صالون «أجيال» في القاهرة.. يمهد لانتعاش الحركة التشكيلية

يضم أعمال 76 فنانًا من 12 دولة والهند ضيفة الشرف

لقطة من المعرض ({الشرق الأوسط})  -    (بورتريه لرجل)  للفنان الهندي دوغلاس
لقطة من المعرض ({الشرق الأوسط}) - (بورتريه لرجل) للفنان الهندي دوغلاس
TT

صالون «أجيال» في القاهرة.. يمهد لانتعاش الحركة التشكيلية

لقطة من المعرض ({الشرق الأوسط})  -    (بورتريه لرجل)  للفنان الهندي دوغلاس
لقطة من المعرض ({الشرق الأوسط}) - (بورتريه لرجل) للفنان الهندي دوغلاس

جرعة فنية مركزة يتلقاها زائر صالون «أجيال - 1» بقاعة الفن بالهناجر في دار الأوبرا المصرية، حين يتجول بالقاعة التي تضم أعمال 76 فنانًا من 11 دولة أجنبية وعربية، بينهم: سوريا، والعراق، وفلسطين، والكويت، وليبيا، ودولة الهند التي تحل ضيفة الشرف، فضلاً عن مصر. فما بين الواقعية السحرية المليئة بحرارة الألوان والرمزي والتعبيري والتجريدي والسريالي والتكعيبي والتركيب والإيجازي وغيرها من الاتجاهات والمدارس التشكيلية؛ تعكس اللوحات الظروف الاجتماعية والسياسية التي تمر بها الدول المشاركة، حتى الأعمال النحتية التي تتوسط القاعة تتنوع ما بين السكون والحركة، كأنها تعكس عالمنا المتغير، بما تحمله من خشونة ونعومة في الالتواءات.
وكان وزير الثقافة المصري الدكتور عبد الواحد النبوي، والدكتور حمدي أبو المعاطي، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، قد افتتحا المعرض يوم الخميس الماضي بحضور الفنانين المشاركين، من بينهم: جلال رحيم من العراق، وغصون العبدون من الكويت، ووفاء النشاشيبي من الأردن، وأحمد أبو الكاس من فلسطين، وقصي العوامي من السعودية، والفنان ضيف الشرف إبراهيم حنيطر من مصر، وقام بتمثيل مشاركة الهند في الصالون الفنان أ. ك. دوجلاس.
من اللافت في الأعمال المتناحرة فيما بينها بقوة تأثيرها على المتلقي، الرصانة والتدقيق في محاكاة المشاهد الطبيعية، كما يمكن تتبع أثر الفنون التراثية الشرقية: المصرية، والعراقية، والفارسية، في بعض الأعمال التي برزت بها موتيفات تراثية، أضفت مذاقًا خاصًا يتماهى مع التقنيات الحديثة في التصوير والجرافيك الذي استندت عليه بعض اللوحات.
وبوجه عام، تتميز الأعمال بجمال التكوين ودقة في اختيار الموضوعات وترجمتها في لوحات ومنحوتات تتوهج بالإبداع اتجاهات مميزة لم تكن معهودة من قبل تبشر بولادة فنانين جدد سوف يلعبون دورًا في الحركة التشكيلية العربية.
يقول الفنان عمرو العطار، قوميسير عام الصالون، الذي يشارك بلوحة تصوير بعنوان «طاقة الجسد والروح» بخامة الأكريليك، لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز المعرض أنه يجمع بين مختلف مجالات الفنون التشكيلية من نحت وتصوير زيتي وفوتوغرافي ورسم وجرافيك وديجيتال آرت ومدارس الفن المختلفة. والهدف من الصالون أن يتم عرض أعمال فنانين من مختلف الأعمار ومن دول مختلفة للعمل على تفاعل وتواصل الأجيال بشكل مباشر في وقت ومكان واحد». ويضيف: «أتصور أن وجود أعمال الفنانين الكبار مع أعمال الشباب يعطي لمحة للنقاد ومتذوقي الفن والدارسين عن تطور الفن التشكيلي العربي. لذا، حرصنا على دعوة جهات ومؤسسات وبنوك ورجال أعمال للحضور والاقتناء من أجل تنشيط ومساعدة الفنانين على التسويق والترويج لأعمالهم».
بجوار لوحة تصوير ضخمة بالأبيض والأسود تمثل فتاة تحاول استنشاق عبير وردة لكنها سوداء، وقف الفنان هشام طه، منسق المعرض، بجوار لوحته، معربًا عن سعادته بالمشاركة في الصالون، قائلاً: «مشاركة عدد كبير من الفنانين تحت سقف واحد من دول مختلفة، أمر هام للغاية. فهم يسطرون بوجودهم في بوتقة واحدة ملحمة رائعة بتناغم وتباين بين جيل الرواد المعاصرين وجيل الوسط وجيل الشباب».
وحول اللوحة يقول: «تعبّر اللوحة عن السوداوية المحيطة بنا والمآسي التي جعلت من كل الأشياء الجميلة أشياء ليس لها لون أو مذاق، إنها تعبير عن اختفاء الجماليات من حياتنا».
وفي ختام الصالون سوف تعقد ندوة، اليوم، عن المردود الفني، يديرها الفنان رفقي الرزاز عن جيل الرواد المعاصرين، والفنان هشام طه عن جيل الوسط، والفنان عمرو العطار عن جيل الشباب. ويعقب الندوة حفل غنائي لإحدى فرق «الأندرجراوند» الشبابية، كما يتضمن الحفل ديفيليه أزياء تتناغم مع الفنون التشكيلية، ويتم التبرع بقيمة 25 في المائة من إجمالي المبيعات لصالح صندوق معاشات نقابة الفنانين التشكيليين بالقاهرة لدعمها ماديًا.



رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».