدم إحراز الحكومة تقدماً يُذكر في مواجهة الجماعات المتمردة. ويقود الجيش الحكومة التي استولت على السلطة في انقلاب 2023.

وهاجم جنود متمردون في النيجر المطار ومقر الرئاسة في الشهر الماضي، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مع القوات الموالية للحكومة التي كانت مدعومة بقوات من «فيلق أفريقيا»، وهي قوة شبه عسكرية يسيطر عليها الكرملين.

ويقول محللون ومصادر أمنية إن الإحباط يتزايد داخل وحدات الجيش في الخطوط الأمامية بعد الخسائر المتكررة أمام المتمردين، لا سيما في غرب النيجر.


الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى مع تجدّد المواجهات بين الجيش الاتحادي و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.

ألاماتا في قبضة القوات الموالية للحكومة

قالت «قوة سلام تيغراي»، وهي جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، إن الجيش الاتحادي والقوات المتحالفة معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا، الواقعة جنوب عاصمة الإقليم ميكيلي بنحو 120 كيلومتراً، بعد هجوم شنّته قوات المعارضة الأسبوع الماضي.

ونشرت الجماعة مقطعاً مصوراً عبر صفحتها على «فيسبوك» يُظهر جنوداً يسيرون في شوارع البلدة ويلوّحون بالأعلام الإثيوبية. وأكد مصدران دبلوماسيان السيطرة على البلدة، في حين قال مصدر ثالث إن القوات الموالية للحكومة دخلتها، دون أن يتضح ما إذا كانت قد أحكمت سيطرتها عليها بالكامل، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وتكتسب ألاماتا أهمية استراتيجية باعتبارها مركزاً رئيسياً لإمداد القوات بالغذاء والوقود، فضلاً عن موقعها بالقرب من الحدود الجنوبية لتيغراي مع إقليم أمهرة. ومن شأن السيطرة عليها أن تتيح للقوات الاتحادية تعزيز تقدمها شمالاً باتجاه ميكيلي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الهجوم الذي تشنه قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي».

هجوم المعارضة يمتد إلى عفر وأمهرة

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (أرشيفية - رويترز)

وكانت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» قد أطلقت هجوماً واسعاً يوم الأربعاء الماضي، تمكنت خلاله من السيطرة على مطار ميكيلي ومطارَين آخرَين، قبل أن تتقدم باتجاه إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، معلنة أن عملياتها تأتي في إطار ما وصفته بـ«حرب دفاعية» ضد الحكومة الاتحادية برئاسة آبي أحمد.

وأفاد مصدر بأن مقاتلي «الجبهة» سيطروا يوم الأحد على بلدة إريبتي في إقليم عفر، بالقرب من حدود تيغراي، وأنهم يتقدمون باتجاه بلدة أفديرا، الواقعة على مسافة نحو 100 كيلومتر إلى الشرق. وقدّر المصدر عدد النازحين في عفر بنحو 150 ألف شخص، مشيراً إلى صعوبة تحديد حصيلة دقيقة في ظل استمرار المعارك.

وتكتسب جبهة عفر أهمية حيوية لإثيوبيا، إذ يهدف التقدم العسكري فيها، وفق تقديرات ميدانية، إلى تهديد خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها غالبية الواردات الإثيوبية، بما في ذلك الوقود والسلع الأساسية.

وكانت سبع جماعات معارضة للحكومة الاتحادية، من بينها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، قد أعلنت تشكيل تحالف جديد يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد. وتوعّد التحالف بشن «هجمات مضادة واسعة النطاق»، رداً على العمليات العسكرية للقوات الاتحادية.

وكانت الجبهة قد أعلنت تشكيل التحالف قبل ثلاثة أيام من بدء هجومها الأخير، في خطوة تعكس اتساع نطاق التنسيق بين الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في مناطق مختلفة من البلاد.

استهداف التلفزيون العام

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مسيّرة في ميكيلي 27 سبتمبر (أ.ف.ب)

وفي موازاة التطورات العسكرية، تعرّض مبنى تلفزيون تيغراي، المنبر الإعلامي الرئيسي لسلطات الإقليم، لضربة بطائرة مسيّرة صباح الأحد في العاصمة ميكيلي، ما ألحق أضراراً بواجهته، وأدى إلى تعليق البث المباشر للقناة، التي يعمل فيها أكثر من 400 صحافي، وفق ما أفاد به مراسلون في المحطة «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال أحد المراسلين إن العاملين سمعوا انفجاراً قوياً ناجماً عن غارة بطائرة مسيّرة في موقع آخر، فغادروا المبنى، قبل أن يتعرض التلفزيون للقصف بعد مغادرتهم. ولم يصدر تعليق رسمي يحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم.

ويأتي استهداف المحطة بعد إعلان السلطات الاتحادية الإثيوبية، يوم الاثنين الماضي، تعليق عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين الجانبين.

كما شهدت مناطق في شمال إثيوبيا، منذ الجمعة، انقطاعاً في خدمات الهاتف والإنترنت، ما صعّب الحصول على معلومات مستقلة بشأن التطورات الميدانية وحجم الخسائر. وأشارت منظمة «نت بلوكس»، المعنية برصد انقطاعات الإنترنت، إلى حدوث اضطراب واسع في الاتصال بالشبكة في شمال البلاد، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع الاتصالات في تيغراي.

وأثار ذلك مخاوف السكان من تكرار ظروف الحرب السابقة، حين فرضت الحكومة الاتحادية حصاراً على الإقليم، وانقطعت الكهرباء والخدمات المصرفية، وتراجعت قدرة المساعدات الإنسانية على الوصول إلى السكان.

اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي

مقاتلون من «جبهة تحرير تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع المواجهات، تصاعدت الاتهامات بشأن دور دول الجوار في دعم أطراف النزاع. واتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بتقديم الدعم العسكري واللوجستي إلى قوات المعارضة، قائلاً إن بلاده تواجه مجموعات «منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية».

وفي تصريحات بثتها وسائل إعلام تابعة للجيش، قال جولا إن إريتريا، التي وصفها باسمها المحلي «شابيّا»، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، لا تستطيعان تحقيق أهدافهما بمفردهما، حتى في حال تحالفهما، من دون دعم وإمدادات من قوى خارجية أخرى.

ورفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية، ووصفها بأنها «لا أساس لها من الصحة»، مؤكداً في بيان أن القوات المسلحة السودانية ملتزمة بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، فيما نفت إريتريا في تصريحات سابقة دعم قوات المعارضة الإثيوبية.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل توتر متصاعد بين أديس أبابا والخرطوم، إذ تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بمساعدة «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023، وبالسماح بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها، لكن إثيوبيا تنفي هذه الاتهامات.

وكانت إثيوبيا قد اتهمت، في مايو (أيار) الماضي، الجيش السوداني بدعم مقاتلين مرتبطين بـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، وهو ما نفته الخرطوم، في مؤشر على اتساع دائرة الخلافات الأمنية بين البلدين.

«اتفاق بريتوريا» أمام اختبار جديد

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ويهدد تجدد القتال اتفاق السلام الذي وُقّع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وأنهى حرباً أهلية استمرت من عام 2020 إلى عام 2022 بين الحكومة الاتحادية و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وأسفرت الحرب، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير واسع للبنية التحتية.

وتعود جذور الصراع إلى انهيار العلاقات بين «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» ورئيس الوزراء آبي أحمد، الذي تولى السلطة عام 2018، منهياً عقوداً من هيمنة الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي، بعدما كانت قد تولت الحكم عام 1991.

وعلى الرغم من أن اتفاق بريتوريا أوقف العمليات العسكرية الواسعة وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الجانبين تبادلا خلال الأشهر الماضية الاتهامات بانتهاكه. وتجددت الاشتباكات في أواخر عام 2025، مع تنفيذ القوات الاتحادية غارات بطائرات مسيّرة على إقليم تيغراي وحشد قواتها على حدود الإقليم، فيما اتهمت منظمات حقوقية الجبهة بتنفيذ حملات تجنيد قسري خلال العام الحالي استعداداً لاستئناف القتال.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات السياسية والعسكرية التي لم تُحسم بموجب اتفاق السلام لا تزال تشكّل مصدر تهديد للاستقرار في إثيوبيا، خصوصاً مع اتساع التحالفات المسلحة المعارضة للحكومة وتزايد الاتهامات بالتدخل الخارجي.

مخاوف من اتساع الصراع في القرن الأفريقي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير تيغراي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويثير تجدد الحرب مخاوف من امتداد المواجهات إلى نطاق إقليمي أوسع، في منطقة تعاني بالفعل من تداعيات الحرب المستمرة في السودان، والتوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، والصراعات في الشرق الأوسط.

وتكتسب العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أهمية خاصة في هذا السياق، في ظل التوترات المرتبطة بمساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إريترية من تداعيات أي تحرك إثيوبي بالقوة لتحقيق هذا الهدف.

ورغم التفوق العسكري الذي تتمتع به القوات الاتحادية، وما تتلقاه الحكومة الإثيوبية من دعم خارجي، فإن اتساع رقعة المواجهات وتعدد الجماعات المسلحة المنخرطة فيها قد يعقّدان جهود احتواء الصراع، ويزيدان الضغوط الإنسانية والأمنية على المناطق المتاخمة لإقليم تيغراي.

وفي ظل استمرار انقطاع الاتصالات وتضارب المعلومات بشأن السيطرة على بعض المناطق، تبقى التطورات الميدانية مرشحة لمزيد من التغير، فيما يواجه اتفاق السلام اختباراً جديداً قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها.