مياه الشرق الأوسط تتأهب لأول مشروع «بحار رقمية» في العالم

«الشرق الأوسط» تتجول في «الأسطول الخامس» وترصد تقدم مشروع المسيّرات البحرية

إطلاق مسيرة بحرية غائصة في خليج العقبة خلال مناورات مشتركة في 8 فبراير 2022 (البحرية الأميركية)
إطلاق مسيرة بحرية غائصة في خليج العقبة خلال مناورات مشتركة في 8 فبراير 2022 (البحرية الأميركية)
TT

مياه الشرق الأوسط تتأهب لأول مشروع «بحار رقمية» في العالم

إطلاق مسيرة بحرية غائصة في خليج العقبة خلال مناورات مشتركة في 8 فبراير 2022 (البحرية الأميركية)
إطلاق مسيرة بحرية غائصة في خليج العقبة خلال مناورات مشتركة في 8 فبراير 2022 (البحرية الأميركية)

خرائط ذكية، وبيانات أقمار صناعية، وشاشات مراقبة تفاعلية. هكذا تبدو غرفة قيادة «فرقة العمل 59» في الأسطول الخامس، التي تؤسس لمستقبل الأمن البحري في الشرق الأوسط.
باعتماد الذكاء الصناعي جوهراً لعملياتها، تسعى البحرية الأميركية، بالتعاون مع حلفائها في الشرق الأوسط، إلى تأمين حركة التجارة ومحاصرة التهريب وردع التهديدات عبر شبكة مترابطة من المركبات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار الذكية، والسفن الحربية، والعوامات.
من داخل مقر الأسطول الخامس في البحرين، رصدت «الشرق الأوسط» خطوات «رقمنة» المياه الإقليمية، التي تهدف إلى تعزيز الوعي بالمجال البحري الشاسع، وتعزيز عامل الردع.
فكيف تخطّط البحرية الأميركية لتحويل هذه الرؤية إلى حقيقة؟ وما سبب اختيار مياه الشرق الأوسط لإطلاقها؟
ثورة مسيّرات
قطعت البحرية الأميركية أشواطاً متقدّمة لتحقيق رؤيتها لمياه آمنة ومستقرة في الشرق الأوسط. ويشكّل أسطول المسيّرات البحرية «العائمة»، الذي أعلنت عنه مطلع هذا العام، جزءاً لا يتجزأ من مشروع «رقمنة البحار»، إلى جانب الطائرات من دون طيار، والمركبات المسيرة الغائصة تحت سطح البحر.

مسيّرة بحرية عائمة وسفينة «يو. إس. إس. سيو سيتي» الأميركية تبحران بالخليج العربي في 26 يونيو 2022 (البحرية الأميركية)

ومن مقرّ غرفة القيادة في «فرقة العمل 59» التي تأسست في سبتمبر (أيلول) 2021، وتعمل على دمج الأنظمة المسيّرة والذكاء الصناعي في العمليات البحرية للأسطول؛ قال المتحدّث باسم الأسطول الخامس القائد البحري تيموثي هوكينز: «تقترب البحرية الأميركية، بالتعاون مع حلفائها الإقليميين والدوليين من تحقيق ثورة تكنولوجية في مجال المسيرات البحرية العائمة بالشرق الأوسط»، مضيفاً: «نعمل على دمج أنظمة غير مأهولة والذكاء الصناعي في عملياتنا».
وكان الأسطول الأميركي الخامس أعلن عن إطلاق الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط أول قوة مسيرة بحرية في العالم. وسيشمل هذا الأسطول 100 مركبة مسيرة فوق سطح البحر بحلول صيف 2023.
وأوضح هوكينز: «نعتقد أن هناك قيمة مضافة لوضع عدد أكبر من الأعين في المياه، بهدف تعزيز وعينا حول ما يحصل في البحار المحيطة»، لافتاً إلى عدّة شاشات منتشرة في غرفة القيادة تراقب حركة الملاحة، وتحلّل البيانات التي تصل إليها من المركبات المسيرة، وتتحقق من الأنشطة البحرية المشبوهة.
وعن سبب اختيار منطقة الشرق الأوسط لإطلاق هذا الأسطول، يقول هوكينز إن المياه الإقليمية «مهمة للغاية للاقتصاد العالمي، وحيوية لحركة التجارة العالمية»، مشيراً إلى أن أسطول المسيرات البحرية يؤكّد التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة، ويعزز دورها الرادع للتهديدات بمختلف أنواعها.
بدوره، يرى النقيب مايكل براسور قائد «فرقة العمل 59» أن «المياه في منطقة الشرق الأوسط ديناميكية وواسعة. نحن نتحدث عن خمسة آلاف ميل من السواحل، من البحر الأحمر وحول شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى الخليج العربي، هذه منطقة ضخمة يجب تغطيتها. لكن الأهم من ذلك، فإن هذه المياه حيوية للاقتصاد العالمي».
ويضيف: «إذا اكتشفنا التهديدات بسرعة أكبر، فسنستطيع تجهيز أطقمنا للاستجابة بشكل أفضل وأسرع»، مؤكداً أن البحرية الأميركية تعمل بالتنسيق مع شركاء إقليميين وفي مجالي الصناعة والأكاديميا لدفع التطور والتكامل في هذا المجال.
رادارات وأقمار صناعية
يتمثّل الهدف الرئيسي من تأسيس أسطول للمسيرات البحرية في زيادة الوعي بالمجال البحري وتعزيز عامل الردع، عبر محاصرة التهديدات الأمنية المزعزعة للاستقرار؛ من تهريب المخدرات والأسلحة والبشر، إلى استهداف البنى التحتية للدول ومنشآتها المدنية، مروراً بعرقلة حركة التجارة الدولية عبر الممرات المائية الحيوية.
يقول قائد الأسطول الخامس، نائب الأدميرال براد كوبر، في حوار مع «الشرق الأوسط» نُشر يوم 26 أغسطس (آب) 2022، إن «الطائرات دون طيار تُستخدم منذ 20 عاماً، والمسيّرات تحت سطح الماء منذ 10 سنوات، أما المركبات المسيّرة العائمة فوق سطح الماء فلم يبدأ العمل بها إلا قبل نحو سنة واحدة».
وفيما لايزال العمل بهذه التقنية في بداياته، فإنه تمّ اختبار عدد من هذه المنصات في أضخم مناورات بحرية تشهدها منطقة الشرق الأوسط (IMX22)، والتي شاركت فيها 60 دولة في فبراير (شباط) الماضي. وشهد التمرين أكبر مناورات بحرية مسيّرة في العالم، مع إطلاق 80 مركبة مسيّرة من طرف 10 دول.
ويمكن تصنيف المسيّرات البحرية وفق قسمين، كما ذكر كوبر. «يتميّز الأول بالقدرة على البقاء فوق سطح البحر لنحو 200 يوم على التوالي، بينما يقدّم الثاني استجابة عالية السرعة تناهز 100 عقدة».

وجميع هذه المسيرات مزوّدة برادارات، وذكاء صناعي يمكّنها من رصد أي حركة غير اعتيادية أو نشاط مشكوك، وكاميرات «360 درجة» قادرة على التقاط صورة في كل ثانية. وترسل هذه المنصّات الذكية البيانات لمراكز قيادة الدول عبر الأقمار الصناعية في وقت قياسي، ليقوم المتلقّي بتحليلها والتحقيق في طبيعة التهديد والاستجابة له.
وعاينت «الشرق الأوسط» إحدى هذه المنصات، وهي المسيّرة البحرية «MAST 13» القادرة على الإبحار بسرعة عالية تناهز 40 عقدة، والمصممة للاستطلاع والاعتراض ودعم مهام الدوريات.
وكشفت وزارة الدفاع البريطانية عن «MAST 13» في عام 2019. ويبلغ طولها 13 متراً، وتتميّز بالقدرة على العمل كجزء من قوة بحرية متكاملة وجمع معلومات استخبارية حول سفن الخصوم، ورصد الألغام والتهديدات.
جهد جماعي
«الممرات المائية في الشرق الأوسط ديناميكية وسريعة للغاية. لا تستطيع أي قوة بحرية أو دولة معالجة جميع التحديات البحرية في هذه المنطقة منفردة». هكذا شرح قائد الأسطول الخامس أهمية العمل المشترك في نجاح أسطول المسيرات البحرية.
وبتنسيق الجهود، تستطيع دول المنطقة تمديد مسافة الاستطلاع عدة أضعاف خارج سواحلها. يقول كوبر: «عادةً، يمكن لأي دولة أن تستطلع بشكل فعال على بُعد 30 كيلومتراً من سواحلها، باستخدام أجهزة الاستشعار المتاحة. أما اليوم، وبفضل المركبات البحرية المسيّرة، امتدّ مدى الرؤية إلى 60 أو 90 كيلومتراً». وفيما تحفّظ المسؤول العسكري الأميركي عن الإفصاح عن الدول التي وافقت على الانضمام رسمياً للقوة البحرية الجديدة، أكّد اهتماماً واسعاً من جميع الشركاء، وعقد «محادثات متفاوتة المستوى» معهم. وشاركت المسيرات البحرية في عدد من المناورات الثنائية والجماعية في الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية، كان أبرزها تمرين «IMX22» الدولي، وتدريب «Intrinsic Defender» بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ودورية شاركت فيها مصر والولايات المتحدة دعماً لإطلاق «قوة الواجب 153».


مقالات ذات صلة

سلطان عُمان وأمير قطر يؤكدان أهمية حماية الملاحة البحرية والدفع نحو الحلول الدبلوماسية

الخليج سلطان عمان وأمير قطر (وكالة الأنباء العمانية)

سلطان عُمان وأمير قطر يؤكدان أهمية حماية الملاحة البحرية والدفع نحو الحلول الدبلوماسية

شدد سلطان عمان وأمير قطر على ضرورة إنهاء الصراعات عبر الوسائل الدبلوماسية، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة.

«الشرق الأوسط» (مسقط-الدوحة)
الاقتصاد صورة تظهر مؤشرات أسهم متراجعة (رويترز)

تراجع معظم بورصات الخليج مع إعلان ترمب فرض حصار على «هرمز»

تراجعت معظم أسواق الأسهم الرئيسية في منطقة الخليج، في التعاملات المبكرة يوم الاثنين، بعد إعلان واشنطن فرض حصار بحري على حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
آسيا سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز) p-circle

دعوات دولية للتهدئة وضمان المرور الآمن في مضيق هرمز

طالب وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بعودة المرور الآمن وغير المقيد والمستمر للسفن في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الخليج مشهد عام من مدينة الكويت (رويترز)

السعودية تدين اعتداءات استهدفت الكويت... وقطر تستأنف أنشطة الملاحة البحرية

بالتوازي مع انطلاق مسار مفاوضات بين قيادات أميركية وإيرانية رفيعة المستوى، السبت، في إسلام آباد، لم تسجِّل دول خليجية عدة أي تهديدات أو مخاطر تمس أجواءها.

إبراهيم القرشي (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي يستقبل الرئيس المصري في زيارة دعم وتضامن وسط حرب إيران (الرئاسة المصرية)

الخارجية المصرية لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع الخليج «راسخة وصلبة»

في وقت يثار فيه الجدل بشأن وجود تباينات في العلاقات الخليجية - المصرية، أكدت وزارة الخارجية المصرية لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن العلاقات «راسخة وصلبة».

محمد محمود (القاهرة)

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.