مشكلات الخطاب العربي وخيبة الآيديولوجيا

«فسحات الفلسفة وارتكاسات الخطاب» لعمر كوش

مشكلات الخطاب العربي وخيبة الآيديولوجيا
TT

مشكلات الخطاب العربي وخيبة الآيديولوجيا

مشكلات الخطاب العربي وخيبة الآيديولوجيا

في مائة وست وستين صفحة من القطع المتوسط –يشتمل عليها كتابه (فسحات الفلسفة وارتكاسات الخطاب) الصادر حديثاً عن دار «خواطر»- يقدّم الكاتب والباحث السوري عمر كوش نظرة شاملة ومكثفة عن الاتجاهات الفلسفية الجديدة في القرن العشرين. ينطلق من ذلك إلى نقد التمركز على الذات في الفلسفة الغربية، ونقد محاولات النهضة والتنوير العربيين، بما فيهما من تغرُّب أو محاولة التمركز على الذات أيضاً، وصولاً إلى مشكلات الخطاب العربي الحالي وما يوافقه من ظروف الهزيمة وخيبة الآيديولوجيا والنكسة إلى الوراء في السعي نحو بناء الهوية: المهمة التي لا تكاد تنجز منذ زمن.
يعرض المؤلف آراء فلاسفة الاختلاف رافضي التمركز على الذات، والداعين لإعادة الاعتبار للمختلِف المُهمَّش. فالاختلاف شرط لبناء الفلسفة كحقل معرفي قائم على إبداع المفاهيم وليس صنعها. وهنا يركز المؤلف على ربط الفلسفة بالمكان عند جيل دولوز، ويشرح «تأثير الأرض في المكان الذي تشغله الجماعة البشرية»، ويتناول علاقة الفلسفة بعلم الاجتماع عند بيير بورديو الذي انتقد البنيات الأساسية للمجتمع والدولة، وكذلك ما سمّاه «العقل المدرسي»، وأصرّ على اجتماعية الفلسفة المتجلية في علاقة الفيلسوف المقامة مع التاريخ وتنويع مصادر البحث: علم نفس، علم اجتماع، لغة...
ينتقد الكاتب وبحدّة تأثّر بعض مثقفي الشرق غير الواعي بنظريات الغرب، رافضاً الإطلاق المفهومي لـ(الشرق، الغرب) حيث لم يتحقق يوماً إن كان هناك غرب واحد أو شرق واحد. على رأس هؤلاء المثقفين الذين ينتقدهم كوش الأديب طه حسين الذي يتخذه مثالاً لما سماها «شرقنة الذات» بمعنى الانجرار لما ألصقته نظرية التفوق الغربي بالشرق من جهل وتوحش وبربرية، وترسيخ صورته المليئة بالبخور والسحر والطلاسم أمام الغرب العائد إلى الأصل الإغريقي صاحب الفلسفة والتفوق العقلي ومركز الحضارة والديمقراطية والحريات. وفي الوقت نفسه، ينتقد نظرية الغرب في التمركز على الذات، وثنائيات: متقدم-متأخر، متمدن-بربري، إنساني-متوحش... إلخ، ودور الاستشراق في تثبيتها، وظاهرة الأوروبة التي تحوّل النموذج الأوروبي إلى معيق لصيرورة الأمم الأخرى في إطار سعيه للهيمنة المباشرة أو غير المباشرة عليها.
يؤكد الكاتب على الحاجة لدراسات اجتماعية مثل التي قام بها بورديو وفريقه في أماكن اجتماعية كثيرة بعد التحول باتجاه الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق في فرنسا، وما خلصت إليه الأبحاث من «تعليقات سياسية وفهم فلسفي» عبر مداخل متعددة كان مفتاحها الاقتراب من هموم البشر فعالجت مواضيع جوهرية: البطالة، والهوية، والعنف الاجتماعي، والعنصرية، وسيطرة وسائل الإعلام... ويمكن أن تؤدي دراسات كهذه على الساحة العربية إلى فهم أكبر لمشكلاتنا على المستويات آنفة الذكر.

التمايز والاختلاف
يفرد الكاتب فصلاً لكل من المفكر المغربي طه عبد الرحمن في كتابه «الحق العربي في الاختلاف الفلسفي»، والمفكرين: التونسي أبو يعرب المرزوقي والسوري طيب تيزيني، في الكتاب الحواري المشترك «آفاق فلسفة عربية معاصرة».
يطرح عبد الرحمن فكرة «السؤال المسؤول» كطور ثالث للسؤال بعد السؤالين الإغريقي (سؤال فحص) والأوروبي الحديث (سؤال نقد). وهنا ينقُض الكاتب افتراض عبد الرحمن بأن المفاهيم التي يتكئ عليها لا تُفضي إلى السؤال المسؤول، بل إلى السؤال النقدي. وفي حين يوافقه في حق العرب في الاختلاف الفلسفي «يحق لكل قوم أن يتفلسفوا على مقتضى خصوصيتهم الثقافية، مع الاعتراف لسواهم بذات الحق»، إلا أنه يرى أن «فهم عبد الرحمن للاختلاف هو فهم خارجي وتبسيطي، إذ يستخدمه في الوقوف على إشكال الاختلاف الفلسفي بين كونية الفلسفة وقوميتها، لينحاز إلى القول بقومية الفلسفة». كما ينتقد دعوته لتجريد التراجم من تربتها المعرفية من خلال نقل المعاني الفلسفية الأساسية بالمعاني المتداولة عربياً! إذ يرى الكاتب أن الفلسفة «تكون فلسفة بقدر ما يُشيّد مقامها سواء أكانت عربية أم إسلامية أو هندية أم يونانية».
أما بالنسبة للمرزوقي، فإنه يرجع إلى لحظتين تاريخيتين للفلسفة العربية: الأولى من القرن الثاني للهجرة إلى وفاة ابن خلدون، والأخرى منذ بداية النهضة مطلع القرن التاسع عشر إلى أيامنا. ويقسم الفكر الفلسفي العربي ما بين: حركة إحياء (بعث السنن العربية الإسلامية)، وحركة استنبات (توطين السنن الغربية). بذلك يصبح لدى المرزوقي ثنائية حاسمة التنافر ما بين مؤمن - ملحد، أو مسلم - كافر، وتتسع الهوّة بين طرفي الثنائية داخلياً وخارجياً حتى تصل للتصادم الحربي! ويقول كوش عن ذلك: «لا يُجهد المرزوقي نفسه في تقصي مكونات الفكر العربي الإسلامي وأطيافه المختلفة والمتعددة في الألوان ودرجاتها، بل يرتاح إلى تقسيم ميتافيزيقي ثنائي، يقوم على... الصراع بين قطبي ثنائية: الإيمان والإلحاد».
أما طيب تيزيني فيرى أن الإرهاصات الفلسفية العربية ظلت محكومة بسلطات ثلاث: سلطة الفقهاء، وجمهور المؤمنين، وموقع الحرية الفكرية. وأن المنتج الفلسفي كان وما زال ملاحَقاً، ما أدى إلى ظهوره في أشكال احتمالية أو خفية... ويرى أيضاً أن أزمة الفلسفة تتعمق بسبب الموقف العربي الذي يرى الفلسفة من شؤون النخب، وبسبب امتداد ما أصاب الفلسفة كونياً، من نزعات علموية ووظيفية وآيديولوجية، إلى وضعها العربي الراهن. ويقرن إمكانية نشوء فكر فلسفي عربي باستقلال الإنتاج النظري كنسق ذهني، والتعددية الآيديولوجية والثقافية العامة في المؤسسات الدولتية والمدنية، والحرية في الإنتاج الفلسفي، ونشوء مؤسسات علمية وفكرية تعمل على جعله حالة مجتمعية عامة. كما يحدد مسائل ملحّة للتفلسف: الحرية، والديمقراطية، والحقيقة، والآيديولوجيا، والعلاقة بين الدين والفلسفة، والنهضة والتنوير العربي.
أما عمر كوش فيقول: «إن البحث عن فلسفة عربية لا يخرج عن إشكالية مركبة... وهي إشكالية تتعلق بطبيعة السؤال الفلسفي الراهن... لكن السؤال متعلق أيضاً بشروط عملية التفكير الفلسفي وممارستها الحرة. وفي حاضر الفلسفة العربي أمثلة متنوعة، تشهد على أن التفكير الفلسفي مهدد بصعاب شتى، أهمها توفر شرط حرية التفكير والممارسة دون مسبقات أو حواجز، وتوفر الرؤية النقدية التي تضع كل شيء أمام المساءلة والحفر والاستنطاق والتفكيك والخلخلة».
* كاتب سوري


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كامل الباشا: «صحاب الأرض» وثيقة درامية لواقع إنساني مؤلم

قال لـ«الشرق الأوسط» إن «صحاب الأرض» وثق وقائع حقيقية (الشركة المتحدة)
قال لـ«الشرق الأوسط» إن «صحاب الأرض» وثق وقائع حقيقية (الشركة المتحدة)
TT

كامل الباشا: «صحاب الأرض» وثيقة درامية لواقع إنساني مؤلم

قال لـ«الشرق الأوسط» إن «صحاب الأرض» وثق وقائع حقيقية (الشركة المتحدة)
قال لـ«الشرق الأوسط» إن «صحاب الأرض» وثق وقائع حقيقية (الشركة المتحدة)

قال الفنان الفلسطيني كامل الباشا إن مسلسل «صحاب الأرض» يعد وثيقة درامية لواقع إنساني مؤلم، متوقعاً أن يمتد تأثيره ليُسهم في مزيد من الفهم والمساندة لفلسطين وشعبها، وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «توخي الدقة عامل أساسي لنجاح أي عمل فني»، لافتاً إلى أن تصوير المسلسل بالقاهرة تم عبر مواقع وديكورات مدروسة بعناية موثقاً حكايات حقيقية لامست الفلسطينيين وجعلتهم يبكون ويضحكون مع أحداث المسلسل.

ولفت الفنان كامل الباشا الأنظار بشخصية «إبراهيم» التي أداها بالمسلسل وهي لعجوز فلسطيني مريض بألزهايمر يُصر على أن يواصل الحياة وسط أنقاض بيته، ورغم ضعف ذاكرته فإنه لم ينسَ قضية بلاده.

وعَكست شخصية «إبراهيم» دلالة رمزية للفلسطيني الذي قد تعتل ذاكرته بفعل المرض لكن لا يمكن أبداً أن يسقط تاريخ بلاده من ذاكرته، ليروي عنه في مشاهد من المسلسل، وهو ما يعبر عنه كامل الباشا قائلاً: «معاناتنا وقضيتنا باتت جزءاً أساسياً في (الكود الوراثي) لكل فلسطيني ولكل إنسان حر على كوكبنا، وشخصية (إبراهيم) هي انعكاس لذلك».

الفنان الفلسطيني كامل الباشا على ملصق المسلسل (الشركة المتحدة)

وقدم كامل الباشا، الحائز على جائزة أفضل ممثل بمهرجان فينيسيا 2017، أداء لافتاً يليق بالشخصية، وصفه نقاد بأنه أداء عبقري اندمج فيه تماماً مع الشخصية حتى نَسِيَ شخصيته الحقيقية، وحدد الباشا 3 مفاتيح مكنته من التعامل مع الشخصية هي: «البساطة والصدق والأمانة».

عدد كبير من الجمهور الذي تابع المسلسل لم يصدق أنه جرى تصوير كل مشاهده في القاهرة، معتقداً أن التصوير تم في غزة، ويفسر كامل الباشا هذا الأمر قائلاً: «إن توخي الدقة يُعد عاملاً أساسياً لنجاح أي عمل فني، والمسلسل تم تصويره في القاهرة عبر مواقع وديكورات مدروسة بعناية، فكانت هذه النتيجة».

ويصف الفنان الفلسطيني عمله مع المخرج بيتر ميمي بقوله إنه «يبدو مثل العمل مع طبيب بغرفة عمليات، صعب وممتع ودقيق»، معبراً عن امتنانه لمشاركته في المسلسل، قائلاً: «ممتن لبيتر وللشركة المتحدة التي راهنت على عمل مهم وحساس وضروري».

وحول ردود الفعل التي لمسها من الفلسطينيين حول المسلسل يقول الباشا: «الجمهور الفلسطيني وأسرتي يتابعون المسلسل باهتمام رغم الألم، يبكون ويضحكون ويُقدِّرون الجهد المبذول في الإنتاج، لا شك أن المسلسل قاسٍ بالنسبة لأهلنا في غزة وهذا مفهوم، البعض يراه أقل من قسوة الواقع والبعض يسترجع ألمه من خلاله، والمهم أن المسلسل يعد وثيقة درامية لواقع إنساني مؤلم، وأتوقع أن يمتد تأثيره ليُسهم في مزيد من الفهم والمساندة لفلسطين وشعبها».

وحول آراء الغزيين عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وأنهم عاشوا وقائع صورة طبق الأصل مما عرضه المسلسل، يؤكد الفنان الفلسطيني أن المسلسل به جانب توثيقي، مشدداً على أن «كافة أحداث المسلسل بُنيت بالأساس على قصص واقعية وتم توظيفها في إطار درامي ملائم».

وأثار مشهد الفرح الفلسطيني الذي عرض بالحلقة العاشرة حالة من البهجة على أحداث المسلسل رغم الألم، ويعلق الباشا على ذلك مؤكداً أنه «مشهد معتاد في الثقافة الفلسطينية، وإلا لكنا قد انقرضنا منذ زمن، نحن نعيش أفراحنا قدر المستطاع رغم الجراح، ومستمرون بعون الله».

وحول رأيه في رد فعل الصحافة الإسرائيلية والمتحدثة باسم قوات الاحتلال على المسلسل يقول: «رد فعلهم متوقع ولا تعليق سوى أننا نقلنا حقيقة ما جرى ويجري».

كامل والفنان آدم بكري في أحد مشاهد المسلسل (الشركة المتحدة)

وكشف الفنان الفلسطيني عن أن التوتر كان مرافقاً لهم جميعاً أثناء التصوير، موضحاً: «نحن نتحدث عن واقع رآه العالم عبر (السوشيال ميديا) وما زال مستمراً، ولا نريد أن نُضيف ألماً للألم، بل نريد إبراز الصمود والصبر والثبات وحب هذا الشعب للحياة رغم كل شيء، وأرجو أن نكون قد وُفقنا في ذلك».

وجاء صوت المطرب المصري أمير عيد، والفلسطينية ناي برغوثي، في مقدمة ونهاية المسلسل بأغنية «ياما مويل الهوا» ليعكس اختياراً موفقاً لمسلسل مصري يتناول وقائع حرب غزة، ويرى كامل الباشا أن امتزاج اللهجتين المصرية والفلسطينية في تتر المسلسل وفي قصته وأحداثه يعبر بصدق عن وقوفنا معاً في وجه آلة الدمار المتغطرسة بقوتها وبدعم قوى الاستعمار لها»، مؤكداً أن «دمنا واحد ومستقبلنا المشرق واحد بإذن الله».

وكان الباشا الذي يجمع بين التمثيل والإخراج المسرحي قد شارك أمير عيد بطولة مسلسل «دواعي السفر» الذي حقق نجاحاً لافتاً، كما يجمعهما مجدداً الفيلم السينمائي «أحلام سلطان المنسي»، من تأليف وإخراج محمد ناير، ويشارك في بطولة الفيلم باسم سمرة وياسمين المصري، وتدور أحداثه خلال فترة التسعينات. وأكد الباشا أنه من المتوقع عرض الفيلم خلال الفترة المقبلة.


«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)
من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)
TT

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)
من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)

في سباق أفضل سيناريوهين، أصلي ومقتبس، للفوز بجائزة الأوسكار يكمن الفارق الأول بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، وسيناريو مقتبس عن مسرحية أو كتاب أو أي مصدر آخر، في أن الأول يستخدم بالضرورة خيالاً كاملاً حتى وإن كان السيناريو مستوحى من حقيقة ما أو حادثة.

السيناريو المقتبس يستخدم، بالضرورة، خيالاً أقل إجمالاً. هو مرتبط بنصٍّ ابتدعه خيال آخر غير خيال المخرج.

في هذا السباق هناك كثير مما يمكن تحليله لمعرفة أي من السيناريوهات الـ10 المقدَّمة قد يكون أهلاً للفوز أكثر من سواه.

5 مكتوبة خصيصاً

الأعمال المتنافسة على أوسكار أفضل فيلم أصلي (أي مكتوبة خصيصاً للسينما) هي:

• «بلو مون» (Blue Moon) لكاتبه روبرو كابلوڤ (إخراج رتشارد لينكلاتر).

• خاطئون (Sinners) كتابة وإخراج رايان كوغلر.

• مجرد حادثة (It Was Just an Accident) لنادر سايڤر وشادمهر رستين ومهندي محموديان، بالإضافة للمخرج جعفر بناهي.

• «قيمة عاطفية» (Sentimental Value) للكاتب والمخرج يواكيم تراير، بالاشتراك مع إسكل فوغت.

• «مارتي سوبريم» (Marty Supreme) المكتوب شراكة بين مخرجه جوش صفدي ورينولد برونستين.

فيلم «خاطئون» (وورنر - AP)

هناك أكثر من سبب يمنح «خاطئون» أولويةً في هذه المنافسة. سيناريو كوغلر يتوقَّف عند شخصياته عوض تحريكها مثل قطع دومينو. هذا ضروري لكتابة جيّدة ويعني أنَّ الكاتب منح كل شخصية ركنها الخاص من الأهمية وجسّد المبرر لوجودها.

لا يسعى كوغلر لمجرد توفير شخصيات متباينة تؤدي أدوارها في طيّات الحكاية، بل يضع خطّاً تحت حضورها حتى ولو لم تكن تلعب شخصية رئيسية (كحال الشخصيّتين الصينيتين). حين نأتي إلى التوأم (قام بهما الممثل مايكل ب. جونسن) فإن تقديمهما في البداية قائم على رسم متجانس لكن في النصف الثاني من الفيلم يفصل كروغر بينهما، مانحاً كل واحد منهما شخصية مختلفة عن الآخر بقدر ملحوظ.

هذا التباين بين الشخصيات يوفر توتراً متصاعداً في 3 عناصر أساسية. الأول يتمثَّل في الشقيقين الخارجين من الحرب (العالمية الأولى) برغبة العودة إلى عمق الجنوب الأميركي. الثاني هو أنَّ هذا العمق هو جزء من فن الغناء الأميركي (البلوز)، والثالث هو حكاية سامي الذي تحوّل إلى ڤامباير (مصاص دماء). في هذا الدمج لا ينسى السيناريو أن يتطرَّق بوضوح لموقع العنصرية البيضاء في هذا الخضم كونها، مباشرة أو على نحو غير مباشر مورست على السود في تلك الفترة وذلك المكان.

بناء الأجواء لكل هذه التيمات بدأ بالكتابة أساساً، وهذا واضح في الانتقال السلس بينها.

علاوة على كل ذلك، هناك ثقة لدى كوغلر في أن المشاهد سيستجيب لفيلم يحمل في طيّاته الموسيقى والرعب والقضية العنصرية معاً.

منظومة نقدية

من ناحيته، يتعامل سيناريو «مجرد حادثة» مع مستوى واحد من الأحداث، لكنه يستثمر في تحويل المادة من دراما إلى كوميديا سوداء بسهولة. لا نقاط فصل بين بداية الفيلم الذي يصوّر خطف ضابط سابق لاستنطاقه من قِبل سجناء سابقين، وبين ما ستنجلي عنه الأحداث اللاحقة التي تنتهي بأن لا أحد من الخاطفين واثق من أن المخطوف هو المطلوب، بذلك يصبح الموضوع منفصلاً عن الحكاية فهو ليس عمّا إذا كان المخطوف مذنباً أم لا، بل عن أسبابها الحاضرة في النظام.

إنه مشروع قيّم مكتوب ومنفّذ بمعرفة من دون أن يبتعد السيناريو عن هدفه المحدد. يأخذ عيّنه من الوضع ويلتزم بها.

«مارتي سوبريم» (A24-AP)

في «مارتي سوبريم» تختلف تقنيات الكتابة. الرغبة هنا هي الدفع باتجاه الإعجاب بشخصية نرجسية من دون انتقادها (هذا ما فعله مارتن سكورسيزي عندما كتب وأخرج «ذئب وول ستريت» The Wolf of Wall Street).

«مارتي سوبريم» مكتوب بحرفية جيدة مُصاغة لكي تخدم تلك الرغبة في منح بطله القدرة على تجاوز التحديات التي تواجهه.

هذا نوع من السيناريوهات التي تُكتب جيّداً وتترجم إلى مشاهد مثيرة للإعجاب أو للانتقاد حسب رد فعل المشاهد حيال الشخصية أو الموضوع.

هذا كذلك حال «بلو مون» و«قيمة عاطفية». ما يجمع بين هذين الفيلمين قدر كبير من الحوار في رغبة كل مخرج (رتشارد لينكلاتر ويواكيم تراير) لشرح حالتين مختلفتين.

السيناريوهات المقتبسة

الأعمال المتنافسة على أوسكار أفضل فيلم مقتبس هي:

• «أحلام قطار» (Train Dreams) مقتبس عن رواية بالعنوان نفسه وضعها دنيس جونسن مع المخرج كلينت ينتلي.

• «بوغونيا» (Buonia) سيناريو ول ترايسي مأخوذ عن فيلم كتبه جان-كونغ كوان.

• «فرانكنشتين» (Frankenstein) اقتبسه المخرج غويلرمو دل تورو عن رواية ماري أشلي.

• «معركة بعد أخرى» (One Battle After Another). كتبه المخرج بول توماس أندرسن عن رواية لتوماس بينشون

• «هامنت» (Hamnet) وضعت السيناريو المخرجة كلووي زاو مع مؤلفة الرواية ماجي أوفاريل.

قراءة سيناريو فيلم «فرانكنشتين» ملهِمة ومتعبة تماماً كحال الفيلم الماثل على الشاشة. لكن هذا لا يمنع من الإعجاب بالجهد المبذول لتحقيق عمل مختلف عن كل فيلم سابق حول ذلك العالِم والوحش.

مشهد من «معركة بعد أخرى» (وورنر - AP)

من ناحية التزام من قِبل السيناريو بنص رواية ماري شيلي. نعم الشخصيات الأساسية موجودة لكن الحكاية منفصلة. هو ليس عن الدكتور الذي أوجد الوحش، بل عنه وعن الوحش، وعن العلاقات العاطفية والاجتماعية تحت سقف وأجواء فكتورية. هو عن كل ذلك المحيط، وعن كل الشخصيات الصغيرة والكبيرة، وكيف تتعرّض لتبعات ما يقع. القصّة الماثلة تبتعد عن العمود الفقري للرواية لتخلق أحداثاً مختلفة تقوم على منح الوحش مشاعر إنسانية ومنحه فرانكنشتين كل سبب ممكن للخوف من انتقام صنيعه.

الجهد في التغيير، والانتقال من مجرد سرد قصة إلى تشبيعها بالمدلولات والأحداث المتلاحمة نجده في سيناريو «معركة بعد أخرى». هذا الفيلم يشترك و«فرانكنشتين» في اعتماده على انتقالات. في فيلم دل تورو يوزّع الحكاية بين 3 وجهات نظر. في فيلم أندرسن ينتقل السيناريو ما بين أحداث لا تجتمع في فترة زمنية واحدة.

يعدّ مكتوباً جيّداً ومنفّذاً بخبرة السيناريو الذي يستطيع تحقيق فيلم بمدلولات سياسية من دون أن يحكي سياسة مباشرة، ملتزماً بما تستطيع شخصياته، وما تمر به الدراما من مواقف وأحداث لكي تعكس الوضع الانتقادي للمؤسسة.

تراجيديا

مع «هامنت» الوضع مختلف كلياً. هذا فيلم يقوم على بنية افتراضية حول الأسباب التراجيدية التي دفعت بوليام شكسبير لكتابة مسرحيّته الشهيرة «هاملت». ما لا يتحقق جيّداً في هذا النص هو أن العلاقة بين الفيلم وبين شكسبير تبقى في إطار استغلالي. كان يمكن مثلاً سرد الحكاية ذاتها من بطولة شخصيات أخرى من دون تغيير أحداثها لكن الرغبة في استثمار شكسبير تجاوزت هذه الحقيقة.

حقيقة أخرى من المعتقد أن يتجاوزها الناخبون هنا، هي أن الكتابة تمنح المخرجة سيلاً من المواقف الفجاعية مباشرة من بعد مشاهد التأسيس. هنا يميل الفيلم، والسيناريو قبله، إلى تعميم التراجيديا التي ينشدها بعدما وجد السبب لذلك.

«أحلام قطار» أفضل كتابة من حيث إنه أبسط في تقنياته من دون أن يكون أقل إجادة في الوقت ذاته. هو بمثابة حلم لكل مَن يريد كتابة سيناريو قائم على حبكة محدودة المكان والزمان والشخصية، من دون أن يقع في الرتابة أو الوصفية.

«بوغونيا» (فوكاس بيكتشرز - AP)

بالنسبة لفيلم «بوغونيا» نجده يختلف عمّا سبق، لكنه لا يتجاوزه في الأهمية.

الموضوع هنا قائم على 3 شخصيات أساسية تتداول مواقفها تبعاً لتطوّر مستطيل الشكل (معظم المشاهد تقع في غرفة تحقيق تحت الأرض قبل أن تنجح المرأة المخطوفة بالهرب) مع شخصيّات لا يمكن الشعور حيالها بأي إعجاب ومصير تلك المرأة وحقيقتها (هل هي من البشر أو لا) يتتابع كتحصيل حاصل.


كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)
مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)
TT

كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)
مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)

على مقربة من جبل النور؛ حيث انبثقت أنوار الوحي الأولى، يقف «حي حراء الثقافي» بمكة المكرمة شاهداً على رحلة تدوين القرآن الكريم عبر العصور.

ويشرع «متحف القرآن الكريم» في قلب هذا الحي أبوابه أمام الزوار والباحثين، ليكشف عن كنوز معرفية وفنية نادرة، تروي قصة الشغف بتعظيم المصحف الشريف وحفظه وتجميله.

ويضم المتحف ثلاث قطع تاريخية من مخطوطات القرآن الاستثنائية، تمثل محطات تاريخية متباعدة جغرافياً وزمنياً، ولكنها تلتقي في توثيق حفاوة المسلمين بالقرآن، من خلال المخطوطات التي تشكِّل لوحة بانورامية لتطور الخط العربي وفنون الزخرفة والتذهيب.

متحف القرآن الكريم بحي حراء... مَعلم ثقافي يضم أنفس المخطوطات (واس)

المصحف الكوفي... عبق القرون الأولى

يتصدر المشهد «المصحف الكوفي» النادر الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني أو الثالث الهجري (الثامن أو التاسع الميلادي).

وكُتب هذا المصحف، المحفوظ في «مكتبة الملك فهد الوطنية» بالرياض، بالخط الكوفي الرصين على الرق، متخذاً الشكل «السفيني» الأفقي الذي ميز المصاحف المبكرة.

وتبدأ صفحات هذا المخطوط من الآية 50 من سورة آل عمران، وصولاً إلى نهاية سورة عبس، مما يجعله نموذجاً حياً للمصاحف الجزئية التي كانت تُستخدم قديماً لأغراض التعليم والحفظ، وتعكس بدايات تدوين النص القرآني بأدوات وتقنيات العصور الإسلامية الأولى.

متحف القرآن الكريم بمكة المكرمة... دور ريادي في حفظ وعرض المصاحف النادرة (واس)

‏متحف القرآن الكريم في مكة المكرمة يعرض نسخة نادرة من «المصحف الأزرق» (واس)

«المصحف الأزرق»... فخامة الذهب على أفق أزرق

وفي زاوية أخرى، يخطف الأنظار «المصحف الأزرق»، وهو أحد أفخم وأندر المخطوطات في الحضارة الإسلامية. وتبرز النسخة المعروضة التي تعود للقرن الثالث الهجري، آيات من سورة البقرة، كُتبت بماء الذهب الخالص على أرضية من الرق المصبوغ باللون الأزرق الداكن.

هذا الأسلوب الفني الفريد الذي تتوزع أجزاؤه القليلة المتبقية بين متاحف العالم الكبرى، يجسد ذروة العناية الجمالية بالنص القرآني؛ حيث يتناغم الخط الكوفي القديم مع اللون الملكي، ليعكس هيبة الآيات ومكانتها في نفوس المسلمين الأوائل.

‏متحف القرآن الكريم بمكة المكرمة... دور ريادي في حفظ وعرض المصاحف النادرة (واس)

ربعة من مصحف شريف كُتبت بخط النسخ في القرن 9هـ/ 15م (‏متحف القرآن بمكة)

الربعة الشامية... فن النسخ والتذهيب البديع

ومن القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، تتمثل «ربعة قرآنية» نادرة كُتبت في بلاد الشام بخط النسخ المجوَّد.

وتضم هذه الربعة، المحفوظة في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية»، الجزء الخامس والعشرين من القرآن الكريم.

وتتجلى في هذه القطعة دقة الزخرفة الإسلامية؛ حيث تم تذهيب لفظ الجلالة «اللهم» بطريقة بديعة، مما يعكس تطور صناعة «الربعات» (وهي صناديق مخصصة لحفظ أجزاء المصحف)، وحرص الخطاطين والمذهِّبين في تلك الفترة على إبراز جماليات الخط العربي في أبهى صوره.

ويمثل عرض هذه المقتنيات ضمن رسالة متحف القرآن الكريم، لتعزيز التجربة الثقافية لزوار مكة المكرمة، وتأكيد مكانتها كحاضنة عالمية للإرث القرآني.

ويتجاوز المتحف دوره من مجرد قاعة عرض، إلى رحلة معرفية تستثمر التقنيات الحديثة لربط الجيل الحالي بتاريخ المصحف الشريف، وجهود المسلمين في صونه عبر القرون.

ويعد «حي حراء الثقافي» اليوم وجهة عالمية تجمع بين عبق المكان التاريخي وبين المحتوى المعرفي الرصين، مما يتيح للزوار من مختلف أنحاء العالم الاطلاع على نماذج استثنائية لم يرها كثيرون إلا في أمهات الكتب التاريخية.