علاقة «التقدمي» بـ«القوات» تمر بفتور... لكن لا قطيعة

الموقف من طروحات جعجع لا يتعلق بالرئاسة وإنما بـ«أسلوبه الحاد»

جنبلاط أبلغ «حزب الله» تأييده رئيساً يكون على النقيض من الرئيس ميشال عون (دالاتي ونهرا - د.ب.أ)
جنبلاط أبلغ «حزب الله» تأييده رئيساً يكون على النقيض من الرئيس ميشال عون (دالاتي ونهرا - د.ب.أ)
TT

علاقة «التقدمي» بـ«القوات» تمر بفتور... لكن لا قطيعة

جنبلاط أبلغ «حزب الله» تأييده رئيساً يكون على النقيض من الرئيس ميشال عون (دالاتي ونهرا - د.ب.أ)
جنبلاط أبلغ «حزب الله» تأييده رئيساً يكون على النقيض من الرئيس ميشال عون (دالاتي ونهرا - د.ب.أ)

تسيطر حالة من البرود حالياً على علاقة حزب «القوات اللبنانية» بـالحزب «التقدمي الاشتراكي»، لكنها على الأرجح لن تبلغ مرحلة القطيعة بين حزبين تجمعهما قواسم مشتركة وإن اختلفا حول مقاربتهما لملف الاستحقاق الرئاسي، بحسب ما تقول مصادر مواكبة للعلاقة بين الطرفين. ولا تعود حالة البرود الحالية، بحسب المصادر ذاتها، إلى بدء «التقدمي» حواراً مع «حزب الله»، وإنما إلى البيان الذي أصدرته النائب ستريدا جعجع في ردها على موقف رئيس «التقدمي» وليد جنبلاط الذي رفض تخوين مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي على خلفية التداعيات المترتبة على ما حصل مع المطران موسى الحاج لدى عودته من فلسطين المحتلة إلى لبنان عبر بوابة الناقورة.
وتؤكد المصادر المواكبة، أن الفتور الذي يحاصر علاقة «التقدمي» بـ«القوات» لا يعني بالضرورة أنهما أوشكا على إنجاز أوراق الطلاق بالمفهوم السياسي. وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن التواصل بين الحزبين لم ينقطع وإن كان قد استمر بصورة غير رسمية، وهذا ما حصل ليل أول من أمس؛ إذ سُجّل اتصال من الوزير السابق ملحم رياشي (القوات) بالنائب وائل أبو فاعور (الاشتراكي)، وجاء بعد ساعات على المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس «القوات» سمير جعجع وخصصه لشرح موقفه من انتخابات رئاسة الجمهورية.
وتلفت المصادر إلى أن ربط الفتور بين الحزبين بمعاودة الحوار بين «التقدمي» و«حزب الله» ليس في محله، ولن يكون ثمنه الانجرار إلى قطيعة مع «القوات»؛ لأن ما يجمع بينهما من توافق يتراوح بين محلي واستراتيجي حول أبرز القضايا الشائكة التي لا تزال عالقة، أكثر بكثير من التباين في مقاربتهما للاستحقاق الرئاسي. وترى أن التباين بين الحزبين في مقاربتهما لانتخابات رئاسة الجمهورية لن يكون على حساب هدفهما المشترك برفضهما انتخاب رئيس جديد للجمهورية ينتمي إلى قوى «8 آذار» ويدور في فلك «محور الممانعة» الذي تقوده إيران وينوب عنها في بيروت حليفها الأول «حزب الله».
وتعتبر المصادر نفسها أن جنبلاط لدى استقباله وفد «حزب الله» كان واضحاً برفضه انتخاب رئيس ينتمي إلى «8 آذار»، وأن المطلوب المجيء برئيس لا يشكّل تحدّياً لأحد، وإنما على نقيض بالتمام والكمال عن الرئيس الحالي ميشال عون الذي يعتبره جنبلاط مسؤولاً عن انهيار البلد وتدمير علاقاته بالدول العربية وافتعال اشتباكات سياسية متنقلة مع أبرز القوى السياسية الفاعلة بمن فيهم بعض حلفاء «حزب الله»، في إشارة إلى صدامه برئيس المجلس النيابي نبيه بري.
وتضيف، أن جنبلاط بمعاودة حواره مع «حزب الله» لا يتطلع إلى عقد صفقة ثنائية معه، وإنما إلى إشعاره بوجود ضرورة لإحداث صدمة سياسية تدفع باتجاه عدم التمديد لعون بانتخاب شبيه له لأن البلد لم يعد يحتمل المزيد من الانهيارات الكارثية.
وتؤكد، أن جنبلاط لن يغامر بعلاقاته العربية في مقابل دخوله في صفقة ثنائية مع «حزب الله» أو بتفرّده بموقف من الانتخابات الرئاسية بخلاف المزاج الشعبي بداخل «التقدمي» وامتداداً إلى المزاج العام في البلد، وترى أن لا مبرر لإطلاق الأحكام على النيات ما دام أن الحوار يجري تحت سقف «ربط النزاع وتنظيم الاختلاف».
وتكشف، عن أن تواصل «التقدمي» مع الدول العربية لم ينقطع، لكن لا شيء يمنع التواصل مع مكوّن أساسي في البلد يتمثل بـ«حزب الله». وتقول، إن لا اعتراض على الهدف الذي رسمه جعجع بقطع الطريق على إيصال مرشح من «8 آذار» إلى رئاسة الجمهورية، وإنما على العبارات التي استخدمها، خصوصاً لجهة «تخوينه» للنواب أكانوا من المستقلين أو المنتمين إلى القوى التغييرية في البرلمان في حال لم يتناغموا معه في موقفه.
وتتابع المصادر نفسها، أنها لا تعترض على ضرورة رفع السقف كمدخل للتفاوض، لكن في منأى عن أسلوب التحدي، والتعاطي بواقعية مع الاستحقاق الرئاسي لأن الأكثريات في البرلمان لم تتوصّل حتى الساعة إلى بلورة موقف موحد و«بالتالي، يتوجب علينا أن نعطيهم الفرصة لتوحيد رؤيتهم ليكون في وسعنا أن نبني على الشيء مقتضاه... وبعدها لكل حادث حديث».
وإذ تستبعد المصادر ما أخذ يُروّجه البعض حيال إمكانية الالتقاء بين «القوات» ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل في شأن الملف الرئاسي من موقع الاختلاف، فإنها تؤكد، في المقابل، أن باسيل يروّج لنفسه كمرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية، وإذا استعصى عليه الأمر فلا مانع لديه من أن يكون هو الممر الإلزامي لانتخاب الرئيس لأنه لم يقتنع حتى الساعة بأنه أصبح خارج السباق إلى الرئاسة.
وتعتبر أن توصيف جعجع للوضع المأسوي الذي يتخبّط فيه البلد يشكل نقطة التقاء مع «التقدمي»، وهذا ما يفتح الباب أمام معاودة التواصل بين الحزبين بعد أن يُصار إلى خفض منسوب التوتر الذي كان وراء انقطاعه، من دون أن يصل وبقرار قاطع من الحزبين إلى مرحلة القطيعة. وتقول، إن هناك حاجة إلى التنسيق مع النواب المستقلين وزملائهم في «القوى التغييرية» لقطع الطريق على إيصال مرشح «8 آذار» إلى الرئاسة، وهذا ما يجمع بين «التقدمي» و«القوات» من موقع اختلافهما في مقاربة الملف الرئاسي.
لذلك؛ فإن انتخاب الرئيس الجديد سيكون مع مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل موضع اهتمام المجتمع الدولي، ليس بسبب إصراره على إجراء الانتخابات في موعدها فحسب، وإنما لما للتقاطع الدولي والإقليمي من دور في إنضاج الظروف المواتية لمنع إقحام البلد في فراغ قاتل في حال تقرر ترحيلها إلى ما بعد انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس.
وفي هذا السياق، تقول مصادر سياسية بارزة، إن الفترة التي تفصل عن بدء الحراك الدولي في سبتمبر المقبل لتهيئة الأجواء أمام تأمين ولادة طبيعية للرئيس العتيد ستشهد تبادل الحملات السياسية التي يراد منها حرق هذا المرشح أو ذاك، مع أن المرشحين لا يزالون يحبسون أنفاسهم ولن يحرّكوا ساكناً قبل مبادرة الدول المعنية بالاستحقاق الرئاسي إلى تشغيل محركاتها باتجاه الأطراف الداخلية ذات التأثير في العملية الانتخابية.
واستغربت المصادر السياسية ما كان أشيع بأن سفيرة فرنسا لدى لبنان آن غريو وقبل أن تغادر إلى باريس لتمضية إجازتها الصيفية كانت قد استمزجت رأي البطريرك الماروني بشارة الراعي بلائحة تضمنت أسماء 4 مرشحين للرئاسة، وأن الأخير أضاف اسماً خامساً عليها، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن لا صحة لمثل هذه المعلومات أسوة بما أشيع سابقاً عن أن الراعي رفع إلى الفاتيكان لائحة بأسماء أربعة مرشحين. ولفتت إلى أن الراعي لم يتدخّل حتى الساعة في لعبة الأسماء، وأنه باقٍ على موقفه بتحديده مواصفات رئيس الجمهورية. وقالت، إن بكركي ليست في وارد دعوة من يقدّمون أنفسهم على أنهم من المرشحين الأقوياء للقاء يُعقد برعاية الراعي، أو لآخر ثنائي يقتصر على باسيل وجعجع، مشيرة إلى أن الأخير «قال كلمته في خصمه اللدود (باسيل)... ونقطة على السطر».
وأكدت المصادر، أن الراعي لن يعيد التجربة بدعوة المرشحين الأقوياء للقاء في بكركي كما فعل في السابق بدعوته الرئيس أمين الجميل وعون وجعجع وسليمان فرنجية، رغم أن ذلك اللقاء جاء بطلب منهم. وقالت، إن نظرية «الرئيس القوي في طائفته» كإحدى مواصفات رئيس الجمهورية «سقطت نهائياً لأن القوي هو من يجمع بين اللبنانيين لا من يفرّقهم، والقادر على أن يكون فوق الانقسامات والاصطفافات السياسية وإلحاق لبنان بمحور معين». وعليه، فإن الحوار يُسهم في إنقاذ البلد، وإن هناك ضرورة، كما تقول المصادر، لتلاقي الجميع في أوقات اشتداد الأزمات، وبالتالي فإن لا مفر من إحياء التواصل بين «القوات» و«التقدّمي» الذي «لن يغرّد وحيداً» في الملف الرئاسي، بحسب ما تؤكد المصادر ذاتها.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

السفارة الأميركية في العراق تحضّ رعاياها على «توخي الحذر الشديد»

متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في العراق تحضّ رعاياها على «توخي الحذر الشديد»

متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بغداد رعاياها إلى «توخي الحذر الشديد» من تهديدات تستهدف مصالح الأميركيين في العراق، محذّرة من مخاطر تحوّل المظاهرات قرب مقرها إلى أعمال عنف.

وجاء في بيان للبعثة نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن السفارة الأميركية «تتابع التهديدات النشطة للمصالح الأميركية في العراق، بما فيها المطاعم والشركات والأفراد».

وتابع البيان: «ينبغي للمواطنين الأميركيين توخي الحذر والانتباه لما يحيط بهم وتجنب التجمعات الكبيرة، حيث قد تتحول المظاهرات إلى أعمال عنف. ولا يزال الوضع الأمني معقداً وقابلاً للتغير بسرعة».

وأطلقت الشرطة العراقية الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، لتفريق مئات المتظاهرين المؤيدين لإيران الذين تجمعوا خارج المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، حيث تقع السفارة الأميركية.

وهتف المتظاهرون: «الموت لإسرائيل، الموت لأميركا».

واشتعلت الأجواء في العراق بعد تأكد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، في ضربات أميركية وإسرائيلية، أمس (السبت).


ترقّب وإرباك في صفوف جمهور «حزب الله»: بين «الثأر» ورفض الحرب

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
TT

ترقّب وإرباك في صفوف جمهور «حزب الله»: بين «الثأر» ورفض الحرب

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

تسود حالة من الترقّب والحذر في أوساط جمهور «حزب الله» منذ الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي. ويبدو ذلك انعكاساً لحالة «الإرباك» التي بدت على قيادة الحزب في تعاملها مع الخبر، إذ انتظرت حتى ظهر الأحد لإصدار بيان النعي، ودعت إلى التجمع في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد ظهر اليوم نفسه «وفاءً للقائد المعظّم».

صورة لنصر الله وصفي الدين داخل «المدينة الرياضية» في بيروت خلال تشييعهما في فبراير 2024 (رويترز)

وشهدت بعض المناطق ذات الغالبية المؤيدة للحزب، في الساعات الأولى التي تلت انتشار الخبر، تجمعات محدودة رُفعت خلالها صور خامنئي. كما نشط إعلام الحزب ووسائل التواصل الاجتماعي المؤيدة له في تداول صور وخطابات سابقة وتصريحات لخامنئي تؤكد «استمرار النهج وعدم تأثر المسار برحيل القادة».

صدمة المقارنة

وأثار خبر استهداف اجتماع القادة الإيرانيين بالضربات الإسرائيلية صدمةً في صفوف جمهور «حزب الله»، إذ أعاد إلى الأذهان اغتيال عدد من قادة الحزب خلال اجتماع لهم إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. وقد طرح ذلك علامات استفهام، لا سيما في ظلّ بلوغ التهديدات الأميركية بالحرب ذروتها سياسياً وعسكرياً. وكانت إسرائيل قد استهدفت اجتماعاً للحزب في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما أسفر عن مقتل خليفة الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، إلى جانب عدد من القيادات.

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

البُعد الديني

وفيما انشغل البعض بالسؤال عن «المرجعية التي يفترض أن يقلدوها بعد اغتيال خامنئي»، تعامل في معظمهم مع اغتياله من زاوية دينية بحتة، عادين أن «الاستشهاد» أمر متوقع لشخص ومرجعية قيادية بالنسبة إليهم، وهو ما ترافق في الوقت عينه مع أسئلة حول كيفية «الثأر» له، خصوصاً أن البعض يعتبر أن الثأر لم يتحقق لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله.

وفيما تبرز مواقف علنية غاضبة حيال ما يتعرّض له «محور الممانعة» من نكسات وهزائم في السنوات الأخيرة، لا يُبدي جمهور «حزب الله» حماسة لفتح «حرب إسناد جديدة». وقد عكست مواقف واضحة على وسائل التواصل الاجتماعي هذا المزاج، إذ تغيب الدعوات إلى الثأر وما شابه، ليصبح لسان حال كثيرين منهم: «لم يقف أحد إلى جانبنا عندما شُنّت الحرب علينا، ولم نعد قادرين على تحمّل أعباء حرب جديدة».

المزاج الشيعي الأوسع: رفض الحرب

وفي حين لا يعلن جمهور «حزب الله» صراحة رفضه الانخراط في الحرب، تتقاطع مواقفه مع مزاج شيعي أوسع، ومع موقف غالبية اللبنانيين الرافضين زجّ لبنان مجدداً في حروب الآخرين. وقد عبّر عن ذلك جهاراً عدد كبير من أهالي الجنوب والبقاع، الذين لا يزالون يعيشون تحت وطأة تداعيات المواجهات السابقة، إذ إن عدداً من العائلات لم يتمكن حتى الآن من العودة إلى منازله.


«حزب الله» أخذ بنصيحة بري بعدم التدخل إسناداً لإيران

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» أخذ بنصيحة بري بعدم التدخل إسناداً لإيران

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

يترقب لبنان الرسمي والشعبي مدى استعداد «حزب الله» للتجاوب على الأرض مع النصيحة التي قيل إن رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أسداها إليه بعدم التدخل في المواجهة بين إيران؛ والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وإنها جاءت، كما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، استكمالاً لدوره في التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 الذي التزمه «الحزب» وامتنعت إسرائيل عن تطبيقه.

ومع أن المصدر الدبلوماسي يتساءل عمّا إذا كان «الحزب» سيأخذ بنصيحه بري وتمسكه بموقفه بعدم التدخل، خصوصاً بعد الإعلان رسمياً عن اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، فإن مصادر بارزة في «الثنائي الشيعي» («الحزب» و«حركة أمل») تقول إن المسار العام الذي ستبلغه المواجهة يُفترض أن يشكل اختباراً للتأكد من أن «الحزب» باقٍ على تعهده وأنه لا عودة عنه.

وفد من «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد يلتقون رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - المركزية)

وكشفت المصادر في «الثنائي» لـ«الشرق الأوسط» عن أن تواصل بري و«الحزب» لم يتوقف، وأنه مستمر لمواكبة الوضع المتفجّر في الجنوب امتداداً إلى البقاع؛ جراء تمادي إسرائيل في اعتداءاتها وخرقها اتفاق وقف الأعمال العدائية. وقالت إن تفاهمه مع «الحزب» لم يأت عقب اندلاع المواجهة؛ و«إنما تم التوصل إليه بعد إعلان أمينه العام، نعيم قاسم، أنه لن يقف على الحياد في حال استُهدفت إيران، وأنه سيتدخل ويعود له تحديد طبيعة» هذا التدخل.

وأكدت أن بري على تواصل يكاد يكون يومياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، الذي بارك أي تحرك له باتجاه «حزب الله» لتحييد لبنان عن الحرب المشتعلة، وأنه يتواصل داخلياً وخارجياً لتأمين شبكة أمان للحفاظ على الاستقرار في البلد ومنع إسرائيل من توسعة الحرب شرط التزام «الحزب» الحياد. وكان لهذا التقى أخيراً رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، فيما لم ينقطع مستشاره العميد آندريه رحال عن التلاقي من حين لآخر مع الفريق الملحق برعد والمولج ملف الحوار.

وكشفت المصادر عن أن عدم تدخل «الحزب» تصدّر جدول أعمال حوار عون - رعد. وقالت إن بري لعب دوراً في تحضير الأجواء أمام تكثيف التواصل بينهما، ولفتت إلى أن عون يراهن على قدرة بري على إقناع «الحزب» بعدم التدخل، وهذا ما حصل قبل اندلاع المواجهة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. ورأت أن قيادة «الحزب» كانت أحيطت علماً بالتحذيرات التي نقلها عدد من السفراء إلى عون؛ آخرهم الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت. وقالت إنها وضعته في أجواء زيارتها إسرائيل وتحذير قادتها من تدخّل «الحزب» في حال اندلعت الحرب، وإن رئيسَي البرلمان، نبيه بري، والحكومة، نواف سلام، أحيطا علماً بها؛ مما استدعى، منذ ذلك الوقت، تواصل بري مع «الحزب»، عبر معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي تعاملت قيادته بجدية مع تحذيرات إسرائيل؛ لأن تدخله سيلحق أضراراً كبيرة بلبنان وبـ«الحزب» مباشرة.

وأكدت المصادر أن «لقاء عون السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، جاء بعد تلقي بري من (الحزب) ما يدعوه إلى الارتياح بأنه لن يتدخل، وهذا سبق اندلاع الحرب». وقالت إن عيسى عاد للقاء عون (وفق البيان الإعلامي الصادر عن رئاسة الجمهورية)، ناقلاً إليه رسالة من إدارته تؤكد أن الجانب الإسرائيلي ليس في وارد تنفيذ أي تصعيد ضد لبنان، ما دام أنه لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية.

مناصرون لـ«حزب الله» خلال تجمع تضامني مع إيران في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 26 يناير الماضي (أ.ف.ب)

واستبعدت المصادر احتمال تفلُّت «الحزب» من تعهّده الذي قطعه لبري بعدم التدخل. وقالت إنه سيستعيض عنه بمروحة واسعة من حملات التضامن مع إيران والتنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل يُفترض أن تتصاعد وتيرتها مع اغتيال خامنئي، من دون أن تتطور على نحو يدفعه إلى التدخل عسكرياً؛ إلا في حال ارتأى من يًسمَّون «عناصر غير منضبطة»، وفق مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، ومن باب رد فعلهم الغاضب، إطلاق صواريخ من نوع «كاتيوشا» لم تعد إلى حد كبير صالحة للاستعمال، أسوة بتلك التي أطلقتها «حماس» مع بدء إسناد «الحزب» غزة؛ لأنه لن يكون في وسعهم استخدام صواريخ دقيقة، فمجرد استخدامها سيرتد على «الحزب»؛ بذريعة أنه يستحيل عليهم تأمينها من دون موافقة ضمنية من قيادته المولجة إعدادها وإطلاقها.

وأضافت المصادر أن «الحزب» كان ولا يزال حريصاً على تحالفه مع بري، وأنه لا يحتمل وزر التفريط فيه، خصوصاً أنه لم يسبق له أن أخلّ بما تعهّد به، وهذا ما بدا واضحاً، ليس من خلال تأييده اتفاق وقف الأعمال العدائية فقط، وإنما لالتزامه وقف النار منذ أن أُعلن في 27 نوفمبر 2024، ولم يطلق رصاصة واحدة رداً على مواصلة إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب وتوسعتها لتشمل البقاع واستمرارها في ملاحقة قياداته وكوادره واغتيالهم.

وقالت إن بري يتباهى في لقاءاته الموفدين العرب والأجانب بالتزام «حزب الله»، ويدعوهم إلى الضغط على إسرائيل لإلزامها تطبيق الاتفاق الذي رعته واشنطن وباريس، رغم أن عدم ردّه على الاعتداءات، بعد مضي سنة وأكثر من 3 أشهر على الاتفاق، يشكل إحراجاً له أمام بيئته، وهذا ما يكمن وراء دعوة بري إلى تطبيق التلازم في الخطوات مع سيطرة الجيش على منطقة جنوب الليطاني وخروج «حزب الله» منها.

وأكدت أن تمايز بري عن «الحزب» بشأن عدد من القضايا لا يفسد ما بينهما من ودّ؛ لأنه الأقدر على مخاطبة المجتمع الدولي؛ بخلاف حليفه، إضافة إلى أنه لا يمكن التوصل لأي تسوية داخلية من دون الحوار معه؛ لأن معظم القوى السياسية الآن على قطيعة مع «الحزب».

وفي هذا السياق، استبعدت مصادر سياسية إخلال «الحزب» بتعهده عدم التدخل، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن قيادته تدرك ميدانياً أنه لا جدوى منه نظراً إلى عدم قدرته عسكرياً على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل في ظل الضربات القاسية التي أُلحقت به بإسناده غزة، والتي أدت إلى الاختلال في ميزان القوى وانعدام قدرته على استعادته قواعد الاشتباك والردع المتوازن.

وأكدت أنه لا مصلحة لـ«الحزب» في تكرار مغامرته العسكرية بإسناده إيران؛ «لما يترتب عليها من تكلفة بشرية ومادية تصيبه وتلحق أضراراً كبيرة بالبلد لا يستطيع (الحزب) تحمّلها ولا تلقى استجابة؛ ليس من المزاج الشيعي فقط، وإنما من بيئته، وسيجد نفسه وحيداً، وبالتالي لم يعد من خيار أمامه سوى وقوفه خلف الدولة والتحصن سياسياً وراء بري، وإلا؛ فإن إقحامه البلد في مغامرة جديدة سيؤدي إلى عزله أعمق مما هو فيها الآن، لذلك؛ فسيقتصر تدخُّل (الحزب)؛ انسجاماً مع البيان الذي أصدره، على التضامن الإعلامي والسياسي مع إيران دون حدود».