شعراء إيطاليا الكبار في القرن الـ20... ملامح من سيرهم الفنية والذاتية

كتاب يلقي الضوء على إنجازات أونغاريتي وسابا ومونتالي

شعراء إيطاليا الكبار في القرن الـ20... ملامح من سيرهم الفنية والذاتية
TT

شعراء إيطاليا الكبار في القرن الـ20... ملامح من سيرهم الفنية والذاتية

شعراء إيطاليا الكبار في القرن الـ20... ملامح من سيرهم الفنية والذاتية

يختار أستاذ الأدب الإيطالي المقيم بفلورنسا محمود سالم الشيخ في كتابه الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب «أهم شعراء الطليان في القرن العشرين» الشعراء: «جوزيبي أونغاريتي» و«أمبرتو سابا» و«يوجنيو مونتالي»، مبرزاً ملامح من سيرهم الفنية والذاتية باعتبارهم الثلاثة الكبار - برأيه - الذين أثروا في مسيرة الشعر الإيطالي في ذلك القرن. قدم للكتاب المترجم وأستاذ الأدب الإيطالي د. حسين محمود، مشيداً بالجهد الذي بذله المؤلف فيه، مما يجعله إضافة للمكتبة العربية.

جوزيبي أونغاريتي
عن «أونغاريتي» يذكر المؤلف أنه ولد بمدينة الإسكندرية في 8 فبراير (شباط) 1888 لأبوين إيطاليين وقضى بها فترة طفولته وشبابه، حيث كان والداه يديران مخبزاً. درس أونغاريتي في المدرسة السويسرية «سويس جاكو». أشهر مدارس الإسكندرية آنذاك ولم يغادرها متجهاً إلى إيطاليا عام 1912 بل إلى فرنسا ليتم دراسته بالسوربون، وهناك تتلمذ على يد كل من: «بيديه» و«بيرجسون» و«لانسون» و«ستروفسكي» وغيرهم من كبار أساتذة «كوليج دو فرانس». وفي تلك الفترة ارتبط بصداقة وثيقة مع أدباء الطليعة مثل «بول فور» و«أبوللنير» وتعرف على «بيكاسو» و«دي كيريكو». وتشرّب بالثقافة والشعر الفرنسي من «جوران» إلى «لافورج» إلى «ريفردي» و«أبوللونير» و«سندرارس»، الأمر الذي ساعده على اقتحام التراث الشعري الإيطالي التقليدي بروح ثورية متمردة وواثقة.
تمثلت هذه الثورة في تجديد بيت الشعر الإيطالي بإدخال البيت الحر. وهو ما يتضح مثلاً في ديوانه «البهجة»، حيث نجد أن بيت الشعر الجديد محطم، مفكك، منقسم إلى عدة أبيات قصيرة، كما أن كلمات هذا الديوان مستقاة من قاموس اللغة الدارجة. وقد أعطى «أونغاريتي» هذه الكلمات الدارجة قوة رمزية واسعة النطاق تبرزها فترات السكون والفراغ الأبيض، ويجمعها إزالة علامات الترقيم أسوة بأسلوب الشاعر الفرنسي أبوللونير، وبذلك اكتسبت الكلمة قوة تعبيرية عميقة بعكس الشعر التقليدي.
ويورد المؤلف عدة مقاطع قصيرة كنماذج من أشعار أونغاريتي، التي اتسمت بالقصر الشديد، فنقرأ على سبيل المثال في قصيدة «ملل»:
«ستمر أيضاً هذه الليلة
هذه الوحدة مع تأرجح
ظلال أسلاك الترام المضطربة
على الإسفلت الرطب
أنظر إلى رؤوس الحوذية
في غفوتها تتأرجح»
وهناك قصيدة أخرى بعنوان «بيتي» يقول فيها:
«فاجأني بعد زمن طويل
بحب
ظننت أنني بعثرته
في أرجاء العالم»
اشترك أونغاريتي في الحرب العالمية الأولى متطوعاً ثم انضم مبكراً في عام 1919 إلى الحزب الفاشي في بداية نشأته وظل مخلصاً للفاشية حتى سقوطها وقد قدم لديوانه «الميناء المغمور»، الذي نشر عام 1923 «بنيتو موسوليني» وفي الفترة من عام 1919 حتى 1921 عمل مراسلاً من باريس لصحيفة «بوبولو ديتاليا» صحيفة الحزب الفاشي، حيث كان يعمل في الوقت نفسه في السفارة الإيطالية. وبعد عودته إلى إيطاليا في عام 1921 شغل منصباً مرموقاً في وزارة الخارجية الإيطالية لأكثر من عشر سنوات.

أمبرتو سابا
ترجع شهرة وأهمية أمبرتو سابا أولاً إلى نشأته في مدينة «تريسته»، وإلى إيمانه الشديدين بموازين وقوانين الشعر التقليدي، بخاصة تجارب القرنين الثامن والتاسع عشر، وثانياً كان أول شاعر إيطالي يضيف البعد النفسي إلى أشعاره حتى وصفه أكبر النقاد الإيطاليين المعاصرين «جانفرانكو كونتيني»، بأنه محلل نفسي قبل اكتشاف علم النفس.
كانت «تريسته» مدينة تجارية لا تتسم بعراقة ثقافية وتمتلئ بالأجناس المختلفة والعادات الكثيرة كما أنها كانت تحت حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية، لذا كان من يريد الارتباط بالثقافة الإيطالية أو الكتابة باللغة الإيطالية يجد نفسه في موقف غاية في الصعوبة والحرج
ولد أمبرتو في 9 مارس (آذار) 1883 من أم يهودية وأب مسيحي وترك أبوه أمه قبل ولادته فلم ير والده قبل سن العشرين ورفض أن يسمى باسمه «بولي»، رغم أنه يعود إلى عائلة من العائلات النبيلة في البندقية ليتخذ الاسم المستعار «سابا» تكريماً لأصل أمه اليهودية. وهو يعني في اللغة العبرية الخبز، كما استهدف أمبرتو» كذلك تكريم اسم مرضعته اليوغسلافية «ببت سابا»، وهنا تبدأ مآسي ومعاناة الإنسان والشاعر، فيبدأ انقسام سابا النفسي الذي نقرأه في إحدى قصائده:
«مدخل وهروب آه يا قلبي المشطور منذ الولادة
كم من آلام عانيت لأجعل منك قلباً واحداً
كم من ورود احتجت لإخفاء الهاوية»
أم قاسية أو شديدة القسوة والأب غير موجود، من هنا تبدأ المعركة والصراع النفسي ويزداد تعقيداً باختلاف جنس وأصل الوالدين. يصف هذا الصراع في إحدى قصائده الشهيرة بعنوان «سيرة ذاتية»:
«كان أبي بالنسبة إلي القاتل
حتى عرفته في سن العشرين
كان مرحاً وخفيفاً وكانت أمي
تتحمل كل أعباء الحياة
لقد أفلتت من يده كالكرة
(لا تشابه والدك) كانت تحذرني
وأخيراً فهمت:
كانا جنسين في صراع أزلي»
وتعتبر حضانة أمبرتو في كنف «ساباتز» أسعد فترات الطفولة في حياة «سابا» لدرجة أنه اعتبر منزل المرضعة «الجنة الخضراء عدن»، كما يصفه في «ثلاث قصائد إلى مرضعتي»:
«أرقد على صدر من لا تزال تسميني برتو
أرقد على الصدر الأول
لم يستسلم سابا لأجواء «تريسته» الخانقة، فتمكن من تحويل ما يسميه «الخطيئة الأصلية»، أي التخلف الثقافي لمدينته إلى فضيلة شخصية حيث وطد علاقات مع المجتمع الثقافي النمساوي والألماني بخاصة مع الفيلسوف نيتشه ومع المهتمين بدراسة علم النفس. وكان لمعرفة «نيتشه» و«فرويد» في حياة سابا كإنسان وشاعر أثر كبير، كما يشير في نهاية قصيدته «مقتضبات»:
«أصل المقتضبات نيتشه وفرويد»
وعن مدينة «تريسته» يقول:
«مدينتي حيث ولدت بها
كنت اكتشفتها طفلاً أكثر من أي شخص آخر
ويافعاً بالشعر زوجتها إيطاليا إلى الأبد».

يوجينيو مونتالي
بينما كان أونغاريتي منغمساً في تجديد بيت الشعر وتغيير شكله وتركيز موسيقى شعره على النطاق الضيق للكلمة، وبينما كان سابا عاكفاً في عزلته النائية يرتب ديوانه في شعر تقليدي وينادي بتخليد نفسه كشاعر العصر، كان يوجينيو مونتالي (1896 - 1981) يمثل الضمير الحي ليس فقط للحياة الأدبية والثقافية، بل كذلك السياسية في إيطاليا. فرغم وجود شخصية كبيرة ووقورة ومؤثرة في الفكر الإيطالي في ذلك الوقت مثل الفيلسوف «بنديتو كروتشي» فإن «مونتالي» تحمل عبء مآسي وقلق ورعب طبقة المفكرين والمثقفين ليس فقط في إيطاليا، بل في العالم أجمع أثناء الفترة الغامضة، التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، وفي فترة التعمير التي تلت الحرب. ويرجع ذلك لسببين، أولهما أن مونتالي كان يعتبر الشعر النشاط الحر الوحيد للروح الذي يسمح للإنسان بمزاولة حريته دون تدخل أو ضغط خارجي. الثاني أن حياة مونتالي نفسها ليست إلا مرآة صادمة لشاعريته ومبادئه الأخلاقية بما ترتب عليه استقلاله في مختلف أنشطته: شاعراً وناقداً وباحثاً.
ويذكر الكتاب أنه كان متحفظاً خجولاً، لكن نظرته الحادة المنتبهة وبصيرته وحكمة التقدير التي كانت تنبثق من عينيه، كانت تزيد من وقار شخصيته، وتفسر مبدأه الأخلاقي الشهير: «أنظر وأناظر»، الذي كان له أثر عميق وفعال في المجتمع الأدبي، بخاصة لدى الشباب الذين كانوا يتقربون إليه.
ويلفت المؤلف إلى أن اهتمام مونتالي يرتكز على وظيفة الشعر كوسيلة للاتصال وللدلالة على شخصية الشاعر ليس بمفهوم الساحر لكن بمفهوم العاقل والحكيم المجرد من الفتنة والسحر كما يؤكد لنا نفسه في يرتكز مقالته «طراز وتقليد» التي نشرها في مجلة «باريتي» في 15 يناير (كانون الثاني) 1925. وإذا قارننا هذا المفهوم بما صرح به الشاعر في رسالة إلى «جلاوكو جامبون» نشرت في مجلة «أوت أوت» عام 1962: «أنا أبدأ دائماً من الحقيقة لا أخترع شيئاً»، فسندرك أن شعر مونتالي يحتوي في أساسه على رغبة الشاعر في المعرفة، حيث يعتبر القصيدة وسيلة لفهم الحقيقة وترجمتها على عكس الكتاب الرومانتيكيين الذي يعتبرون الشعر «خلقاً أو ابتكاراً» لحقيقة أخرى مستقلة ومختلفة عن الحقيقة المألوفة.
ولد يوجينيو مونتالي في مدينة جنوا وبعد انتهاء المرحلة الابتدائية التحق بالمدرسة الإعدادية، ولكنه لم ينه هذه المرحلة بسبب مرضه وبعد شفائه تابع الدراسة بنفسه بمساعدة أخته ماريانا. وبرغم هشاشته وضعف صحته التحق بعهد «فيكتوريو إيمانويلي» التجاري وحصل منه عام 1915 على المؤهل، ثم واصل القراءة والدراسة بالمكتبات العامة بمدينة جنوا.
وفي 1916 تخلى مونتالي عن فكرة أن يصبح مطرباً وتفرغ كلية للشعر، حيث ظهرت في ذلك العام أول قصيدة كتبها الشاعر بعنوان «استهلال» التي يقول فيها:
«استمتعي فالريح التي تدخل البستان
تعيد إليه موجة الحياة:
هنا حيث تغوص لفافة
الذكريات الميتة
لم يكن بستاناً بل ضريح».


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».