«رحلة كامل التلمساني»... من السريالية إلى السينما

كتاب يتضمن وثائق مهمة عن سيرة حياته ومراحله الإبداعية

«رحلة كامل التلمساني»... من السريالية إلى السينما
TT

«رحلة كامل التلمساني»... من السريالية إلى السينما

«رحلة كامل التلمساني»... من السريالية إلى السينما

عن رحلة الفنان التشكيلي والسينمائي المصري كامل التلمساني، في عوالم السريالية، وعلاقته بفنانيها الذين أسسوا لها في مصر قبل نحو 90 عاماً، يدور كتاب «رحلة كامل التلمساني... السريالي في مواجهة الواقعي»، الذي صدر مؤخراً للكاتب والباحث محسن البلاسي عن دار «الثقافة الجديدة».
قضى البلاسي سنوات عديدة لتقصي رحلة التلمساني، يفتش في آثار ودروب ومصادر عديدة، قادته في النهاية لإنجاز كتابه، بمساعدة كبيرة من الكاتب سمير غريب، خصوصاً في توفير وثائق مهمة تخص إبداعات الحركة السريالية، كما استفاد البلاسي كثيراً من كتاب غريب «السوريالية في مصر»، وقام بتسجيل حوار معه حولها. أما الكاتبة مي التلمساني، فوفرت له الكثير من وثائق عمها، ومنها حصل المؤلف على صورة لعقد رواية كامل التلمساني المفقودة «أم محمد» التي كان من المقرر أن تطبعها عام 1959 «دار الفجر الجديد»، لكنها اختفت ولم تصدر، ورسالة موجهة له من الرئيس جمال عبد الناصر، كلف مجلس الوزراء بتوجيهها إليه ليشكره بعد أن قرأ كتابه «سفير أميركا بالألوان الطبيعية» عام 1957، ومفكرته التي كان يسجل فيها أفكاره، ومخطوطات من كتابه «عزيزي شارلي» ومقالات نشرها في مجلات «دون كيشوت» و«التطور» و«الغد» و«روزاليوسف»، ومؤلفات حول السينما للمؤرخ محمود قاسم، ودراسة حول صورة المرأة في أعمال كامل التلمساني كتبها الناقد السينمائي الدكتور نادر الرفاعي، فضلاً عن الكثير من الكتب للنقاد لويس عوض، وعز الدين نجيب وسمير فريد وإيزيس فهمي، ومصطفى الرزاز.
ويجمع الكتاب، حسب رأي الناقد سمير غريب الذي كتب مقدمته، قدراً كبيراً من المعلومات حول التلمساني، يقوم المؤلف بتضفيرها في مسيرة واحدة، ليقدم كتاباً يعد الأول عنه، وقد تتبع البلاسي خلاله مراحل حياة التلمساني وانتقل معه من مرحلة إلى أخرى، حتى الوصول إلى بيروت والموت فيها.
ويتحدث المؤلف خلال فصول الكتاب عن بداية كامل التلمساني، والطريق إلى السريالية في مصر، وعلاقته بجماعة «المحاولين» وتأثره بهم، ومساهماته في مجلات «الرسالة» و«التطور»، و«المجلة الجديدة»، وعضويته في جماعة «الفن والحرية»، ثم علاقته بالشقيقتين إنجي وجلبيري أفلاطون، وألبير قصيري ومشاركته في المعرض الأول للفن الحر المستقل، ومعرضه في قاعة «تحوت»، والمعرضين الثاني والثالث للفن الحر، ثم التحول إلى السينما الواقعية، ودوره فيها بعد عام 1952، وتقديمه عدداً من الأفلام من إخراجه مثل «أنا وحبيبي» 1954، و«معهد الرياضة والرقص» أو «مدرسة البنات» 1955، ثم «موعد مع إبليس»، و«الناس اللي تحت» المأخوذ عن مسرحية نعمان عاشور 1960، كما يشير إلى السلطة الناصرية في ذلك الوقت وضغوطها التي مارستها على الفنانين وأصحاب التوجهات الشيوعية، ما اضطر كامل التلمساني إلى مغادرة مصر نهائياً، والتوجه لبيروت والعمل مستشاراً فنياً لشركة الأخوين رحباني.
ويتعرض البلاسي للبيئة التي نشأ فيها كامل التلمساني، ووالدته ذات الأصول التركية، وتحول أسرته من حالة الثراء إلى فقر دفعها إلى مغادرة قريتها «نوي»، حيث كان الأب ذا الأصول الجزائرية يمتلك ضيعة في محافظة القليوبية. لكن بسبب بذخه أضاع كل شيء، فاضطر وزوجته للرحيل مع نهاية الربع الأول من القرن العشرين للقاهرة، مصطحبين معهما أطفالهما كامل وحسن وعبد القادر وأسماء وحياة، وهذه الانعطافة الطبقية التي حدثت في حياة عائلة التلمساني، وفي حياة الصبي كامل، كانت وراء تشكل وعيه وانحيازه للفقراء بفكره وفنه في فترة الثلاثينات، وبعد الثورة 1952، التي كانت وتيرة التناقضات الطبقية قبلها تزداد بصورة فجة بين طبقة الإقطاع المتحالفة مع الاحتلال الإنجليزي، وبين باقي طبقات الشعب.
يحكي المؤلف عن تأثر كامل التلمساني بأستاذه يوسف العفيفي مدرس الرسم بمدرسة السعيدية الثانوية، الذي سافر لبعثة إلى إنجلترا، لدراسة الفنون الحديثة في ناتنغهام ليعود برؤى تقدمية عن الفن، ينقلها لتلاميذه في المدرسة، كامل التلمساني، وسعد الخادم وفؤاد كامل وراتب صديق الذين استوعبوا توجهاته الفنية والنظرية، ومستجدات المدارس الفنية الحديثة في أوروبا التي سلخت الفن التشكيلي عن أرستقراطيته، وتوجهت إلى الطبقة الوسطى عبر أفكار الفنانين التقدميين المتمردين على الأكاديمية الكلاسيكية.
أما بالنسبة للحركة السريالية في مصر بداية الثلاثينيات، فقد مهد العديد من الفنانين الأجانب الذين أقاموا في مصر الطريق لنشوئها عبر نشرهم الأفكار والكتب السريالية بين طليعة المثقفين في مصر، فأصبحت أدبياتها متاحة في القاهرة بين أيدي الطليعة الثقافية بفضل شخصيات من أمثال الفنان التشكيلي اليوناني أنطوان ملياراكيس والشاعر الصربي السريالي موني دي بولي، والمصورة الفوتوغرافية الفرنسية آيدا كار، والأميركية لي ميللر، والشاعرة الرومانية ماري كافاديا. وقد كان هؤلاء نشطاء في الحركات السريالية في بلدانهم، خصوصاً في باريس ولندن، ويرجع لهم الفضل في وضع البذرة الأولى للسريالية المصرية، وتمهيد الطريق لنموها بفعاليات فنية مستقلة، وتحليلات ومقالات نقدية في الفن والأدب حول كتابات وأعمال سريالية، كما كان لهم مساهمة مهمة في نقل الثقافة السريالية والفن والأدب التقدمي والطليعي.
تشكل وعي كامل التلمساني، الذي لم يكمل العشرين عاماً في بداية الثلاثينيات، بشكل كبير عبر احتكاكه بأعضاء «جماعة المحاولين» وكُتاب الصحيفة التي كانت تصدر عن الجماعة باللغة الفرنسية، تحت عنوان «آن إيفور». وكان يوسف العفيفي هو الجسر الذي وصل عبره كامل التلمساني إلى هذه الأوساط والدوائر الثقافية. وقد تابع على صفحاتهم تحليلات طويلة عن أعمال بول موراند، وداوديت، ومارك توين، وغيرهم. وبدأت تظهر على صفحات المجلة اتجاهات تحررية فيما يخص المجتمع الشرقي، غزت ما كان يشعر به من نهم ونشاط معرفي استثنائي، وقدرة على تكوين علاقات وطيدة مع الطليعة الثقافية في القاهرة.
في عام 1936، دخل كامل التلمساني كلية الطب البيطري ليرضي عائلته، لكن بسبب نزعاته الفنية التمردية لم يستطع النجاح فيها، وقد بدأ في العام نفسه يكتب مقالات ويقدم رسومات مصاحبة لقصص كتاب مثل طه حسين وغيره في مجلة «مجلتي»، وهناك تعرف على أنور كامل، ثم جورج حنين، لتبدأ مشروعاتهم المشتركة معاً، منها تأسيس جماعة «الفن والحرية» فيما بعد. وما بين عامي 1936 - 1937 كون كامل التلمساني مع راتب صديق وسعد الخادم وكمال الملاخ وفتحي البكري وعلي الديب جماعة «الشرقيين الجدد»، وكان أغلب ناشطيها وأعضائها من تلاميذ المدرسة السعيدية. وكان هؤلاء قد أصدروا بيان «الاستشراق الجديد» أو «إعلان الشرقيين الجدد»، الذي دعا للحفاظ على روح الثقافة والتراث والموروث الشعبي في الفن التشكيلي، وتحويل الفن الشعبي إلى شكل حداثي. وقد شهدت تلك الفترة معارك وصراعات فكرية وأدبية وفنية حول الفن القومي وملامحه، وهل يجب أن تكون هويته إسلامية أم فرعونية، أم يتجه للانفتاح على ثقافة شعوب حوض البحر المتوسط وأوروبا. حينها شعر الفنانون الحداثيون الشباب بأنهم دون ظهير، فنأوا بأنفسهم بعيداً عن كل تلك الصراعات القديمة، وسعوا ليكون فنهم في خدمة الشعب، وقضية تنويره، وبث الوعي الجمالي التقدمي والحداثي في عروقه، ليكون معبراً عن جدلية الواقع المادي وصراعاته وتناقضاته بسبل فنية حداثية وفوق واقعية.
ويشير البلاسي إلى أن صدور مجلة «دون كيشوت» عام 1939 مثّل طفرة للسرياليين المصريين في مرحلة بداية تنظيمهم وتأسيس جماعة «الفن والحرية»، وذلك بما احتوته من نقد للفن التشكيلي والأدبي والفلسفي، وما نشرته من مقالات وأطروحات تقدمية.
ويخصص البلاسي الفصل الثالث والأخير من الكتاب للحديث عن رحيل كامل التلمساني إلى بيروت، وعمله مستشاراً للأخوين رحباني، والأفلام التي نتجت عن تعاونه معهما بداية من عام 1965 وحتى وفاته في عام 1972، وقد بدأ بفيلم «بياع الخواتم» الذي أخرجه يوسف شاهين، وأشرف في العام نفسه على كتابة مسلسل «قسمة ونصيب»، وفيلم «سفر برلك»، الذي أخرجه هنري بركات عام 66، ثم اشتركا معاً بعد عامين في كتابة سيناريو فيلم «الحب الكبير»، كما كتب مسلسل «دموع المهرج» الذي أخرجه جان فياض ونقولا أبو سمح عام 1970.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.