فلاديمير فيدوروفسكي لـ «الشرق الأوسط» : أكتب وأنا أرتدي قبعتَي المؤلف والمؤرخ معاً

الدبلومسي السابق ومترجم بريجنيف للعربية ومستشار غورباتشوف متفرغ للكتابة منذ سنوات

فلاديمير فيدوروفسكي
فلاديمير فيدوروفسكي
TT

فلاديمير فيدوروفسكي لـ «الشرق الأوسط» : أكتب وأنا أرتدي قبعتَي المؤلف والمؤرخ معاً

فلاديمير فيدوروفسكي
فلاديمير فيدوروفسكي

هو أكثر الكتاب الروسيين إصداراً في فرنسا؛ أكثر من 50 رواية تاريخية، وحصل على 14 جائزة؛ منها «جائزة بالاتين الكبرى» للرواية التاريخية عن عمله «رواية راسبوتين».
بعض رواياته، مثل «سحر سانت بيترسبورغ»، بيع منها أكثر من مليون نسخة، وهي كلها تمجد ماضي روسيا التاريخي والأدبي. لكن للكاتب الروسي فلاديمير فيدوروفسكي حياة أخرى، فقد شغل في روسيا مناصب سياسية رفيعة المستوى منذ سنة 1972 إلى 1991؛ حيث كان دبلوماسياً، ثم مستشاراً للرئيس غورباتشوف إبان مرحلة «البيريسترويكا»، وهو منذ سنوات متفرغ للكتابة في منزله بمنطقة نورماندي بفرنسا حيث استقبلنا. وكان الحوار التالي:

> فلاديمير فيدوروفسكي؛ كيف مررت من وظيفتك دبلوماسياً إلى الكتابة؟
- الكتابة كانت حلمي منذ الطفولة، وأنا ابن الرابعة عشرة كنت أقرأ بشراهة، وأرى نفسي كاتباً في المستقبل، لكن هوايتي الأخرى؛ وهي الأسفار، أبعدتني نوعاً ما عن التركيز على الكتابة، وشيئاً فشيئاً وجدت نفسي في السلك الدبلوماسي، ثم قادني الانخراط في «البيريسترويكا» إلى عيش فترة مثيرة وحافلة بالأحداث إلى غاية سقوط جدار برلين. وكانت تلك أفضل لحظات العمل الدبلوماسي؛ لكن للأسف فترة ما بعد الشيوعية كانت صعبة وشكلت خيبة أمل لكثيرين، وهو ما أصابني بالإحباط، فقررت ترك السياسة وقلب صفحة السياسة للتفرغ لحبي الأول؛ وهو الكتابة.
> ما شعورك بصفتك كاتباً ومثقفاً روسياً إزاء ما يحدث الآن من دعوات لمقاطعة المبدعين الروسيين؟
- هو شيء محزن ومثير للغضب في آن معاً، لماذا يريدون حرمان العالم من روائع الأدب الروسي وفنونه؟ يا لها من حماقة. الأمر أصعب بالنسبة إليّ؛ لأن والدي من أصول أوكرانية ووالدتي روسية، وأعدّ أنه من الظلم إقحام المبدعين في أزمة لا يد لهم فيها؛ بل على العكس من ذلك؛ أعتقد أن هذه الدعاوى ستقوي ظهر بوتين وتدعم خطابه بأن الغرب متحامل على روسيا. هي بكل المعايير استراتيجية فاشلة؛ لأنها قد تنقلب عليهم، ومن المؤسف جداً أن يتم مثلاً منع تدريس كاتب كبير مثل ديستوفيسكي في أوكرانيا؛ فهو ليس علم من أعلام الأدب الروسي فحسب؛ بل الأدب العالمي أيضاً.
> أنت كاتب يتميز بإنتاج غزير، حيث كتبت حتى الآن نحو 50 رواية، تجمع بين دقة المؤرخ وفن السرد الروائي... ماذا يحتاج المؤلف لكتابة الرواية التاريخية؟
- أهم شيء هو الدقة في نقل الحقائق التاريخية. أنا أبحث كثيراً في المكتبات والأرشيفات الخاصة، وأتأكد من كل معلومة أو حادثة أو تاريخ، ولأني أكتب عن الماضي؛ فأنا أحاول أن أكتب عن تاريخ يرغب الناس في قراءته، فأضفي عليه طابعاً روائياً جمالياً مفعماً بالعاطفة والسحر لأخلق نوعاً من التفاعل مع القارئ، إضافة إلى أن الهدوء الذي يميز هذه المنطقة التي أعيش فيها يساعدني على التركيز، خصوصاً أني أعمل ساعات عدة في اليوم.
> نشعر ونحن نقرأ كتبك؛ بل ومن خلال العناوين فقط، بأنك تريد تذكير العالم بأن روسيا بلد عظيم ومسالم رغم مشاعر الروسوفوبيا المتنامية في الغرب، فما الرموز التي تجعلك الأكثر افتخاراً؟
- كل رموز هذه الحضارة مدعاة للمفخرة: العمران، والعلوم، والفنون، والموسيقى العالمية، والباليه، لكن الأقرب إلى قلبي هو الأدب طبعاً. أحب أعمال تشيخوف وإحساسه المرهف، وكذلك أعمال إيفان بونين الذي كان أول أديب روسي يحصل على «جائزة نوبل للآداب»، وطبعاً تولستوي، وشغفي به مرتبط بذاكرة بعيدة تعود إلى مغادرتي منصبي الدبلوماسي الأول في موريتانيا في أوائل السبعينات؛ حيث أعطتني والدتي نسخة نادرة كانت المجلدات الأربعة من مذكراته، التي نُشرت في موسكو من عام 1960 إلى عام 1964، استمتعت بها وقرأتها مراراً وتكراراً، ولكني لم أسأم منها.
> في روايتك «على رموشك يذوب الثلج... أو الرواية الحقيقية لدكتور زيفاغو» تروي قصة بوريس باسترناك وتقول إن «روايته «دكتور زيفاغو» لم تكن عملاً رائعاً فحسب؛ بل إنها وجهت الضربة الأولى للشيوعية، كيف ذلك؟
- في هذا الكتاب حاولت تسليط الضوء على العلاقة التي ربطت بوريس باسترناك بالسلطة السياسية؛ مع ستالين ثم مع خروتشوف، والملحمة المذهلة لمخطوطة «الدكتور زيفاغو» التي سُربت من الاتحاد السوفياتي ونشرت في إيطاليا، مُسببة لمؤلفها مشكلات كثيرة في بلده، وكيف استغلت «وكالة الاستخبارات الأميركية» هذه الرواية وسيلة بروباغندا ضد النظام الشيوعي.
> روايتك «سحر سانت بطرسبرغ» لاقت رواجاً كبيراً وبيع منها نحو مليون نسخة، كما ترجمت لأكثر من 28 لغة، كيف تفسر هذا النجاح؟
- كما ذكرت لك آنفاً؛ أنا أكتب عن التاريخ، لكن كتاباتي تقرأ كأنها رواية، فحين أكتب أرتدي قبعتين: قبعة الروائي وقبعة المؤرخ، هذا المزيج يخلق كتابات تثير مشاعر القراء وشغفهم. أما عن مدينة «سانت بطرسبرغ» موضوع الرواية؛ فهي غنية عن التعريف، اسمها يثير الخيال، ولهذا قررت اصطحاب القارئ في جولة في ربوع هذه المدينة التاريخية بقصورها وأنهارها وبساتينها الجميلة ورموزها من الفن والإبداع.
> عملت ملحقاً ثقافياً في بداية نشاطك الدبلوماسي بمدينة نواكشوط، أين تعلمت العربية لتصبح بعدها مترجماً لبريجينيف وكانت فرصة سمحت لك بزيارة عدد من الدول العربية والالتقاء بعدد من الزعماء العرب؟ حدثنا عن هذه الفترة:
- جرى اختياري مترجماً للرئيس الأسبق بريجينيف لسبب طريف، فعلاوة على أنى كنت أتقن العربية؛ فأنا أتكلم بصوت مرتفع وهو ما كان الرئيس يحتاجه؛ لأنه كان لا يسمع جيداً. رافقت الرئيس في زيارات رسمية عدة، وكانت فترة مثيرة لمست فيها من قرب مظاهر النهضة التي كانت تعيشها الدول العربية في تلك الفترة. استقبلنا فيها أيضاً زعماء عرب مثل صدام حسين الذي أذكر أنى رافقته إلى مكتبة موسكو، والقذافي الذي كان أنيقاً جداً. ولن أطيل في التفاصيل؛ لأني أحضر لمشروع كتاب أجمع فيه كل ذكرياتي بصفتي مترجماً للرئيس بريجينيف.
> هل استفدت من نشاطك السياسي في الكتابة؟
- طبعاً، أكثر من هذا؛ هناك قصص تُحاك حول الدبلوماسيين الروسيين من أن نصفهم يعمل في الجوسسة، وهذه الإشاعات لاحقتني طويلاَ، ولكني استفدت منها، وأقبل كثير من القراء على كتبي لهذا السبب (يضحك)، وسأروي لك هذه القصة التي حدثت مع في إحدى حفلات توقيع الكتب؛ حيث تعرفت على قارئ تبين أنه يعمل في جهاز المخابرات الفرنسية، واعترف لي بأنه تولى مهمة مراقبتي والتصنت على مكالماتي في الماضي، وبالطبع لم يجد أي شيء ضدي، لكنه اشترى 10 نسخ من روايتي... (قهقهة طويلة).


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.