المحكمة الدستورية في تايلند تعلّق مهام رئيس الوزراء

TT

المحكمة الدستورية في تايلند تعلّق مهام رئيس الوزراء

علّقت المحكمة الدستورية في تايلند، أمس الأربعاء، مهام رئيس الوزراء برايوت شان - أو - شا بينما تنظر في قضية قد تتم إقالته بموجبها قبل أشهر من موعد الانتخابات العامة المتوقعة. وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن المحكمة وافقت على الاستماع إلى القضية التي رفعتها أحزاب في المعارضة تقول إن برايوت الذي تولى السلطة إثر انقلاب عام 2014 وصل إلى الحد الأقصى لولايته البالغ ثماني سنوات. ووافق القضاة بخمسة أصوات مقابل أربعة، على تعليق مهام برايوت، إلى حين اتّخاذ قرار بشأن القضية، وفق ما جاء في بيان للمحكمة.
وذكر البيان أن «المحكمة نظرت في الالتماس والوثائق المدّعمة ورأت أن الوقائع التي بني عليها الطلب تشير إلى مبررات معقولة للاشتباه بوجود قضية بناء على الطلب». وتابع: «بالتالي، كان هناك تصويت بالأغلبية (خمسة مقابل أربعة) لصالح تعليق مهام (برايوت) كرئيس للوزراء، (في قرار) يدخل حيّز التنفيذ 24 أغسطس (آب) 2022، إلى حين صدور قرار للمحكمة». وأمهلت المحكمة برايوت 15 يوماً للردّ على القضية المرفوعة ضدّه. وسيتولى براويت وونغسوان، وهو أحد نواب رئيس الوزراء الحالي، مهام رئاسة الوزراء بشكل مؤقت، إلى حين البتّ بالقضية. وقال وسانو كريا - نغام، وهو أيضاً نائب لرئيس الوزراء: «ستواصل الحكومة الحالية مهمتها كالمعتاد لأن الجنرال برايوت لم يُقَل من منصبه إنّما عُلّقت مهامه فقط». واعتبر بيتا ليمجارونرات، قائد حزب «فاك كاو كلاي» (التحرّك إلى الأمام) المعارض، الذي كان من الأحزاب التي دعمت الالتماس، أن البلاد تحتاج إلى قيادة جديدة. وقال بيتا لصحافيين في البرلمان: «الأمر أشبه بالتجديف بقارب داخل حوض الاستحمام، انطلاقاً من الجنرال برايوت وصولاً إلى الجنرال برايوت».
ليست المرة الأولى التي تؤثّر المحكمة الدستورية على سير السياسة التايلاندية. فقد ألغت نتائج الانتخابات العامة عامي 2006 و2014.
يحظر دستور تايلند منذ عام 2017 على رئيس الوزراء أن يبقى في المنصب لأكثر من ثماني سنوات في المجموع. وتقول الأحزاب المعارضة إن برايوت الذي تولى السلطة في عام 2014 قد بلغ الحدّ الأقصى من السنوات التي يسمح له فيها بالعمل في السلطة. واحتشد مئات المتظاهرين المناهضين للحكومة عند نصب الديمقراطية في بانكوك الثلاثاء قبل صدور قرار المحكمة. ومن المقرر تنظيم مزيد من المظاهرات. ويقول مناصرو برايوت إن احتساب مدة وجوده في السلطة بدأ حين وُضع دستور عام 2017. ومنهم من يعتبر أنه بدأ بعد الانتخابات العامة في 2019.
إذا تبعت المحكمة هذا المنطق، يمكن لبرايوت أن يبقى في الحكم عملياً حتى عام 2025 أو حتى 2027، في حال فوزه في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها بحلول مارس (آذار). ووصل برايوت، الذي كان قائداً سابقاً للجيش، إلى السلطة، بعد انقلاب عسكري أطاح بحكومة يينغلاك شيناواترا المُنتخبة ديمقراطياً.
ترأس فيما بعد حكومة المجلس العسكري لخمس سنوات بعدما عيّنه الملك في المنصب في 24 أغسطس 2014. ثمّ بقي في رئاسة الوزراء بعد الانتخابات العامة التي جرت في عام 2019. وأظهر استطلاع حديث أن ثلثي المستطلعين يريدون أن يترك برايوت منصبه على الفور. وفي عهد برايوت، سجّلت المملكة التايلاندية أسوأ نشاط اقتصادي لها خلال 30 عاماً. وواجهت حكومته انتقادات حول إدارتها لتفشي «كوفيد - 19». واستقطبت المسيرات المؤيدة للديمقراطية في عام 2020. بقيادة الشباب في بانكوك، عشرات آلاف الأشخاص في ذروتها، وكانت استقالة برايوت من المطالب الرئيسية للحركة الاحتجاجية حينذاك.
ووضعت الشرطة أمس الأربعاء حاويات شحن في بعض الشوارع قرب مبانٍ حكومية تحسباً لحصول أي احتجاجات جديدة.


مقالات ذات صلة

ملك تايلاند يعين ابنته الصغرى «ميجور جنرال» في الجيش

العالم ملك تايلاند يعين ابنته الصغرى «ميجور جنرال» في الجيش

ملك تايلاند يعين ابنته الصغرى «ميجور جنرال» في الجيش

أعلنت الجريدة الرسمية في تايلاند تعيين الأميرة سيريفانافاري ناريراتانا راجاكانيا متخصصة في الجيش التايلاندي الملكي برتبة «ميجور جنرال»، بحسب وكالة «بلومبيرغ» للأنباء. وأعلن الملك ماها فاجير الونجكورن أمس (الجمعة) تعيين كريمته التي تبلغ من العمر 36 عاماً في أحدث جولة من الترقيات العسكرية، والتي تدخل حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من أبريل (نيسان) المقبل. وتحمل الأميرة درجة الماجستير في التصميم من غرفة اتحاد تصميم الأزياء الباريسية، بالعاصمة الفرنسية، وأصبحت مصممة أزياء ولديها ماركة باسم «سيريفانافاري». والأميرة هي الابنة الصغرى للملك، بينما الابنة الكبرى للملك الأميرة باجراكيتيابها نقلت إلى المس

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الخليج السعودية وتايلاند تعفيان حاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة من التأشيرة

السعودية وتايلاند تعفيان حاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة من التأشيرة

وقَّعت السعودية وتايلاند، في بانكوك، اليوم (الأربعاء)، مذكرة تفاهم بشأن إعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة من تأشيرة الدخول، بعد عام من سماح الرياض بسفر مواطنيها إلى هناك، ودخول التايلانديين البلاد، وذلك عقب 3 عقود من الحظر. جاء توقيع المذكرة خلال استقبال دون برامودويناي نائب رئيس الوزراء وزير خارجية تايلاند، للمهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي، الذي يقوم بزيارة رسمية لبانكوك التقى فيها أيضاً نظيره فيجافات إيزارابهاكدي، ورئيس البرلمان تشوان ليكباي، كلّاً على حدة. وجرى، خلال اللقاءات، استعراض علاقات الصداقة وأوجه التعاون بين البلدين، وسبل تعزيزها وتطويرها في المجالات كافة، بال

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
يوميات الشرق دونغبيتش برومثب وسط أفراد أسرته بعد إنقاذه من الكهف (أرشيفية - أ.ب)

وفاة صبي جرى إنقاذه من كهف تايلند عام 2018 بإصابة في الرأس

تُوفي قائد فريق كرة القدم التايلندي، والذي جرى إنقاذه وزملائه من الكهف في تايلند عام 2018.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم جانب من تلوث الهواء في بانكوك (وسائل إعلام تايلاندية)

ليس بسبب كورونا... بانكوك تحث سكانها على العمل من المنزل وارتداء الكمامات

بعد نحو عامين من دخول مناطق واسعة حول العالم في إغلاقات وعمل الموظفين من المنزل وإلزامية ارتداء الكمامات بسبب فيروس «كوفيد-19»، حثّت السلطات التايلاندية سكان بانكوك على العمل من المنزل، والالتزام بارتداء الكمامات في الأماكن المفتوحة، ليس بسبب كورونا وإنما في ظل تفاقم مستويات تلوث الهواء في واحدة من أعلى مدن العالم من حيث معدلات زيارتها. ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء، اليوم (الأربعاء)، عن حاكم بانكوك، تشادشارت سيتيبونت، قوله في بيان له أمس الثلاثاء، إن سكان المدينة الذين يزيد عددهم على 10 ملايين نسمة، يجب أن يعملوا من منازلهم إذا أمكن ذلك، أو أن يتحولوا من استخدام سياراتهم الشخصية إلى خيارات ال

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
العالم السفينة «سوخوتاي» قبل غرقها بالكامل (أ.ف.ب)

غرق سفينة حربية تايلاندية... و31 بحاراً في عداد المفقودين

فُقد 31 من عناصر البحرية التايلاندية إثر غرق سفينتهم قبالة السواحل الجنوبية الشرقية للبلاد بعيد منتصف ليل أمس (الأحد)، وفق ما أعلنت السلطات. وكانت السفينة «سوخوتاي» التابعة لسلاح البحرية تقوم بدورية في خليج تايلاند، على بعد 37 كيلومتراً من رصيف «بانغ سابان» في براشواب خيري خان (جنوب) عندما واجهت أمواجاً قوية وتسربت المياه إلى داخلها. وأطلقت السلطات عملية إنقاذ بعد تضرر الأنظمة الإلكترونية للسفينة، وأظهرت صور نشرها سلاح البحرية السفينة مائلة على جانبها. وقال المتحدث باسم البحرية؛ الأدميرال بوغكرونغ موترادبالين: «ما زلنا نبحث عن 31 مفقوداً».

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».