الرئيس التونسي يتعهد وضع قانون انتخابي جديد

الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)
الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)
TT

الرئيس التونسي يتعهد وضع قانون انتخابي جديد

الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)
الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)

أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد، مساء أول من أمس، عن وضع قانون انتخابي جديد خلال الفترة القليلة القادمة. مؤكدا في تصريحات صحافية بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد أنه سيتم إرساء المحكمة الدستورية في أقرب الآجال، وذلك «للحفاظ على الدستور، وخاصةً حماية الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور الجديد». كما وصف سعيد المصادقة على الدستور الجديد بأنه «يوم تاريخي»، معتبرا أنه من «من الأيام التاريخية الخالدة، وهي كثيرة».
وقال سعيد في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية: «إنه يوم التطابق بين الشرعية الدستورية والمشروعية الشعبية»، معتبرا أن ما قام به هو «تصحيح لمسار الثورة ومسار التاريخ، بعد أن ساد الظلام، واستفحل الظلم في كل مكان». مضيفا أن «هذا دستور الشعب يتم ختمه اليوم وإصداره لينطلق العمل به حالا».
وردا على المنتقدين الذين يؤكدون أن الدستور الجديد سيحد من الحريات الفردية، اعتبر الرئيس التونسي أن «قضية الحريات محسومة، لكن قضية العدل الاجتماعي تقتضي العناية والرعاية في المقام الأول». وقال في هذا السياق إن «الأغلبية عانت من التفقير، وقد آن الأوان لوضع سياسات جديدة، وتشريعات مختلفة في ظل مقاربة وطنية شاملة، لا في ظل مقاربات قطاعية معزولة أثبتت التجربة فشلها».
وأضاف سعيد موضحا أن «شباب تونس ثروة لا تنضب، ويكفي تمكينه من الوسائل القانونية حتى يصير فاعلا، ويساهم في التنمية الحقيقة في كافة المجالات والجهات»، مبرزا أنه «لهذا السبب تم إنشاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم».
في سياق ذلك، حثت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية أمس (الخميس) الرئيس سعيد على الإسراع بإصدار قانون انتخابي، تمهيدا للانتخابات البرلمانية المبكرة والمقررة نهاية العام الجاري.
وبعد ختم الدستور الجديد إثر الاستفتاء الشعبي، الذي أجري في 25 من يوليو (تموز) الماضي، تبقت الخطوة التالية من الخارطة السياسية، التي عرضها الرئيس سعيد منذ إعلانه التدابير الاستثنائية قبل عام، وهي تنظيم انتخابات برلمانية مبكرة في 17 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وسيحل البرلمان الجديد محل البرلمان المنتخب في 2019، والذي جرى تجميده في 25 من يوليو 2021، قبل أن يتم حله في مارس (آذار) الماضي.
وقال المتحدث الرسمي باسم الهيئة، محمد التليلي المنصري، أمس إنه «بعد استكمال الشرط الشكلي بختمه ونشره يدخل الدستور حيز النفاذ، وهو ما يعني بدء مرحلة تكوين مؤسسات، وأهمها المجلس التشريعي (البرلمان)».
وأضاف المنصري في تصريح لإذاعة «شمس. إف. إم» الخاصة: «هناك موعد معلن. لكن لا يوجد موعد رسمي حتى الآن».
وكان الرئيس سعيد قد تعهد بإصدار قانون انتخابي جديد يكرس نظام الاقتراع على الأفراد وليس القوائم، كما كان سائدا، لكن ليس واضحا بعد ما إذا كان سيجري مشاورات بشأنه مع الأحزاب والمنظمات، رغم أن شركاء تونس في الخارج، ومن بينهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يضغطون من أجل إطلاق حوار وطني شامل للتوافق حول الإصلاحات المطلوبة، وإصدار قانون انتخابي «شفاف» يتيح لأوسع مشاركة ممكنة من الأحزاب، لا سيما المعارضة لسعيد.
وتابع المنصري موضحا أنه «يجب إصدار مرسوم يتعلق بالانتخابات التشريعية، وهذا يفترض الإسراع بإصدار قانون انتخابي، حتى يتسنى للهيئة إبداء آرائها في الجوانب التقنية».
ووفق المتحدث باسم هيئة الانتخابات، فإنه يتعين إصدار قانون انتخابي في أجل لا يتعدى 17 من سبتمبر (أيلول) المقبل الذي يمثل بداية الفترة الانتخابية.
وتتهم أحزاب في المعارضة الرئيس سعيد بالتأسيس لحكم فردي، عبر توسيع صلاحياته في الدستور الجديد، وقالت إنها ستقاطع الانتخابات البرلمانية، مثلما قاطعت الاستفتاء على الدستور.


مقالات ذات صلة

الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة

شمال افريقيا الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة

الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة

أعلنت الرئاسة التونسية في بيان، مساء الخميس، أن الرئيس قيس سعيد أقال وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة نائلة نويرة القنجي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء. وورد في بيان للرئاسة التونسية على «فيسبوك» أن سعيد أصدر أمرًا يقضي بإنهاء مهمات «السيدة نائلة نويرة القنجي، وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة»، دون الإفصاح عن التفاصيل والأسباب أو تكليف من سيخلفها في المنصب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الغنوشي يقرر رفض الاستجابة لأي دعوة أمنية أو قضائية... حتى إشعار آخر

الغنوشي يقرر رفض الاستجابة لأي دعوة أمنية أو قضائية... حتى إشعار آخر

خلفت تقارير إعلامية تونسية عن تقدّم راشد الغنوشي باستقالته من رئاسة «حركة النهضة» بعد إصدار مذكرة توقيف بالسجن ضده منذ يوم 20 أبريل (نيسان) الحالي، تساؤلات حول حقيقة هذه الاستقالة، وهل تمت بالفعل، أم أن تعيين منذر الونيسي رئيسا مؤقتا للحركة هو الذي غذاها. التقارير نسبت قرار استقالة الغنوشي إلى مصادر في «حركة النهضة»، وأرجعت الأسباب إلى «عجزه عن قيامه بمهامه بسبب وضعه القانوني الحالي، بالإضافة إلى كبر سنه ومعاناته من عدة أمراض مزمنة»، غير أن هذه «الاستقالة المزعومة» بقيت في حاجة إلى توضيحات رسمية تؤكدها، أو تنفيها. وفي هذا الشأن، نفى بلقاسم حسن عضو المكتب التنفيذي لـ«النهضة» في تصريح لـ«الشرق ا

المنجي السعيداني (تونس)
المشرق العربي عودة العلاقات التونسية - السورية... واستئناف التعاون الأمني والاقتصادي

عودة العلاقات التونسية - السورية... واستئناف التعاون الأمني والاقتصادي

تمخضت زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد لتونس بعد انقطاع دام 11 سنة، عن اتفاق على عودة العلاقات بين البلدين «إلى مسارها الطبيعي». كما أفرزت الزيارة، التي وصفها المقداد بـ«التاريخية»، اتفاقا على تعزيز التعاون في المجال الأمني، خاصة «في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالبشر». واتفق الجانبان، إثر الزيارة التي دامت ثلاثة أيام وانتهت الأربعاء، على «تكثيف التواصل بين البلدين في المرحلة المقبلة بهدف تعزيز التشاور والتنسيق حول مختلف القضايا والمسائل الثنائية ذات الاهتمام المشترك، والعمل على التئام اللّجنة المشتركة بينهما». ونص بيان مشترك صدر عن الزيارة أيضا، على استئناف التع

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا نقل راشد الغنوشي إلى المستشفى بعدما أوقفه الأمن التونسي

نقل راشد الغنوشي إلى المستشفى بعدما أوقفه الأمن التونسي

نُقل راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة» الإسلامية والبرلمان المنحل إلى المستشفى، اليوم (الثلاثاء)، بسبب تدهور حالته الصحية إثر إيقافه من الأمن، حسبما أفاد به مستشاره الإعلامي ماهر المذيوب. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، أُوقف الغنوشي منذ ليل الاثنين-الثلاثاء بعد تصريحات له من مقر «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة للرئيس قيس سعيد، حذّر خلالها من أن إقصاء «الإسلام السياسي» أو اليسار أو أي طرف سياسي آخر، يهدد بحرب أهلية في البلاد. وقال المذيوب: «نحمّل قيس سعيد، المسؤولية كاملة على الخطر الداهم المهدِّد لحياته». من جانبه، قال مسؤول بوزارة الداخلية إن الغنوشي سيبقى على ذمة التحقيقات في قضية تتعلق بتصريحات

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الشرطة التونسية تداهم مقر «النهضة» وتبدأ إخلاءه وتفتيشه

الشرطة التونسية تداهم مقر «النهضة» وتبدأ إخلاءه وتفتيشه

قال مسؤولون من «حركة النهضة» التونسية لوكالة «رويترز» للأنباء إن قوات الشرطة داهمت المقر الرئيسي للحركة بالعاصمة تونس وبدأت إخلاءه وتفتيشه، اليوم الثلاثاء، بعد ساعات من إلقاء القبض على زعيم الحركة راشد الغنوشي. وقال رياض الشعيبي القيادي بالحركة لوكالة «رويترز» إن الشرطة أظهرت إذناً قضائياً وبدأت إخلاء المقر من كل من فيه. وأعلنت «حركة النهضة» التونسية، أمس الاثنين، أن قوات الأمن أوقفت زعيمها رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، في بيان نشرته على «فيسبوك»، مشيرة إلى أنه اقتيد إلى «جهة غير معلومة من دون احترام أبسط الإجراءات القانونية». ونددت الحركة «بهذا التطور الخطير جداً»، وطالبت بـ«إطلاق سراح ا

«الشرق الأوسط» (تونس)

الفنلندي بيكا هافيستو يعود إلى السودان من جديد مبعوثاً أممياً بديلاً للعمامرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
TT

الفنلندي بيكا هافيستو يعود إلى السودان من جديد مبعوثاً أممياً بديلاً للعمامرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)

رحَّب مدنيون سودانيون بتعيين وزير الخارجية الفنلندي السابق بيكا هافيستو، الذي يعود إلى السودان من جديد، مبعوثاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للسودان، بعد أن كان قد شغل في وقت سابق منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى مفاوضات دارفور، وذلك خلفاً للجزائري رمطان لعمامرة الذي ظل يشغل المنصب منذ أكثر من ثلاث سنوات.

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)

وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ذلك التعيين. وقال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود)، في بيان، إنه يأمل أن يكون ذلك «فرصة جديدة أمام الأمم المتحدة لتضطلع بدور أكثر فعالية في إنهاء الحرب في السودان، التي تعدّ أكبر كارثة في العالم».

وأبدى التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، استعداده لما أطلق عليه «التعاون الإيجابي» مع المبعوث هافيستو وفريقه «من أجل الدفع بجهود إحلال السلام في السودان، لضمان تنسيق المبادرات، والضغط على أطراف الحرب من دون انحياز للقبول بهدنة إنسانية فورية غير مشروطة».

ودعا إلى تعزيز «جهود إطلاق عملية سياسية بقيادة وملكية سودانية، تستجيب لتطلعات الشعب السوداني، التي عبر عنها بوضوح في ثورة ديسمبر المجيدة، وبناء دولة مدنية، تخلص البلاد من هيمنة النظام السابق، وكل أشكال عسكرة السلطة، وتعلي من قيم الحرية والسلام والعدالة»، وفق ما جاء في البيان.

وجاء إنهاء مهمة مبعوث غوتيريش السابق، على خلفية مطالبة قوى سياسية ومدنية سودانية، بإعفائه وتعيين مبعوث شخصي بديل..

وكان غوتيريش قد عين الدبلوماسي الجزائري لعمامرة مبعوثاً له في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، لكن مهمته في السودان واجهت صعوبات عديدة، بما في ذلك اعترافه بفشله في إقناع أطراف القتال بالتفاوض ووقف إطلاق النار، فيما واجه انتقادات واتهامات «بعدم استقلاليته وانحيازه لأحد أطراف القتال»، الأمر الذي أفشل مهمته.

عبد الفتاح البرهان يستقبل لعمامرة في بورتسودان خلال زيارة سابقة (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

ووفقاً لإعلام الأمم المتحدة، فإن هافيستو ظلّ طوال 40 عاماً يعمل في مجال السياسة والشؤون الدولية، وشغل مناصب عديدة، من بينها وزير خارجية بلاده فنلندا، وفي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهو حالياً عضو في البرلمان الفنلندي.

وحسب النشرة، يتمتع المبعوث الشخصي الجديد «بخبرة واسعة في عمليات الوساطة والتفاوض في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، كما يمتلك خبرة في العمل مع الأمم المتحدة».

ولا يعد عمل الرجل في ملفات «الحروب السودانية» جديداً، فقد شغل في 2006، منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي لمحادثات السلام بين الحكومة السودانية، وحركات دارفور المتمردة وقتها، والحليفة للحكومة الآن، وذلك إبان عمل مبعوث الأمم المتحدة الشهير للسودان يان برونك، الذي أنهيت مهمته بطلب من الخرطوم.


«الاحتجاجات الفئوية»... ملاذ الليبيين حيال أوضاع معيشية خانقة

وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
TT

«الاحتجاجات الفئوية»... ملاذ الليبيين حيال أوضاع معيشية خانقة

وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)

تصاعدت في ليبيا وتيرة الدعوات إلى «إضرابات» و«احتجاجات فئوية» بين موظفين في عدة قطاعات حكومية، بوصفها «ملاذاً أخيراً» للتعبير عن وطأة ضغوط معيشية خانقة، بل وصل الأمر إلى تداول سيناريو إضراب عام محتمل، احتجاجاً على السياسات الاقتصادية في شرق البلاد وغربها.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أطلق المعلمون دعوة الإضراب عبر نقابتهم، التي أعلنت أن تحركها سيطول جميع المؤسسات التعليمية، احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية للمعلم، وسط أزمة اقتصادية تعيشها البلاد.

ويشير قاضي ضيف الله الحسنوني، المسؤول الإعلامي باللجنة التسييرية لنقابة المعلمين الليبية في شرق البلاد، لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الدعوة للإضراب لها مشروعيتها في ظل أوضاع معيشية خانقة، وعدم تنفيذ أحكام قضائية تخص زيادات في مرتبات المعلمين».

في السياق ذاته، أعلن موظفون في وزارة العدل والهيئات القضائية، عبر بيان صادر عن نقابتهم، الدخول في اعتصام وإضراب عام منذ يوم الأحد، مع تعليق العمل في مختلف أنحاء البلاد، للضغط على السلطة التنفيذية لتنفيذ قانون أصدره مجلس النواب العام الماضي لزيادة مرتباتهم.

وقفة احتجاجية لعمال الشركات المنسحبة والمتعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

من جهته، يقول الطاهر كشير، رئيس اللجنة التسييرية للنقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف بلييبا، إن الدعوة للإضرابات تبدو منطقية في قطاعهم وقطاعات حكومية أخرى في ضوء سوء الأوضاع المعيشية، وعدم استجابة الحكومة لمطالبهم المتكررة، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن استجابة للإضراب في محاكم بمدن في شرق البلاد وغربها.

كما يلوح شبح الإضرابات في قطاع الكهرباء، وهو مرفق حيوي، حيث يدور حراك بين موظفي الشركة للمطالبة بصرف مرتبات متوقفة، ومستحقات وعلاوات متراكمة.

وسبق أن قال موظفون، في تسجيل مصور، إن إيقاف صرف المرتبات منذ بداية العام الحالي قد يدفعهم إلى «وقف العمل بالشركة» في حال عدم الاستجابة.

وفي خضم هذه التطورات، يتجه الاتحاد الوطني لعمال ليبيا إلى اتخاذ خطوة تصعيدية خلال اجتماعه المقرر السبت المقبل في طرابلس. ولم يستبعد رئيسه، محمد رويحة، إعلان إضراب عام يشمل مختلف المؤسسات، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية. كما يعتزم الاتحاد تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مصرف ليبيا المركزي للمطالبة بوقف «الإنفاق الموازي» خارج الميزانية من جانب الحكومتين في شرق وغرب البلاد.

وقال رئيس الاتحاد الوطني لعمال ليبيا المكلّف، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدعوة إلى الإضرابات «لها ما يبررها» في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، مشيراً إلى تفاقم الأزمة المعيشية نتيجة ارتفاع سعر الدولار، وفساد الاعتمادات المستندية، واستمرار الإنفاق الموازي غير المنضبط في شرق البلاد وغربها.

يأتي ذلك بينما تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار مقابل الدينار، وموجات غلاء واسعة، وتآكل القدرة الشرائية، ونقص السيولة، واضطراب الخدمات، وتثقل هذه الأزمات كاهل المواطنين وسط تعثر الإصلاحات واستمرار الانقسام السياسي.

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب رئيس الحكومة)

ولم يستبعد مدير «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، اتساع نطاق هذه الإضرابات والدعوات لها، التي قد تصل - وفق مؤشرات رصدها - إلى «إعلان عصيان مدني، رفضاً لقرارات مجلس النواب ومصرف ليبيا المركزي، التي ستفاقم زيادة الأسعار وتكلفة أعباء المعيشة على كاهل المواطن»، حسبما ذكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وخلال العامين الأخيرين، لم تشهد ليبيا إضرابات فئوية واسعة النطاق بالزخم الذي طبع المشهد في خريف 2023، حين مثّل اعتصام وإضراب أعضاء هيئة التدريس في 22 جامعة حكومية آخر موجة احتجاج مهني كبيرة ومنظمة، تمحورت مطالبها حول تحسين الأوضاع المعيشية، وزيادة المرتبات وتسوية الحقوق الوظيفية.

ومنذ ذلك الحين، ظلّ الحراك العمالي محدوداً وموسمياً دون تحولات تصعيدية شاملة، حتى استجدت التحركات الأخيرة للمعلمين والموظفين في الجهات العدلية.

ومع هذا الزخم من المطالبات، تظهر مخاوف من هذه الإضرابات «الفئوية»، التي تركز على ملف المرتبات، وقد عد رويحة أن «الأزمة الاقتصادية تتطلب معالجة شاملة تتجاوز المطالب القطاعية».

من جانبه، حذّر المحلل السياسي، خالد الشارف، من أن وجود حكومتين في دولة واحدة يفتح الباب أمام نمط «خطير» في إدارة الأزمات، قائم على الاستجابة الانتقائية للمطالب الاجتماعية. وأوضح أن «كل طرف قد يلجأ إلى منح زيادات وامتيازات سريعة لقطاعات محددة، ثم توظيفها سياسياً لإظهار نفسه بعدّه الأقرب للمواطنين».

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار وموجات غلاء واسع (أ.ف.ب)

وأشار الشارف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن هذا السلوك يعكس «منافسة على شراء الشرعية»، محذراً من «آثار مؤسسية عميقة، من بينها تعميق الانقسام، وخلق توقعات مرتفعة لبقية القطاعات، إضافة إلى سباق إنفاق غير مستدام»، منتهياً إلى أن «الزيادات غير المرتبطة بإصلاحات هيكلية ترفع كتلة الأجور، وتضغط على العملة، وتفاقم العجز وتوسّع الاقتصاد الموازي».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام حكومي بين حكومة في غرب البلاد، يترأسها عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق وجنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم البرلمان و«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.


الليبيون يئنون تحت وطأة الغلاء وصدمة ارتفاع سعر الدولار

بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)
بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)
TT

الليبيون يئنون تحت وطأة الغلاء وصدمة ارتفاع سعر الدولار

بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)
بسبب ارتفاع سعر الدولار وجد الليبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية (أ.ف.ب)

يعيش الليبيون على وقع صدمة ارتفاع جديد وقياسي في سعر صرف الدولار، مقابل الدينار في السوق السوداء خلال 48 ساعة الماضية، ما أشعل الشارع وأثار قلق النخب السياسية، فيما عده مراقبون «انهياراً خطيراً للعملة الوطنية».

ولم تبق القفزة المفاجئة للدولار في إطار الأرقام، رغم اقترابه من حاجز 11 ديناراً في السوق الموازية، بعدما حلق إلى مستوى 10.85 دينار مقابل 10.03 دينار مطلع الأسبوع، بل تحولت إلى جدل سياسي واسع وتبادل للاتهامات بين أطراف الأزمة. فيما وجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء جديدة للسلع الأساسية، تنذر بمزيد من الضغوط المعيشية.

* التهاب الأسعار

في طرابلس، عبّرت هديل محمد، وهي أرملة تعول أربعة أبناء، عن قلقها في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن «ارتفاع الدولار أشعل أسعار السلع المستوردة وغيرها، بما في ذلك الخضراوات والفاكهة». وأشارت إلى أنها قد «تتمكن بهذا النهج من توفير وجبات إفطار وسحور متواضعة، بلا لحوم أو حلويات خلال أيام رمضان المتبقية».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع مسؤولين باتحاد الصناعة في طرابلس (الصفة الرسمية للمصرف)

ولم تقتصر تداعيات تراجع الدينار تدريجياً خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى الأزمة الراهنة، على محدودي الدخل، مثل المتقاعدين الذين يتقاضون نحو 900 دينار شهرياً، بل طالت العمل الخيري أيضاً. وفي هذا السياق، يشكو رئيس جمعية «أم المؤمنين الخيرية»، فرج عمر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من «شح التبرعات لمؤسسته المعنية بمساعدة الأرامل والأيتام، مقارنة بما كانت تتلقاه سابقاً من شحنات غذائية».

ويرى خبراء أن تدهور سعر الصرف كان متوقعاً في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتنازع حكومتين على السلطة: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب، والثانية حكومة مكلّفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض مدن الجنوب. ويشير هؤلاء إلى الخلاف المتكرر حول مخصصات «التنمية» في الميزانية، وتبادل الاتهامات بتوظيفها في مشاريع إعمار، تستهدف كسب الولاءات وترسيخ النفوذ.

في المقابل، حاول الدبيبة الدفاع عن حكومته أمام سيل الاتهامات، التي تحمّله مسؤولية ارتفاع الدولار وأسعار السلع والخدمات، مقراً بغضب المواطنين وتفهمه له، وحمّل خصومه المسؤولية. وقال عبر حسابه على منصة «إكس»: «هناك إنفاق موازٍ بقيمة 70 مليار دينار خلال عام واحد، ما خلق طلباً إضافياً على الدولار، وتسبب في ارتفاعه»، في إشارة إلى نفقات حكومة حماد وصندوق «التنمية وإعادة إعمار ليبيا» بقيادة بلقاسم حفتر.

عناصر شرطة في سوق المشير للعملات بالعاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للسوق)

وسارعت أصوات محسوبة على خصوم الدبيبة في شرق البلاد إلى مهاجمة حديثه، حيث كتب رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام، محمد بعيو، موضحاً أن «الإنفاق الموازي، الذي يُنسب إليه سبب أزمة الدينار كعامل وحيد، هو إنفاق تنموي وتسييري يتم من خلال الحكومة الليبية، ومؤسسات وأجهزة التنمية التابعة لها، وهو إنفاق واضح في كل مكان وظاهر للعيان». وتساءل بعيو عن «إنجازات حكومة الوحدة في مشاريع الإعمار»، وفق إدراج عبر حسابه على «فيسبوك».

بدوره، اتهم الإعلامي الليبي خليل الحاسي «رجال المال والتجار بمضاعفة ثرواتهم عبر فرق العملة»، في إشارة إلى الفارق الواسع بين السعر الرسمي للدولار (6.3 دينار)، وسعره في السوق الموازية الذي تجاوز 10.85 دينار.

أما النشطاء والمدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي، فقد طالبوا بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، بعد قرارات خفض قيمة الدينار مرتين خلال أقل من عام، وهو ما عدّه كثيرون تخبطاً في السياسات النقدية. وفي الوقت نفسه، لا تزال وسوم «لا لفرض الضرائب» و«سعر الدولار دقيقة بدقيقة» تتصدر المنصات الليبية.

* غياب الرقابة

ألقى الناشط المدني مفتاح مكراز باللائمة على من وصفهم بـ«التجار المتحكمين في الدولة»، منتقداً غياب الرقابة الفعلية، وتساءل: «كيف يُسمح للتاجر بشراء الدولار بالسعر الرسمي واستيراد سلع، ثم بيعها وفق سعر السوق الموازية؟». وتحدث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن «شبهات غسل أموال مرتبطة بعمليات بيع وشراء الدولار»، مقللاً من مساهمة «المنح الحكومية في التغلب على الأزمة الراهنة، كونها تتبدد سريعاً مع ارتفاع الدولار»، ولافتاً إلى احتياجات المواطنين للعلاج والتعليم في الخارج.

من جهته، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن «تعدد وتضارب مراكز القرار هما السبب الرئيسي للفساد وارتفاع أسعار الدولار»، مشيراً إلى «توسع الحكومتين في الإنفاق بما يفوق الإيرادات النفطية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «غضب الشارع لم يكن فقط بسبب سعر الدولار، بل أيضاً بسبب ما نُقل وتردد عن بدء تطبيق ضرائب على بعض أصناف السلع المستوردة»، منتقداً «هشاشة المشهد التنظيمي» في ظل غياب بيانات رسمية توضح الموقف.

مقر مصرف ليبيا المركزي في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للمصرف)

وحذر بن شرادة من استمرار «سياسات معالجة العرض الظاهر عبر إجراءات نقدية طارئة، دون تشكيل حكومة موحدة وميزانية موحدة، ومكافحة تهريب الوقود والسلع التموينية»، مؤكداً أن ذلك «قد يرفع الدولار إلى 25 ديناراً»، داعياً جميع الأطراف إلى «الانتباه إلى أن الأزمة لن تستنزف إمكانيات الدولة فقط، بل ستستنزف أيضاً شعبيتهم».

وتمتد المخاوف إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، لتطول مستقبل الدينار، في ظل توقعات متشائمة ببلوغ الدولار مستويات أعلى. فقد حذر محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق الصديق الكبير من احتمال صعوده إلى 30 ديناراً، إذا استمر ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي»، فيما وصف أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل أي تنبؤ بسعر الصرف حالياً بأنه «ضرب من الخيال».

غير أن المخاوف من الأوضاع النقدية في ليبيا تذهب ببعض المراقبين نحو مخاوف وسيناريوهات مغرقة في التشاؤم، حيث نبه أستاذ العلاقات الدولية الليبي إبراهيم هيبة إلى أن «استمرار الأزمة الحالية والانقسام السياسي، قد يؤدي لزيادة الجريمة المنظمة والإرهاب»، وقد يفضي إلى «ثورة جياع».