تشامبرلين: ورثت مهارات الملاكمة والشراسة من والدتي

الملاكم البريطاني يأمل في تغيير حياته بعد أن كان مهرباً للمخدرات

إسحاق تشامبرلين يحتفل بفوزه على منافسه ديلان براسوفيتش على حلبة كريستال بالاس بلندن في ديسمبر 2021 (غيتي)
إسحاق تشامبرلين يحتفل بفوزه على منافسه ديلان براسوفيتش على حلبة كريستال بالاس بلندن في ديسمبر 2021 (غيتي)
TT

تشامبرلين: ورثت مهارات الملاكمة والشراسة من والدتي

إسحاق تشامبرلين يحتفل بفوزه على منافسه ديلان براسوفيتش على حلبة كريستال بالاس بلندن في ديسمبر 2021 (غيتي)
إسحاق تشامبرلين يحتفل بفوزه على منافسه ديلان براسوفيتش على حلبة كريستال بالاس بلندن في ديسمبر 2021 (غيتي)

قال الملاكم البريطاني إسحاق تشامبرلين، قبل المواجهة التي خسرها أمام مواطنه كريس بيلام سميث في نهائي الوزن الثقيل لأوروبا والكومنولث في برمنغهام، عن فكرة ما قد تعنيه الهزيمة بالنسبة له أو لبيلام سميث: «بمجرد أن تدور هذه الفكرة في رأسك، يتعين عليك أن تمنعها». لقد كانت واحدة من أكثر المواجهات البريطانية إثارة للاهتمام خلال العام؛ حيث اتجه تشامبرلين إلى مسقط رأس البطل بيلام سميث في مواجهة محفوفة بالمخاطر.
لقد أجريت هذه المقابلة مع تشامبرلين ونحن نجلس على سرير تشامبرلين في المنزل الذي استأجره لفريقه الصغير في برمنغهام. يبدو الأمر بعيداً جدا عن بريكستون، حيث نشأ وسط الفقر والصراعات وتهريب المخدرات والمشاجرات بالسكاكين، لكن برمنغهام كانت موقعاً لمعسكر تشامبرلين استعداداً لهذه المواجهة منذ ستة أسابيع. يبلغ تشامبرلين من العمر 28 عاماً، وهو أب لطفل صغير وربما يكون أكثر الملاكمين الذين أعرفهم تفكيراً وكرماً.

                                                                في إحدى مقابلاته الإعلامية
ومنذ أن أصبح أباً، وهو يشعر بقدر أكبر من السعادة والاستقرار، وبالتالي لم تكن هناك حاجة للتعبير عن ألمه كما كان يفعل سابقاً. والآن، وبعدما خاض تشامبرلين مباراته الـ16، فإنه كان يعلم جيداً أن الانتصار على بيلام سميث في هذه المواجهة كان يمكن أن يقربه من الفوز باللقب العالمي الذي يحلم به منذ سنوات.
لقد خسر كل منهما معركة واحدة فقط، وبينما كان بيلام سميث هو الملاكم الأكثر نشاطاً خلال السنوات الأخيرة، فقد كانت هذه هي أكبر فرصة في مسيرة تشامبرلين المهنية منذ المواجهة بينه وبين لورانس أوكولي في لندن في عام 2018. لقد خسر تشامبرلين في تلك المواجهة بفارق النقاط، وهو الأمر الذي أبعده عن مساره الصحيح لفترة طويلة، لكن كانت لديه فرصة أخرى الآن للوصول إلى مستوى بطولة العالم.

                                            خلال عرض الوزن قبل نزاله الأخير (قناة سكاي الرياضية)
وكان تشامبرلين يتدرب بشكل شاق للغاية، وكان يشتاق لرؤية نجله، زيون، البالغ من العمر ثمانية أشهر. يقول تشامبرلين وهو يسند نفسه على الحائط: «أنا أعرف جيداً ما ضحيت به. أنا أفعل كل هذا حتى لا أخسر، وأقوم بكل هذا العمل الشاق حتى أكون نداً قوياً للغاية لمن أواجه».
إنني أعرف تشامبرلين منذ فترة طويلة. لقد كان لدينا الوقت خلال هذه المواجهة للتطرق إلى العديد من الأمور. وقال تشامبرلين بعنف فجأة عن مواجهة بيلام سميث، الذي يتسم بالود والاحترام خارج الحلبة كما هو الحال مع تشامبرلين: «لن أسمح له أبداً بأن يهزمني. لقد ضحى هو أيضاً كثيراً - لكنني ضحيت أكثر منه. سيرى الناس أخيراً حقيقتي وسيقولون: هذا الرجل بالتأكيد لديه موهبة طبيعية هائلة بحاجة لمن يصقلها».

                                                          تشامبرلين «ربما ورث» مهارات الملاكمة من أمه
وُلد تشامبرلين في منطقة بريكستون، ويقول عن ذلك: «لقد تركنا والدي الحقيقي عندما كنت في الرابعة من عمري، وأتذكر بشكل طفيف كيف كان يطلب مني هو وأمي أن أذهب إلى غرفتي لكي ألعب البلاي ستيشن. كنت أرفع مستوى الصوت لأنني كنت أسمع أصوات لكمات قادمة من الغرفة المجاورة؛ حيث كانا يضربان بعضهما، وكانت أمي هي من تفوز في الغالب. كانت تمتلك يدين سريعتين، لذلك ربما ورثت المهارات في الملاكمة والشراسة منها».
فهل كان يشعر بالخوف؟ يهز تشامبرلين رأسه ويقول: «عندما تكبر، يصبح كل شيء عادياً وطبيعياً في تلك البيئة الصعبة. في بعض الأحيان لم يكن هناك طعام لذلك كنا ننام حتى يأتي وقت الغداء، لكن معدتنا كانت توقظنا لأنها كانت تصدر أصواتاً من الجوع، لكننا اعتدنا على ذلك».
كان هذا الحرمان جزءاً من السبب وراء تحول تشامبرلين، وهو في الثانية عشرة من عمره، إلى مهرب للمخدرات ينقل الكوكايين والهيروين على دراجته في بريكستون. يقول تشامبرلين عن ذلك: «كثيراً ما كنت أسمع أمي تقول عبر الهاتف إنها لا تملك أي نقود. عندما تكون صغيراً، فإن هذا الأمر يؤثر عليك كثيراً، لذلك تواصلت مع أحد كبار تجار المخدرات وطلبت منه العمل معه، ووافق على الفور».
فهل تاجر المخدرات يبدو حقاً فاتناً وساحراً؟ يقول تشامبرلين: «نعم، فكل تجار المخدرات لديهم سيارات وملابس وأموال، كما أن الفتيات يحببنهم، لذلك كنت أرغب أن أكون مثلهم لدي الكثير من الأموال والفتيات من حولي. لقد كنت أعرفهم من المنطقة، لكنهم كانوا يتحركون في الشارع وكأنهم يمتلكونه».
وعندما سُئل تشامبرلين عما إذا كان قد شعر بالتوتر قبل خوض أول نزال له، رد ضاحكاً: «لا، كان لدي بعض المدربين الضعفاء، لكنهم كانوا يسرقونني، ولم يعطوني نصيبي العادل، لأنني كنت مجرد طفل في أيدي هؤلاء الرجال. كان بعضهم يحصل على 500 جنيه إسترليني، بينما كنت أنا أحصل على القليل. لكن ذلك كان أفضل من السرقة على أي حال».

                               تشامبرلين بعد فوزه على بن توماس على حلبة مدينة كوفنتري الإنجليزية في سبتمبر 2021 (غيتي)
وأضاف: «لم أفهم خطورة ما كنت أقوم به إلا عندما اضطررت إلى التقاط كيس من الكوكايين. كنت في الحافلة ووضعت الحقيبة في سروالي. لكن عندما نزلت، كانت الشرطة هناك وتفتش الجميع. لقد تجمدت في مكاني، وطالبني الرجل الذي كان برفقتي أن أمشي بطريقة معينة تنم عن الثقة. لكنني سمعت الشرطي يقول وهو قادم نحوي: قف هناك!»
وارتسمت على وجه تشامبرلين علامات الرعب الذي شعر به قبل 14 عاماً. ويقول عن ذلك: «يا إلهي! كنت أسرع من يوسين بولت حينما ركضت على طريق طويل بين بريكستون وكينينغتون. وعلى الرغم من أنهم توقفوا عن ملاحقتي، لم أتوقف أنا عن الركض حتى وصلت الحقيقة إلى منزل صديقي وقلت له إنني لن أفعل هذا مرة أخرى. لكنه طالبني بألا أقلق وقال لي إننا سنقوم بهذا الأمر معاً بعد ذلك. لقد رفضت ذلك وذهبت إلى المنزل واستحممت على الفور. كان هناك الكثير من الكوكايين أسفل ساقي، وأدركت حينها أنه يتعين علي أن أخرج من هذه الحياة».
ويضيف: «لو تم القبض عليّ، كنت سأدخل السجن بنسبة 100 في المائة. كنت لا أزال طفلاً، لكن هذه كانت مخدرات من الدرجة الأولى. لذلك عندما استمر هؤلاء الرجال في الاتصال بي، أخرجت شريحة الاتصال من هاتفي وكسرتها، ولم يتمكنوا من الاتصال بي بعد ذلك. لو لم أفعل ذلك لأصبح الأمر أكثر سوءاً، سواء دخلت السجن أو لم أدخله، لأن هذه البيئة السيئة كانت ستجعلني أتواصل مع المزيد من الأشخاص السيئين أو أصنع لنفسي أعداء. إنها حلقة مفرغة».
لقد طُعن ابن عمه حتى الموت في بريكستون وكينينغتون خلال شجار بين العصابات المتنافسة، وكان إسحاق يحمل سكينا لحماية نفسه. ويقول عن ذلك: «أنت لا تعرف أبداً من يتعقبك يا أخي. لكن زوج أمي رأى السكين وألقاه في سلة المهملات، وطالبني بألا أحمل سكيناً إلى المنزل مرة أخرى».
لقد دفع مقتل ابن عمه والدة تشامبرلين، التي أنجبته وهي في السابعة عشرة من عمرها، إلى اصطحابه إلى صالة ميغيل للملاكمة في بريكستون، وبالتالي أصبحت الملاكمة مكاناً آمناً له بعيداً عن المخدرات والعصابات. يقول تشامبرلين: «لقد وقعت في حب الملاكمة. رأيت رجلين يبلغان من العمر 50 عاماً يلاكمان بعضهما وقلت لنفسي إن هذين الرجلين يتنافسان معاً ويقاتلان بعضهما لكنهما لا يتورطان في أي مشكلات، وهذا جنون! ارتديت القفازات، وكانت الرائحة الكريهة تنتشر في المكان بسبب رائحة العرق الموجودة في صالة الألعاب الرياضية، وكانت المرآة رطبة بسبب العرق، وفي المرة الأولى التي تلقيت فيها اللكمات بدأت أرى وميضاً أبيض اللون! لم أتوقف عن لكم الرجل الذي ألعب أمامه بعد ذلك بدافع الخوف».
وفي أول يوم دخل فيه إلى صالة الألعاب الرياضية، التقى تشامبرلين أيضاً الرجل الذي ساعد في تغيير حياته. ويقول عن ذلك: «إنني أدين بالكثير من المفضل لديلروي لويس، وهو بواب في صالة ميغيل للألعاب الرياضية، لأنه رأى شيئاً في داخلي لم يره أي شخص آخر. فبمجرد أن أنتهي من اليوم الدراسي، كان يأتي ويأخذني إلى صالة الألعاب الرياضية، لأنني لم أعش طفولتي قط مثل بقية الأطفال. كان الناس يقولون له إن إسحاق لن يكون أي شيء مهم، فلماذا تهتم به؟ لكن ديلروي تعامل معي على أنني مشروعه الصغير، وكان يأخذني للركض في الخامسة صباحاً في كامبرويل».
ويضيف: «لقد منحني أيضاً مهام معينة لأقوم بها في صالة الألعاب الرياضية. كنت أنظف الحلبة، وأمسح النوافذ والمرايا، وكان يعطيني في المقابل خمسة جنيهات إسترلينية، كنت أشتري بها خبزاً وبعض الطعام. لقد جعل ذلك لدي شيئاً يمكنني تناوله في صباح اليوم التالي قبل وجبة الغداء المجانية التي كنت أحصل عليها من المدرسة. لقد ساعدني ديلروي كثيراً».
ويتابع: «لقد أخبرني أن الطريق طويل أمامي، لكن يمكنني أن أكون واحداً من أفضل الملاكمين، ويمكنني أن أكون مميزاً جداً. لم يقل لي أحد ذلك من قبل، ولم يمتدحني أحد من قبل. لكن الآن يرفض أن أمنحه بعض المال كشكر له. إنه رجل جامايكي كان يعمل في الجيش، لذلك فهو لا يحب أن يُظهر أي مشاعر. لكنه يتأثر بشكل كبير عندما أقول له إنه والدي الحقيقي».
لا يزال تشامبرلين يلتقي ديلروي في بريكستون حتى يتمكن من اصطحاب البواب القديم في جولة بالسيارة أو يقدمه لابنه. ويحب الملاكم البريطاني أن يقارن بين الحياة التي عاشها كصبي بذلك العالم الأكثر سعادة الذي يعيش فيه نجله زيون. من المؤثر للغاية أن تسمع تشامبرلين وهو يتذكر أنه لم يذهب قط إلى حديقة الحيوانات أو يستمتع بعطلة عندما كان طفلاً، وكيف سيضمن أن ابنه سيستمتع بكل شيء حرم هو منه.
لقد أطلعني تشامبرلين على مقطع فيديو لطفله الصغير وهو يمد يده للمس شاشة الهاتف بينما يتحدث الملاكم الإنجليزي عبر الهاتف مع شريكته، زيلا، التي بدأ مواعدتها قبل ثماني سنوات، وقال: «إنني أعيش أفضل فترات حياتي على الإطلاق، لكن ذلك يجعلني أفكر في أنه يتعين عليّ أن أكون أكثر شراسة وقوة داخل الحلبة. قد يبدو هذا جنوناً، لكن عندما تواجه مثل هذه المواجهات الصعبة والمهمة، فإن ذلك يمكن أن يغير مستقبل عائلتك إلى الأبد، وعليك أن تفكر بهذه الطريقة».


مقالات ذات صلة

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

العالم شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

أعلنت شرطة لندن، الثلاثاء، توقيف رجل «يشتبه بأنه مسلّح» اقترب من سياج قصر باكينغهام وألقى أغراضا يعتقد أنها خراطيش سلاح ناري إلى داخل حديقة القصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

قال قصر بكنغهام وصناع شاشة جديدة من المقرر استخدامها خلال مراسم تتويج الملك تشارلز الأسبوع المقبل إن الشاشة ستوفر «خصوصية مطلقة» للجزء الأكثر أهمية من المراسم، مما يضمن أن عيون العالم لن ترى الملك وهو يجري مسحه بزيت. فالشاشة ثلاثية الجوانب ستكون ساترا لتشارلز أثناء عملية المسح بالزيت المجلوب من القدس على يديه وصدره ورأسه قبل وقت قصير من تتويجه في كنيسة وستمنستر بلندن في السادس من مايو (أيار) المقبل. وقال قصر بكنغهام إن هذه اللحظة تاريخيا كان ينظر إليها على أنها «لحظة بين الملك والله» مع وجود حاجز لحماية قدسيته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

قدّم رئيس هيئة «بي بي سي» ريتشارد شارب، أمس الجمعة، استقالته بعد تحقيق وجد أنه انتهك القواعد لعدم الإفصاح عن دوره في ترتيب قرض لرئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون. وقال شارب، «أشعر أن هذا الأمر قد يصرف التركيز عن العمل الجيد الذي تقدّمه المؤسسة إذا بقيت في المنصب حتى نهاية فترة ولايتي». تأتي استقالة شارب في وقت يتزايد التدقيق السياسي في أوضاع «بي بي سي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

أكد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، اليوم (الثلاثاء)، أنه يتعين على البريطانيين القبول بتراجع قدرتهم الشرائية في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة التاريخية من أجل عدم تغذية التضخم. وقال هيو بيل، في «بودكاست»، إنه مع أن التضخم نجم عن الصدمات خارج المملكة المتحدة من وباء «كوفيد19» والحرب في أوكرانيا، فإن «ما يعززه أيضاً جهود يبذلها البريطانيون للحفاظ على مستوى معيشتهم، فيما تزيد الشركات أسعارها ويطالب الموظفون بزيادات في الرواتب». ووفق بيل؛ فإنه «بطريقة ما في المملكة المتحدة، يجب أن يقبل الناس بأن وضعهم ساء، والكف عن محاولة الحفاظ على قدرتهم الشرائية الحقيقية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

قدّم نائب رئيس الوزراء البريطاني، دومينيك راب، استقالته، أمس، بعدما خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّه تنمّر على موظفين حكوميين. وفي نكسة جديدة لرئيس الوزراء ريشي سوناك، خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّ راب، الذي يشغل منصب وزير العدل أيضاً، تصرّف بطريقة ترقى إلى المضايقة المعنوية خلال تولّيه مناصب وزارية سابقة. ورغم نفيه المستمر لهذه الاتهامات، كتب راب في رسالة الاستقالة الموجّهة إلى سوناك: «لقد طلبتُ هذا التحقيق، وتعهدتُ الاستقالة إذا ثبتت وقائع التنمّر أياً تكن»، مؤكّداً: «أعتقد أنه من المهم احترام كلمتي». وقبِل سوناك هذه الاستقالة، معرباً في رسالة وجهها إلى وزيره السابق عن «حزنه الشديد»، ومشيداً بسنوات خدمة

«الشرق الأوسط» (لندن)

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.