ما معنى الحياة حقاً؟

الجدل مستمر حولها بين نظرة العلم والدين

ما معنى الحياة حقاً؟
TT

ما معنى الحياة حقاً؟

ما معنى الحياة حقاً؟

ربما توجد وفرة من المعاني المفعمة في الحياة، وهناك من يرى معناها في استهلاكها، طعامٌ وما لذّ من شراب، وزوجةٌ تملأ العين والدار بالعيال، وإلى هؤلاء ينتمي الروائي هيرمان ميلفل، وهو يُعلن صراحة رأيه؛ الحياة هي في الفراش الدافئ والطعام الساخن والسرج الوثير. وقال أحدهم: فخر الحياة في اقتحامها، المغامرة تلو المغامرة تلو الأخرى، في الحبّ والسياسة والعمل والتجارة، وهذه ليست نظرة الفيلسوف شوبنهاور إلى الوجود: «على الإنسان أن يدرك جيداً أن الحياة لم تخلق ليستمتع بها، بل ليتحمّلها، ويتخلص منها في النهاية». إن صاحب نظرية اقتحام الحياة يقف على الضدّ تماماً من الفيلسوف، ويقف بين الاثنين الروائي الأميركي كيرت فونغيت صاحب رائعة «المسلخ رقم 5»: «نحن هنا على الأرض كي نتسكّع فقط، لا تترك أي شخص يقنعك بشيء مختلف». يبدو أن نظرة الشباب اليوم، والناس عموماً، إلى الحياة تتجه مع هذا المعنى الضئيل والتّفِه. الحياة العظيمة تكون عندما يوجد هناك عمل مثمر، ولسان حال صاحبها يقول: «اعمل ريثما ينتهي اليوم، لأنه مع مجيء اللّيل لا يمكن لأحد أن يعمل»، ونتيجة العمل الحتمية هي التعب، والتعب يوقر الروح. شيخٌ تبدو عليه الحيوية والمهابة ويمرّ كلّ يوم في الصّبح أمام داري، ونتكلّم أحياناً، وتشاء الصّدفة في ذلك اليوم أنه أخبرني بهذا السِرّ: «لقد خرّجْتُ من بيتي في هذه السنة الدفعة الرابعة، وهم الآن على أبواب الزّواج».
وتعني الحياة بالنسبة إلى شابّ فقير تعرّفتُ عليه في محلّ عملي لا أكثر من وجبة عشاء دسمة، فإذا لم يحصل عليها غاب عنه النّوم، وبقي صاحياً أبداً. وهناك من يرى المباهاة الفارغة سبب وجوده. في أيام الطفولة والصّبا كان البعض يحاول السّير على يديه وقدميه بالمقلوب، وظهره إلى الأرض ووجهه إلى السماء، وكانت هذه تُدعى «مشية العقرب»، ومنها جاء المثل الذي يُقال لمن يقوم بأفعال لا يحصل منها غير التّباهي: «اِقلبْ عقربْ». كم من الناس ممن نلتقيهم يمشون مثل العقرب، ويهوون هذا الأمر، ولا يتخلّون عنه حتى آخر رمق لهم، وتكثر هذه الطبيعة لدى أهل السّياسة. عندما يكون الوالي ممن لا يُغرمون بتقليد العقارب يصبح الناس بخير. قالت العرب: «صلاحُ الوالي خيرٌ من خصبِ الزّمان».
كان الشّاعر معروف الرصافي يختبر الرّجال في مقدار صدقهم، فإن كذِبَ أحدٌ، سقط مباشرة من نظره. وهناك في كلّ بيئة مَثَل واحد وأكثر مما تقوله العامّة عند محاولة الحطّ من قيمة المرء وتحقيره، والحياء يمنعني من ذِكر هذه الأمثال، لكنها جاهزة حتماً في ذاكرة الجميع.
البعض يرفع الفشل شعاراً لوجوده حتى النهاية، من دفاتر تشيخوف نقرأ: «ممثلة أفسدت كلّ أدوارها بأداء في منتهى الرداءة، واستمرّت على هذا المنوال طوال حياتها إلى أن ماتت. ما أحبها أحد؛ كانت تُودِي بأحسن الأدوار قاطبة، ومع ذلك واصلت التمثيل حتى بلغت السّبعينَ». أكيدٌ أنكم فكّرتم الآن في أسماء ممثلين وشعراء وكتّاب يعيشون بينكم، يشبهون هذه السيدة. وهناك من هم أسوياء في الخلقة، ومع ذلك يختزلون وجودهم في جسد بيولوجي يفتقد أيّ غرض، لا خير فيه ولا قيمة أصيلة، أي أن حالهم حال الذباب. ويصوغ الروائي الروسي ليو تولستوي هذه الفكرة، رغم أنه أبدع ملحمة «الحرب والسلام»: «أنت كائن زائل، مجرد تكتل عشوائي لأجزاء، يشكل الترابط بين هذه الأجزاء، والتغيير فيها، ما تدعوه بالحياة. ستبقى هذه التجميعات العشوائية لبعض الوقت، سيتوقف بعده ترابط هذه الأجزاء وسيصل ذلك الذي تدعوه بالحياة وكل أسئلته إلى نهاية». هل كانت كشوفات السيد دارون في علم الطبيعيات السبب وراء تفكير تولستوي هذا؟ لكنه اعتنق المسيحية في سنواته الأخيرة، وصار يبشّر بها بالقول والفعل، وبقيت تلك الآراء عن أصل الحياة وفنائها سائدة في أوروبا، وكانت تشكل امتداداً لما عرفته البشرية من أفكار تدعو إلى الإلحاد، وهذا الجدل بين نظرة العلم والدين إلى الماهية ما زال مستمرّاً، وتطوّر في القرنين الأخيرين كثيراً، وصارت الغلبة للرأي العلمي لدى أكثرية الناس هي المفتاح الأول في التفكير، وإذا عدنا إلى بدايات عصر النهضة وجدنا الأبحاث التطبيقية تدور في فلك الكنيسة، وكل نظرية واكتشاف هو في حقيقته طريقة لتمجيد الله، ويؤدي هذا النوع من التأويل حتماً إلى تقديس الحياة، لأن الله يحلّ عندها في كل شيء بالوجود، ويحمل معناه. قال عالم الفيزياء نيوتن عام 1713: «هذا النظام الرائع من الشمس والكواكب والنجوم يمكن تسييره فقط بإرادة كائن ذكيّ ومسيطر». كم يشبه هذا المعنى ما بلغه خطيب العرب الفضل بن عيسى الرقاشي، وذكره الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين»: «سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً». إن نظرة الإيمان والتقديس الوجودي التي ابتكرها التفكير الديني شعرية في الأصل، أي أن من توصّل إليها امرؤٌ شاعر، كلما زادت نسبة الخيال لديه صار ما يأتينا به أكثر إقناعاً، وبالتالي تداولاً بين الناس في الواقع، وتتشابه جميع الأديان في النظرة الشعرية إلى الوجود.
أكثر البشر لا همّ لهم في المعيشة غير طلب السعادة، وهذه كلمة مائعة ليس لها تعريف واحد، فهي في الشرق غيرها في الشمال، ولدى الطفل تختلف المتعة عن تلك التي يطلبها الرجل أو المرأة. بالنسبة إلى الصينيين القدامى، وكذلك بعض المحدثين، فإن الشقاء الشخصي يُنظر إليه وسامَ شرفٍ، وهو المعنى القيّم الذي لا مثيل له للحياة لأنه يكشف عن التضحيات التي قام بها المرء لصالح أسرته وأمّته. إن هذا السبيل يؤدي بصاحبه يوماً بعد يوم إلى مزيد من المشاعر الإيجابية، وهذه تختلف في جوهرها كثيراً عن إحساسنا بالسعادة، ولمعرفة الفرق بين الاثنين أذكر هذا المثال:
في عام 2019 صنّف تقرير السعادة العالمي فنلندا على أنه البلد الأكثر سعادة، فلدى الناس جميعاً خدمات اجتماعية واسعة النطاق، وحرية في الصحافة وثقة بالحكومة لا مثيل لها. ولكن عندما تمّ اختبار المشاعر الإيجابية لدى الناس انقلب الجدول، وصارت بلدانٌ مثل غواتيمالا وكوستاريكا تحتل القمة، وابتعدت فنلندا كثيراً عنها. أخيراً، وبالنسبة إلى كاتب السطور، فإن كلّ ما مرّ يعطي للحياة معنى، ويبقى أسماها هو طلب العلم، وهذا ممّا لا يُحصّله المرء بواسطة الكتب ودور الدرس، وإنما هو «علم يأتيني من عذاب النّفس» مثلما يقول الفرنسي أليكسيس سان ليجيه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

اللبنانية الأولى تفتتح «منتدى التعليم» في جامعة «الروح القدس - الكسليك»

السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك
السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك
TT

اللبنانية الأولى تفتتح «منتدى التعليم» في جامعة «الروح القدس - الكسليك»

السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك
السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك

أكدت اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون أن الحرب التي نعيشها، تمتدّ إلى بيوت جميع اللبنانيين. وشددت على أن «لبنان اليوم ليس بخير، ومع ذلك، ثمّة صورة أخرى لا يمكن تجاهلها: لبنانيون يقفون إلى جانب بعضهم البعض، يفتحون بيوتهم، ويستقبلون بعضهم، رافضين أن يتركوا أيّ شخص وحيداً. هذا ليس تفصيلاً، هذا ما يُبقي لبنان صامداً حين يهتزّ كلّ شيء من حوله».

أوضحت أن المواطنية لا تبدأ من الدولة فقط بل تبدأ من سلوك الأفراد

ورأت أن المشكلة اليوم هي في أن «الثقة مفقودة في الدولة، والمستقبل، وفي فكرة أنّ هناك وطناً واحداً يجمعنا»، وأكدت على أهمية المواطنية في هذه اللحظة بالذات، مشيرة إلى «أن المواطنية ليست فكرة نناقشها، ولا درساً نحفظه، المواطنية قرار. قرار ألا نكون متفرّجين، قرار ألا نعيش على الهامش، قرار أن نكون جزءاً من هذا البلد فعلاً».

جاءت هذه الكلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك، كجزء من مشروع السيدة عون «مدرسة المواطنية».

جامعة الروح القدس هي الأولى التي انضمت إلى مشروع السيدة عون «مدرسة المواطنية»

كانت جامعة الروح القدس هي الأولى التي انضمت إلى المشروع عبر تنظيمها هذا المنتدى وإطلاقها بالتوازي مبادرة تمثلت ببرنامج «مائة ساعة خدمة مجتمعية»، الهادف إلى ترسيخ روح المسؤولية الاجتماعية وتعزيز الانخراط الفاعل في خدمة المجتمع. وتعكس رعاية السيدة عون أعمال هذا المنتدى رؤية مشتركة تضع المواطنية الفاعلة في قلب العملية التربوية، وتؤكّد على أهمية إعداد أجيال واعية ومسؤولة، وفق رؤية «مدرسة المواطنية» التي سبق لها وأطلقتها.

وفي افتتاح المنتدى، ألقت اللبنانية الأولى كلمة قالت فيها: «المواطنية لا تبدأ من الدولة فقط، بل تبدأ منّا: من التزامنا، من احترامنا للآخر، من رفضنا للفوضى، ومن قدرتنا على الاختلاف من دون أن نكسر بعضنا. وفي زمن الحرب، لم يعد هذا خياراً، بل أصبح مسؤوليّة، لأن الدول في الأزمات إمّا أن تقوّيها شعوبها، وإمّا أن تتركها تنهار».

جانب من افتتاح «منتدى التعليم» في جامعة الروح القدس - الكسليك

وختمت بالقول: «لبنان صمد كثيراً، لكن الصمود وحده لا يكفي. لا يكفي أن نتحمّل، بل علينا أن نبني وطناً معاً، تحت سقف الدولة، وتحت علم واحد، علم لبنان».

كان رئيس الجامعة الأب البروفسور جوزيف مكرزل قد ألقى كلمة بالمناسبة، وكذلك نائبة الرئيس للشؤون الأكاديمية الدكتورة ريما مطر، ومديرة مكتب التعليم العام في الجامعة الدكتورة سمر الحاج. ومن ثَمَّ جالت اللبنانية الأولى على أجنحة المنتدى، مطّلعة على أبرز المشروعات والمبادرات الطلابية، وتفاعلت مع المنظمات والمؤسسات والطلاب، مستمعة إلى تجاربهم ومداخلاتهم، مشجّعة ومؤكدة أهمية دورهم بوصفهم شركاء فاعلين في بناء المجتمع.


كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
TT

كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن كشف أثري جديد في وادي النطرون بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة) ليسلِّط الضوء على بدايات الحياة الرهبانية في مصر خلال القرون الميلادية الأولى.

ويعكس المبنى الذي اكتُشف بواسطة البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وكلية الآثار بجامعة القاهرة، تطور العمارة الرهبانية المبكرة بما يحمله من عناصر معمارية ودلالات دينية وتاريخية مميزة، ويعد هذا الاكتشاف إضافة نوعية تُعزِّز مكانة مصر بوصفها أحد أهم مراكز التراث الديني والثقافي على مستوى العالم.

وجاء اكتشاف المبنى الأثري ضمن منطقة الأديرة المطمورة في وادي النطرون، وهي إحدى أهم مناطق نشأة الرهبنة في مصر والعالم، وفق فيديو توضيحي نشرته صفحة رئاسة الوزراء بمصر على «فيسبوك».

ويرجع تاريخ الدير الأثري المكتشف إلى ما بين القرنين الـ4 والـ6 الميلاديين، وقد شُيِّد من الطوب اللبِن على مساحة 2000 متر مربع، ويتكون من فناء مكشوف محاط بوحدات معمارية تشمل أفنية فرعية تفتح عليها حجرات الرهبان المعروفة بـ«القلالي».

ويضم المبنى أيضاً «مجموعة من الملحقات الخدمية مثل الأفران، والمطابخ، والأماكن المخصصة لتخزين المؤن. كما كشفت أعمال الحفائر عن الأماكن المخصصة للدفن داخل المبنى الأثري، التي تحتوي على عظام بشرية من المرجح أنها تنتمي لرهبان الدير القدامى»، وفق ما أورده الفيديو.

جانب من المبنى المكتشف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ووجدت البعثة الأثرية أيضاً مجموعة من النقوش القبطية التي توثق حياة الرهبان داخل الدير؛ ما يعد إضافة جديدة إلى خريطة السياحة الدينية والثقافية في مصر.

وقبل نحو شهر، كانت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الرباعيات بالقلايا في مركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة (شمال غربي القاهرة)، قد أعلنت الكشف عن مبنى أثري من المرجح أنه كان يُستخدم بوصفه داراً للضيافة خلال المرحلة المبكرة من الرهبنة القبطية، ويرجع تاريخ المبنى إلى القرن الخامس.

وتضمن الكشف كثيراً من العناصر المعمارية التي أُضيفت إلى المبنى خلال مراحل تاريخية لاحقة على زمن إنشائه، بما يعكس تطور استخدامه عبر مراحل زمنية متعاقبة.

وتهتم مصر بالسياحة الدينية، خصوصاً ذات الطابع القبطي، وتسعى لإحياء مسار العائة المقدسة بوصفه مشروعاً قومياً على الخريطة السياحية المصرية من خلال أماكن عدَّة رُصدت لتطويرها، وتوفير الخدمات بها لجذب السائحين.

ويضم مسار رحلة العائلة المقدسة 25 نقطة تمتد مسافة 3500 كيلومتر من سيناء حتى أسيوط، ويحوي كل موقع حلت به العائلة مجموعة من الآثار، مثل الكنائس أو الأديرة أو الآبار، ومجموعة من الأيقونات القبطية الدالة على مرور العائلة المقدسة بتلك المواقع التي أقرتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر.

ووفق وزارة السياحة والآثار، بدأت رحلة دخول العائلة المقدسة من رفح بالشمال الشرقي للبلاد، مروراً بالفرما شرق بورسعيد، وإقليم الدلتا عند سخا في كفر الشيخ، وتل بسطا بالشرقية، وسمنود في الغربية، ثم انتقلت إلى وادي النطرون في الصحراء الغربية، حيث أديرة الأنبا بيشوي والسيدة العذراء «السريان»، و«البراموس»، و«القديس أبو مقار».


أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)

دعت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ إلى تخليد سيرته في عمل فني، على غرار فيلم «مايكل» الذي يُعرض حالياً في دور السينما، ويتناول سيرة النجم الأميركي مايكل جاكسون، الملقب بـ«ملك البوب»، الذي رحل قبل 17 عاماً بعد أن حظي بشعبية عالمية استمرت لسنوات.

وأبدت أسرة عبد الحليم حافظ، الملقب بـ«العندليب»، إعجابها بتوثيق حياة جاكسون في عمل فني مبهر، إذ نشر حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك» منشوراً عبّرت من خلاله الأسرة عن رغبتها في إنتاج فيلم عنه، بمواصفات خاصة، على غرار فيلم «مايكل»، مؤكِّدة استعدادها لتقديم الدعم الكامل، بما في ذلك المعلومات والتفاصيل والأسرار الفنية، لضمان تقديم عمل مختلف عما سبق.

الملصق الترويجي لفيلم «مايكل» (إنستغرام)

كما أبدت الأسرة موافقتها على تصوير الفيلم داخل منزل عبد الحليم، ليعكس الواقع بدقة، مشيرة إلى أن حياته الفنية والشخصية ثرية وتستحق أكثر من عمل فني يتناول مختلف مراحلها منذ البدايات وحتى الرحيل.

في السياق نفسه، عبّر الفنان المصري محمود العزازي عن إعجابه بفيلم «مايكل»، مشيراً إلى شعوره بـ«غيرة فنية» بعد مشاهدته، لما يتميز به من إيقاع سريع وسرد جذاب للأحداث، ومؤكداً شغفه بأعمال السيرة الذاتية.

وكشف العزازي عن حلمه القديم بتجسيد شخصية «حليم» بأسلوب حديث وتقنيات متطورة، وهو ما حظي بدعم أسرة عبد الحليم التي اعتبرته الأنسب لتقديم الدور. وأوضح أن هذا الحلم تجدد بعد مشاهدة فيلم «مايكل»، لافتاً إلى تجربته السابقة في تجسيد الشخصية ضمن فيلم «سمير وشهير وبهير»، التي لاقت تفاعلاً إيجابياً.

وتابع العزازي: «حكاية صعود (حليم) وحتى انتهاء مشواره، حدوتة ثرية ومليئة بالأحداث، لأنه جزء من تاريخ مصر الحديث، وتوهجها السياسي والإنساني، وكيف عبر عنها في أعماله، وتأثر الناس بها محلياً ودولياً من خلال موسيقاه، وأغنياته في حياته وبعد رحيله».

وأضاف أن قصة صعود عبد الحليم حتى نهاية مشواره الفني تمثل مادة ثرية، كونه جزءاً من تاريخ مصر الحديث، وما شهده من تحولات سياسية وإنسانية انعكست في أعماله، التي أثرت في الجمهور محلياً وعالمياً.

وأشار إلى أن الأعمال السابقة لم تُبرز جميع جوانب حياة «العندليب»، مؤكداً أن المشروع الجديد يهدف إلى تقديم رؤية مختلفة تعتمد على التقنيات الحديثة وتطور صناعة السينما.

الفنان محمود العزازي في دور «حليم» بأحد الأفلام (صفحته على فيسبوك)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن أعمال السيرة الذاتية تتطلب إعداداً دقيقاً والاعتماد على معلومات موثوقة، نظراً لأهميتها في توثيق الشخصيات وتعريف الأجيال بمسيرتها. وأبدت تشككها في جدوى تقديم سيرة عبد الحليم حالياً، معتبرة أن جمهوره على دراية واسعة بأعماله وأرشيفه الفني.

وأوضحت أن فيلم «مايكل» استغرق سنوات من التحضير والتدريب المكثف لاختيار وتجسيد الشخصية بدقة، وهو ما يصعب تحقيقه بالآليات المتبعة في السينما العربية، التي تواجه تحديات تتعلق بانتقادات الجمهور، وعدم تطابق الشكل، والتحفظ في تناول بعض الجوانب الشخصية، مما قد يؤثر على موضوعية العمل.

يُذكر أن عبد الحليم حافظ (1929–1977) بدأ مسيرته في خمسينات القرن الماضي، وقدّم مجموعة كبيرة من الأغنيات العاطفية والوطنية والدينية، من أبرزها «توبة» و«موعود» و«قارئة الفنجان» و«عدى النهار» و«صورة»، إلى جانب أفلام سينمائية بارزة مثل «معبودة الجماهير» و«الوسادة الخالية» و«شارع الحب» و«أبي فوق الشجرة» و«الخطايا».