ألكسندر دوغين... مؤلف «النظرية الرابعة» الذي أخطأته العبوة الناسفة

وصف بأنه «عقل بوتين» وطور لسنوات استراتيجية «التكامل الأوراسي»

الفيلسوف الروسي البارز ألكسندر دوغين (رويترز)
الفيلسوف الروسي البارز ألكسندر دوغين (رويترز)
TT

ألكسندر دوغين... مؤلف «النظرية الرابعة» الذي أخطأته العبوة الناسفة

الفيلسوف الروسي البارز ألكسندر دوغين (رويترز)
الفيلسوف الروسي البارز ألكسندر دوغين (رويترز)

ما زال التحقيق في خطواته الأولى، لكن الفرضية الأكثر ترجيحاً أن تفجير العبوة الناسفة في سيارة ليل الأحد كان يستهدف الفيلسوف الروسي البارز ألكسندر دوغين. كان من المقرر وفقاً لشهادات ضيوف فعالية حضرها في إحدى ضواحي موسكو أن يستقل السيارة المفخخة لكنه غير رأيه في اللحظة الأخيرة وغادر الحفلة في سيارة أخرى، لأن ابنته داريا التي سرعت في السنوات الأخيرة مسيرتها المهنية على خطاه، كانت قد اضطرت لمغادرة المكان في وقت أبكر قليلاً من المحدد سابقاً، لتكون على موعد مع العبوة الناسفة القاتلة.
https://twitter.com/danielapruna2/status/1561116506708123649?s=20&t=cUOs8pYAtqtz8vF--wjy8Q

مقتل ابنة «عقل بوتين» إثر انفجار سيارتها بموسكو

لكن السؤال الذي برز مباشرة، من قد تكون له مصلحة في قتل دوغين؟ وهو برغم تأثيره الواضح مسار «التفكير» الروسي خلال أكثر من عقدين، إلى درجة أن كثيرين في الغرب أطلقوا عليه صفة «عقل بوتين»، ومع أنه مدرج على لوائح العقوبات الغربية لاتهامه بالتحريض ونشر «دعايات كاذبة»، لكنه لم يلعب في الفترة الأخيرة أدواراً بارزة، وخصوصاً في شأن المواجهة المتصاعدة مع الغرب، والصراع الذي تفجر في أوكرانيا. هنا، تضع إشارة رئيس إقليم دونيتسك الانفصالي دينيس بوشيلين الذي سارع إلى الإعلان عن أن «عملاء أوكرانيا قتلوا داريا دوغينا» علامات استفهام أكثر من أن تقدم أجوبة. لأن إثبات فرضية أن التفجير استهدف دوغين الأب، سوف يعني فقط أن الهدف من العملية توجيه رسالة إلى بوتين نفسه، باقتراب أيدي الاستخبارات إلى شخصيات تعد مقربة منه.

من هو ألكسندر دوغين؟

هو مؤلف «النظرية السياسية الرابعة»، التي، في رأيه، يجب أن تكون الخطوة التالية في تطور السياسة الدولية بعد الليبرالية والاشتراكية والفاشية. قامت فكرته على الدعوة إلى إنشاء قوة عظمى أوراسية عبر دمج روسيا مع الجمهوريات السوفياتية السابقة في اتحاد أوراسي جديد. تنضم إليه لاحقاً بلدان أخرى مهمة ويشكل مركز قرار دولي وقوة اقتصادية وسياسية ضاغطة. ودوغين ليس مفكراً سياسياً فحسب، بل هو أيضاً مدرس وعالم معروف. ترأس في 2009 - 2014 قسم علم الاجتماع للعلاقات الدولية في كلية علم الاجتماع في جامعة موسكو الحكومية. وهو أستاذ فخري في الجامعة الوطنية الأوراسية وفي جامعة طهران. وأستاذ زائر في الجامعة الفيدرالية الجنوبية، وزميل باحث أول في جامعة فودان (شنغهاي). وهو يكتب و«يفكر»، كما يقال بالروسية والإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية.

في استطلاع الرأي الذي أجري عام 2009 احتل دوغين المرتبة 36 بين أكثر المثقفين نفوذاً في روسيا. وفي عام 2014. أدرجت النسخة الأميركية من مجلة فورين بوليسي الفيلسوف الروسي في قائمة أبرز 100 «مفكر عالمي» في العالم الحديث في فئة «المحرضين».
لم يكن هذا الوصف غريباً على الرجل الذي وصف أميركا بأنها «ورم سرطاني».
عملياً، شكلت إصدارات دوغين لفترة سنوات انعكاساً عالي الصوت لـ«خطط السياسة الخارجية لبوتين». لكن هذا لا يعني صدق التعريف المرتبط بكونه «عقل بوتين»، ففي الواقع، قال دوغين في مقابلة عام 2014، إنه لا يعرف الرئيس الروسي بشكل شخصي. قد تكون تلك مبالغة ما، لكن التصريح يحمل دلالات. كما أن إقالته من جامعة موسكو الحكومية عكست أنه لا يحظى بدعم كامل من السلطات. رغم ذلك، لا يمكن إنكار أنه لعب أدواراً مهمة في تطوير آليات التفكير السياسي الروسي، وإن كانت النخب السياسية لم تأخذ دائماً أفكاره إلى سكة التنفيذ. في عام 1998، كان مستشاراً لرئيس مجلس الدوما، غينادي سيليزنيوف، ومنذ عام 1999. كان رئيساً لقسم مركز الخبرة الجيوسياسية التابع لمجلس الخبراء الاستشاري المعني بقضايا الأمن القومي تحت رئاسة مجلس الدوما. ومنذ مارس (آذار) 2012 عضو في المجلس الاستشاري لرئيس المجلس.
في عام 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم تم إدراج دوغين على لائحة عقوبات الاتحاد الأوروبي، وفي العام التالي أدرج على اللائحة الأميركية وفي عام 2016. وصف الخبير السياسي الأميركي غلين بيك دوغين بأنه بين «أخطر رجال في العالم».
نظرية الاتحاد الأوراسي
لكن «خطورة» دوغين لا تكمن في كونه من الكتاب القوميين الداعين بصوت عالٍ لمواجهة الغرب بتحويل روسيا إلى مركز تحالف أوراسي ضخم. لأن أفكار دوغين في هذا المجال لم تتحقق على أرض الواقع، وبدلاً من الاتحاد الأوراسي الشامل الذي قصده، والذي كان يعني إحياء الاتحاد السوفياتي على خلفية آيديولوجية جديدة، ظهر في عام 2014 الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي ما زال لا يعد لاعباً بارزاً بسبب تباين أهداف أعضائه وتنوع مصالحهم.
عموماً، فقد ظهرت فكرة الاتحاد الأوراسي التي طورها دوغين منذ وقت طويل. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية القرن العشرين انتشرت فكرة استعادة التكامل الوثيق في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي. وكان من أشهر مؤيديها في وقت لاحق، رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف والرئيس الروسي، وكان دوغين على رأس علماء السياسة الذين روجوا للفكرة.

استند الفيلسوف في فكرته إلى رؤية كانت في عشرينات القرن التاسع عشر حول الحاجة إلى إنشاء اتحاد أوروبي آسيوي يشكل تحولاً تدريجياً للاتحاد السوفياتي إلى اتحاد أوراسي واسع، عن طريق تغيير الآيديولوجية الشيوعية إلى الأوروآسيوية.
ومع انهيار الدولة العظمى ظن مروجو الفكرة أن الفرصة سانحة، لإعادة تأهيل الفكرة، لكن الطموحات السياسية للبلدان «المستقلة»، حديثاً حالت دون إنشاء «اتحاد كونفدرالي» على أساس الجمهوريات المنحلة، وبدلاً منه ظهرت رابطة الدول المستقلة التي تعد كياناً رمزياً أكثر من تكون اتحاداً سياسياً.
في كل الأحوال ظل المشروع الذي دافع دوغين عنه طويلاً، في إدراج الكرملين، حتى احتاج بوتين في عام 2010 إلى طرح «آيديولوجية جديدة» تشكل انعكاساً لروح الهوية الروسية التي ظلت ضائعة لسنوات بعد انهيار الدولة الكبرى. في تلك الفترة برز الحديث في أوساط علماء السياسة وبينهم دوغين عن «الآيديولوجية الاجتماعية المحافظة»، كبديل عن «الليبرالية الديمقراطية الغربية»، وبرز أيضاً مجدداً مشروع «الاتحاد الأوراسي».
في خريف عام 2011، تلقى مشروع الاتحاد الأوروبي الآسيوي زخماً جديداً بعد نشر رئيس الوزراء الروسي آنذاك فلاديمير بوتين مقالة حملت عنوان «مشروع تكامل جديد لأوراسيا - المستقبل الذي يولد اليوم»، تبنى فيها بوتين وجهة نظر دوغين، وجادل بأن إنشاء الاتحاد الأوراسي على أساس روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وعدد من بلدان آسيا الوسطى وبلدان محيطة، سيسمح لروسيا بأن تصبح قطباً أساسياً واسع النفوذ.
لكن موسكو لم تنجح بالترويج للفكرة بإبعادها كاملة، ورفض رؤساء بعض الجمهوريات وبينهم بيلاروسيا وكازاخستان فكرة «الاتحاد السياسي الكامل»، مما أسفر عن تراجع فكرة دوغين عن أولويات السياسة الخارجية والاكتفاء بنسخة مصغرة منها برزت في تأسيس «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي».


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.