إفشال الهجوم الحوثي الأعنف منذ الهدنة غرب تعز

الحكومة وصفته بأنه «تحدٍ» للمبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب

دبابة تابعة لقوات الجيش اليمني في محافظة تعز (موقع الجيش اليمني)
دبابة تابعة لقوات الجيش اليمني في محافظة تعز (موقع الجيش اليمني)
TT

إفشال الهجوم الحوثي الأعنف منذ الهدنة غرب تعز

دبابة تابعة لقوات الجيش اليمني في محافظة تعز (موقع الجيش اليمني)
دبابة تابعة لقوات الجيش اليمني في محافظة تعز (موقع الجيش اليمني)

صدت قوات الجيش اليمني هجوماً حوثياً غرب مدينة تعز هو الأعنف منذ سريان الهدنة الإنسانية والعسكرية في الثاني من أبريل (نيسان)، وهو ما عدّته الحكومة اليمنية في بيان، الاثنين، تحدياً للمبادرات الأممية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام.
الهجوم الحوثي الذي استخدمت فيه الميليشيات الحوثية كل أنواع الأسلحة الثقيلة يرجح أنه كان يهدف لإحكام الخناق على مدينة تعز المحاصرة والسيطرة على طريق الضباب من الجهة الغربية، بحسب ما أفادت به مصادر عسكرية، وذلك بالتزامن مع استمرار رفض الجماعة الانقلابية إنهاء حصار المدينة وفتح الطرق بموجب الهدنة الأممية.
وقال الجيش اليمني في بيانه، إن عملية التصدي للهجوم الحوثي أسفرت عن مقتل وجرح 53 مسلحاً، حيث هاجمت الميليشيات مواقع الجيش في «الكربة والذئاب، وتباب الصغير، والمضيض والراعي في منطقة ميلات التابعة لمديرية جبل حبشي».
وأوضح البيان أن الميليشيات الحوثية تكبدت 23 قتيلاً و30 جريحاً بينهم قادة ميدانيون، وأن الهجوم «استمر نحو 10 ساعات، وصاحبه قصف عنيف بمختلف الأسلحة شنته ميليشيا الحوثي على مواقع الجيش الوطني والقرى المأهولة بالسكان بمنطقة الضباب، في خرق واضح للهدنة الأممية».
وفي أول رد حكومي، قالت وزارة الخارجية اليمنية إن الميليشيات «أقدمت مساء الأحد على شن الهجوم على منطقة الضباب غرب مدينة تعز والذي استمر حتى فجر الاثنين، في محاولة للسيطرة على المنطقة لقطع الشريان الوحيد الذي يربط مدينة تعز بمحافظة عدن».
وأوضح البيان أن القوات الحكومية التابعة لمحور تعز العسكري خسرت جراء الهجوم 10 قتلى و7 جرحى، «في الوقت الذي تنصب فيه جهود المجتمع الدولي والأمم المتحدة لتثبيت وتوسيع الهدنة الإنسانية والبناء عليها لاستئناف الجهود السياسية وتحقيق السلام باليمن».
ورأت الحكومة اليمنية في بيان خارجيتها، أنها تنظر إلى الهجوم «كتحدٍ صارخ لكل المبادرات والمساعي الرامية لإنهاء الحرب وتحقيق السلام ومحاولة لتقويض جهود تمديد وتوسيع الهدنة الإنسانية ولإطباق الحصار على مدينة تعز المحاصرة فعلاً منذ سبع سنوات، والتي ترفض ميليشيات الحوثي الوفاء بالتزامها بفتح الطرق الرئيسية منها وإليها».
وتوعدت الحكومة بأنها «لن تسمح لميليشيات الحوثي باستمرار خروقاتها وعبثها واستغلالها للهدنة والاستفادة من التزام الجانب الحكومي بتنفيذ بنود الهدنة لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية على حساب خيارات اليمنيين وتطلعاتهم إلى السلام والاستقرار وتحمل الميليشيات الحوثية عواقب ذلك».
وفي حين وصفت الحكومة اليمنية التصعيد الحوثي بـ«الخطير»، دعت المبعوث الدولي إلى تحمل مسؤولياته وإدانة هذه الأعمال الإجرامية التصعيدية لجماعة الحوثي في تعز خصوصاً أنها تأتي في ظل وجود الفريق العسكري بالعاصمة الأردنية تحت رعايته لمناقشة ضمان الالتزام بوقف إطلاق النار ومنع الخروقات العسكرية للهدنة».
كما دعت المجتمع الدولي «لتحمل مسؤولياته بموجب القانون الدولي والمواثيق الدولية».
في غضون ذلك، أكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد الركن عبده مجلي، أن قوات الجيش ملتزمة التزاماً تاماً بوقف إطلاق النار، وفقاً للهدنة الأممية المعلنة للمرة الثالثة، وتوجيهات القيادة السياسية والعسكرية، مشيراً إلى أن ميليشيا الحوثي استغلت أيام الهدنة بشكل همجي، على حد وصفه.
واتهم مجلي الميليشيات الحوثية بأنها «تواصل تصعيدها، وتستهدف المواقع العسكرية والأعيان المدنية، وهو ما نتج عنه مقتل وإصابة العشرات من عناصر القوات المسلحة والمدنيين وإلحاق الأضرار المادية بالمنشآت والمنازل السكنية، إضافة إلى مواصلة الحصار وقطع الطرقات عن مدينة تعز، ما يؤكد تعنت ورفض الميليشيا الحوثية للهدنة الأممية».
واستعرض المتحدث باسم الجيش اليمني في إيجاز للصحافة «التطورات الميدانية في الجبهات القتالية والخروق والانتهاكات التي ارتكبتها الميليشيات الحوثية منذ بداية تمديد الهدنة الأممية للمرة الثانية في الثاني من أغسطس (آب)، مؤكداً أن الميليشيا ارتكبت 1436 خرقاً خلال ستة وعشرين يوماً، في كل جبهات ومحاور القتال بمحافظات مأرب وتعز والجوف وحجة والضالع والحديدة وأبين وصعدة».
وقال مجلي إن «عناصر الاستطلاع لقوات الجيش رصدت خلال الـ26 يوماً الماضية في محافظة مأرب، ارتكاب الميليشيا الحوثية 309 خروق للهدنة، في مناطق العمود والأعيرف والردهة والفليحة في الجوبة جنوب المحافظة، وفي منطقة رغوان والمخدرة والمشجح وصرواح شمال غربي المحافظة».
وأوضح أن الخروق الحوثية «تنوعت بين استحداث متارس وخنادق وتحصينات واستهداف مواقع الجيش بسلاح المدفعية والأسلحة المتوسطة وبالعيارات المتنوعة ونشر القناصين، بالإضافة إلى استهداف مواقع الجيش بالطائرات المسيّرة المتفجرة والحاملة للقذائف والقنابل».
وأشار المتحدث باسم الجيش اليمني إلى أن قوات المنطقة العسكرية الخامسة، رصدت ارتكاب الميليشيا الحوثية 217 خرقاً للهدنة في جبهتي عبس وحرض، بمحافظة حجة (شمال غرب) تنوعت بين استهداف مواقع القوات بسلاح المدفعية والأسلحة المتوسطة، والدفع بمعدات قتالية ومحاولة التسلل».
واتهم العميد مجلي الميليشيات الحوثية بارتكاب 32 خرقاً للهدنة في جبهات محافظة الضالع، تمثلت في تعزيز مواقعها بالأسلحة والعناصر واستهداف مواقع قوات الجيش بمختلف العيارات والأسلحة، والدفع بتعزيزات قتالية.
وقال إن الطيران المسير للميليشيات استهدف مواقع القوات في قطاع الفاخر بجبهة ونتج عنه مقتل أحد الضباط وسقوط عدد من الجرحى. كما أكد مجلي أن الميليشيات ارتكبت 60 خرقاً للهدنة في مختلف جبهات محافظة الجوف مع الاستمرار بحفر الخنادق وزرع الألغام في منطقة حويشيان والدفع بالأسلحة والمعدات القتالية إلى مختلف الجبهات بالمحافظة.
وأكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية أن الميليشيات ارتكبت 15 خرقاً للهدنة في مختلف الجبهات القتالية، بمحافظة أبين، وقال إنها فجّرت عقبة حلحل بجبهة لودر، ما أدى إلى قطع الطريق الذي يعد المنفذ الرئيسي بين محافظة البيضاء وأبين وتوقف حركة المسافرين.
وفي جبهات محافظة صعدة، أكد العميد مجلي أن الميليشيات الحوثية تواصل الخروق والانتهاكات واستهداف قوات الجيش بالأسلحة المتوسطة والخفيفة، حيث بلغ عدد الخروق 20 خرقاً للهدنة في مختلف الجبهات القتالية بالمحافظة.


مقالات ذات صلة

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

العالم العربي غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

وصف المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الخميس) اللقاء الذي جمعه برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في عدن بـ«المثمر والجوهري»، وذلك بعد نقاشات أجراها في صنعاء مع الحوثيين في سياق الجهود المعززة للتوصل إلى تسوية يمنية تطوي صفحة الصراع. تصريحات المبعوث الأممي جاءت في وقت أكدت فيه الحكومة اليمنية جاهزيتها للتعاون مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر لما وصفته بـ«بتصفير السجون» وإغلاق ملف الأسرى والمحتجزين مع الجماعة الحوثية. وأوضح المبعوث في بيان أنه أطلع العليمي على آخر المستجدات وسير المناقشات الجارية التي تهدف لبناء الثقة وخفض وطأة معاناة اليمنيين؛ تسهيلاً لاستئناف العملية السياسية

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

في خطوة أحادية أفرجت الجماعة الحوثية (الأحد) عن القائد العسكري اليمني المشمول بقرار مجلس الأمن 2216 فيصل رجب بعد ثماني سنوات من اعتقاله مع وزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي شمال مدينة عدن، التي كان الحوثيون يحاولون احتلالها. وفي حين رحب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ بالخطوة الحوثية الأحادية، قابلتها الحكومة اليمنية بالارتياب، متهمة الجماعة الانقلابية بمحاولة تحسين صورتها، ومحاولة الإيقاع بين الأطراف المناهضة للجماعة. ومع زعم الجماعة أن الإفراج عن اللواء فيصل رجب جاء مكرمة من زعيمها عبد الملك الحوثي، دعا المبعوث الأممي في تغريدة على «تويتر» جميع الأطراف للبناء على التقدم الذي تم إنجازه

علي ربيع (عدن)
العالم العربي أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

في مسكن متواضع في منطقة البساتين شرقي عدن العاصمة المؤقتة لليمن، تعيش الشابة الإثيوبية بيزا ووالدتها.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

فوجئ محمود ناجي حين ذهب لأحد متاجر الصرافة لتسلّم حوالة مالية برد الموظف بأن عليه تسلّمها بالريال اليمني؛ لأنهم لا يملكون سيولة نقدية بالعملة الأجنبية. لم يستوعب ما حصل إلا عندما طاف عبثاً على أربعة متاجر.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

يجزم خالد محسن صالح والبهجة تتسرب من صوته بأن هذا العام سيكون أفضل موسم زراعي، لأن البلاد وفقا للمزارع اليمني لم تشهد مثل هذه الأمطار الغزيرة والمتواصلة منذ سنين طويلة. لكن وعلى خلاف ذلك، فإنه مع دخول موسم هطول الأمطار على مختلف المحافظات في الفصل الثاني تزداد المخاطر التي تواجه النازحين في المخيمات وبخاصة في محافظتي مأرب وحجة وتعز؛ حيث تسببت الأمطار التي هطلت خلال الفصل الأول في مقتل 14 شخصا وإصابة 30 آخرين، كما تضرر ألف مسكن، وفقا لتقرير أصدرته جمعية الهلال الأحمر اليمني. ويقول صالح، وهو أحد سكان محافظة إب، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد بسبب الحرب فإن الهطول ال

محمد ناصر (عدن)

بعد 8 أشهر من التصعيد... لماذا لم يردع التدخل الأميركي هجمات الحوثيين؟

واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)
واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)
TT

بعد 8 أشهر من التصعيد... لماذا لم يردع التدخل الأميركي هجمات الحوثيين؟

واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)
واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)

رغم انقضاء ثمانية أشهر من بدء الهجمات الحوثية ضد السفن تحت مزاعم نصرة الفلسطينين في غزة، لم يفلح التدخل الأميركي تحت مسمى تحالف "حارس الازدهار" في وضع حد لتهديد الجماعة المدعومة إيرانيا، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة من الداخل لإدارة بايدن في التعامل مع المعضلة التي لاتزال تستنزف الموارد العسكرية والأصول دون أية مؤشرات على تراجع التهديد أو تقليم قدرات الجماعة.

وتشير التقديرات إلى أن القوات الأميركية، مع مساعدة بريطانية في أربع مناسبات، نفّذت منذ 12 يناير (كانون الثاني) الماضي قرابة 600 غارة على الأرض، إلى جانب إطلاق أكثر من 150 صاروخاً من طراز «توماهوك» مع عشرات القذائف المستخدمة خلال عمليات التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية، وهو ما يعني كلفة كبيرة من الموارد والأموال وإهلاك الأصول العسكرية دون نتيجة مؤثرة.

في الآونة الأخيرة لجأ الحوثيون إلى استخدام الزوارق المسيّرة المفخخة في مهاجمة السفن (أ.ف.ب)

ويدّعي الحوثيون، من جهتهم، أنهم هاجموا نحو 170 سفينة، وكان من أبرز نتائج هذه الهجمات غرق سفينتين وقرصنة سفينة ثالثة وإصابة نحو 29 سفينة بأضرار، فضلاً عن تراجع الملاحة عبر باب المندب وقناة السويس بنسبة نحو 40 في المائة، وما أدى إليه ذلك من هجرة كبريات شركات النقل إلى طريق الرجاء الصالح؛ وهو ما يعني طول المسافة وزيادة أجور الشحن والتأمين.

لمعرفة ملابسات هذا المآل من الإخفاق الأميركي وبقاء التهديد الحوثي وتصاعده، استطلعت «الشرق الأوسط» وجهات نظر عدد من الباحثين السياسيين اليمنيين؛ إذ تبلور ما يشبه الإجماع على أن إدارة بايدن ليست عاجزة عن توسيع المواجهة لتقليم أظافر اليد الإيرانية في اليمن، وإنما لا تريد ذلك لأسباب تتعلّق بالاستراتيجية الأميركية في إدارة النزاعات والاستثمار فيها، إلى جانب ما يتعلّق بأولويات التهديدات الأكثر خطراً، وفي مقدمها النفوذ الصيني.

صورة جوية للسفينة البريطانية «روبيمار» الغارقة في البحر الأحمر إثر هجوم حوثي (رويترز)

وبالنظر إلى الكلفة المرتفعة المتوقعة، حال توسيع المواجهة مع الجماعة الحوثية التي لا تخسر كثيراً لرخص أسلحتها الإيرانية وبدائيتها، يسبق كل ذلك عجز واشنطن عن استعادة ثقة الحلفاء التقليديين في المنطقة -وفق ما يقوله الباحثون اليمنيون-، ووصولاً إلى ما يفرضه عام الانتخابات من عدم محاولة التورّط في صراع أوسع قد تكون نتائجه في صالح المنافس للوصول إلى المكتب البيضاوي.

أولوية الخطر الصيني

«الولايات المتحدة لم تعد راغبة في خوض معارك جديدة فيما يسمى الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تجربة أفغانستان والعراق»، بهذا يرى الباحث السياسي اليمني مصطفى ناجي توجه واشنطن، ويجزم بأنها تدخر طاقتها لمواجهة منافسها؛ وهو التنين الصيني.

يقول ناجي لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب في اليمن بالنسبة إلى أميركا ستكون بلا طائل، وتعني توسعة رقعة الحرب من الأراضي الفلسطينية إلى مناطق أخرى، وهذه رغبة إيران.

مدمرة أميركية في البحر الأحمر تطلق صاروخاً ضد أهداف حوثية (رويترز)

ويذهب الباحث والمحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري إلى وجهة مقاربة، فإلى جانب الكلفة التي لا تريد واشنطن دفعها لإنهاء الذراع الإيرانية في اليمن، يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار أزمة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لا يؤثر في أميركا وإسرائيل اقتصادياً، وإنما يؤثر في الصين على المدى البعيد؛ إذ ستكون الأكثر تضرراً.

يستدل الشميري بتقديرات تذهب إلى أن الصين تصدّر وتستورد عبر البحر الأحمر ما يعادل 300 مليار دولار سنوياً، وهو نحو ربع واردات بكين وصادراتها في المنطقة، وعليه «ربما ترى أميركا أن في هذا الواقع إنهاكاً لاقتصاد الصين على المستوى البعيد».

ويتطابق في هذه الجزئية المتعلقة بالصين ما ذكره توفيق الجند، الباحث اليمني في «مركز صنعاء للدراسات»، لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن القواعد الصينية في أفريقيا مصدر قلق لأميركا، وأن وجودها العسكري الدائم والمنظم هو استمرار تهديد الحوثي أمن الملاحة في هذا الممر التجاري المهم.

سفينة شحن محاطة بقوارب الحوثيين في البحر الأحمر (رويترز)

ويستطرد الجند بالقول: «الوجود الأميركي العسكري في البحر الأحمر يحتاج إلى مبررات أمام القوى العالمية، وتهديد الحوثي للملاحة البحرية هو مبرر قوي لذلك، ويجب أن يبقى فترة من الوقت». «وبالتالي -والحديث للجند- فالقضاء على قوة الحوثيين المهددة لأمن الملاحة يجب ألا يحدث سريعاً»، ويستدل بأن واشنطن أبقت على «حدة رد الفعل، بوصفها سياسة احتوائية ورادعة للفعل المباشر لا خلفيات الفعل».

ضبط إيقاع ومصالح

أي مقاربة لفهم طبيعة الدور الأميركي خلال الصراع الدائر في البحر الأحمر يستدعي -طبقاً للشميري- التساؤل: هل الإدارة الأميركية السابقة أو اللاحقة لديها رغبة في إنهاء المصد الإيراني في اليمن، وهي الجماعة الحوثية، أو غيرها من المصدات الأخرى، أم أنها لا تريد ذلك، وإنما تريد ضبط إيقاع عمل هذه المصدات؟ ويعتقد الباحث اليمني أن أميركا إذا توافرت لديها الرغبة فهي قادرة بقواتها في البحر مع الشرعية اليمنية والمحيط الإقليمي على إنهاك الحوثيين وانتزاع ميناء الحديدة على أقل تقدير عسكري؛ لكنه يرى أنها لا تريد ذلك.

ويستند الشميري إلى «النظرية الاستراتيجية في السياسة الأميركية» منذ عهد «كسينجر»، وهي إدارة الأزمات والصراعات وليس إنهاءها، ويعتقد أن أميركا تسلك هذا السلوك في أكثر من منطقة في العالم؛ إذ تحاول إبقاء أوراق يمكن اللعب بها مستقبلاً، فهي تريد إبقاء التوازن بين العرب وإيران وتركيا وإسرائيل في المنطقة، وتركهم يضربون بعضهم بعضاً.

سفينة الشحن «شامبيون» تعرّضت لهجوم حوثي في خليج عدن وكانت تحمل مساعدات لليمن (رويترز)

ولا يرى أن إدارة بايدن لديها خطة حقيقية للمواجهة مع الحوثيين، إذ يقتصر الأمر على التأديب، ومحاولة إرسال الرسائل وحماية السفن حتى تتجلّى الرؤية النهائية، وهي: هل يشكّل الحوثيون خطراً عميقاً جداً على المصالح الأميركية أو التسبب في إصابات كبيرة في الأرواح؟

هذا الرأي يشاطر الشميري فيه الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال، صادق الوصابي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ يقول: «إذا تغيّرت الظروف على الأرض، مثل تصاعد الهجمات الحوثية أو حدوث تطورات جديدة في المنطقة، قد تجد الإدارة الأميركية نفسها مضطرة إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً، مثل تعزيز العمليات العسكرية أو زيادة التعاون مع الحلفاء في المنطقة، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار وتجنّب الانجرار إلى صراع طويل الأمد».

في السياق نفسه، يميّز توفيق الجند بين القدرة والرغبة في التعامل الأميركي مع جماعة الحوثيين، من حيث إذا أرادت واشنطن توظيفها ضدهم، ويقول إن الأمر يتعلّق بالمصالح الأميركية، وإن بقاء الحوثيين عسكرياً في البحر الأحمر يخدم هذه المصالح؛ إذ لا يوجد -وفق تعبيره- دافع أميركي مباشر للحد من المخاطر العسكرية الحوثية في هذا الممر الدولي.

إيران متهمة بتزويد الحوثيين بصواريخ بحرية لمهاجمة السفن (أ.ب)

ومن ناحية ثانية يرى الجند أن أميركا لم تتضرّر من أي نشاط حوثي ضد حركة السفن في البحر الأحمر، بل على العكس، «فسلسلة الإمدادات عبر البحر الأحمر لا تذهب إلى أميركا بل إلى أوروبا غالباً، وانقطاع إمدادات أوروبا من الطاقة العربية تحديداً، يدفع بها إلى التعويض من أميركا وبأسعار أعلى».

تناقض وابتزاز

يقرأ باحثون تردداً وارتباكاً لدى واشنطن عند تعاملها مع الأزمة اليمنية. ويعزو الباحث اليمني فارس البيل، وهو رئيس مركز «المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية»، ذلك إلى أنها تنظر إليها بصفتها ورقة في ملف الصراع مع إيران، ولا تعدها مشكلة منفصلة إلا في تصريحاتها السياسية والدبلوماسية.

«المراوحة في الملف اليمني من جهة أميركا، قرباً أو ابتعاداً، هي حسب توازنات المعادلة في المنطقة، وتجاذبات الصراع؛ إذ لا تملك واشنطن تصوراً مستقلاً لحل المشكلة اليمنية، وإن كانت تعلن دعمها للسلام، لكنه دعم غامض، أو على الأقل لا تملك الإدارة رؤية واضحة لهذا السلام، وضماناته، وما بعده».

ولا يرى البيل أن إدارة بايدن وصلت إلى قناعة الإضرار بالميليشيات الحوثية أو إضعافها، فضلاً عن القضاء عليها؛ «إذ لا تزال تراها حالة مرتبطة بقواعد اللعبة، ويمكنها الاستفادة منها، بابتزاز دول المنطقة أو بتوازن العلاقة بإيران».

مقاتلات أميركية تحلّق فوق البحر الأحمر ضمن مهام حماية السفن من هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

يساند الجند هذه الرؤية؛ إذ يشير إلى أن واشنطن ترسم خططها وفقاً لمصالحها، وليس بناء على الفعل ورده، «فهي لم تصعّد قصفها لاستهداف العنصر البشري للحوثيين مثلاً، وإنما اكتفت بالتصدي للمسيّرات والصواريخ وفي أبعد مدى لقصف منصات الإطلاق».

وحول إذا كان أحد العوامل الأميركية الإبقاء على الحوثيين «ورقة ابتزاز»، يؤيّد الجند هذا الطرح، ويقول: «هذا يسمح بوجود واشنطن الدائم والفاعل في البحر الأحمر، وبما يسمح لها أيضاً بابتزاز حلفائها في الإقليم، وعلى رأسهم الرياض، ووفقاً لهذا فالتخلص من خطر الحوثيين في البحر الأحمر ليس هدفاً، بل استثماره هو الهدف الذي يستدعي بقاءه ضمن قواعد اشتباك يتم التفاهم عليها غالباً مع طهران وليس مع صنعاء».

ضغوط الداخل الأميركي

يقرأ الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال، صادق الوصابي، عدم الفاعلية الأميركية بخصوص ردع هجمات الحوثيين من ناحية ضغوط الداخل الأميركي والرأي العام الغربي، ويرى أن إدارة بايدن تعاني فعلاً معضلة؛ لأن العمليات الدفاعية والهجومية المحدودة التي شنتها، بالتعاون مع دول أخرى، تكشف الحرص على عدم الانغماس في صراع طويل الأمد وغير محبوب داخلياً.

ويربط الوصابي ذلك باقتراب الانتخابات الرئاسية التي تشكّل عامل ضغط كبيراً؛ إذ يسعى الحزب الديمقراطي للحفاظ على شعبيته وعدم إثارة مزيد من الاستياء الداخلي بسبب التدخلات العسكرية الخارجية، وفي الوقت نفسه يرغب في تجنّب الدخول في حروب حقيقية مع أطراف إقليمية.

مقاتلة أميركية على متن حاملة الطائرات «آيزنهاور» (رويترز)

ومن الواضح أن العمليات العسكرية التي تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بها تهدف -كما يقول الوصابي- بصفة رئيسية إلى تهدئة الرأي العام الغربي، الذي يطالب بردع هجمات الحوثيين المتكررة، إذ تُظهر هذه العمليات أن الإدارة تتخذ خطوات لحماية المصالح الأميركية والملاحة الدولية، لكنها في الوقت نفسه تتجنّب التورّط في مواجهات مباشرة واسعة النطاق.

وبينما لا يغفل مصطفى ناجي الإشارة إلى الحسابات الانتخابية الأميركية و«صعوبة اتخاذ قرار وتكبد خسائر تؤثر في صورة الحزب الديمقراطي الحاكم حالياً»، يتوقع الباحث فارس البيل أن فترة ما قبل الانتخابات لن تشهد تغيراً في الموقف الأميركي، ويستدرك بالقول: «ربما يتحرك الأمر نحو مواجهة أشد أو معالجة سياسية ستحكمها توجهات حاكم البيت الأبيض المقبل».

ويتفق الشميري على أن «الانتخابات الأميركية تشكّل أحد العوامل فيما يخص عدم الدخول في مواجهة واسعة ضد الخطر الحوثي؛ لأن فترة الانتخابات لا تتخذ فيها قرارات كبرى». كما أنه لا يتوقع تغيراً كثيراً حتى في حال فوز إدارة جمهورية، باستثناء «ما يمكن تقديمه من عمليات نوعية أو دعم بالسلاح للشرعية اليمنية أو مساندة قراراتها السياسية والاقتصادية».

ومع ذلك، يرى الشميري أن أي إدارة جمهورية حازمة في البيت الأبيض قد تكون أفضل حالاً في المواجهة مع إيران والحوثي، «لكن دون إفراط في التفاؤل»، وفق تقديره.

تغيير الموازين

يؤكد المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالقاهرة بليغ المخلافي، وجهة نظر الحكومة الشرعية، في قراءته للعجز الأميركي عن ردع الهجمات الحوثية، ويجزم أنه لن يكون هناك أثر ملموس لعمليات واشنطن إلا بتغيير موازين القوى على الأرض بالتحالف مع الشرعية ودول الإقليم.

ويشير المخلافي إلى بداية التصعيد مع استهداف الحوثيين الملاحة في البحر الأحمر، ومن ثم تشكيل واشنطن تحالف «حارس الازدهار»، ويقول: «هذا التحالف لم يكن فاعلاً بسبب العزوف الإقليمي عن المشاركة؛ لأسباب كثيرة، لعل أبرزها انعدام الثقة في الإدارة الديمقراطية التي أخلّت بالتزاماتها تجاه حلفائها في المنطقة حين أوقفت الدعم اللوجيستي وتصدير الأسلحة وقطع الغيار».

دخان يتصاعد في صنعاء إثر غارة غربية استهدفت موقعاً حوثياً (رويترز)

ويرى المستشار اليمني أن غياب الأطراف الإقليمية عن تحالف واشنطن كان له تأثير كبير في أداء هذا التحالف ونجاعته، وأيضاً بالنظر إلى الطريقة التي تُدار بها العمليات. ويجزم بأن واشنطن ليست عاجزة عن مواجهة الميليشيات الحوثية أو دعم عملية عسكرية قادرة على تقليم أظافر الجماعة، وإنما لا تريد توسيع العمليات في المنطقة، لذلك تحاول أن تكون عملياتها إما ردود أفعال وإما استباقية لتخفيف الأضرار.

وبخصوص نتائج العمليات الأميركية خلال أكثر من ثمانية أشهر، يعتقد المخلافي أنها لم تؤتِ أي ثمار، ولم تتمكن من تغيير سلوك الحوثيين، مشدداً على أن ذلك لن يحدث إلا بتغيير موازين القوى على الأرض لإنهاء تهديد الملاحة.

ويتبنّى المخلافي وجهة نظر الحكومة، ويؤكد أن الخطر الحوثي لن ينتهي إلا بدعم الشرعية للقيام بعملية عسكرية لاستعادة السيطرة على السواحل اليمنية؛ إذ يجب أن تكون العمليات على الأرض، بالإضافة إلى استعادة واشنطن ثقة الحلفاء في المنطقة؛ ليكونوا مشاركين وداعمين، وفي المقدمة المملكة العربية السعودية والإمارات، وفق قوله.