ويليامز: لا بد من تنازلات تاريخية في ليبيا... والشعب يريد طبقة جديدة وانتخاب رئيس

المستشارة الخاصة السابقة للأمم المتحدة حذرت في حديث لـ «الشرق الأوسط» من تسييس مؤسسة النفط

ستيفاني ويليامز (إ.ب.أ)
ستيفاني ويليامز (إ.ب.أ)
TT

ويليامز: لا بد من تنازلات تاريخية في ليبيا... والشعب يريد طبقة جديدة وانتخاب رئيس

ستيفاني ويليامز (إ.ب.أ)
ستيفاني ويليامز (إ.ب.أ)

حثت المستشارة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، ستيفاني ويليامز، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، المجلس الأعلى للدولة في ليبيا ومجلس النواب، على تقديم «تنازلات تاريخية» بتحمل مسؤوليتهما والاتفاق على خريطة طريق للانتخابات في إطار دستوري.
وقالت: «ما زلت أعتقد أن الانتخابات ممكنة في ليبيا، وهي المفتاح لحل الصراع الدائم على السلطة التنفيذية» وأنه «يتعين على المجلسين تجاوز العقبة الأخيرة التي تتطلب -في اعتقادي- روح التسوية التاريخية والدعم القوي من المجتمع الدولي». وأضافت أنها سمعت من الشعب الليبي أنه «يريد انتخابات وطنية لتجديد طبقته السياسية وانتخاب رئيس».
وأعربت ويليامز عن تقديرها لالتزام اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) بـ«الحفاظ -قولاً وفعلاً- على اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) 2020»، معربة عن «القلق بشأن الجهود المبذولة لتسييس مؤسسة النفط الوطنية».
كما أعربت ويليامز التي تركت منصبها نهاية الشهر الماضي، عن الأمل في أن يوافق مجلس الأمن الدولي قريبا على تعيين ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ليبيا. وهنا نص الحديث:
> هل هناك علاقة بين ترككِ منصبكِ وتمديد بعثة الأمم المتحدة 3 أشهر فقط؟
- كان التصور لفترة ولايتي دوماً باعتبارها قصيرة الأجل، لمدة 4 أشهر في الأصل، إلى حين تعيين الممثل الخاص للأمين العام، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وكانت لدي بالفعل التزامات سابقة لتعييني مستشارة خاصة، وبالتالي لم أتمكن من قبول طلب التمديد مرة أخرى إلى ما بعد نهاية يوليو (تموز). آمل وأتوقع أن يوافق مجلس الأمن بالإجماع في أقرب وقت ممكن على تعيين ممثل خاص للأمين العام، وتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمدة عام.
> وكيف كانت علاقتك مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن؟
- حظيت بعلاقات طيبة مع جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك تلك المشاركة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
> هل أثر الصدام الروسي - الغربي في أوكرانيا على ليبيا؟
- رغم الانقسامات الناجمة عن الصراع في أوكرانيا، واصل مجلس الأمن اجتماعه لمناقشة الملف الليبي، ولا تزال عملية برلين سارية.
> قلتِ سابقاً إن «بعض الأشخاص اختطفوا المستقبل السياسي للبلاد»، فمن هم هؤلاء الأشخاص؟
- هناك مجموعة متنوعة من العوامل التي تلعب دوراً في رفض أطراف النزاع دفع العملية قدماً إلى الأمام. إلا أن التعليمات التي تلقيتها من الأمين العام كانت الإنصات إلى الشعب الليبي. وما سمعته منهم كان واضحاً تماماً: «الشعب الليبي يريد انتخابات وطنية لتجديد طبقته السياسية، وانتخاب رئيس». لذلك، قررت الإنصات إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين ليبي سجلوا أسماءهم للتصويت، بدلاً عن الطبقة السياسية الضيقة.
لقد شغل المجلس الأعلى للدولة منصبه لأكثر من عشر سنوات، ومجلس النواب لأكثر من ثماني سنوات. وعليه، فإن فترة صلاحيتهما قد انتهت منذ فترة طويلة.
وكانت مظاهرات مطلع يوليو بمثابة دعوة صريحة لإجراء انتخابات. ويجب على المجلسين تحمل مسؤوليتهما، والاتفاق على خريطة طريق للانتخابات في إطار دستوري. ويتحمل المجلسان مسؤولية واضحة تجاه مواطنيهما والأجيال القادمة، لتقديم التنازلات التاريخية اللازمة للتوصل إلى التغييرات المطلوبة.
> اضطلعتِ بدور في نجاح مؤتمر برلين. أين هو حالياً؟ ما مصير مسار برلين؟
- بناءً على التعليمات التي تلقيتها من الأمين العام، توليت قيادة المسارات الليبية الثلاثة التي حددها مؤتمر برلين، والتي كرستها قرارات مجلس الأمن اللاحقة. وتجري متابعة المسارات الثلاثة الليبية من خلال ثلاث مجموعات عمل دولية. وخلال فترة ولايتي، عقدنا اجتماعات مجموعة عمل الأمن الدولي عندما كانت فرنسا رئيسة، وبحضور اللجنة العسكرية المشتركة (5 5)، وكذلك عُقد اجتماع للرؤساء المشاركين في مجموعة العمل الاقتصادية الدولية (مصر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) مع عدد من المؤسسات والدوائر الليبية الممثلة.
وعُقدت اجتماعات الرئاسة المشتركة لمجموعة العمل السياسي الدولي، ومجموعة العمل المعنية بالقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان. ويشترك في رئاسة مجموعة العمل السياسية كل من ألمانيا والجزائر وجامعة الدول العربية، بينما تترأس هولندا وسويسرا مجموعة العمل المعنية بالقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان.
> وماذا عن دور «اللجنة العسكرية» في وقف النار؟
- أقدر بشكل خاص التزام اللجنة العسكرية المشتركة (5 5) التي كان من دواعي سروري العمل معها لأكثر من عامين، للحفاظ -قولاً وفعلاً- على اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2020، والمضي قدماً في خطط توحيد المؤسسات العسكرية، والعمل على نزع سلاح الميليشيات، وكذلك إصلاح القطاع الأمني، وترتيب رحيل المرتزقة والقوات الأجنبية التي تنتهك السيادة الليبية. كما أقدر التزامهم بمبدأ الرقابة المدنية على الجيش، وهو مبدأ يجب التمسك به.
> ماذا عن البعد الاقتصادي و«مؤسسة النفط»؟
- على الصعيد الاقتصادي، مارست ضغوطاً من أجل استمرار الشفافية والمساءلة في إدارة عائدات النفط في البلاد. وفي حين أنه كان من الإيجابي أن نرى رفع الحصار النفطي، فإن القلق لا يزال يساورني بشأن الجهود المبذولة لتسييس مؤسسة النفط الوطنية. يجب أن تتمتع المؤسسة الوطنية للنفط، وجميع المؤسسات السيادية، باستقلالية كاملة، وأن يتم إبعادها عن المناورات السياسية. وينبغي تنفيذ توصيات المراجعة التي تيسرها الأمم المتحدة لبنك ليبيا المركزي تنفيذاً كاملاً، بما في ذلك توحيد صفوف البنك، الأمر الذي تحتاجه البلاد بشدة.
> ظهرت مجموعة جديدة سميت «5 2» (أميركا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وتركيا، ومصر) رأت النور، وعقدت اجتماعها الأول في إسطنبول في 19 يوليو الماضي. ما رأيكِ في أوضاع تنسيق المجتمع الدولي الذي يفترض أن تقوده ألمانيا؟
- أقدر فرصة التواصل مع المجتمع الدولي من خلال مجموعة متنوعة من التجمعات، سواء من خلال الاجتماعات الدبلوماسية الكبيرة المجدولة بانتظام، أو مجموعات العمل الدولية في برلين، أو التجمعات الأصغر التي تضم مجموعة منفصلة من البلدان.
خلال الأشهر الثمانية التي أمضيتها، سافرت أيضاً إلى عدد من البلدان: تونس، ومصر، وتركيا، وروسيا، وإيطاليا، وألمانيا، وبريطانيا العظمى، وفرنسا، وإسبانيا، والجزائر. وحيثما يجري الترحيب بالأمم المتحدة لإبداء رأيها، كان من واجبي أن أكون حاضرة.
> متى تتوقعين إجراء الانتخابات في ليبيا؟
- ما زلت أعتقد أن الانتخابات ممكنة في ليبيا، وهي المفتاح لحل الصراع الدائم على السلطة التنفيذية. عندما طلب الأمين العام أن أقوم بمهمتي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أوضح أن أولويتي القصوى يجب أن تكون الاستماع إلى ملايين الليبيين الذين سجلوا أنفسهم للذهاب إلى صناديق الاقتراع، لاستعادة شرعية مؤسسات البلاد عبر الانتخابات الوطنية. أعتقد أنه فقط مع إنشاء إطار دستوري توافقي يحدد معالم العقد بين المحكومين ومن يحكمهم، والسير إلى نهاية الفترة الانتقالية الطويلة للغاية من خلال الانتخابات الوطنية، يمكننا التغلب على الجمود السياسي الحالي والأزمة التنفيذية المتكررة.
ورافقني فريق رائع من الخبراء في المجالات الدستورية والانتخابية والقانونية، في ثلاث جولات من المفاوضات بين المجلسين للتوصل إلى صيغة توافقية للإطار الدستوري المطلوب، حتى تنتقل ليبيا إلى الانتخابات الوطنية التي طال انتظارها. بصورة إجمالية: لقد أمضينا ما يقرب من شهر كامل في إجراء هذه المفاوضات التي جرى خلالها إنجاز الكثير، بما في ذلك الاتفاق على القضايا الحيوية المتعلقة باللامركزية وآلية توزيع الموارد، وكلتاهما تعتبر من بين محركات الصراع في ليبيا. ويتعين على المجلسين تجاوز العقبة الأخيرة التي تتطلب -في اعتقادي- روح التسوية التاريخية والدعم القوي من المجتمع الدولي.
علاوة على ذلك، عملت على استغلال وقتي للوصول إلى أوسع نطاق ممكن من المحاورين، وممثلي المجالات السياسية والأمنية والاجتماعية في ليبيا، للاستماع إليهم وفهم مخاوفهم ورؤيتهم لمستقبل بلدهم وأفكارهم ومقترحاتهم، لمساعدة ليبيا على إنهاء فترة انتقالية طويلة عصفت بالبلاد منذ عام 2011. كما واصلت الدعوة لإدماج الشباب في العملية السياسية، وعقدت عديداً من الحوارات الرقمية، وأجريت توعية أخرى لمجموعات الشباب. بالإضافة إلى ذلك، دعوت إلى إشراك المرأة في العملية. لقد تعرض كثير من النساء الليبيات للهجوم والإيذاء والاعتقال غير القانوني والاختفاء والقتل، بسبب أفكارهن السياسية. والمؤكد أن مشاركة المرأة في الحياة العامة ضرورية وتجب حمايتها.
> هل سنرى مستقبلاً السيدة ويليامز وهي تتقلد منصباً جديداً في الدبلوماسية الأميركية، أم أنها ستعكف على كتابة مذكرات حول مهمة ليبيا مع الدكتور غسان سلامة؟
- سأستمر في تكريس وقتي للعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال الكتابة والتدريس والتحدث والدعوة. أعتقد أن موضوع المساءلة أمر حيوي للغاية، لمحاسبة أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة. وطوال فترات ولايتي المختلفة في ليبيا، كرست وقتي للاستماع إلى الشهادات المروعة لعديد من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في جميع أنحاء البلاد. لن أنسى أبداً اليوم الذي قضيته في ترهونة مع أهالي ضحايا التعذيب والمفقودين، وجميع الانتهاكات وقعت على يد القتلة ورعاتهم. من الضروري محاسبة أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة من أجل ضمان تعافي البلاد والمضي قدماً. وينطبق الشيء نفسه على دول أخرى في المنطقة شهدت حروباً أهلية، بما في ذلك سوريا والعراق واليمن.


مقالات ذات صلة

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

العالم العربي القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

كشفت مصادر ليبية ومصرية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» عن سلسلة اتصالات، ستجريها القاهرة مع السلطات في شرق ليبيا، بما في ذلك مجلس النواب و«الجيش الوطني»، لإطلاع المعنيين فيهما على نتائج زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى تركيا أخيراً. وأدرجت المصادر هذه الاتصالات «في إطار التنسيق والتشاور بين السلطات المصرية والسلطات في المنطقة الشرقية». ولم تحدد المصادر توقيت هذه الاتصالات، لكنها أوضحت أنها تشمل زيارة متوقعة إلى القاهرة، سيقوم بها عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، والمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». وكان خالد المشري رئيس المجلس الأعلى الدولة الليبي، ناقش مساء السبت مع وزير الخارجية ا

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

أعلنت الحكومة الجزائرية عن «خطة عاجلة» لوقف نزيف الأطباء الذين يهاجرون بكثرة، كل عام، إلى أوروبا وبخاصة فرنسا، بحثاً عن أجور عالية وعن ظروف جيدة لممارسة المهنة. وتفيد إحصاءات «مجلس أخلاقيات الطب»، بأن 15 ألف طبيب يشتغلون في المصحات الفرنسية حالياً، وقد درسوا الطب في مختلف التخصصات في الجزائر. ونزل موضوع «نزيف الأطباء» إلى البرلمان، من خلال مساءلة لوزير الصحة وإصلاح المستشفيات عبد الحق سايحي، حول ما إذا كانت الحكومة تبحث عن حل لهذه المشكلة التي تتعاظم من سنة لأخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

يبدأ وزير الخارجية السوري فيصل المقداد اليوم زيارة إلى تونس تستمر حتى الأربعاء بدعوة من نظيره التونسي نبيل عمار، لإعلان استكمال المراحل المؤدية إلى إعادة العلاقات الثنائية بين البلدين، والبحث في كثير من الملفات الشائكة والعالقة على رأسها ملف الإرهاب، واستقبال الساحة السورية لآلاف من الشباب التونسيين المنضوين في صفوف التنظيمات الإرهابية. وأوردت مختلف وسائل الإعلام التونسي أخباراً حول الزيارة، وبقراءات عدة، من بينها التأكيد على أنها «ترجمة للتوازنات الجيوسياسية الإقليمية التي تعرفها المنطقة العربية، ومن بينها السعي نحو عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية». وكانت مؤسسة الرئاسة التونسية صورت عودة ا

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

دعت «الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بالمغرب» -أحد ممثلي ناشري الصحف في البلاد- أعضاء البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، إلى إسقاط مشروع قانون صادقت عليه الحكومة، يقضي بإنشاء لجنة مؤقتة لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» المنتهية ولايته، بدل إجراء انتخابات. وجاءت هذه الدعوة في وقت ينتظر فيه أن يشرع مجلس النواب في مناقشة المشروع قريباً. وذكر بيان لـ«الفيدرالية» مساء السبت، أنه تلقى «بارتياح، التصدي القوي والتلقائي لهذا المشروع من طرف الرأي العام المهني، والمجتمع المدني، وفاعلين جمعويين وسياسيين، وشخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة»، معتبراً: «إن هذا الموضوع لا يهم باستهداف منظمات مهن

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم العربي باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

قال فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» الليبية، إنه باقٍ في منصبه «إلى أن تتفق الأطراف الليبية كافة على قوانين انتخابية يُرحب بها دولياً، والبدء في الإعلان عن مواعيد محددة للاستحقاق الانتخابي...

جاكلين زاهر (القاهرة)

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.