تحشيد جديد للميليشيات المسلحة في العاصمة الليبية

صالح يدافع عن شرعية حكومة باشاغا

صورة وزعها المجلس الرئاسي الليبي للاجتماع الموسع الذي عقد بطرابلس مساء الخميس
صورة وزعها المجلس الرئاسي الليبي للاجتماع الموسع الذي عقد بطرابلس مساء الخميس
TT

تحشيد جديد للميليشيات المسلحة في العاصمة الليبية

صورة وزعها المجلس الرئاسي الليبي للاجتماع الموسع الذي عقد بطرابلس مساء الخميس
صورة وزعها المجلس الرئاسي الليبي للاجتماع الموسع الذي عقد بطرابلس مساء الخميس

عادت التحشديات العسكرية المفاجئة مجدداً إلى العاصمة الليبية طرابلس، بينما أعاد رئيس مجلس النواب، الذي أنهى للتوّ زيارة إلى تركيا، التأكيد أن حكومة «الاستقرار» الجديدة برئاسة فتحي باشاغا هي الحكومة الشرعية الوحيدة في البلاد، نافياً قبوله عرضاً لتشكيل حكومة جديدة.
ورُصدت مساء أول من أمس، تحركات لميليشيات مسلحة في عدة مناطق داخل طرابلس، وسماع صوت انفجار في وسط وشرق المدينة، مع تحليق الطيران «المسيّر» في سمائها.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن شهود عيان سماع أصوات أسلحة متوسطة بالقرب من طريق الشط، وانتشار عدد من السيارات المسلحة في زاوية الدهماني في عين زارة.
كما رصد سكان وناشطون محليون دخول قوات تابعة لأسامة جويلي، المحسوب على باشاغا، إلى ضـواحي العاصمة، بالإضافة إلى إنشاء مستشفى ميداني.
وتسببت تحركات القوات الموالية لجويلى، الذي أقاله عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، مؤخراً من منصبه كرئيس لجهاز الاستخبارات العسكرية في توتر الوضع الأمني والعسكري في العاصمة التي تعيش منذ أيام هواجس اندلاع قتال جديد بين القوات المحسوبة على الحكومتين المتصارعتين على السلطة في البلاد.
في شأن آخر، ورداً على تقارير إعلامية ادّعت اتفاقه مع خالد المشري رئيس مجلس الدولة، على إمكانية تشكيل حكومة جديدة في ليبيا، نفى عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، قبوله بأي عرض لتشكيل حكومة جديدة.
وقال بيان للمركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب، إن حكومة باشاغا المكلفة من مجلس النواب هي «الحكومة الشرعية والقانونية في ليبيا»، التي جاءت بالتوافق الليبي - الليبي بين مجلسي النواب والدولة، لافتاً إلى أن صالح قام بزيارة وُصفت بـ«الإيجابية» لتركيا بناءً على دعوة رسمية، حيث التقى رئيسها رجب طيب إردوغان ورئيس برلمانها مصطفى شنطوب.
وكانت تقارير قد قالت إن صالح رحّب بعرض قدّمه المشري خلال لقائهما في تركيا بتشكيل حكومة جديدة في البلاد، كبديل للنزاع المحتدم بين حكومتي باشاغا والدبيبة. بدوره، زعم مفتى ليبيا المقال من منصبه الصادق الغرياني أن الوقوف على الحياد بين حكومة الدبيبة، و(المشير خليفة) حفتر (القائد العام لـ«الجيش الوطني» بمثابة «حرام وتمكين للباطل»).
وقال في تصريحات تلفزيونية مساء أول من أمس، إن التعايش مع أي حكومة تمثل حفتر «مستحيل». ورأى أن تشكيل حكومة ثالثة انتحار للمنطقة الغربية.
في غضون ذلك، بحث المجلس الرئاسي في اجتماع موسع بحضور الدبيبة والمشري ومحافظ المصرف المركزي الصديق الكبير، ورئيسي ديوان المحاسبة خالد شكشك، وهيئة الرقابة الإدارية سليمان الشنطي، الإجراءات المتخذة في حادثة انفجار صهريج الوقود ببلدية بنت بية، ومتابعة الشؤون العامة للدولة خلال النصف الأول من العام الحالي، ومتابعة خطوات الإفصاح والشفافية من مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية، والعمل على تعزيزها.
وأعلن مصدر طبي مساء أول من أمس، ارتفاع عدد وفيات حادثة بنت بية إلى 12 شخصاً بعد تسجيل حالتي وفاة بمستشفى الحروق.
وكانت حكومة الدبيبة قد أعلنت وصول الدفعة الثالثة من المصابين جراء الانفجار إلى إسبانيا، والتي تضم 3 حالات حرجة، تكفلت وزارة الصحة بالحكومة بترحيلهم إلى الخارج عبر الإسعاف الطائر الليبي لتلقى العلاج اللازم.
بدوره، قال أمس السفير الأميركي ريتشارد نورلاند، إنه زار ضحايا الانفجار الذين يتلقون العلاج في تونس، بدعوة من القائم بأعمال السفارة الليبية مصطفى بن قدارة، مشيداً بتقديم الطاقم الطبي التونسي الرعاية اللازمة والضرورية لهم، وعبّر في بيان عبر «تويتر» اليوم (الجمعة) عن تعاطفه ودعمه المعنوي لهم ولجميع الضحايا وتمنى لهم الشفاء العاجل والعودة الآمنة إلى ديارهم.
بدوره قال قدارة إنه بحث مع نورلاند مباشرة عمل السفارة الأميركية من داخل ليبيا قريباً.
من جهته، خصص باشاغا، مبلغ 50 مليون دينار لحل مختنقات الجنوب الليبي، وأوضح في قراره أن هذه القيمة خصماً من بند المتفرقات بالميزانية العامة للعام الحالي، مشيراً إلى تشكيل لجنة برئاسة نائبه سالم الزادمة لإقرار المصروفات المستحقة للدفع.


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

وعود رئيس «الوحدة» الليبية بإنهاء الميليشيات تنهار أمام ترسيخ تحالفاته معها

الدبيبة يصافح القصب في طرابلس الشهر الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة يصافح القصب في طرابلس الشهر الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

وعود رئيس «الوحدة» الليبية بإنهاء الميليشيات تنهار أمام ترسيخ تحالفاته معها

الدبيبة يصافح القصب في طرابلس الشهر الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة يصافح القصب في طرابلس الشهر الماضي (مكتب الدبيبة)

بعد أشهر من تعهدات رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء نفوذ التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، تكشف الوقائع الميدانية عن مسار معاكس، حيث عززت قوى مسلحة مواقعها، ورسّخت تحالفاتها مع الحكومة، مستفيدة من استمرار إدماجها في مؤسسات عسكرية وأمنية رسمية.

وكان الدبيبة قد شدد في خطابه السياسي، خلال صيف العام الماضي، على أن الميليشيات عائق أمام بناء الدولة، وسبقه وزير داخليته، عماد الطرابلسي، بتعهد إخلاء العاصمة منها، لكن عملياً توسعت شبكة التفاهمات الحكومية معها في إطار توازنات معقدة تحكم طرابلس ومدن الغرب.

«وعود ذهبت أدراج الرياح»

يرى مصدر عسكري ليبي أن وعود إنهاء النفوذ الميليشياوي «ذهبت أدراج الرياح»، مرجعاً ذلك إلى «ضغط قبلي من مصراتة»، أكبر معاقل التشكيلات، حيث تتمتع «قوة العمليات المشتركة» بثقل مؤثر في معادلة القرار.

وقال المصدر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الحكومة «وسّع تحالفاته بما جعله مكبّل اليدَين»، في ظل موازين قوة تفرض براغماتية تتقدم على الخطاب المعلن.

الدبيبة خلال اجتماع مع الطرابلسي وزوبي وحمزة في طرابلس يناير الماضي (مكتب الدبيبة)

وعقب مقتل عبد الغني الككلي (غنيوة)، قائد «دعم الاستقرار»، في عملية تبناها الدبيبة وأعقبتها اشتباكات دامية في مايو (أيار) الماضي، أعلن الدبيبة أن «عصر الحاج والشيخ في الأجهزة الأمنية انتهى»، في إشارة إلى الككلي وعبد الرؤوف كارة، قائد «الردع». غير أن تطورات لاحقة أعادت إبراز استمرار نفوذ التشكيلات، منها الاستعانة بـ«اللواء 111 مجحفل»، بقيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام زوبي، للسيطرة على معسكر جهاز المخابرات في مصراتة، إثر توتر أعقب توقيف أبريك مازق، المنسوب إلى «مجلس شورى ثوار أجدابيا». كما شهدت المنطقة الوسطى محاولة اغتيال العقيد مصطفى الحار، وسط اتهامات لعناصر محسوبة على «مجالس شورى ثوار بنغازي وأجدابيا ودرنة».

وفي طرابلس، أثار الاعتداء على منزل عضوة الحوار السياسي، منال أبو عميد، والمنسوب إلى عناصر من ميليشيا «جهاز الأمن العام»، بقيادة عبد الله الطرابلسي (الفراولة)، جدلاً واسعاً، لا سيما أنه شقيق وزير الداخلية في حكومة الدبيبة.

عناصر من «ميليشيا 111» في معرض عسكري يوليو الماضي (الصفحة الرسمية لـ«111»)

وتكشف خريطة التحالفات عن علاقة وثيقة ظاهرة بين الدبيبة و«اللواء 111 مجحفل»، تجلت رمزياً في تكليف الزوبي للدبيبة بالوكالة عنه في عقد قرانه، وعملياً في قيادته عملية معسكر المخابرات. وفي المقابل، يرسخ «اللواء 444»، بقيادة محمود حمزة، رئيس الاستخبارات العسكرية بالحكومة، حضوره في معادلة القوة، بعد أشهر من مشاركته في مقتل الككلي، رغم سعيه لتحسين صورته عبر أنشطة مدنية، مثل تنظيم معارض للكتاب أو دورات رياضية.

وبالتوازي، يحافظ الدبيبة على تهدئة حذرة مع «قوة الردع»، بعد اتفاق رعاه المجلس الرئاسي في صيف العام الماضي.

تحالفات متماسكة

في مصراتة تبدو شبكة التحالفات أكثر تماسكاً؛ إذ تُعد «قوة العمليات المشتركة»، بقيادة عمر بوغدادة، من أبرز الأذرع المقربة منه. ويأتي ذلك رغم اتهامات لاحقت بوغدادة بالضلوع في تهريب الوقود، واستغلال النفوذ المسلح للسيطرة على المواني والمنشآت الحيوية.

معرض كتاب تابع لـ«ميليشيا اللواء 444» في طرابلس الشهر الجاري (الصفحة الرسمية للواء)

الاتهامات السابقة نقلتها منظمة «ذي سنتري» البحثية الأميركية، التي أوصت قبل ثلاثة أشهر بفرض عقوبات دولية على بوغدادة، التي قالت إن نفوذه يتسع بدعم حكومي منذ 2021، ما أتاح له موطئ قدم داخل ميناء مصراتة والمنطقة الحرة.

إلى جانب ذلك، يحتفظ الدبيبة بتحالفات مع عدد من الميليشيات الأخرى، مثل «شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب» برئاسة مختار الجحاوي، و«جهاز القوة المساندة» بقيادة أحمد عيسى، و«اللواء 53» بإمرة صلاح القذافي، و«اللواء 222 مجحفل» بقيادة حسين شواط.

في المقابل، يقف «لواء الصمود»، برئاسة صلاح بادي، في موقع الخصومة، في حين تتبنى «الكتيبة 603» بقيادة محمد الحصان موقفاً أقرب إلى الحياد مع قابلية للتنسيق الظرفي.

وعزا مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية، شريف بوفردة، تعميق الدبيبة تحالفاته مع قادة ميليشيات، مثل «اللواء 444»، و«اللواء 111»، وجهاز الأمن العام، لضمان قوة موالية توازن نفوذ قوات القيادة العامة في شرق البلاد بقيادة خليفة حفتر، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الحكومة لا تملك قدرة كاملة على احتواء المجموعات المسلحة، والعلاقة تقوم عملياً على تبادل المصالح وشراء الولاءات».

وفي الزاوية، غرب طرابلس، لا تبدو مواجهة التشكيلات مطروحة بجدية في مدينة يتداخل فيها النفوذ الميليشياوي مع شبكات التهريب العابرة للحدود، فقد أثار تنظيم وزير الداخلية مأدبة إفطار حضرها أعيان يُشار إلى تورط بعضهم في التهريب جدلاً واسعاً. كما أثار استقبال الدبيبة وفداً من المدينة، ضم محمد القصب القائد الميليشياوي المطلوب دولياً، انتقادات واسعة.

وزير الداخلية في غرب ليبيا عماد الطرابلسي (وزارة الداخلية)

وتبرز تشكيلات محسوبة على وزارة الدفاع، مثل «كتيبة 459» بقيادة محمد المرتاح، و«اللواء 52 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، تندرج شكلياً ضمن هياكل الدولة وتتلقى تمويلاً رسمياً. وإلى جانبها، تنشط ميليشيات غير خاضعة رسمياً، لكنها تحظى بتفاهمات ظرفية، أبرزها «ميليشيا الفار» بقيادة محمد سالم بحرون (الفار)، و«وحدة الإسناد الأولى» بقيادة محمد كشلاف، المرتبطة بأنشطة تهريب الوقود والمهاجرين.

ويقول بوفردة إن الدبيبة «لا يملك القدرة على احتواء الميليشيات، خصوصاً الموجودة غرب العاصمة، وتقر وزارة الداخلية بأنه لا توجد سيطرة لها على الزاوية وحدودها الإدارية».

ويدافع أنصار الدبيبة بأنه يتعاطى بمرونة مع واقع ورثه من حكومة «الوفاق» السابقة، برئاسة فايز السراج، التي اعتمدت «الترتيبات الأمنية» بدعم أممي، في مسار ارتبط بدور المستشار الأممي الجنرال الإيطالي باولو سييرا، الهادف إلى تنظيم انتشار التشكيلات، ومنح بعضها صفة رسمية ورواتب، مقابل الالتزام بسلطة الدولة، لكنه اصطدم بضعف الانضباط وتضارب الولاءات.

وتشير تقديرات محللين إلى أن بعض قادة هذه التشكيلات يسعون لضمان استمرار نفوذهم بعد مرحلة الدبيبة، وهو ما يعزوه الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «طبيعة العلاقة النفعية والظرفية بينهم وبينه، فضلاً عن دور تركيا التي تتواصل مباشرة مع قادة هذه التشكيلات وتنسق معهم، ما يجعل معادلة القوة أكثر تعقيداً من مجرد تعهدات سياسية».


اتساع رقعة الاشتباكات بين «الوطني الليبي» ومسلحين على حدود النيجر

«لواء سبل السلام» التابع لقوات «الجيش الوطني الليبي» في اصطفاف ليلي بأحد شوارع مدينة الكفرة (إعلام القيادة العامة)
«لواء سبل السلام» التابع لقوات «الجيش الوطني الليبي» في اصطفاف ليلي بأحد شوارع مدينة الكفرة (إعلام القيادة العامة)
TT

اتساع رقعة الاشتباكات بين «الوطني الليبي» ومسلحين على حدود النيجر

«لواء سبل السلام» التابع لقوات «الجيش الوطني الليبي» في اصطفاف ليلي بأحد شوارع مدينة الكفرة (إعلام القيادة العامة)
«لواء سبل السلام» التابع لقوات «الجيش الوطني الليبي» في اصطفاف ليلي بأحد شوارع مدينة الكفرة (إعلام القيادة العامة)

اتسعت رقعة الاشتباكات في الجنوب الليبي بين قوات تابعة لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر، ومجموعة مسلحة تنشط على الشريط الحدودي مع النيجر، وفق ما أفاد مصدران عسكريان، في تطور يعكس هشاشة الوضع الأمني في إقليم فزان، وتشابكه مع امتدادات إقليمية معقدة عبر حزام الساحل.

ويأتي التصعيد امتداداً لمواجهات متجددة اندلعت منذ نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي بين قوات «الجيش الوطني» وعناصر ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، بقيادة محمد وردقو، عقب هجمات منسقة استهدفت ثلاث نقاط حدودية، هي منفذ التوم، ونقطتا وادي بوغرارة والسلفادور، وأسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين وإصابة آخرين، إضافة إلى أَسر عدد منهم.

وأكد مصدر عسكري ليبي، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، أن العمليات «مستمرة وتتسع ضد ما تسمي نفسها (غرفة عمليات تحرير الجنوب)»، مشيراً إلى تحليق الطيران الحربي على ارتفاعات منخفضة فوق مناطق الحدود، وإلى «استسلام عدد من عناصر المجموعة المتمردة».

آليات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني الليبي» في محيط منفذ التوم على الحدود مع النيجر (إعلام القيادة العامة)

كما أوضح مصدر آخر أن الضربات الجوية «حققت أهدافها بدقة»، وأصابت تمركزات لمسلحين وصفهم بـ«المرتزقة والعناصر الإرهابية» قرب الحدود الليبية – النيجرية، مؤكداً عزم القيادة العامة على «تطهير المنطقة الحدودية من أي وجود مسلح خارج إطار الدولة».

وبحسب المصادر، رصدت القوات الجوية تحركات وُصفت بالمشبوهة خلال الأيام الماضية، جرى التعامل معها فوراً، ما أدى إلى تدمير آليات ومعدات تُستخدم في أنشطة تهدد الأمن القومي، مع التشديد على ملاحقة شبكات تهريب السلاح والوقود والبشر، واعتبار تأمين الحدود الجنوبية «أولوية استراتيجية» في هذه المرحلة.

وفي حين أعلن «الجيش الوطني» أن ضرباته الجوية الأخيرة يوم الجمعة أسفرت عن إصابات مباشرة وتدمير آليات، من دون الكشف عن حصيلة بشرية دقيقة، قدّمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» رواية مغايرة، متحدثة عن انسحاب قوات الجيش نحو مدينة سرت عقب تعرضها لقصف جوي، واتهمتها بشن حملات اعتقال في القطرون ومناطق أخرى جنوباً.

وأفادت وسائل إعلام محلية بمقتل أربعة عناصر من أحد ألوية المشاة التابعة للجيش، إثر انفجار لغم أرضي في إحدى آلياتهم بعد انتهاء ملاحقة من وُصفوا بـ«الجماعات الإرهابية» في جنوب البلاد، في مؤشر إلى طبيعة المخاطر الميدانية، التي تحيط بالعمليات حتى خارج الاشتباكات المباشرة.

وأفاد موقع «تشاد وان» بمقتل 10 جنود تشاديين في كمين على الحدود بين النيجر وليبيا، أثناء تنفيذ عملية مشتركة مع قوات «الجيش التشادي»، علماً بأن الجيش التشادي سبق أن وقع على «بروتوكول منظم» لآلية التنسيق الميداني بين الجانبين، خلال اجتماع رسمي عند «النقطة 35» الحدودية الاستراتيجية.

على الصعيد الاجتماعي، أعلن عدد من أعيان ومشايخ وشباب قبيلة التبو في القطرون بالجنوب الليبي، بصفتهم جزءاً من مكوّن المشايخ والأعيان في فزان، براءتهم من أي أعمال تمس أمن الجنوب أو نسيجه الاجتماعي، مؤكدين دعمهم للاستقرار إلى جانب القوات المسلحة بقيادة حفتر. كما حمّلوا حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة)، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مسؤولية ما وصفوه بالتصعيد، مع التشديد على وحدة ليبيا ورفض أي تدخلات خارجية.

المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني الليبي» (الجيش)

ويرى باحثون أن الجنوب الليبي يشكّل «عمقاً استراتيجياً مفتوحاً» على حزام الساحل الممتد عبر السودان وتشاد والنيجر، مع امتداد جزائري بالغ الحساسية، ما يجعل أي فراغ أمني فيه عرضة للتحول سريعاً إلى تهديد عابر للحدود. ويقول الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، إن المشهد الحالي يعكس تداخلاً بين فاعلين محليين وشبكات تهريب وجماعات مسلحة، مع احتمال توظيف بعض التحركات كعمليات مشاغلة عبر وسطاء يُعتقد ارتباطهم بأجهزة إقليمية، واصفاً ذلك بأنه «فرضية قيد الفحص المستمر» في ضوء المعطيات المتغيرة ميدانياً.

ويؤكد أبو الرايقة لـ«الشرق الأوسط» أن القاعدة الحاكمة في التعامل مع هذا المشهد المعقد تقوم على «السيطرة بالمعلومة أولاً»، عبر بناء صورة موقف دقيقة، تتيح تقديراً واقعياً للمخاطر، وصولاً إلى ردع مبكر يمنع تشكّل بيئة حاضنة للتهديد، أو تحوّله إلى أزمة ممتدة تتجاوز الحدود الليبية.

وفي ظل استمرار العمليات الجوية وتضارب الروايات بين أطراف النزاع، يبقى الجنوب الليبي ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتقاطع فيها حسابات الداخل مع اعتبارات الجوار الإقليمي، في منطقة لطالما وُصفت بأنها الخاصرة الرخوة للأمن الليبي، ومختبر حقيقي لقدرة الفاعلين المحليين على فرض معادلة استقرار مستدام.


الجزائر تعد «صياغة منقحة» لقانون تجريم الاستعمار الفرنسي

رئيس البرلمان مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار في 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)
رئيس البرلمان مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار في 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)
TT

الجزائر تعد «صياغة منقحة» لقانون تجريم الاستعمار الفرنسي

رئيس البرلمان مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار في 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)
رئيس البرلمان مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار في 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)

أنهت «اللجنة متساوية الأعضاء» للبرلمان الجزائري عملاً بدأته منذ 10 أيام لإيجاد صيغة توافقية بين غرفتيه، بخصوص مواد في «قانون تجريم الاستعمار الفرنسي»، رأت السلطات العليا في البلاد أنها تغلق باب إصلاح العلاقات المتوترة مع فرنسا.

كانت «اللجنة» قد عقدت أول اجتماع لها يوم 19 من الشهر الجاري، بعد أن رفض «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) مواد في نص «قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر» (1830 - 1962) تتعلق بمطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاستعمار، ودفع تعويض عنها.

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

ووفق مصادر صحافية، حصرت «اللجنة» استحقاق التعويض بالمتأثرين مباشرة من التجارب النووية دون سواهم. وبذلك شهد نص القانون «إقصاء» ضحايا مصادرة الأراضي والممتلكات ونهبها، خصوصاً في الفترة الأولى من الغزو الفرنسي، والتهجير القسري لقطاع من السكان الذين شاركوا في المقاومة المسلحة خلال القرن الـ19. إضافة إلى ضحايا التمييز والحرمان من الحقوق، والانتهاكات الجسدية والنفسية.

* صيغة «منقّحة» من تجريم الاحتلال

بحسب نفس المصادر، أقرت «اللجنة متساوية الأعضاء» صيغة منقحة لقانون تجريم الاستعمار، متبنيةً منطق «مصلحة الدولة»، عبر تعديلات جوهرية شملت سحب مطلب الاعتذار، وحصر حق التعويض حصرياً في ضحايا التجارب النووية، تماشياً مع التوجه الرسمي الذي يركز على الاعتراف التاريخي بدل التعويض المادي الشامل.

وتضمنت النسخة الجديدة للنص إدراج مادة متعلقة بـ«تضحيات الشعب الجزائري» ضمن الديباجة، مع حذف مصطلحات مثل «الاستعباد الجنسي»، و«العظمى» من صفة «الخيانة» لتجنب الازدواجية مع قانون العقوبات و«قانون المجاهد». وتوجه تهمة «الخيانة» للجزائريين الذين تعاونوا مع الاستعمار ضد ثورة الاستقلال (1954-1962)»، حسب ما ورد في النص الذي يتعامل مع هذا الفعل باعتباره جريمة غير قابلة للتقادم.

كما طال الإلغاء مواد التعويض والحماية القانونية لرموز المقاومة، لكونها مكفولة في نصوص تشريعية أخرى، حسب المصادر نفسها.

حقل التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية (أرشيفية)

ويتضمن قانون تجريم الاستعمار وصفاً واسعاً للجرائم التي ارتكبها، من بينها القتل العمد، والمجازر، والإعدامات خارج القانون، واستخدام القوة المفرطة، والأسلحة المحرمة، والتجارب النووية، والنهب المنهجي للثروات، والتعذيب الجسدي والنفسي، والتمييز العنصري، والاغتصاب، والإخفاء القسري، والتهجير، والنفي، وإنشاء المحتشدات، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية في تجارب الذرة، وطمس الهوية الوطنية، وتدنيس دور العبادة، والاعتداء على حرمة الموتى، واحتجاز رفاتهم.

وفي سياق تتابع موجات توتر دبلوماسي مع فرنسا، صادق «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) على مقترح قانون تجريم الاستعمار في نهاية 2025، إلا أن «مجلس الأمة» تحفظ لاحقاً على بنود «الاعتذار» و«التعويضات»، مما استوجب تفعيل الآلية الدستورية، المتمثلة في «اللجنة متساوية الأعضاء» لفض الخلاف التشريعي بين غرفتي البرلمان.

وأطلقت «اللجنة»، المكونة من 8 أعضاء مناصفة بين الغرفتين، عملها بعد إقرار نظامها الداخلي، حيث عكفت على صياغة نص توافقي يتجاوز نقاط الاختلاف. ومن المقرر عرض التقرير النهائي لهذه اللجنة للتصويت في جلسة مشتركة يوم 9 مارس (آذار) المقبل، تمهيداً لإحالته إلى رئيس الجمهورية للتوقيع عليه، وإكسابه القوة القانونية، والنفاذ.

الأزمة الدبلوماسية تحطم مساعي «الذاكرة»

شهدت السنوات الأخيرة محاولات مشتركة من الحكومتين الجزائرية والفرنسية لمعالجة ملف التاريخ الاستعماري، ضمن مسعى أُطلق عليه اسم «الاشتغال على الذاكرة». وفي عام 2020، تسلم الرئيس إيمانويل ماكرون تقريراً من المؤرخ المعروف بنجامين ستورا، تضمن توصيات عدة، تهدف إلى «طي أوجاع الماضي»، منها مواصلة «العمل المشترك لكشف حقيقة التجارب النووية الفرنسية في الجزائر بين 1960 و1966»، ونتائجها، بالإضافة إلى قضية زرع الألغام على الحدود التونسية، والمغربية خلال حرب التحرير.

من اجتماع أعضاء اللجنة متساوية الأعضاء (مجلس الأمة)

ولتنفيذ هذه التوصيات، تم إنشاء «لجنة» تتألف من عشرة مؤرخين جزائريين وفرنسيين بقيادة ستورا، للبحث في الملفات المطروحة. وفي نهاية 2022، أعلن وزير المجاهدين الجزائري السابق، العيد ربيقة، أن المؤرخين كُلّفوا بدراسة خمسة ملفات رئيسة: فتح واستعادة الأرشيف والممتلكات، واسترجاع رفات شهداء المقاومة الشعبية في القرن التاسع عشر، ودراسة ملفي ضحايا التجارب النووية، والمفقودين خلال حرب التحرير. إلا أن نشاط المؤرخين تعرض للتعطيل نتيجة الأزمة الدبلوماسية الحادة، التي اندلعت صيف 2024، عقب إعلان قصر الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

وتدافع عدة جمعيات جزائرية، معظمها في المناطق المتضررة عن ملف تطهير الأراضي الملوثة، ودفع التعويضات للمتضررين. ويشمل الطلب الجزائري تعويضات مادية عن الأضرار التي سببتها الإشعاعات على الإنسان والأرض في مناطق واسعة من الصحراء، فيما أبدت فرنسا تحفظات بحجة «صعوبة تحديد عدد المتضررين». وتوجد بفرنسا ملفات مشابهة في مناطق أخرى من العالم خضعت لإدارتها، مثل بولينيزيا الفرنسية بجنوب المحيط الهادي، حيث أجريت تفجيرات نووية عام 1996.

النواب الجزائريون خلال تصويتهم على قانون تجريم الاستعمار في 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

وكان البرلمان الفرنسي قد أصدر عام 2009 قانوناً باسم وزير الدفاع آنذاك، هيرفيه موران، ينص على دفع تعويضات لضحايا التجارب النووية في الجزائر، وبولينيزيا. وقد خصصت الحكومة حينها موازنة بقيمة 10 ملايين يورو، وهو مبلغ عدته الجمعيات المدافعة عن الضحايا ضئيلاً مقارنة بعدد المتضررين. وتتهم السلطات الجزائرية فرنسا بعدم إظهار أي استعداد لدراسة ملفات المتضررين بموجب «قانون موران».