رد إيران على الورقة الأوروبية يتأرجح بين «نعم... ولكن»

فريق التفاوض الحالي يريد إظهار أنه أفضل من السابق

ممثل ايران الدائم لدى المنظمة الدولية في فيينا لدى خروجه من المفاوضات (أ.ب)
ممثل ايران الدائم لدى المنظمة الدولية في فيينا لدى خروجه من المفاوضات (أ.ب)
TT

رد إيران على الورقة الأوروبية يتأرجح بين «نعم... ولكن»

ممثل ايران الدائم لدى المنظمة الدولية في فيينا لدى خروجه من المفاوضات (أ.ب)
ممثل ايران الدائم لدى المنظمة الدولية في فيينا لدى خروجه من المفاوضات (أ.ب)

ما بين 26 يوليو (تموز) يوم قدم مسؤول السياسة الخارجية والوسيط في الملف النووي الإيراني جوزيب بوريل «خطته» المعدلة إلى الأطراف المعنية بهذا الملف، والنص النهائي غير قابل للتفاوض مجددا الذي نقله مساعده أنريكي مورا إلى المفاوضين المجتمعين في قصر «كوبورغ» المشيد على الطراز النيو-كلاسيكي ما بين العام 1840 و1845، مر أسبوعان بينها أربعة أيام للتفاوض غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية لغرض التوصل إلى عودة الطرفين إلى الاتفاق النووي للعام 2015. ومجددا، أكد بوريل أول من أمس أن «ما يمكن التفاوض عليه تم التفاوض عليه وهو الآن نص نهائي». بيد أن المسؤول الأوروبي استدرك واستبق التعقيدات القادمة بقوله إن «خلف كل قضية فنية وفقرة يكمن قرار سياسي يجب اتخاذه» من قبل الأطراف المعنية.
لا شك أن التجربة التفاوضية بين واشنطن وطهران علمت بوريل الحذر، إذ سارع «المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني» عبر موقع «نور نيوز» التابع له إلى «تنبيه» بوريل و«تحذيره» من أنه بصفته منسق المفاوضات «لا يمتلك سلطة أو صلاحية لتقديم مقترحاته كنص نهائي». واعتبر الموقع أن الهدف هو «إجبار إيران على قبول النص تحت الضغط» مضيفا أنه «عندما لا تقبله إيران بصفتها أحد الأطراف المشاركة في المفاوضات كنص نهائي، لا يمكن لأي سلطة أخرى أن تتحدث عن الانتهاء من النص». وبكلام آخر، يؤكد الطرف الإيراني الذي قال مندوبوه إلى فيينا من أن النص «سيخضع لعملية تقييم شاملة»، وأنه ما زال يتمتع بحق إدخال تعديلات أو تغييرات في النص المقترح، وغير مقيد بأي مهلة زمنية طالت أم قصرت إذ أن هدفه الأسمى هو «المحافظة على المصالح الإيرانية». وبذلك تكون طهران قد ردت سريعا جدا على ما جاء على لسان مسؤول أوروبي كبير، والمقصود به أنريكي مورا، الذي قطع الطريق على إدخال أي تعديلات على النص المقترح بقوله إن المطلوب «الرد بنعم أو لا. إذ لا يمكنك الموافقة على الصفحة 20 ورفض الموافقة على الصفحة خمسين» علما بأن النص المقترح يتشكل من 25 صفحة. وفي أي حال، اعتبر المسؤول الأوروبي أن القرار النهائي الذي ينتظره متوقع «خلال أسابيع قليلة» وثمة مصادر في باريس تتحدث عن نهاية الشهر الجاري. وفي أي حال، قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتقليديا، يقع أسبوع رؤساء الدول المشاركين في الأيام العشرة الأخيرة من شهر سبتمبر (أيلول).
ويمكن توصيف الموقف الذي عبر عنه المسؤولون الإيرانيون بالتأرجح بين «نعم... ولكن» بعكس الموقف الذي صدر عن الطرف الأميركي الذي يبين الاستعداد للتوقيع على النص الأوروبي. وفيما ترجح مصادر أوروبية معنية بالملف النووي أن إيران، لأسباب عديدة، ستعمد في نهاية المطاف إلى التوقيع على النسخة الأوروبية والمرجح مع تعديلات طفيفة. وهي تريد أن تأخذ الوقت اللازم لإظهار أنها لم تخضع للضغوط الدولية وأن الكلمة النهائية تعود إليها، فضلا عن أن موافقتها لم تحصل إلا بعد التأكد من أن مصالح البلاد مؤمّنة. كذلك يريد الفريق الموجود في السلطة إبراز أنه، بعكس الفريق السابق الذي كان يقوده الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، انتزع من واشنطن ومن شركائها الغربيين شروطا أفضل مما كان معروضاً في السابق علما بأن ما تسرب من مجريات المفاوضات أن طهران لم تحصل على ما كانت تريده لجهة رفع اسم «الحرس الثوري» عن لائحة الإرهاب الأميركية، لا بل إن المسألة رحلت إلى مرحلة لاحقة. كذلك، فإن طهران التي كانت تريد انتزاع ضمانات سياسية وقانونية من واشنطن لعدم الانسحاب لاحقا من الاتفاق، حصلت على وعود بالحصول على تعويضات مالية. وفي المقابل، فإن الغربيين، وفق مصادر فرنسية رسمية، قدموا لطهران ثلاثة تنازلات مهمة: الأول، قبولهم بعدم انضمام أطراف جديدة معنية بالملف النووي والملفات الأخرى المصاحبة إلى المفاوضات وتحديدا الدول الخليجية برغم مطالباتها المتواترة. والثاني، بقاء برنامج إيران الصاروخي - الباليستي خارج النقاش. والثالث عدم طرح سياسة إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار والمتدخلة في شؤون الجوار على طاولة البحث.
ويقول المسؤولون الإيرانيون إن طهران قدمت «ردودا أولية» وأنها، بعد مناقشات وافية للورقة الأوروبية، سوف تقدم «مقترحات ورؤى إضافية» ما يعني أن مفاوضات إضافية ليست مستبعدة برغم تأكيدات العكس من قبل الطرفين الأوروبي والأميركي. وفي أي حال، وبعد التغلب على العقبات السابقة أو تنحيتها، ثمة ملف ما زال يهدد بالإطاحة بآمال المستعجلين على عودة طهران وواشنطن إلى اتفاق 2015 ويتمثل بفشل طهران حتى اليوم في التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن ثلاثة مواقع غير معلنة، عثر فيها مفتشو الوكالة بين العامين 2003 و2004 على آثار لأنشطة نووية. وثمة شكوك قوية بخصوص طبيعتها إذ لا يستبعد المراقبون أن تكون من ضمن برنامج نووي عسكري إيراني خفي. وحتى اليوم، ما زالت هذه المسألة بمثابة السيف المسلط على رقبة طهران وآخر تجلياتها القرار الذي صدر عن مجلس محافظي الوكالة في شهر يونيو (حزيران) الماضي الذي أدان عدم تعاون طهران مع الوكالة ويمكن أن يفضي، في لحظة ما، إلى نقل الملف مجددا إلى مجلس الأمن الدولي.
ويقوم الدفاع الإيراني على اتهام الوكالة بـ«التسييس» واعتبار أنها تعمل بفعل الضغوط الأميركية والإسرائيلية... وما تريده طهران، إغلاق هذا الملف نهائيا. وهي ترى، بلا أدنى شك، أن اللحظة مناسبة لذلك. ولم يتردد وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان في التواصل مع بوريل من جهة ومع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من جهة أخرى، ليشكو الوكالة الدولية.
وتتخوف طهران من أن بقاء هذا الملف مفتوحا سيكون مصدر إزعاج لها في المستقبل وبالتالي فإن رهانها يقوم على أن الغربيين «سيقبلون في نهاية المطاف إغلاق ملف عمره 19 عاما مقابل استعادة المفتشين الدوليين لكامل دورهم في فرض الرقابة على برنامج طهران النووي» الذي لن يبقى، كما هو اليوم، متفلتا إلى حد كبير من الرقابة.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

رفع تكلفة الحرب استراتيجية ضغط من طهران لدفع واشنطن للتراجع

ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)
TT

رفع تكلفة الحرب استراتيجية ضغط من طهران لدفع واشنطن للتراجع

ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)

تعتمد إيران استراتيجية مدروسة بعناية لزيادة التكاليف الحربية على الولايات المتحدة حتى تجبرها على إنهاء الأعمال العسكرية، معوّلة خصوصاً على بث الفوضى في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز، وفق ما يؤكد خبراء.

وبدأت الحرب في المنطقة بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أسفر في مطلعه عن مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة الكبار. وردت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات نحو الدولة العبرية، وعدد من دول المنطقة. وامتدت تداعيات الحرب على رقعة الشرق الأوسط وأبعد منه، وصولاً إلى أذربيجان وتركيا وقبرص.

وفي حين يشدد مسؤولون إيرانيون على أن الضربات تستهدف قواعد ومصالح أميركية وليست موجّهة ضد الدول المضيفة، فإنها شملت منشآت للطاقة ومبانيَ سكنية وأهدافاً مدنية.

وتُطرح تساؤلات عما إذا كانت هذه الهجمات قراراً مركزياً في إيران، أم تعود إلى مبادرات اتخذها قادة عسكريون إيرانيون من الصف الثاني.

جنود أميركيون يجهزون صواريخ للطائرات الحربية في قاعدة فيرفورد الجوية بجنوب غربي إنجلترا (أ.ف.ب)

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي الأسبوع الماضي إن «السؤال الكبير هو ما إذا كان الرد الإيراني منظماً».

وعلى الرغم من اغتيال كثير من القادة في الضربات، يبدو أن السلطات في طهران ما زالت تتحكم بمنظومة اتخاذ القرار.

وقالت بورجو أوزجيليك من مركز الأبحاث البريطاني «روسي»، إن «إيران كانت تستعد لهذا الاحتمال منذ وقت طويل».

وبعد امتصاص صدمة الضربات الأولى، تسعى السلطات الآن إلى ضمان استمرار النظام بالاعتماد على مبدأ قديم هو عدم تماثل الإرادات، بين طرف يقاتل من أجل البقاء، وهو إيران في هذه الحال، وآخر يسعى إلى تحقيق مصالح أقل أهمية، وهو الولايات المتحدة.

لا يمكن لإيران إلحاق هزيمة عسكرية بالولايات المتحدة في ظل تفاوت ميزان القوى، لكنها تسعى إلى الصمود بوجه حملة عنيفة قائمة على ضربات جوية وبحرية.

ورأى علي واعظ، مسؤول برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن طهران «تسعى إلى رفع تكلفة التصعيد حتى تبدأ واشنطن في البحث عن مخرج».

وفي مقال مرجعي عن النزاعات غير المتكافئة نُشر عام 1975 بعد الانتكاسة الأميركية في فيتنام، شدّد الباحث أندرو ماك على أن الطرف الأضعف في أي نزاع يسعى إلى «الإضعاف التدريجي للقدرة السياسية لخصمه على خوض الحرب».

بدورها، عدّت أنييس لوفالوا، رئيسة معهد بحوث ودراسات المتوسّط، أنه في ظل عدم امتلاك الإيرانيين «مخزونات هائلة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، نراهم يحاولون الاقتصاد في استخدام ذخائرهم، كي يطول أمد الصراع بما يكفي، ولكي يقول ترمب في لحظة ما هذا يكفي، لنوقف الحرب».

ولجأت طهران إلى أساليب مواجهة غير مباشرة، منها قصف دول مجاورة وإثارة الفوضى، ورفع أسعار النفط عبر شلّ الحركة في مضيق هرمز، أملاً في أن تدفع ضغوط دول الخليج والتضخم بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة، ترمب للتراجع تدريجياً.

نيران القصف مشتعلة في طهران (رويترز)

وأوضحت أوزجيليك أن استراتيجية إيران هدفها الضغط «عبر إثارة غضب دول الخليج والتسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز وسائر المواد الأولية».

ورجحت المحللة في شركة «تينيو» الأميركية إميلي سترومكويست أن يكون لتأثيرات الأسواق والاضطرابات في مضيق هرمز وأسعار النفط «وزن كبير في حسابات واشنطن، أو قد تدفعها إلى انسحاب مبكر».

وقدّر داني سيترينوفتش، الباحث المتخصص بالشأن الإيراني في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن ما تريده طهران هو «تعظيم مكاسبها، وأن تطبع في أذهان خصومها ما ستكون عليه تكلفة أي مواجهة مستقبلية ضد إيران». ورأى أنه كلما «طال أمد الصراع، زاد شعور طهران بأن ميزان القوى الاستراتيجي يتغيّر لصالحها».


الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع عملياته في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع عملياته في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تلقت قطاعات واسعة في الجيش الإسرائيلي أوامر بالاستعداد للخروج في عمليات عسكرية في الضفة الغربية في هذه الفترة، بعد أن تقرر تعليق ذلك خشية تدهور أمني أكبر في الضفة.

وبثّت «القناة 14» الإسرائيلية أنه بعد الاجتماع الذي ترأسه قائد المنطقة الوسطى، اللواء آفي بلوت، الاثنين، والذي انتهى إلى قرار وقف العمليات الهجومية في الضفة الغربية عقب حادثة تحطيم جندي إسرائيلي لنصب تذكاري في جنين يعود للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، تغيرت الأوامر؛ فقد تلقى عدد من القطاعات في قيادة المنطقة الوسطى، توجيهاً جديداً: «الاستعداد للخروج لعمليات عسكرية خلال الـ 24 ساعة المقبلة».

صورة مأخوذة من فيديو يظهر جندياً إسرائيلياً يحاول تحطيم نصب عرفات في جنين في الضفة (وسائل تواصل)

وكان بلوت قد قرر تجميد العمليات الهجومية في الضفة «ما لم تكن ضرورية»، بعد تسريب فيديو لجندي إسرائيلي يقوم بتحطيم نصب تذكاري للرئيس الفلسطيني الراحل عرفات بمطرقة حديدية في بلدة «الزبابدة» في «جنين» شمال الضفة الغربية، وجاء ذلك في ذروة هجمات للمستوطنين على الفلسطينيين في الضفة، قُتلوا خلالها 6 منذ بدء الحرب على إيران.

وبحسب «القناة 14»، كان قرار بلوت نابعاً من «حرصه على تخفيف التوتر في الضفة، لكن حدث تطور دراماتيكي، وتقرر استئناف الهجمات بعد عاصفة أثيرت في قيادة المنطقة الوسطى».

وأشارت إلى أن السياسة التقييدية التي أدت إلى إلغاء «عمليات هجومية مهمة كانت مخططة للمستقبل القريب»، أثارت ردود فعل غاضبة بين كبار القادة في المنطقة الوسطى، وفي محادثات مغلقة، هاجم ضباط القرار، ووصفوه بأنه «تذلل أمام العدو»، ووصفوا الشعور في الميدان بأنه «عودة إلى سياسة السادس من أكتوبر (تشرين الأول»، أي (تفضيل الهدوء والدفاع على حساب المبادرة والهجوم).

مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير...

وحادثة تحطيم نصب عرفات أثارت جدلاً في إسرائيل، وقرر بلوت فصل الجندي من الخدمة، وفي الوقت نفسه، تم إرسال رسائل اعتذار إلى السلطة الفلسطينية، وبقي النصب التذكاري قائماً، وهي الخطوات التي أغضبت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي عبر عن استياء شديد إزاء قرار الفصل، قائلاً: «إن قرار إيقاف جندي الاحتياط الذي حطم صورة الإرهابي والسفاح ياسر عرفات - الملطخة يداه بدماء العديد من اليهود - هو، في رأيي، قرار خاطئ. إنه جندي احتياط يخوض حرباً ضروساً، بينما يُذبح إخوته وأخواته ويُقتلون. هذا تعبير عن الألم والغضب والشعور بالعدالة لدى أولئك الذين يقاتلون من أجل شعب إسرائيل. إن إيقاف جندي احتياط في مثل هذا الموقف خطوة مُبالغ فيها، وتجب دراسة هذا القرار بعناية قبل اتخاذ أي إجراء».

ودافع الجيش عن إقالة الجندي بقوله إنه «لم يلتزم بالإجراءات المتبعة».

قوات إسرائيلية تهاجم مخيماً للاجئين شرق نابلس في الضفة الغربية (د.ب.أ)

وحاول الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، الفصل بين إقالة الجندي وبين السياسة العملياتية... وجاء في تعقيب بثّته «القناة 14» أن «النشاط العملياتي مستمر وفقاً لتقييم الوضع، وبغض النظر عن توثيق حادثة الزبابدة. إن تقليص حجم القوات يتم بناءً على تعليمات الجيش، ووفقاً لتقييم مستمر للوضع... محاولة الربط بين واقعة فردية لتجاوز الإجراءات، وبين السياسة العملياتية، هي محاولة لا أساس لها من الصحة».

وجاءت الحادثة وسط تصعيد كبير في الضفة، يقوده المستوطنون الذين استغلوا انشغال العالم بالحرب الإقليمية المستمرة، فقتلوا 6 فلسطينيين في الضفة، وأصابوا آخرين منذ بداية الحرب في سلسلة هجمات مستمرة.

ولم يكبح انشغال إسرائيل في حرب رئيسية مع إيران، وأخرى جانبية مع لبنان، هجمات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية، بل تواصلت بوتيرة تصاعدية يقول المسؤولون الفلسطينيون إنها تأتي ضمن مشروع سياسي متكامل، بهدف السيطرة على الضفة الغربية، وتحويل الاحتلال إلى حالة دائمة.

فلسطينية تتفقد ما لحق بخيمة سكنية أحرقها مستوطنون في قرية سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

وصعد المستوطنون هجماتهم في الضفة منذ السابع من أكتوبر 2023، وزادت حدّتها في الأسابيع الأخيرة، بعد أن أخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات لصالح فرض السيادة الإسرائيلية في الضفة، وهي مستمرة رغم الحرب الحالية.

وشوهد مستوطنون يهاجمون في مناطق عدّة في الضفة منذ بداية الحرب، ويضعون اليد على أراضٍ في مناطق مختلفة، بينما كان الجيش يشن عمليات دهم يومية.

تصعيد إرهابي

وحذرت الرئاسة الفلسطينية من «تصعيد إرهابي إسرائيلي كبير في الضفة ومن تداعياته»، وهو وضع أقرّت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنه قد يفجر المنطقة التي ظلت هادئة نسبياً في شهر رمضان وحتى في أثناء الحرب مع إيران.

وكانت القيادة الوسطى للجيش بقيادة بلوت قد عبَّرت عن القلق إزاء تسلسل الأحداث، ثم جاءت حادثة نصب عرفات.

وحذّرت حركة «فتح» من تصعيد خطير، وقالت إن المستوطنين يعملون تحت حماية ودعم الحكومة الإسرائيلية وجيشها، مستغلين انشغال العالم بالحرب الدائرة في المنطقة.

جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وشنت قوات الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، حملة مداهمات واقتحامات واسعة في مختلف محافظات الضفة الغربية المحتلة، تخللتها مواجهات واعتقالات، ويتوقع أن تتصاعد في الفترة الأخيرة من رمضان.

ومنذ بدء الحرب على إيران، أحكمت إسرائيل قبضتها، وأغلقت معظم الحواجز بين الضفة وإسرائيل، وكذلك حول المدن، كما أغلقت المسجد الأقصى في القدس. وتقول إن ذلك جزء من «مواجهة تهديدات محتملة». شملت اعتقال مئات عدّتهم «محرضين» على وسائل التواصل الاجتماعي.


امتحان ترمب الصعب: هل يكفي «النجاح العسكري» وحده لإنهاء الحرب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)
TT

امتحان ترمب الصعب: هل يكفي «النجاح العسكري» وحده لإنهاء الحرب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرقص باحتفال خاص مع الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بفلوريدا الاثنين (أ.ف.ب)

في يومها الحادي عشر، تبدو الحرب على إيران أقرب إلى لحظة حسم عسكري منها إلى لحظة تسوية سياسية؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا، وفق معظم التقديرات المتداولة، تقدماً كبيراً في ضرب البنية الصاروخية والدفاعات الجوية والقيادة العسكرية الإيرانية، وتقليص قدرة طهران على إلحاق الأذى المباشر بجوارها كما في الأيام الأولى. لكن هذا التقدم لا يجيب عن السؤال الأصعب: هل يكفي «النجاح العسكري» وحده لإنهاء الحرب؟

هنا تحديداً تظهر ضبابية الرئيس دونالد ترمب. فهو يعلن أن الحرب «ستنتهي قريباً» وأنه من الممكن أن يتحدث مع إيران، ثم يعود ليقول إن واشنطن «ربحت في نواحٍ كثيرة، لكن ليس بما يكفي»، مهدداً بضربات أشد إذا واصلت إيران تهديد الملاحة والطاقة... التناقض السابق ليس مجرد ارتباك لفظي؛ بل يعكس مأزقاً حقيقياً: هل هناك إنجاز عسكري واضح يفتقر الصيغة السياسية لتحويله نهايةً مستقرة؟

إيران، من جهتها، لا تبدو في موقع الرابح ميدانياً. وبعد تعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً في رسالة تحدٍّ صريحة، وتصريحات كبار المسؤولين عن مواصلة القتال ورفض التفاوض، بدا واضحاً أن النظام لن يترجم الضربات إلى انفتاح أو تسوية، بل إلى مزيد من التشدد والالتحام مع «الحرس الثوري». وبذلك، فإن طهران تراهن على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن «صمودها» بحد ذاته قد يُعدّ «نصراً» إذا نجحت في منع خصومها من فرض استسلام كامل.

النفط سلاح إيران الأثقل

إذا كانت إيران تخسر كثيراً من أدواتها العسكرية التقليدية، فإن ورقة النفط تبقى سلاحها الأثقل. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة حيوية في سوق الطاقة العالمية، وأي تعطيل واسع فيه ينعكس فوراً على الأسعار، وعلى تكلفة الشحن والتأمين، وعلى المزاج السياسي في واشنطن والعواصم الغربية.

من هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الأسواق سريعاً جزءاً من الحرب؛ فإيران تعرف أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة وإسرائيل في التفوق الجوي والتكنولوجي، لكنها تستطيع رفع التكلفة الاقتصادية والسياسية عليهما وعلى العالم، وكلما ارتفعت الأسعار، زادت الضغوط داخل أميركا وأوروبا لإنهاء الحرب سريعاً، لا لأن إيران ربحت ميدانياً، بل لأنها نجحت في تحويل الطاقة أداةَ ابتزازٍ استراتيجي.

مواطنة بريطانية تملأ خزان سيارتها وسط ارتفاع في أسعار الوقود (أ.ف.ب)

هذه هي النقطة التي تجعل قرار وقف القصف بالغ الحساسية. فإذا أوقفت واشنطن الحرب فقط لأن أسعار النفط قفزت أو لأن المخاوف الانتخابية والسياسية تصاعدت، فستكون الرسالة إلى طهران واضحة: تعريض تدفق الطاقة للخطر هو الطريق إلى البقاء. وهذا أخطر من أي مكسب ميداني مؤقت؛ لأنه يعني أن إيران، حتى بعد تحطيم جزء كبير من ترسانتها، احتفظت بأداة ردع تمكّنها من إعادة بناء موقعها لاحقاً.

في المقابل، إذا واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط إلى الحد الذي يُفقد إيران القدرة على تهديد الملاحة وإرباك أسواق الطاقة، فسيكون ذلك بمثابة نزع آخر ورقة مؤثرة من يد النظام. عندها فقط يصبح وقف القصف أقرب إلى إنهاء حرب لا إلى تجميدها.

خطة اليوم التالي؟

الانتقاد المركزي الموجّه إلى ترمب داخل أميركا وخارجها هو أنه لا يملك خطة متماسكة لليوم التالي: من يدير إيران؟ من يمنع الفوضى؟ من يوقّع تفاهمات وقف النار والقيود النووية؟ ومن يضمن ألا تتحول البلاد ساحةَ انهيارٍ شبيهة بالعراق أو سوريا؟

هذا السؤال مشروع، لكنه قد لا يطابق منطق ترمب نفسه. فالرئيس الأميركي لا يبدو معنياً بإعادة بناء إيران أو إدارة انتقال سياسي فيها، كما فعلت واشنطن في تجارب سابقة بعد 11 سبتمبر (أيلول). مقاربته أبسط وأقسى: المطلوب هو تحطيم قدرة النظام على تهديد المصالح الأميركية والإقليمية، أما شكل السلطة في طهران بعد ذلك فليس بالضرورة مسؤولية أميركية مباشرة.

إيرانيون خلال تجمعهم لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان «انقلاب» وسط طهران الاثنين (أ.ب)

بهذا المعنى، لا تبدو واشنطن كأنها تسعى إلى إسقاط النظام ثم وراثته سياسياً، بل إلى إضعافه إلى حد يجعله عاجزاً عن تكرار الخطر نفسه. فإذا سقط من الداخل، يكون ذلك مكسباً إضافياً. وإذا بقي، لكن بقدرات أقل كثيراً، فهذا أيضاً يمكن تسويقه كانتصار، إنها مقاربة مختلفة عن عقلية «بناء الدولة»، وأكثر قرباً من فكرة العقاب الاستراتيجي ثم الانسحاب.

لكن هذه المقاربة محفوفة بالمخاطر. فلا توجد مؤشرات قوية حتى الآن إلى قرب انهيار النظام، رغم التصدعات الواضحة في بنيته القيادية. كما لا يوجد بديل منظم أو جاهز يمكن الرهان عليه. وأي محاولة لدفع إيران نحو تفكك داخلي أو حرب أهلية قد تفتح أبواباً أوسع من الفوضى والنزوح والاقتتال الإقليمي.

لذلك؛ فإن غياب خطة مفصلة لليوم التالي لا يعني بالضرورة أن الإدارة لا تعرف ماذا تريد، بل قد يعني أنها خفّضت سقف أهدافها السياسية عمداً. فهي لا تعد بإيران جديدة مستقرة وديمقراطية، بل بإيران أضعف وأقل قدرة على الإيذاء.

غير أن نجاح هذا الرهان يتطلب قبولاً إيرانياً بالأمر الواقع، أو على الأقل عجزاً عن مقاومته. حتى الآن، لا توحي طهران بذلك.

3 نهايات مرجَّحة للحرب

السيناريو الأول هو وقف نار مشروط بعد استكمال الضربات الأساسية. وفيه تستمر العمليات أياماً أو أسابيع إضافية، إلى أن تقتنع واشنطن وتل أبيب بأن البنية الصاروخية والنووية والعسكرية الإيرانية تضررت بما يكفي، ثم تُفتح قنوات غير مباشرة لفرض صيغة توقف النار بشروط أميركية - إسرائيلية. هذا هو السيناريو الأكثر عقلانية؛ لأنه يتيح لترمب إعلان النصر من دون التورط في مشروع إسقاط نظام أو احتلال بلد كبير ومعقد.

الدخان يتصاعد في العاصمة الإيرانية طهران الثلاثاء بعد قصف جوي (إ.ب.أ)

السيناريو الثاني هو حرب أطول مما ترغب فيه واشنطن، وهذا يحدث إذا اختار مجتبى خامنئي رَفْض أي تسوية تبدو استسلاماً، والاستمرار في الرهان على إنهاك الأسواق ورفع التكلفة على الخليج والعالم. عندها قد لا تربح إيران عسكرياً، لكنها قد تراهن على كسب سياسي: أي دفع الولايات المتحدة إلى التوقف قبل تحويل الإنجاز العسكري مكسباً استراتيجياً كاملاً.

السيناريو الثالث، وربما الأرجح، هو «نصر بلا حسم». أي أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدمران جانباً كبيراً من قدرات إيران، وتحدّان من قدرتها على تهديد الملاحة والجوار، لكن النظام يبقى قائماً، أكثر تشدداً وأشد التصاقاً بـ«الحرس الثوري»، وأكثر اقتناعاً بأن البقاء يمر عبر إعادة بناء أدوات الردع لاحقاً. في هذه الحالة، لا تُحل المشكلة من جذورها، بل تؤجَّل. ويكون ما تحقق هو تعديل في ميزان القوة، لا نهاية فعلية للصراع.

هل يوقف ترمب القصف الآن؟

الجواب الأقرب إلى الواقعية هو: ليس بعد، لكن ليس إلى ما لا نهاية أيضاً. فوقف القصف الآن، تحت ضغط النفط والذعر في الأسواق، سيمنح طهران فرصة الادعاء بأنها نجحت في فرض حدود الحرب على واشنطن، والاستمرار بلا أفق سياسي واضح قد يحوّل الإنجاز العسكري استنزافاً مفتوحاً.

لهذا؛ يتحرك ترمب في المنطقة الرمادية بين الخيارين: يريد ما يكفي من الضربات ليقول إنه حقق «نصراً نهائياً» بالمعنى العسكري، لكنه لا يريد تحمل أعباء «اليوم التالي» كما فعلت إدارات أميركية سابقة. المشكلة أن هذا الخيار الوسطي، على واقعيته، قد لا ينتج أكثر من نصر ناقص: إيران أضعف، لكن لم تُهزم سياسياً؛ الحرب تتراجع، لكن أسبابها العميقة تبقى قائمة.

وعليه، فإن الأيام المقبلة لن تحدد فقط متى تتوقف الحرب، بل أي معنى ستأخذه نهايتها: هل ستكون تسوية تفرض وقائع جديدة على إيران، أم مجرد هدنة يخرج منها النظام جريحاً لكنه مقتنع بأن «ابتزاز النفط» أنقذه من السقوط؟ هذا هو الامتحان الحقيقي لترمب، لا عدد الأهداف التي دُمّرت فقط، بل نوع النهاية التي سيستطيع فرضها.