الغنوشي يقرر رفض الاستجابة لأي دعوة أمنية أو قضائية... حتى إشعار آخر

استقالته من رئاسة «النهضة» مؤقتة بسبب سجنه

راشد الغنوشي (أ.ف.ب)
راشد الغنوشي (أ.ف.ب)
TT

الغنوشي يقرر رفض الاستجابة لأي دعوة أمنية أو قضائية... حتى إشعار آخر

راشد الغنوشي (أ.ف.ب)
راشد الغنوشي (أ.ف.ب)

خلفت تقارير إعلامية تونسية عن تقدّم راشد الغنوشي باستقالته من رئاسة «حركة النهضة» بعد إصدار مذكرة توقيف بالسجن ضده منذ يوم 20 أبريل (نيسان) الحالي، تساؤلات حول حقيقة هذه الاستقالة، وهل تمت بالفعل، أم أن تعيين منذر الونيسي رئيسا مؤقتا للحركة هو الذي غذاها.
التقارير نسبت قرار استقالة الغنوشي إلى مصادر في «حركة النهضة»، وأرجعت الأسباب إلى «عجزه عن قيامه بمهامه بسبب وضعه القانوني الحالي، بالإضافة إلى كبر سنه ومعاناته من عدة أمراض مزمنة»، غير أن هذه «الاستقالة المزعومة» بقيت في حاجة إلى توضيحات رسمية تؤكدها، أو تنفيها.
وفي هذا الشأن، نفى بلقاسم حسن عضو المكتب التنفيذي لـ«النهضة» في تصريح لـ«الشرق الأوسط» نفيا قاطعا، أن تكون لدى الغنوشي «نية للتخلي عن رئاسة الحركة»، مؤكدا أن «اختيار المنذر الونيسي لتولي رئاسة الحركة بصفة مؤقتة يعود إلى أنه النائب الثالث للغنوشي بعد علي العريض ونور الدين البحيري، وكلاهما في السجن، وإلى أن الحركة كمؤسسة تحتاج إلى إدارة يومية لعدد من الملفات التي لا يمكنها الانتظار».
واتهم حسن «بعض الأطراف المشبوهة بالترويج لمغادرة الغنوشي للساحة السياسية، بعد أن عجزت عن إقناع النهضة وقياداتها بمشروعية المسار السياسي» الذي اقترحه الرئيس قيس سعيد على التونسيين.
وكانت «حركة النهضة» عيّنت الونيسي رئيساً مؤقتاً لها، بعد إدخال الغنوشي السجن بتهمة «التآمر على أمن الدولة الداخلي، والعمل على تغيير هيئة الدولة بالقوة»، ووجود نور الدين البحيري وعلي العريض، وهما نائباه في السجن، علاوة على تشكيل مكتب يضم عدداً من القيادات البارزة، في انتظار تجاوز الأزمة مع السلطة التونسية.
والونيسي، وهو طبيب بقسم الطب الباطني بمستشفى «شارل نيكول» بالعاصمة التونسية، كان أشرف على المؤتمر الصحافي للحركة، مباشرة إثر توقيف الغنوشي يوم 17 أبريل، قبل أن يصدر القضاء التونسي مذكرة توقيف ضده فجر يوم الخميس الماضي.
وعن ظروف إقامة الغنوشي في السجن، كان سمير ديلو عضو هيئة الدفاع قد أفاد بأنها «عادية، وأنه مسجون مع عدد قليل من مساجين الحق العام، وأن وضعه الصحي مستقر وعادي لرجل في مثل سنه (82 سنة)، ويعاني من أمراض عدّة».
ويحاكم الغنوشي على خلفية تصريحات إعلامية أثناء جلسة جمعته بقيادات في «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة، عدّ فيها أن «استبعاد الإسلام السياسي أو اليسار في تونس هو مشروع حرب أهلية».
وفي السياق ذاته، أعلنت هيئة الدفاع عن الغنوشي، في بلاغ لها نشر على الصفحة الرسمية للحركة، «أنّه طلب منها إعلام الرّأي العام بقراره رفض الاستجابة لأيّ دعوة من الجهات الأمنيّة بخصوص أيّ ملفّ حاليّ أو قادم، لما أصبحت تتّسم به هذه الاستدعاءات من طابع كيديّ وتنكيل واضح».
وهذا موقف مخالف تماما لمواقف سابقة ذكرت «أن الغنوشي مستعد للاستجابة لأي استدعاء وله ثقة في القضاء التونسي».
وكانت مصادر مقربة من الحركة أشارت إلى أن أنصارها مستاؤون من حشر الغنوشي ضمن المهتمين في قضايا الحق العام، وتحدثت عن نقله إلى جلسات المحكمة «وهو مكبل في سيارة تستعمل عادة لنقل أعتى المجرمين».
وبشأن آخر جلسة حضرها الغنوشي وأجرى خلالها مواجهة قانونية مع أمني يقول إنه يمتلك تسجيلا بالفيديو «يتضمن اجتماعا بين الغنوشي وعناصر إرهابية»، قال المحامي المختار الجماعي في تصريح إعلامي، إن الغنوشي «دعي إلى مواجهة المبلغ، وتمسك بالإنكار، في حين تمسك المبلغ (الأمني) بأنه لا يملك شريط الفيديو لأن منزله قد سرق، ومن ضمن ما سرق شريط الفيديو» المدعى وجوده.
وبيّن الجماعي أن «النقابي الأمني لم يقدم ما يفيد واقعة السرقة، ما يجعل المسألة محض افتراء على راشد الغنوشي»، على حد تعبيره.
وأفاد بأن الغنوشي «متمسك بحقه في تتبع كل من أساء إليه، وادعى عليه باطلا وتعسّفا»، من خلال استعمال حق رفع دعوى أمام القضاء. وبشأن الوضع الصحي للغنوشي، قال الجماعي: «وضعه متدهور جدّا بحكم سنه وقدراته الصحية التي لا تسمح بإيداعه في سجن، خاصة مع الظروف السجنية السيئة».
وأكد الجماعي أن الغنوشي «قرّر بعد 120 ساعة استماع وتحقيق، وبعدما ثبت أن هناك نوعا من التنكيل في حقه، مقاطعة كل استدعاء يبلغه، ولن يحضر أي جلسة استماع أو تحقيق، في انتظار ما ستؤول إليه الأحداث».


مقالات ذات صلة

الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة

شمال افريقيا الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة

الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة

أعلنت الرئاسة التونسية في بيان، مساء الخميس، أن الرئيس قيس سعيد أقال وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة نائلة نويرة القنجي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء. وورد في بيان للرئاسة التونسية على «فيسبوك» أن سعيد أصدر أمرًا يقضي بإنهاء مهمات «السيدة نائلة نويرة القنجي، وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة»، دون الإفصاح عن التفاصيل والأسباب أو تكليف من سيخلفها في المنصب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي عودة العلاقات التونسية - السورية... واستئناف التعاون الأمني والاقتصادي

عودة العلاقات التونسية - السورية... واستئناف التعاون الأمني والاقتصادي

تمخضت زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد لتونس بعد انقطاع دام 11 سنة، عن اتفاق على عودة العلاقات بين البلدين «إلى مسارها الطبيعي». كما أفرزت الزيارة، التي وصفها المقداد بـ«التاريخية»، اتفاقا على تعزيز التعاون في المجال الأمني، خاصة «في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالبشر». واتفق الجانبان، إثر الزيارة التي دامت ثلاثة أيام وانتهت الأربعاء، على «تكثيف التواصل بين البلدين في المرحلة المقبلة بهدف تعزيز التشاور والتنسيق حول مختلف القضايا والمسائل الثنائية ذات الاهتمام المشترك، والعمل على التئام اللّجنة المشتركة بينهما». ونص بيان مشترك صدر عن الزيارة أيضا، على استئناف التع

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا نقل راشد الغنوشي إلى المستشفى بعدما أوقفه الأمن التونسي

نقل راشد الغنوشي إلى المستشفى بعدما أوقفه الأمن التونسي

نُقل راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة» الإسلامية والبرلمان المنحل إلى المستشفى، اليوم (الثلاثاء)، بسبب تدهور حالته الصحية إثر إيقافه من الأمن، حسبما أفاد به مستشاره الإعلامي ماهر المذيوب. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، أُوقف الغنوشي منذ ليل الاثنين-الثلاثاء بعد تصريحات له من مقر «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة للرئيس قيس سعيد، حذّر خلالها من أن إقصاء «الإسلام السياسي» أو اليسار أو أي طرف سياسي آخر، يهدد بحرب أهلية في البلاد. وقال المذيوب: «نحمّل قيس سعيد، المسؤولية كاملة على الخطر الداهم المهدِّد لحياته». من جانبه، قال مسؤول بوزارة الداخلية إن الغنوشي سيبقى على ذمة التحقيقات في قضية تتعلق بتصريحات

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الشرطة التونسية تداهم مقر «النهضة» وتبدأ إخلاءه وتفتيشه

الشرطة التونسية تداهم مقر «النهضة» وتبدأ إخلاءه وتفتيشه

قال مسؤولون من «حركة النهضة» التونسية لوكالة «رويترز» للأنباء إن قوات الشرطة داهمت المقر الرئيسي للحركة بالعاصمة تونس وبدأت إخلاءه وتفتيشه، اليوم الثلاثاء، بعد ساعات من إلقاء القبض على زعيم الحركة راشد الغنوشي. وقال رياض الشعيبي القيادي بالحركة لوكالة «رويترز» إن الشرطة أظهرت إذناً قضائياً وبدأت إخلاء المقر من كل من فيه. وأعلنت «حركة النهضة» التونسية، أمس الاثنين، أن قوات الأمن أوقفت زعيمها رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، في بيان نشرته على «فيسبوك»، مشيرة إلى أنه اقتيد إلى «جهة غير معلومة من دون احترام أبسط الإجراءات القانونية». ونددت الحركة «بهذا التطور الخطير جداً»، وطالبت بـ«إطلاق سراح ا

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا السجن لمحافظ قابس لـ«تمرده» على قرار الرئيس التونسي

السجن لمحافظ قابس لـ«تمرده» على قرار الرئيس التونسي

كشف منير عروم، المتحدث باسم المحكمة الابتدائية بولاية (محافظة) قابس التونسية، اليوم، أن حكماً صدر يقضي بسجن محافظ قابس السابق، مصباح كردمين، بسبب استمراره في مباشرة عمله بعد إعلامه رسمياً بقرار فصله الذي اتخذه الرئيس قيس سعيد، إلى جانب اتهامه بالتلاعب بموارد الدولة. وفُتح بحث لدى قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية، لمعرفة حيثيات استمرار موظف عمومي في مباشرة وظيفته رغم إعلامه رسمياً بقرار فصله، وذلك بعد أن شوهد الوالي السابق في مكان العمل بعد عزله، وهو ما عُدّ «تمرداً وعدم قبول بالقرار الرئاسي». ويواجه الوالي المُقال ثلاث تُهم رئيسية، إلى جانب عدم قبوله بقرار إقالته، وهي: منح رخص سيارة أجرة وتر

المنجي السعيداني (تونس)

توتر جديد بعد مقتل مواطنين موريتانيين في عملية عسكرية لجيش مالي

جنود من جيش مالي خلال إنزال لمطاردة مسلحين من «القاعدة» في إحدى الغابات (أرشيفية - إعلام محلي)
جنود من جيش مالي خلال إنزال لمطاردة مسلحين من «القاعدة» في إحدى الغابات (أرشيفية - إعلام محلي)
TT

توتر جديد بعد مقتل مواطنين موريتانيين في عملية عسكرية لجيش مالي

جنود من جيش مالي خلال إنزال لمطاردة مسلحين من «القاعدة» في إحدى الغابات (أرشيفية - إعلام محلي)
جنود من جيش مالي خلال إنزال لمطاردة مسلحين من «القاعدة» في إحدى الغابات (أرشيفية - إعلام محلي)

قال الجيش الموريتاني إن مواطنين موريتانيين عُثر عليهما قتيلين بعد ساعات من اعتقالهما على يد وحدة من الجيش المالي في قرية «ياكنا» الواقعة داخل الأراضي المالية، على بُعد 12 كيلومتراً من الحدود.

ونفى الجيش، بشدة، الرواية التي تداولتها مصادر صحافية موريتانية، وأكدتها أحزاب سياسية ونواب في البرلمان، والتي تُفيد بأن «وحدة من الجيش المالي اقتحمت قرية موريتانية وقامت بتصفية 3 أشخاص وإضرام النيران في الجثث قبل الانسحاب».

وقال الجيش الموريتاني، في بيان، إن ما يجري تداوله من معلومات «غير دقيق»، مشيراً إلى أنه «في صبيحة يوم 20 مارس (آذار) 2026، وصلت قوة مسلحة قوامها 5 سيارات و20 دراجة نارية إلى قرية (ياكنا) المالية، الواقعة على بُعد 12 كيلومتراً من الحدود الموريتانية، و40 كيلومتراً من قرية (أبغيديد) الموريتانية».

قائد الأركان العامة للجيوش بموريتانيا الفريق محمد فال ولد الرايس (متداولة)

وأضاف، أنه «حسب المعلومات المتوفّرة، قامت هذه القوة باعتقال 3 أشخاص، موريتانييْن ومالي الجنسية، ليعثر عليهم لاحقاً وقد فارقوا الحياة»، دون أن يكشف ملابسات الوفاة، ولا الظروف التي تمت فيها.

وأكد الجيش الموريتاني، أن «وحدات من قواتنا المسلحة منتشرة على طول الشريط الحدودي»، مشدداً على أن «القوة التي ارتكبت هذا الفعل كانت داخل الأراضي المالية، وعلى بُعد 12 كيلومتراً من الحدود الوطنية».

وخلص في بيانه إلى تأكيد «الجاهزية التامة لقواتنا المسلحة لتأمين كل شبر من تراب الوطن، والتصدي بحزم لأي تهديد يستهدف أمن المواطنين، أو يمس بحرمة حوزتنا الترابية».

وتأتي هذه الحادثة وسط تصعيد وتوتر بين موريتانيا ومالي، خصوصاً في الشريط الحدودي المحاذي لغابة (واغادو)، غربي مالي؛ حيث توجد معاقل «جبهة تحرير ماسينا»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، وحيث تدور معارك طاحنة بين الجيش المالي والتنظيم الإرهابي.

مالي... و«القاعدة»

في غضون ذلك، أعلن الجيش المالي «مقتل نحو 40 إرهابياً خلال عملية عسكرية الأسبوع الماضي بالقرب من الحدود مع موريتانيا»، مشيراً إلى أن من بين القتلى «قيادياً بارزاً»، بالإضافة إلى «تدمير مخابئ إرهابية».

العنف المتصاعد في مالي التي تمتلك حدوداً مشتركة مع موريتانيا يفاقم مخاوف الحكومة الموريتانية (إ.ب.أ)

وأضاف الجيش المالي أنه تمكن «من تحرير 12 رهينة كانوا بحوزة جماعة إرهابية، واسترجاع كميات من الأسلحة والذخيرة، بينها طائرات مسيَّرة انتحارية، وأجهزة اتصال من نوع (TYT)، وأكثر من 3 آلاف لتر من الوقود، إلى جانب معدات عسكرية أخرى».

وتواجه مالي خطر الجماعات المسلحة منذ نحو عقد ونصف العقد، وينفذ جيشها من حين لآخر عمليات ضد معاقل «القاعدة»، وفي بعض الأحيان يدخل الشريط الحدودي مع موريتانيا، ما يُسفر عن سقوط ضحايا موريتانيين.

وحول الحادثة الأخيرة، قالت مصادر محلية إن القتلى كانوا شابين موريتانيين وآخر من مالي، يعملون في تنمية المواشي، وكانوا صباح الجمعة الماضي يرعون الماشية في أحد الأودية، «حين اعتقلتهم وحدة من الجيش المالي، وأعدمتهم رمياً بالرصاص»، وفق تعبير مصدر عائلي.

وقال المصدر، في حديث لصحيفة موريتانية، إن «أحد القتيلين أُطلق عليه الرصاص في الرأس، فيما أُصيب الآخر برصاصة بين الكتفين، قبل أن يتم إحراق جثمانيهما»، مطالباً الحكومة الموريتانية بـ«التدخل لضمان تحقيق جاد في الحادث».

وأثارت الحادثة جدلاً واسعاً في موريتانيا؛ حيث وصفها «حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل) بأنها «عمل إجرامي وتصعيد خطير»، وأضاف الحزب المعارض الأكثر تمثيلاً في البرلمان، أن ما جرى «انتهاك صارخ لعلاقات الأخوة وحسن الجوار، وكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية».

ودعا الحزب إلى «موقف رسمي حازم وواضح»، مشيراً إلى أن «هذا العمل الإجرامي لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويُشكّل تصعيداً خطيراً». ورأى أن على الحكومة الموريتانية «تحمل مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين وصون كرامتهم داخل الوطن وخارجه»، داعياً إلى «اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

يتواصل مسار العنف منذ بداية عام 2026 في شرق الكونغو الديمقراطية، رغم محاولات وسطاء لإحياء اتفاقات وقف إطلاق النار بين الحكومة ومتمردين بينهم حركة «23 مارس» المتهمة بـ«تلقي دعم من رواندا».

ذلك المشهد الحالي في شرق الكونغو، لن يخرج من دوامة العنف والاتفاقات الهشة، قريباً، مع عدم وجود مقاربة يتقبلها الطرفان، وفق خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وشن متمردون يشتبه بانتمائهم إلى «قوات التحالف الديمقراطية» عدة هجمات قتلوا خلالها ما لا يقل عن 50 شخصاً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وذكرت إذاعة «أوكابي» المحلية، السبت، نقلاً عن شخصيات من المجتمع المدني في المقاطعة، أن عمليات القتل التي نُسبت إلى متمردي «قوات التحالف الديمقراطي»، وقعت في الفترة من 9 إلى 15 مارس الجاري وقتل 35 مدنياً في منجم موتشاتشا للذهب، و15 في بابيسوا، بخلاف تدمير الممتلكات ونهب وحرق الكثير من المنازل، ما تسبب في نزوح مئات العائلات.

وقبل نحو أسبوع، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا) في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في إحدى مناطق شرق الكونغو». وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن «أزمة شرق الكونغو معقدة رغم التحركات محلياً ودولياً، وتجعل الاتفاقات هشة والنزوح والعنف في تصاعد».

فيما يشير المحلل السياسي التشادي، المختص في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إلى أن «دوامة العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، مستمرة بفعل تداخل عوامل بنيوية معقدة، في مقدمتها تعدد الفاعلين المسلحين، وتشابك الأجندات الإقليمية، واستمرار التوتر مع رواندا... وإلى جانب التنافس الحاد على الموارد الطبيعية، وضعف قدرة الدولة على بسط سلطتها، يتفاقم النزوح، ويتحمل المدنيون التكلفة الأكبر ضمن سياق أمني هش ومتقلب».

عناصر من «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو بشرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويأتي هذا التصعيد رغم جهود أميركية - قطرية جديدة. وقبل يومين، قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريده على «إكس»، إن «الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، وذلك بعد اجتماعات في واشنطن يومي 17 و18 مارس الجاري، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وفي 5 مارس الجاري، شاركت قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، المنبثقة من إعلان المبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» الذي تم توقيعه بالدوحة في يوليو (تموز) 2025.

تلك المسارات المتعثرة لإحياء السلام، تأتي بعد عام كامل من اتفاقات 2025 التي لم تصمد، حيث أبرمت الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام بوساطة أميركية في واشنطن نهاية العام الماضي، ينص على آلية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم، بدعم من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو (مونوسكو).

ويرى عيسى أن «الاتفاقات المبرمة تظل محدودة الجدوى، لكونها جزئية في نطاقها، وقاصرة عن معالجة الجذور العميقة للأزمة، ما يجعلها عرضة للتآكل السريع مع أول اختبار ميداني»، لافتاً، إلى «أن أفق إنهاء هذه الدوامة يظل بعيداً، ما دامت محدداتها قائمة دون تغيير جوهري، وما دام ميزان القوى يعيد إنتاج العنف بدل احتوائه».

وأشار إلى أن المخرج من دوامة العنف في شرق الكونغو، «يظل ممكناً من حيث المبدأ، غير أنه مرهون بتحولات عميقة تتجاوز حدود المعالجات الظرفية والتسويات الجزئية، ويقتضي ذلك إرساء تفاهم إقليمي متماسك يخفف حدة التوتر مع رواندا، وينصّ على التزامات وآليات رقابة فعالة، بما يحد من تغذية الصراع عبر دعم الفاعلين المسلحين».

ويعتقد تورشين، أن تلك الأزمة «بحاجة إلى نقاشات جادة وتفاهمات حتى يمكن الوصول لاتفاق سلام جاد وحقيقي، يرجع حقوق الضحايا وذويهم، ويحقق مساراً حقيقياً، وإلا ستستمر موجة النزوح والعنف والهجمات كما هي حالياً».


تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)
آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)
TT

تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)
آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)

أثارت الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مدينة ديمونة في صحراء النقب بجنوب إسرائيل، تساؤلات ومخاوف في الأوساط المصرية بشأن احتمال تأثير أي هجوم على مفاعل ديمونة النووي، في ظل الغموض الكبير الذي يكتنف البرنامج النووي الإسرائيلي.

التساؤلات بشأن مخاطر استهداف واسع النطاق لمفاعل ديمونة، الذي يبعد 70 كم عن مصر، وفق تقديرات خبراء، أعقبت إعلان الجيش الإسرائيلي السبت وقوع «ضربة صاروخية مباشرة على مبنى» في المدينة.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من جانبها، قالت إنها لم تتلق أي إشارة عن أضرار في مركز الأبحاث النووية في النقب. وأضافت الوكالة أن المعلومات الواردة من السلطات الإقليمية لم تُظهر أي مستويات إشعاعية غير طبيعية، وفق حساب الوكالة عبر منصة «إكس».

ولم يصدر تعليق رسمي من جانب «هيئة الرقابة النووية والإشعاعية» المخولة بهذا الملف، لكن عضو مجلس إدارة الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء في مصر، أمجد الوكيل سارع إلى الطمأنة بأن «التأثير محكوم بعوامل متعددة ومعقدة وليس مجرد وقوع الحدث».

وأشار في منشور له على موقع «فيسبوك» مساء السبت، إلى أن مصر تتمتع بـ«عوامل أمان استراتيجية على المستوى الجغرافي والفني والمؤسسي». وأضاف أن المخاطر المحتملة على مصر، إذا وجدت، «محدودة النطاق وقابلة للإدارة العلمية الرصينة».

وذهب الوكيل، وهو رئيس سابق لهيئة المحطات النووية المصرية، إلى أن استهداف المفاعلات النووية لا يؤدي إلى انفجار نووي كما يحدث في القنابل الذرية. ورجح أن أسوأ السيناريوهات الممكنة قد تقتصر على «تسرب إشعاعي» يمكن التعامل معه فنياً وبيئياً، مضيفاً أن الرياح السائدة في منطقة شرق المتوسط، من الغرب إلى الشرق، تمثل عاملاً طبيعياً يحد من انتقال أي سحابة إشعاعية محتملة نحو العمق المصري.

وعلى الرغم من عدم تسجيل أي أضرار لمصر جراء الضربة، وفق الوكيل، فقد تساءل البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري عن تداعيات استهداف محتمل للمفاعل، قائلاً: «ماذا لو أصيب مفاعل ديمونة نتيجة القصف الذي استهدف المدينة؟»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر مجاورة لهذا المفاعل، والنتائج ستكون خطيرة في حال تدميره».

بدا التساؤل منطقياً من وجهة نظر الدكتور يسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، الذي أكد أن المخاوف من مخاطر القدرات النووية الإسرائيلية «لها ما يبررها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاعتماد على الرياح لتقليل أي تسرب إشعاعي يبقى أمراً غير مضمون».

كذلك يجزم الدكتور علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، أن مخاطر مفاعل ديمونة قائمة وتشكل تحدياً حقيقياً لمصر والمنطقة، مشيراً إلى أن الضربات الإيرانية الأخيرة كانت بمثابة طلقة تحذير استهدفت محيط المفاعل ولم تقترب من قلبه.

لكنه حذر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن أي استهداف مباشر لجسم المفاعل أو أحواض الوقود المستعمل بقنبلة شديدة الانفجار قد يؤدي إلى تناثر المواد النووية في الجو، مكونة ما يُعرف بـ«سحابة الفطر»، قد تؤثر على دول الإقليم بأكمله، وهو ما يعتمد على اتجاه وسرعة الرياح.

اجتماع مجلس إدارة هيئة الرقابة النووية والإشعاعية في مصر فبراير الماضي (الصفحة الرئيسية للهيئة)

ويعتمد البرنامج النووي الإسرائيلي على سياسة «الغموض النووي»، إذ يؤكد أن مفاعل ديمونة للأغراض البحثية فقط، دون تأكيد امتلاك أسلحة نووية، بينما تشير تقديرات معهد «استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» إلى امتلاك إسرائيل نحو 90 رأساً نووياً.

ويعود إنشاء «مركز شيمعون بيريز للأبحاث النووية»، المعروف باسم موقع ديمونة النووي، إلى أواخر خمسينات القرن الماضي، إذ بدأ بناؤه عام 1958 بمساعدة فرنسية، قبل أن يدخل المفاعل العامل بالماء الثقيل مرحلة التشغيل بين عامي 1962 و1964.

ويقع المركز في صحراء النقب جنوب إسرائيل، على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة بئر السبع، ونحو 25 كيلومتراً غرب الحدود الأردنية، وحوالي 75 كيلومتراً شرق الحدود المصرية.

وأوضح عبد النبي أن «مفاعل ديمونة يستخدم الماء الثقيل ويعمل بطاقة 150 ميغاواط حرارية، وهو مخصص لإنتاج البلوتونيوم 239 المستخدم في القنابل النووية، مع استخدام التريتيوم في تصنيع القنابل الهيدروجينية»، مؤكداً أن «أخطر ما فيه هو اليورانيوم المخصب بدرجة عالية».

وسبق أن علق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، على استهداف «ديمونة»، داعياً إلى مراعاة «أقصى درجات ضبط النفس العسكري، خصوصاً في محيط المنشآت النووية»، وفق حساب الوكالة عبر «إكس»، علماً بأن إسرائيل ليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ما يعني أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تملك صلاحية تفتيش الموقع النووي الإسرائيلي.

جانب من مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل (غيتي)

ويبدي سياسيون وخبراء مصريون ثقتهم في استعدادات القاهرة لأي خطر محتمل قد يستهدف ديمونة، ويقول البرلماني مصطفى بكري إن «القيادة المصرية والقوات المسلحة حريصة على مواجهة أي تداعيات خطيرة قد تؤثر على المواطن المصري».

أما عبد النبي فقال إن «مصر تمتلك شبكة رصد إشعاعي تضم 20 مركزاً تابعاً لهيئة الرقابة النووية والإشعاعية، منها ما هو على حدود سيناء وقناة السويس، لمراقبة أي تسرب نووي محتمل، نظراً لقربهما من مفاعل ديمونة ومسارات السفن التي تحمل مواد مشعة».

كما يشير أبو شادي إلى أن «عضوية مصر في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعزز من قدرتها على متابعة الملف عن كثب، والتنسيق مع الجهات الدولية المختصة لضمان تقييم دقيق لأي مخاطر محتملة على المستوى الإقليمي».