رجل مقطوع الرأس: جريمة مروعة لا تزال لغزاً بعد 27 عاماً على ارتكابها

الضحية كريستوف دوار يوم زفافه (نقلاً عن صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية الصورة ﻟ Jerome Chabanne/Hans Lucas).
الضحية كريستوف دوار يوم زفافه (نقلاً عن صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية الصورة ﻟ Jerome Chabanne/Hans Lucas).
TT

رجل مقطوع الرأس: جريمة مروعة لا تزال لغزاً بعد 27 عاماً على ارتكابها

الضحية كريستوف دوار يوم زفافه (نقلاً عن صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية الصورة ﻟ Jerome Chabanne/Hans Lucas).
الضحية كريستوف دوار يوم زفافه (نقلاً عن صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية الصورة ﻟ Jerome Chabanne/Hans Lucas).

«العثور على رجل مقطوع الرأس»، جريمة هزت مدينة فيشي الفرنسية يوم عيد الميلاد سنة 1995، لا يزال الكشف عن خيوطها لغزاً حتى يومنا هذا، وقد أعيد فتح ملف الجريمة مرات عدة، آخرها سنة 2020، حيث تولى 15 محققاً هذه القضية، لمحاولة الوصول إلى نتيجة، ووُضعت زوجة الضحية أخيراً في السجن ليُفرج عنها الأربعاء الماضي مع وضعها في الإقامة الجبرية، فيما التحقيقات لا تزال مستمرة.
أفادت مجلة «لو بي إس» الفرنسية، في تقرير لها عن هذه الجريمة، بأنه في صباح يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 1995، يتلقى الشرطي ريمون (اسم مستعار) في مدينة فيشي الفرنسية اتصالاً هاتفياً يفيد بالعثور على جثة كريستوف دوار، الصياد الذي كان مفقوداً من تسعة أيام، ويقول ريمون إن ما سيراه عند كشفه على مسرح الجريمة في ذاك اليوم، سيظل يطارد لياليه حتى بعد انقضاء حوالي 30 سنة على الحادثة.
وجد الشرطي جثة الشاب المفقود البالغ من العمر 28 عاماً يرقد في خندق، بطنه على الأرض مرتدياً ثياب صيد، اكتشف صيادان الجثة للتو، وعلى مرأى من مسرح الجريمة، الجميع يغمره الرعب، الجسد مقطوع الرأس، وتم وضع حذاء الضحية في مكان رأسه، الذي لن يتم العثور عليه أبداً، وجسده لم يعد يحتوي على قطرة دم، ويقول الشرطي المتقاعد متذكراً الحدث: «لم نواجه قط مشهداً كهذا».
تم التعرف على الجثة من أوراق جيبه، وتبين أن الرأس قد قُطع بعد الوفاة، وفُتح تحقيق قضائي في «القتل العمد»، ولكن، ولمدة سبعة وعشرين عاماً، ستظل هذه الجريمة بلا عقاب، والأسوأ من ذلك أن رجلاً سيظل مشتبهاً به لفترة طويلة جداً عن طريق الخطأ.
لذلك، منذ أكثر من شهر بقليل، عندما أعلن مدعي عام مدينة كوسي الفرنسية إريك نيفو، في مؤتمر صحافي، أن التحقيق قد أُعيد إطلاقه، وأنه نجح أخيراً، ولأول مرة، في إصدار لائحة اتهام، فإن الخبر أثار الدهشة، بعد كل هذه السنوات التي اعتقد فيها بفرضية الخلاف بين الصيادين، أصبحت ماريا أرملة الضحية، هي المشتبه الجديد بقيامها بعملية القتل، ووُجه الاتهام إليها للتو، وتم اعتقالها.

زوج عنيف في بعض الأحيان
بدأت قصة ماريا وكريستوف عندما تعرفا على بعضهما في سن المراهقة، وتزوجا في عام 1987، وتظهر الصورة التي ظهرت في الصحافة في ذلك اليوم كل الابتسامات، وهو يرتدي بدلة داكنة وربطة عنق متناسقة، وهي ترتدي فستاناً أبيض طويلاً مبهرجاً، يحيط بهم صيادون يرتدون أحذية سوداء.
ورغم أن الزوجين أنجبا طفلاً، لكن سعادة الزواج لم تدم، إذ تشهد مستندات ملف التحقيق الذي اطلعت عليه مجلة «لو بي إس»، أن كريستوف كان عندما ينتهي من عمله في شركة أغذية زراعية، يقضي كل وقت فراغه تقريباً في الصيد، ويشرب كثيراً، و«يضرب زوجته أحياناً».
بدأت زوجته الموظفة في مصنع ألبان صناعية إجراءات الطلاق في عام 1993، قبل أن تتراجع عن هذه الخطوة عندما وافق زوجها على طلب العلاج.
لكن العنف استمر، ففي بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) 1995، بعد أن عاد زوجها ثملاً من الصيد مرة أخرى، عاتبته على ذلك وتلقت ضربات جديدة منه مقابل عتابها.

حادثة تثير الشبهات
يعود كريستوف يوم السبت 16 سبتمبر إلى المنزل للاستحمام قبل الانضمام إلى شقيقه، الذي يعيش في الجوار، لقضاء أمسية كرة قدم على شاشة التلفزيون، وعندما وصل كريستوف عند أخيه، كان في حالة صدمة، فقبل بضع دقائق، بينما كان في حوض الاستحمام، وكانت زوجته ماريا تجفف شعرها بجواره، ألقت زوجته، حسب ما كتب المحققون، طوعاً أو عن غير قصد، بالجهاز الكهربائي في الماء حيث يستحم كريستوف، لكن كريستوف نجا من صعقة كهربائية.
وفي الساعة 11:30 مساءً، قبل كريستوف شقيقه وأخذ سيارته للعودة إلى المنزل، وهذه كانت آخر مرة شوهد فيها حياً.

تناقض في أقوال ماريا
فوجئ الصيادون بعدم العثور على كريستوف في اليوم التالي، وقلقوا عليه، ويتذكر الصياد باتريك بوديه: «كان الجميع ينظرون في كل مكان، ولم يفهم أحد ماذا يجري، لقد كان الأمر غريباً».
انتظرت ماريا دوار زوجة كريستوف حتى يوم الاثنين لتعلن اختفاء زوجها، وأوضحت للشرطة أنها اعتقدت أن زوجها كان غائباً لأنه في الصيد، وقالت إنها لم تبدأ بالقلق عليه إلا بعد أن جاء زميله في العمل صباح يوم الاثنين ليبحث عنه، ولاحقاً ستقول ماريا إنها اكتشفت أن زوجها عاد إلى المنزل بأمان، ووجدت الملابس التي كان يرتديها ليل السبت بين الغسيل المتسخ.

الاشتباه بصياد
طُرحت فرضية نزاع بين الصيادين، واشتُبه بواحد منهم على وجه الخصوص: دومينيك ميليه، وبسرعة تم وضع دومينيك ميليه في حجز الشرطة، واعترف بسرقة كلبة كريستوف لتلقينه درساً بسبب خلاف على الصيد معه، لكن ميليه بقي ينفي رسمياً أي مشاركة له في القتل.
وبعد تسعة أشهر، في سبتمبر (أيلول) 1996، قُبض على ميليه، ووُضع مرة أخرى في حجز الشرطة، وبقي ينكر بشدة ضلوعه في الجريمة.
وأعلن قاضي التحقيق في القضية في مارس (آذار) 2000، أن «التحقيقات المعمقة التي أُجريت في قضية جريمة قتل كريستوف دوار عن احتمال تورط دومينيك ميليه بالجريمة لم تسمح بتأكيد ضلوع الأخير بالجريمة»، وبدا أن التحقيق قد أُغلق.
لكن بعد عامين، في جنازة والد دومينيك ميليه، اتهمت إحدى شقيقاته ميليه أخاها بالقتل، فأُعيد فتح الملف، دون الوصول إلى نتيجة.
وكتب قاض آخر في فبراير (شباط) 2007: «في نهاية هذا التحقيق الجديد، رغم الوسائل العديدة المستخدمة، لا يوجد أي دليل لتحديد مرتكب جريمة القتل».

27 عاماً من الإهانات والتهديدات
ورغم عدم الحكم عليه، وُسم اسم دومينيك ميليه بجريمة قتل كريستوف دوار، ويقول هذا المتقاعد البالغ من العمر 69 عاماً، «طوال هذه السنوات، أُطلق عليّ اسم (قاطع الرأس)».
ويتحدث ميليه عن معاملات الحراس القاسية له أثناء توقيفه، وإطلاق النار عليه في يوم من أيام عمله، ونجاته من محاولة القتل، ليصبح تحت حماية الشرطة، كما يحكي عن حياة الإهانات والتهديدات وعواقبها على أحبائه، حتى أن أحد أبنائه انتحر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
ويقول، «سوف أرتاح حقاً فقط عندما يتم العثور على الجناة حقاً، ويدفع الثمن أولئك الذين أثاروا الشائعات ضدي».

مايو 2020: النيابة تعيد فتح الملف
في مايو 2020، ألقى المدعي العام في مدينة كوسيت نظرة جديدة على الملف المترامي الأطراف، وقرر بدء تحقيق جديد، في أقصى درجات السرية، وتم جمع فريق خاص من حوالي خمسة عشر محققاً، مع منسق عمليات الطب الشرعي والمحللين السلوكيين والجنائيين.
تبنى المحققون فرضيات مختلفة قد تكون أدت إلى الجريمة: الزوج، والأسرة، والصيادون، والعلاقات العاطفية للضحية... وقد أتى عملهم الدقيق ثماره، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وصل قاضيا تحقيق إلى نتيجة.
في 15 أبريل (نيسان) 2022، تم استخراج جثة كريستوف دوار، وأُجريت تحليلات جديدة للحمض النووي، ففي وقت وقوع الجريمة (عام 1995)، كان استخدام علم الوراثة في تحقيقات الطب الشرعي لا يزال في مهده، وبعد ذلك، أعلن المدعي العام إريك نيفو في نهاية يونيو (حزيران) الماضي: «في ضوء جميع التحقيقات، وتصريحاتها (تصريحات ماريا زوجة الضحية) الأولية، التي غالباً ما كانت غير متماسكة ومتغيرة منذ ديسمبر (كانون الأول) 1995، والأدلة المقنعة التي تم العثور عليها في منزلها، وموقفها أثناء التحقيق، تم وضع ماريا أرملة كريستوف دوار البالغة من العمر 55 عاماً، في حجز الشرطة».
وأضاف المدعي العام الأسباب التالية لاحتجاز ماريا: «بعد افتقارها (ماريا) إلى تفسيرات ذات مصداقية، وكذلك إنكارها، لا سيما فيما يتعلق بوضع الزوجين (طبيعة العلاقة الخلافية مع زوجها قبل الجريمة)»، ووُجهت إليها تهمة القتل العمد، ووُضعت في الحبس الاحتياطي.

الزوجة تنفي ارتكاب الجريمة
أنكرت ماريا في حجز الشرطة وأمام القضاة، أنها صاحبة جريمة القتل، ولا يزال التحقيق مستمراً، والقاضي لا يستبعد القيام بتوقيفات أخرى.
وقررت غرفة التحقيق بمحكمة استئناف، يوم الأربعاء الماضي، الإفراج عن أرملة كريستوف دوار، ولكن تحت الإشراف الشديد عليها، ووُضعت في الإقامة الجبرية تحت المراقبة الإلكترونية.


مقالات ذات صلة

هيئة بريطانية تحقق مع «تلغرام» بشأن تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال

أوروبا تم تلقي أدلة من مركز لحماية الأطفال بشأن مزاعم مشاركة مواد تتعلق باعتداء جنسي على أطفال على منصة «تلغرام» (رويترز)

هيئة بريطانية تحقق مع «تلغرام» بشأن تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال

فتحت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم) تحقيقاً، الثلاثاء، بشأن تطبيق «تلغرام» للمراسلة بعد ظهور أدلة تشير إلى تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية قوات الأمن التركية وفرق الطوارئ تقف في فناء مدرسة ثانوية حيث أطلق مهاجم النار في سيفريك (أ.ب)

تركيا: 4 قتلى في ثاني إطلاق نار بمدرسة خلال يومين

كشف مسؤول محلي في تركيا، اليوم الأربعاء، عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 20 آخرين في حادث إطلاق نار داخل مدرسة جنوب البلاد، مشيرًا إلى أن مطلق النار طالب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

أقر مهندس معماري أميركي، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة جرائم لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري تصل إلى موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في أنغوان روكوبا بولاية بلاتو... نيجيريا 30 مارس 2026 (رويترز)

إطلاق نار في حفل زفاف بشمال نيجيريا يخلّف 13 قتيلاً

أطلق مسلحون النار على حفل ما قبل الزفاف في ولاية كادونا شمال نيجيريا، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.