المصارف اللبنانية تتوجس على أمنها

بعد احتجاز مودع رهائن داخل أحد الفروع لاسترجاع أمواله

بسام الشيخ حسين خلال حديثه مع رهينة من الذين احتجزهم داخل المصرف في بيروت للمطالبة بالحصول على أمواله (أ.ب)
بسام الشيخ حسين خلال حديثه مع رهينة من الذين احتجزهم داخل المصرف في بيروت للمطالبة بالحصول على أمواله (أ.ب)
TT

المصارف اللبنانية تتوجس على أمنها

بسام الشيخ حسين خلال حديثه مع رهينة من الذين احتجزهم داخل المصرف في بيروت للمطالبة بالحصول على أمواله (أ.ب)
بسام الشيخ حسين خلال حديثه مع رهينة من الذين احتجزهم داخل المصرف في بيروت للمطالبة بالحصول على أمواله (أ.ب)

رفعت حادثة احتجاز رهائن بقوة السلاح داخل مصرف «فدرال بنك» في شارع الحمراء، أول من أمس (الخميس)، مستوى المخاوف الأمنية لدى المصارف اللبنانية التي جددت مصادرها المطالبة بإقرار قانون «الكابيتال كونترول» الذي يفرض مساواة بين المودعين في السحوبات النقدية، وجددت إصرارها على مقترح إنشاء محكمة خاصة معنية بالقضايا المصرفية.
ودخل المودع بسام الشيخ حسين، الخميس، فرع مصرف «فدرال بنك» الواقع في منطقة الحمرا في بيروت، حاملاً سلاحاً، وطالب الموظفين بالحصول على وديعته من أجل علاج والده، وفق قوله. وفرضت قوات الأمن طوقاً مشدداً في محيط المصرف وتفاوضت مع المودع الغاضب، طالبة منه فتح باب المصرف والإفراج عن الموظفين المحتجزين. وبعد 6 ساعات من التفاوض مع المودع الذي احتجز 6 أشخاص، هم 5 موظفين ومودع آخر، سلّم الشيخ حسين نفسه إلى السلطات عصر الخميس، حيث وافق على تحرير الرهائن «بعد الاتفاق على إعطائه 30 ألف دولار من أصل وديعته البالغة قيمتها 209 آلاف دولار»، حسبما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية.
ورفعت هذه الحادثة مستوى التحذيرات الأمنية من تكرار فعل مشابه، ورغم أن «جمعية المصارف» لم تصدر أي بيان، بانتظار اجتماع يتوقع عقده مطلع الأسبوع المقبل، قالت مصادر مصرفية لـ«الشرق الأوسط» إن المصارف عاجزة عن اللجوء إلى الأمن الذاتي لمواجهة هذه الظاهرة، كما أن السلطات اللبنانية لا يمكنها أن تفرض انتشاراً أمنياً على نحو 900 فرع مصرفي عامل على مساحة لبنان، مشددة على أن الحل ليس أمنياً بل قانونياً، مؤكدة أنه «لا يجوز أن يكون أمن المصارف مهدداً».
وأوضحت المصادر أن الحل الوحيد «يتمثل في تنفيذ القانون عبر إقرار قانون تنظيم السحوبات المالية المعروف بـ(الكابيتال كونترول)، وذلك بهدف تحقيق مساواة بين المودعين بالسحوبات النقدية الشهرية»، ويهدف إلى «المحافظة على المخزون الحالي من القطع الأجنبي الضروري لتأمين معاملة المودعين على قدم المساواة ودون استنسابية».
كما جددت المصادر تأكيدها على ضرورة إنشاء محكمة خاصة بالأمور المصرفية، على غرار المحكمة «الخاصة بالأسواق المالية»، موضحة أن المحكمة تكون برئاسة قاضٍ يشبه المدعي العام المالي، وعضوية أشخاص يمتلكون خبرة قانونية ومصرفية وتبتّ بكل القضايا بشكل يراعي الشكل الحاصل والقوانين النافذة، مشددة على أن ذلك يتم بعد إقرار «الكابيتال كونترول».
وتنسحب مخاوف المصارف الأمنية، على موظفيها؛ حيث قال نقيب موظفي المصارف جورج الحاج: «يريد المودع وديعته وللأسف يفجّر غضبه بموظف المصرف لأنه الشخص الذي يجده أمامه، بينما لا يستطيع الوصول إلى الإدارة». وأضاف: «هذه ليست أول حالة، تتكرر الحوادث المماثلة وتحتاج الأمور إلى حل جذري غير متوافر في الوقت الراهن».
وانقسم الشارع اللبناني بين متعاطف مع المودع بسام الشيخ حسين، ومنتقد لما قام به كونه يخالف القانون. وينظر المؤيدون إلى ما قام به، على أنه ردة فعل طبيعية على الإجراءات المصرفية التي حالت دون حصول المودعين على أموال أودعوها في المصارف قبل الأزمة المالية والاقتصادية والمعيشية في خريف عام 2019، ولا يظهر أي أفق حتى الآن لحل للإفراج عن كامل الأموال؛ حيث لجأ المصرف المركزي إلى تدابير استثنائية تتيح سحب بعض الودائع بأقل من قيمتها الفعلية، فيما تخوض الحكومة مباحثات مع صندوق النقد الدولي على خطة التعافي المالي، وسط أنباء عن اتجاه لتحميل المودعين جزءاً من الخسائر.
وحظي الشيخ حسين بمؤازرة معنوية أثناء احتجازه الرهائن في المصرف؛ حيث سارع لبنانيون من جمعية المودعين إلى التضامن معه أمام مبنى الفرع المصرفي، فيما حظي بتأييد واسع في مواقع التواصل الاجتماعي. وذكر مغردون أن الشيخ حسين «استخدم القوة بعدما عجز عن استرداد أمواله»، ورأى آخرون أن «القوة وحدها تتيح تحصيل الحقوق طالما أن السلطة لا تسعى لتحرير الودائع المحجوزة».
وتحركت السلطات قانونياً لمعاقبة الشيخ حسين، وذكرت قناة «الجديد» التلفزيونية أن المحامي العام التمييزي في بيروت القاضي غسان خوري أعطى إشارة قضائية ليلاً بتوقيف بسام الشيخ حسين، «على عكس ما تم الاتفاق عليه أثناء المفاوضات معه». وعليه، قطع أهالي المودع صباح الجمعة طريق الأوزاعي احتجاجاً على توقيفه.
ويصطدم التأييد الشعبي للمودع، مع القانون الذي يعاقب على استخدام السلاح واللجوء إلى القوة وترهيب المدنيين الآمنين، وهو جرم يعاقب عليه القانون، حسبما قال رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية الدكتور بول مرقص، مؤكداً أن ما قام به بسام الشيخ حسين وفق القانون «هو جريمة»، ولو أنه «وفق الحق والعدالة فهو ضحية».
وقال مرقص، في تصريح تلفزيوني، إن ما قام به الشيخ حسين يعود بشكل أساسي إلى «غياب القانون»، بالنظر إلى أن القانون «غير قادر على تحصيل حقه لأن المشكلة باتت مركزية وشاملة لدرجة أنه بات على الدولة أن تتدخل من جديد لتعيد تنظيم الاستتباب القانوني، خصوصاً الحكومة ومجلس النواب». ودعا البرلمان إلى القيام بتشريع يحدد فترة زمنية يستطيع خلالها المودعون الحصول على أموالهم، وتحدد كم على المودع أن ينتظر وكم سيأخذ من وديعته.
ولا يتساهل القانون اللبناني مع جرم احتجاز الأشخاص، وتنص المادة 569 من قانون العقوبات اللبناني على أنه «من حرم آخر حريته الشخصية بالخطف أو بأي وسيلة أخرى، عوقب بالأشغال الشاقة ويعاقب الفاعل بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا جاوزت مدة حرمان الحرية الشهر، وإذا أنزل بمن حرم حريته تعذيباً جسدياً أو معنوياً، وإذا وقع الجرم على موظف أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها، أو بسبب انتمائه إليها».
وتفرض المصارف منذ خريف 2019 قيوداً مشددة على سحب الودائع المصرفية، تزايدت شيئاً فشيئاً، حتى أصبح شبه مستحيل على المودعين التصرف بأموالهم؛ خصوصاً التي بالدولار الأميركي. ويصدر مصرف لبنان بين الحين والآخر تعاميم لامتصاص نقمة المودعين، تسمح لهم بسحب مبالغ صغيرة من ودائعهم بالدولار ضمن سقف معين ووفق معايير معينة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

شكاوى لبنان ضد إسرائيل تتراكم والتنفيذ معلّق

مجلس الأمن في نيويورك (صور الأمم المتحدة)
مجلس الأمن في نيويورك (صور الأمم المتحدة)
TT

شكاوى لبنان ضد إسرائيل تتراكم والتنفيذ معلّق

مجلس الأمن في نيويورك (صور الأمم المتحدة)
مجلس الأمن في نيويورك (صور الأمم المتحدة)

وسّع لبنان، في يناير (كانون الثاني) 2026، مضمون شكاواه الدورية ضد إسرائيل، واضعاً على طاولة مجلس الأمن ملفاً يفند الخروقات التقليدية. لكن التطور الأبرز كان في فبراير (شباط) 2026، مع تصاعد الحديث في الجنوب عن رشّ مبيدات ومواد كيميائية على مناطق زراعية حدودية، وما يمكن أن يتركه ذلك من أثر على التربة والصحة العامة والمياه الجوفية. وبينما يراكم لبنان الرسائل والجداول والوثائق في الأمم المتحدة، تواصل إسرائيل خروقاتها اليومية، فيما يبقى مجلس الأمن عاجزاً عن فرض قرارات ملزمة، في معادلة تختصر بـ«تسجيل الشكوى، لكن الردع لا يتحقق، والتعويضات تبقى مؤجلة».

حق قانوني وضرورة سياسية... لكن بلا أوهام

في السياق، قال وزير الخارجية اللبناني الأسبق فارس بويز لـ«الشرق الأوسط»، إنّ لجوء لبنان إلى تقديم شكاوى ضد إسرائيل أمام مجلس الأمن والمحاكم الدولية، «حقّ قانوني وضرورة سياسية»، لكنه شدّد على «أنّ الرهان على نتائج عملية أو تعويضات في الظرف الدولي الراهن، يبقى ضعيفاً جداً».

وأوضح بويز أنّ الاعتداءات الإسرائيلية، بما فيها ما يثار أخيراً حول رشّ المبيدات وتأثيره على الأراضي الزراعية والصحة العامة، تمثّل «مخالفة واضحة للقانون الدولي»، مضيفاً أنّ «لبنان يستطيع نظرياً إعداد ملف متكامل يثبت حجم الضرر ويطالب بالتعويض، سواء عن تكلفة الاستشفاء الناتجة عن الأثر الصحي، أو عن الخسائر الزراعية المباشرة».

وأشار إلى أنّ الضرر لا يقتصر على موسم واحد، قائلاً: «الأرض قد لا تعود قابلة للزراعة لخمس سنوات أو حتى عشر سنوات، وقد يتطلب الأمر تغيير التربة والانتظار لعدة سنوات». ولفت إلى أنّ الخطر يتفاقم عندما «تنتقل آثار هذه المواد مع مياه الأمطار إلى الينابيع والمياه الجوفية، ما يضيف تكلفة طويلة الأمد».

حكم لصالح لبنان بعد 2006... لكن التنفيذ بقي معطلاً

ذكّر بويز بأنّ لبنان سبق أن «خاض تجربة مشابهة بعد حرب يوليو (تموز) 2006، عندما تقدّم بملف يتعلق بتلوّث البحر نتيجة تسرب المحروقات من منشآت نفطية تعرضت للقصف، وصدر حكم دولي لصالح لبنان، لكن التنفيذ بقي معطلاً ولم تُستكمل الترجمة العملية له، في مثالٍ يعكس حدود فاعلية المؤسسات الدولية في الملفات المرتبطة بإسرائيل».

لكن بويز اعتبر أنّ المشكلة الأساسية تكمن في تعطّل النظام الدولي، موضحاً أنّ مجلس الأمن «بات عملياً معطلاً منذ سنوات، لأنّ (فيتو) واحداً يكفي لإسقاط أي قرار، خصوصاً في الملفات المتعلقة بإسرائيل، حيث تمارس الولايات المتحدة الفيتو بصورة منهجية».

وأضاف: «لم يعد هناك تفاهم دولي يخلق إجماعاً يسمح بتدخل واضح لمجلس الأمن، لذلك أصبحت قراراته في معظم الأحيان غير تنفيذية، ولا تتعدى إصدار بيانات».

وشدّد على أنّ لبنان «يجب أن يواصل تقديم الشكاوى من دون أوهام، لأنّ قيمتها الأساسية اليوم تكمن في توثيق الانتهاكات وتسجيلها قانونياً».

بقعة زيت نفطية تسربت من محطة لتوليد الكهرباء في منطقة الجية نتيجة القصف الإسرائيلي لها عام 2006 (أ.ف.ب - أرشيفية)

تسجيل موقف سيادي... و192 دولة تتابع

بدوره، قال مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط»، إنّ الشكاوى التي يقدّمها لبنان بشكل دوري إلى مجلس الأمن الدولي بشأن الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، تندرج في إطار «تسجيل موقف قانوني وسيادي يثبت حق الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، حتى لو لم تؤدِّ فوراً إلى وقف الاعتداءات».

وأوضح المصدر أنّ أهمية هذه الشكاوى تكمن في أنها ترسل للأمين العام للأمم المتحدة ولمجلس الأمن الدولي، وتظهر أن «هناك 192 دولة تتابع وتطّلع على أنّ إسرائيل مستمرة في الاعتداء على لبنان وانتهاك سيادته كوننا نصر على إرسالها لهم»، مشيراً إلى «أنّ لبنان يحرص في كل مرة على تضمين نص الشكوى مطلباً واضحاً يدعو مجلس الأمن إلى التدخل والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها».

وأكد المصدر أنّ تراكم هذه الملفات والشكاوى يمنح لبنان «وثائق رسمية محفوظة لدى الأمم المتحدة، يمكن البناء عليها مستقبلاً لاسترداد الحقوق، حتى لو بدا ذلك اليوم صعباً في ظل موازين القوى الحالية».

«قانا 1996»: تعويضات مقرّة... وإسرائيل ترفض الدفع سنوياً

ولفت المصدر إلى أنّ هذا المسار ليس جديداً، مستشهداً بملف مجزرة قانا 1996، حيث «لا يزال لبنان حتى اليوم يطالب سنوياً بتعويضات أقرّها مجلس الأمن منذ عام 1996»، موضحاً أنّ قيمة التعويضات المطلوبة تبلغ نحو 800 ألف دولار، وأن دولاً أوروبية عدة تصوّت دورياً إلى جانب لبنان في هذا الملف، إلا أنّ إسرائيل تمتنع سنوياً عن دفع هذه التعويضات، «رغم أنّها تشمل أيضاً تعويضات مطلوبة للأمم المتحدة بسبب استهداف كتيبة القوات الفيجية في حينه».

طفل من ضحايا مجزرة قانا الثانية (أرشيفية)

البيئة في قلب الشكوى: 850 مليون دولار و«حق معنوي»

وأضاف المصدر أنّ لبنان يملك أيضاً حق المطالبة بتعويضات كبيرة عن الأضرار البيئية التي لحقت به نتيجة الحرب الإسرائيلية عام 2006، مذكّراً بما أعلنته وزيرة البيئة تمارا الزين، قبل نحو 10 أيام، عن أنّ لبنان «يستحق تعويضات تصل إلى 850 مليون دولار نتيجة تلويث البحر».

كما أشار المصدر إلى أنّ «الاعتداءات الأخيرة في الشهر الحالي التي شملت استخدام مواد كيميائية واستهداف مناطق زراعية، تُدرج أيضاً ضمن الشكاوى، بحيث يتم توثيق حجم الأضرار والمساحات المتضررة والخسائر البيئية والزراعية، تمهيداً للمطالبة بتعويضات عنها وفق الأطر القانونية الدولية».

أوساط حقوقية: مجلس الأمن درجات من المواقف

في الشق الشكلي، قالت أوساط حقوقية لبنانية إنّ طرح أي ملف لبناني على مجلس الأمن الدولي، حتى في حال لم يُفضِ إلى قرار داعم فوراً، «يشكّل خطوة أساسية لتثبيت شرعية دولية للقضية اللبنانية، ووضعها في إطار المساءلة السياسية والدبلوماسية أمام المجتمع الدولي».

وأوضحت الأوساط أنّ مجلس الأمن «يمتلك مستويات متعددة من المواقف»، مشيرة إلى أنّ أقواها يتمثل في القرارات الرسمية التي قد تتضمن إدانة أو شجباً أو لغة صارمة تجاه أي انتهاك يتصل بالسيادة اللبنانية أو الأمن والاستقرار.

ولفتت إلى أنّ أهمية أي قرار «لا تُقاس فقط بنصّه، بل أيضاً بما يطلبه عملياً، وما إذا كان يتضمن تحديداً لمسار العقوبات أو إجراءات ضغط، وهي تدابير غالباً ما ترتبط بالفصل السابع، الذي يبقى خياراً استثنائياً».

كما شددت الأوساط على أنّ «نتائج التصويت داخل مجلس الأمن، لا سيما مواقف الدول الكبرى، تُعد مؤشراً أساسياً على مستوى الدعم الدولي للبنان»، موضحة أنّ الفارق كبير بين امتناع دولة كبرى عن التصويت أو معارضتها أو دعمها للقرار».

حفارة متضررة تقف على أنقاض مبنى تعرّض لضربة جوية إسرائيلية في قرية قناريت جنوب لبنان - 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وختمت الأوساط بالتأكيد على أنّ إيصال الملف اللبناني إلى مجلس الأمن، بحد ذاته، «يسهم في تثبيت حق لبنان في الدفاع عن سيادته ومطالبه، حتى عندما تكون فرص صدور قرار ملزم محدودة».

2036 خرقاً خلال 3 أشهر

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، قدم لبنان شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، بشأن استمرار الخروقات الإسرائيلية لسيادته، مؤكداً وقوع 2036 خرقاً لوقف إطلاق النار خلال 3 أشهر.


إسرائيل تقصف «حزب الله» و«حماس» لكبح إسناد محتمل لإيران

سيارة متضررة من جرَّاء القصف الإسرائيلي على بلدة تمنين في البقاع شرق لبنان مساء الجمعة (إ.ب.أ)
سيارة متضررة من جرَّاء القصف الإسرائيلي على بلدة تمنين في البقاع شرق لبنان مساء الجمعة (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تقصف «حزب الله» و«حماس» لكبح إسناد محتمل لإيران

سيارة متضررة من جرَّاء القصف الإسرائيلي على بلدة تمنين في البقاع شرق لبنان مساء الجمعة (إ.ب.أ)
سيارة متضررة من جرَّاء القصف الإسرائيلي على بلدة تمنين في البقاع شرق لبنان مساء الجمعة (إ.ب.أ)

بعد نحو أسبوعين من تراجع حدة العمليات الإسرائيلية في الداخل اللبناني، وهو ما اعتبره كثيرون نتيجة مباشرة لانطلاق المفاوضات الأميركية- الإيرانية، قررت تل أبيب، السبت، تصعيد عملياتها العسكرية كماً ونوعاً، بالتوازي مع عودة الحديث عن ضربة أميركية لطهران باتت وشيكة، ما بدا كأنه محاولة منها لكبح حلفاء إيران لتفادي أي إسناد عسكري محتمل.

أحد المباني التي استُهدفت بالقصف الإسرائيلي مساء الجمعة في بلدة تمنين (إ.ب.أ)

وقصفت إسرائيل مساء السبت أكثر من بلدة في البقاع اللبناني (شرق البلاد) ما أدى إلى مقتل 10 أشخاص وإصابة 24 بجروح، بينهم ثلاثة أطفال، وفق وزارة الصحة اللبنانية. ونعى «حزب الله» تباعاً 6 من عناصره، بينهما من قال إنهما «قائدَان» وهما: حسين ياغي، وقاسم مهدي.

وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إن الغارات في منطقة بعلبك «قضت على عدد كبير من الإرهابيين المنتمين إلى الوحدة الصاروخية في (حزب الله)، وذلك في 3 مقار مختلفة للحزب الإرهابي» لافتاً إلى أنه «تم رصد العناصر الإرهابية وهم يعملون في الفترة الأخيرة لتسريع مراحل التسلح والجاهزية، وخططوا لتنفيذ عمليات إطلاق نحو الأراضي الإسرائيلية، والدفع بمخططات إرهابية تهدد قوات جيش الدفاع، ومواطني دولة إسرائيل».

سيارة متضررة أمام أحد المباني التي استُهدفت ببلدة علي النهري في بعلبك مساء الجمعة (أ.ف.ب)

وكانت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية قد أفادت، في وقت سابق، بأنّ ضربات الجيش الإسرائيلي في البقاع استهدفت صواريخ بعيدة المدى تابعة لـ«حزب الله»، لافتة إلى أنها كانت مزوَّدة برؤوس حربية ومعدَّة للنشر العملياتي الفوري.

رسالة ردع إسرائيلية

ويعتبر العميد المتقاعد حسن جوني أنه «لا بد من ربط الاستهدافات التي حصلت مع اللحظة التي نعيشها، بعد تهديد الولايات المتحدة الأميركية بشن حرب على إيران، وهو تهديد بات جدياً وأقرب من أي وقت مضى ليُنفذ»، واصفاً الهجمات التي نُفذت في الساعات الماضية بـ«العنيفة والشرسة».

ويشير جوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ما حصل «رسالة ردع إسرائيلية، رداً على أمين عام (حزب الله) الشيخ نعيم قاسم الذي ترك مسألة التدخل لصالح إيران مفتوحة على كل الاحتمالات، وبالتالي الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة هي بمثابة إنذار من تل أبيب، بأنه إذا تدخل الحزب لصالح إيران فسيكون هناك رد عنيف، وستشارك فيه كل القوات الإسرائيلية، وضمناً القوات البحرية».

مواطن يحمل نافذة منزله الذي تعرض لأضرار نتيجة القصف الإسرائيلي ببلدة بدنايل في البقاع مساء الجمعة (أ.ب)

وبالاستنتاجات العسكرية، يرى جوني أن «العمليات الأخيرة تؤكد أن (حزب الله) لا يزال مكشوفاً ومخترقاً، ولم يستطع معالجة الثغرات الأمنية؛ سواء أكانت بشرية أم تكنولوجية؛ إذ إن المسؤول العسكري للحزب في البقاع يُفترض أن يكون محصَّناً أمنياً، وهو ما بدا غير كافٍ، وأن كل القيادة الهرمية لـ(حزب الله) هدف إسرائيلي، ولم يعد يحميها التخفي والاختباء».

قصف «عين الحلوة»

وكان قصف البقاع قد سبقه قصف إسرائيلي لمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الواقع في منطقة صيدا جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه هاجم «إرهابيين من (حماس) الإرهابية عملوا من مقرٍّ في منطقة عين الحلوة، بجنوب لبنان» موضحاً أن «المقرَّ الذي تم استهدافه استُخدم خلال الفترة الأخيرة من قبل مخربي (حماس) للاستعداد لتنفيذ عمليات إرهابية ضد قوات جيش الدفاع داخل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك تدريبات هدفت إلى الدفع بمخططات إرهابية مختلفة ضد قوات جيش الدفاع ودولة إسرائيل».

وقال الجيش الإسرائيلي إن «البنية التحتية التي تم استهدافها أُقيمت في قلب منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، في استغلال سافر لسكان القرية، خدمة لأهداف إرهابية، واستخدامهم كدروع بشرية».

وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيليَّة قد ذكرت أنّ الاستهداف الذي طالَ مُخيم عين الحلوة، تمَّ بواسطة صواريخ أطلقتها سفينة صواريخ في عرض البحر. إلا أن أي مصدر أمني لبناني لم يؤكد هذه المعطيات.

من جهتها، نعت «حماس» اثنين من عناصرها، قالت إنهما اغتيلا بـ«يد الغدر الصهيونية في قصف جبان استهدف مقر القوة الأمنية في مخيم عين الحلوة».

وأوضحت مصادر فلسطينية أن «حوالي 4 أشخاص أصيبوا بجروح طفيفة»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «حتى الساعة ليس واضحاً تماماً ما استُهدف في هذا المقر، بوصفه مقراً للقوة الأمنية، يوجد فيه أحياناً عناصر من (حماس) كما من قوى فلسطينية أخرى، كـ(الجهاد الإسلامي) و(عصبة الأنصار)».

وأشارت المصادر إلى أنه «رغم حالة الهلع التي أصابت سكان المخيم، لم يتم تسجيل حالة نزوح كثيفة، بحيث اقتصر من تركوا منازلهم على أولئك الذين يسكنون بالقرب من المقر المستهدف، وتعرضت ممتلكاتهم لأضرار».

واعتبرت المصادر أن الرسالة التي أرادت إسرائيل إيصالها من خلال هذا الاستهداف، مفادها أن «كل أذرع إيران في مرمى صواريخها، وستكون عرضة لعمليات واسعة في حال قررت إسناد طهران في أي حرب مقبلة».


الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينيين اثنين ويصيب ثلاثة في غزة

نُصبت خيامٌ تؤوي عائلات فلسطينية نازحة بين أنقاض المنازل والمتاجر التي دمرها الجيش الإسرائيلي في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)
نُصبت خيامٌ تؤوي عائلات فلسطينية نازحة بين أنقاض المنازل والمتاجر التي دمرها الجيش الإسرائيلي في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينيين اثنين ويصيب ثلاثة في غزة

نُصبت خيامٌ تؤوي عائلات فلسطينية نازحة بين أنقاض المنازل والمتاجر التي دمرها الجيش الإسرائيلي في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)
نُصبت خيامٌ تؤوي عائلات فلسطينية نازحة بين أنقاض المنازل والمتاجر التي دمرها الجيش الإسرائيلي في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيين اثنين وأصاب ثلاثة آخرين، اليوم السبت، جراء إطلاق نار وغارات في مناطق متفرقة من قطاع غزة، حسب ما أفادت مصادر طبية ومحلية في القطاع.

وقالت مصادر طبية، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن أسامة أحمد عبد العزيز النجار (46 عاماً) قتل في قصف بطائرة مسيرة إسرائيلية استهدف منطقة قيزان النجار جنوب مدينة خان يونس جنوب القطاع.

وفي حادثة منفصلة، أفادت المصادر بمقتل فلسطيني آخر بنيران مسيرة إسرائيلية في مناطق انتشار قوات الجيش الإسرائيلي بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة. وأضافت أن ثلاثة أشخاص أصيبوا برصاص الجيش الإسرائيلي في نهاية شارع عمر المختار شرقي مدينة غزة.

وذكرت المصادر أن آليات عسكرية إسرائيلية أطلقت النار صباح اليوم في محيط شرق خان يونس وشمالي مدينة غزة، فيما قصفت مدفعية إسرائيلية حي التفاح شمال شرقي مدينة غزة.

كما شنت طائرات إسرائيلية غارة جوية ثانية شرق خان يونس، في وقت أطلقت فيه زوارق حربية إسرائيلية النار قبالة سواحل المدينة، وفق المصادر ذاتها.

وكان الجيش الإسرائيلي نفذ مساء أمس (الجمعة) عملية تفجير شرق مدينة غزة، حسب جهاز الدفاع المدني في القطاع.

وفي سياق متصل، أعلنت الصحة في غزة في تقريرها الإحصائي اليومي وصول قتيل واحد و10 مصابين إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، مشيرة إلى أن عدداً من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض أو في الطرقات، في ظل صعوبات تواجه طواقم الإسعاف والدفاع المدني في الوصول إليهم.

وقالت الصحة إن إجمالي عدد القتلى منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 612 شخصاً، إضافة إلى 1640 مصاباً، فضلاً عن 726 حالة انتشال.

وأضافت الصحة أن الحصيلة التراكمية منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023 ارتفعت إلى 72 ألفاً و70 قتيلاً، فيما بلغ عدد المصابين 171 ألفاً و738 مصاباً.

وكان اتفاق لوقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ بعد عمليات عسكرية واسعة بدأت في السابع من أكتوبر 2023 في قطاع غزة، رداً على هجوم نفذته حركة «حماس» داخل إسرائيل.

وعلى الرغم من سريان الاتفاق، تتهم السلطات في غزة الجيش الإسرائيلي بمواصلة خروقاته، فيما تقول إسرائيل إنها ترد على تهديدات أمنية أو محاولات اقتراب من قواتها المنتشرة قرب الحدود.