«قمة طهران» حول سوريا... محاولة للإبقاء على «مسار آستانة»

اهتمام روسي ـ تركي ـ إيراني فرضته الظروف الدولية... وانتقادات أميركية ومخاوف إسرائيلية

رئيسي مستقبلاً ضيفيه إردوغان (يمين) وبوتين في طهران (أ.ف.ب)
رئيسي مستقبلاً ضيفيه إردوغان (يمين) وبوتين في طهران (أ.ف.ب)
TT

«قمة طهران» حول سوريا... محاولة للإبقاء على «مسار آستانة»

رئيسي مستقبلاً ضيفيه إردوغان (يمين) وبوتين في طهران (أ.ف.ب)
رئيسي مستقبلاً ضيفيه إردوغان (يمين) وبوتين في طهران (أ.ف.ب)

ربما يصلح أن تنطبق مقولة «لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد» على ما تمخضت عنه القمة الثلاثية بين رؤساء الدول الثلاث الضامنة لـ«مسار آستانة» (وهي روسيا وإيران وتركيا)، التي عقدت في العاصمة الإيرانية طهران يوم 19 يوليو (تموز) الحالي. إذ كان أبرز ما رشح عن القمة هو استمرار التباعد في مواقف أطرافها الثلاثة. فقد رسخت القمة وجود إيران وروسيا في جانب مختلف عن جانب تركيا، وهو ما أكده الإعلان الصريح من جانب الدولتين عن رفضهما أي تحرك عسكري تركي في شمال سوريا، والتحذير من تأثيره على استقرار المنطقة ووحدة الأراضي السورية... الذي برز عنواناً تقليدياً في البيان الصادر في ختام القمة. وهكذا، كانت الخلاصة أن قمة الرؤساء إبراهيم رئيسي وفلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، «أكدت المؤكد» في أمر الخلافات حيال الملف السوري. ومعروف أن العملية التي تخطط تركيا للقيام بها في شمال سوريا - وتواجه معارضة طهران وموسكو - تستهدف مواقع ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تشكل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية أكبر مكوناتها، وبالتالي، تعدّها أنقرة تنظيماً إرهابياً يشكل امتداداً لحزب العمال الكردستاني في سوريا، وبالتالي، خطراً داهماً على حدودها الجنوبية.

أدان الرؤساء الإيراني والروسي والتركي إبراهيم رئيسي وفلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، في ختام «القمة الثلاثية» التي استضافتها طهران وخصصت لبحث الملف السوري، الوجود المتزايد «للتنظيمات الإرهابية» وأنشطتها وأذرعها في مختلف مناطق سوريا. غير أن التركيز بشكل خاص كان إنعاش «مسار آستانة» وإبقاؤه حياً نشيطاً، لأن الرؤساء الثلاثاء يعتبرونه «المسار الوحيد المتوافر الآن الذي يمكن أن تعقد عليه الآمال في حل سياسي للأزمة السورية».
كذلك، شدد الرؤساء الثلاثة على رفض أي محاولة لإيجاد «حقائق جديدة على الأرض» تحت ستار مكافحة الإرهاب، بما في ذلك محاولات الحكم الذاتي «غير المشروعة»، وأكدوا عزمهم على الوقوف في وجه «الأجندات الانفصالية»، وعمليات التسلل التي تهدد سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، فضلاً عن الأمن القومي لدول الجوار.
مثل هذا التأكيد، من وجهة نظر مراقبين، جاء «دعماً شكلياً» لتركيا ومطالبها المتعلقة بالضغط على «قسد» و«الوحدات» الكردية، لكن الواقع كان رفض روسيا وإيران الصريح لأي تحرك عسكري تركي.

- جبهة ضد تركيا
لقد قرأ بعض المراقبين تطوراً يمكن أن يكون هو الأهم في نتائج القمة على خلفية الحرب التي أطلقتها روسيا أخيراً على جنيف بصفتها عاصمة لقاءات «اللجنة الدستورية السورية». هذا التطور هو تحاشي الإتيان في التصريحات والبيانات الرسمية على ذكر «مسار جنيف» لحل الأزمة السورية، والتركيز على «محور آستانة» ذي الأهمية والفضل في إطلاق عملية الإصلاح الدستوري.
وبدلاً من الإشارة إلى «جنيف»، قال بوتين إن «المجموعة الثلاثية» (أي روسيا وتركيا وإيران) قادرة على دفع عملية التفاوض بين الأطراف السورية، لكنه لم يحدد كيف ومتى وأين؟... وبالتالي، فلا جديد يذكر خرجت به القمة بشأن عمل اللجنة الدستورية.
ورغم أن إردوغان اجتهد في محاولة إقناع نظيريه الروسي والإيراني بتأييد عملية عسكرية يسعى لإطلاقها ضد ميليشيا «قسد» في شمال سوريا، بالتركيز على منبج وتل رفعت بهدف إنشاء «منطقة آمنة» بعمق 30 كيلومتراً توظف كـ«حزام أمني» على حدود تركيا الجنوبية، فإن ما جاء في البيان الصادر عن القمة لم يحوِ أي إشارة، ولو ضمنية، إلى موافقة روسيا وإيران على تنفيذها.
أما عبارة «الوجود المتزايد للتنظيمات الإرهابية ونشاطاتها وأذرعها في مختلف مناطق سوريا»، فاعتبرها بعض المراقبين نوعاً من المقاربة مع الرؤية التي تحاول تركيا إقناع الأطراف الفاعلة في سوريا بها، وهي أن ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية (أكبر مكونات ميليشيا «قسد») ليست سوى تنظيم إرهابي يشكل ذراعاً لحزب العمال الكردستاني في سوريا.
بيد أن التصريحات والتحذيرات التي خرجت عقب لقاءات إردوغان مع نظيريه الروسي والإيراني، وكذلك مع المرشد الإيراني علي خامنئي، كشفت بشكل قاطع عن الرفض للعملية العسكرية التي تلوح بها تركيا منذ مايو (أيار) الماضي، واعتبارها خطراً على استقرار المنطقة... وأنها لن تفيد إلا «المجموعات الإرهابية»، مع ما تنطوي عليه العبارة ذاتها من تباينات في تفسير الأطراف الثلاثة لـ«الإرهاب» في سوريا.
ذلك أن ما تعتبرها روسيا وإيران «مجموعات إرهابية» (الفصائل السورية المسلحة الثائرة على نظام الأسد) لا تنظر إليها تركيا كذلك، بغض النظر عن التنظيمات التي سبق الإجماع عليها دولياً كتنظيمات إرهابية، أهمها «داعش» و«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً). في المقابل، لا ترى روسيا، وكذلك إيران - وهما حليفتان لنظام دمشق - في ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية خطراً، نظراً إلى تعايش «قسد» وتعاونها مع قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية الداعمة له في المناطق نفسها بشمال وشرق سوريا التي تخضع في المجمل لإشراف روسيا، ما يضع تركيا في جانب وروسيا وإيران في جانب آخر.

- وساطة إيرانية محتملة
في الحقيقة، غداة القمة، أعطى وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبد اللهيان، مؤشراً واضحاً جديداً على صعوبة التوصل إلى موقف مشترك مع تركيا في قمة طهران الثلاثية، بشأن الوضع في شمال سوريا. إذ جدد عبد اللهيان في اليوم التالي للقمة، خلال مؤتمر صحافي مشترك، مع نظيره السوري فيصل المقداد - الذي وصل إلى طهران بعد ساعات قليلة من انعقادها – الإعراب عن قلق بلاده من احتمال شن تركيا عملية عسكرية جديدة داخل الأراضي السورية. وعبر الوزير الإيراني، من ثم، عن أمله في أن «يهتم المسؤولون الأتراك بالتوصيات التي أكدت عليها الدول المشاركة في القمة الثلاثية»، معتبراً أنها «ساعدت على وضع الأزمة السورية على مسار الحل السياسي».
بدوره، أكد المقداد رفض دمشق للهجوم التركي المحتمل بحجة إنشاء «مناطق آمنة»، قائلاً «نحن ضد سياسة التتريك ودعم التنظيمات الإرهابية». وحث على «سحب أي ذريعة من تركيا لغزو الأراضي السورية». وأضاف وزير خارجية النظام السوري أنه «لا مصلحة لتركيا في تنفيذ هجوم على سوريا»، وعبر عن رضا دمشق عما وصفه بـ«الجهود التي بذلتها إيران للخروج ببيان متوازن في قمة طهران»، على حد تعبيره.
في هذه الأثناء، ذهب معلقو صحف وكتاب أتراك في تعليقاتها على القمة الثلاثية، إلى حد القول إن توجه المقداد إلى طهران عقب القمة مباشرة لإجراء مباحثات والحصول على معلومات حول القرارات المتخذة فيها، والتباحث أيضاً بشأن العملية التركية المحتملة، يؤكدان التوقعات السابقة بأن إيران تحاول التوسط لإجراء حوار مباشر بين تركيا وسوريا منذ فترة. وأضافوا أن زيارتي وزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان إلى أنقرة يوم 27 يونيو (حزيران) الماضي، ثم إلى دمشق يوم 3 يوليو الحالي، واللقاء بالرئيس السوري بشار الأسد، وتخفيف حدة لهجة دمشق تجاه تركيا وابتعاد أنقرة بشكل ما عن الهجوم على بشار الأسد، كل ذلك كان في هذا الإطار.

- إصرار إردوغان رغم الرفض الداخلي
من ناحية أخرى، ومع أنه تحدث في مقابلة تلفزيونية ليل الاثنين الماضي، عن أن سوريا أصبحت «بؤرة للتنظيمات الإرهابية». وذكر أنه تشاور بالتفصيل مع نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والإيراني إبراهيم رئيسي حول الجوانب المختلفة للصراع السوري، خلال القمة الثلاثية، وكرر التأكيد على الأهمية البالغة لـ«مسار آستانة»، ولاستمرار التنسيق والتعاون بين الدول الثلاث الضامنة من أجل الحل السياسي في سوريا. إلا أن إردوغان لم يغفل هنا الإشارة إلى أن مكافحة الإرهاب كانت على رأس المواضيع التي جرى بحثها خلال زيارته الأخيرة لإيران، موضحاً أن «سوريا أصبحت بؤرة للتنظيمات الإرهابية؛ لذلك على إيران وروسيا اتخاذ موقف حيال سوريا، خصوصاً في غرب وشرق الفرات»، ذلك إن «إرهابيي الوحدات الكردية» يواصلون هجماتهم على المدنيين وعلى بلدنا، و«نقلت لبوتين ورئيسي تصميمنا على مكافحة الإرهاب خلال القمة».
ولكن، لا يقتصر رفض تحرك تركيا عسكرياً في شمال سوريا على روسيا وإيران، ومعهما طبعاً نظام دمشق، ومن قبلهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بل هناك رفض في الداخل التركي لأي عملية عسكرية جديدة، ومطالبات صريحة من بعض قوى المعارضة بالحوار مع الأسد.
هذه المطالبات ما عادت قاصرة على الأحزاب اليسارية فقط - التي عرفت برفض القطيعة مع النظام السوري - والتي تطالب، مع الأحزاب القومية، بعودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم بالتنسيق مع النظام والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. إذ انضم إليها حزب السعادة الإسلامي، الذي أبدى رئيسه تمل كرم الله أوغلو، معارضته للعملية العسكرية ومطالبته بالحوار المباشر مع الأسد.
ولقد قال كرم الله أوغلو، في بيان علق فيه على القمة الثلاثية في طهران، وعلى التهديدات المتصاعدة من جانب الحكومة بشن عملية عسكرية في شمال سوريا، إن «السلاح ليس هو الحل، ويجب حل المشكلة من خلال الحوار». ومن ثم، لفت إلى القمة الثلاثية التركية - الروسية - الإيرانية حول سوريا، في طهران، وقال إنها «عكست أهمية الحوار» حول مسار آستانة، وحول الوضع في إدلب «حيث فضلنا الحوار على الصراع». واعتبر أن القمة كانت «فرصة مهمة لحل الأزمة السورية من خلال المنطق والحوار». وتابع أنه يجب إنشاء أرضية تعاون وتعزيز القواسم المشتركة بين دول المنطقة بدل التلويح بالسلاح والحرب «لأن السلاح لا يحل المشكلة».

- نقاط الاتفاق
وبعيداً عن العملية العسكرية التركية، التي شكلت محور خلاف بين الدول الثلاث لم تتمكن القمة من حسمه، بدا أن ثمة نقاطاً ما زالت تجمع بين الضامنين الثلاثة لـ«مسار آستانة». أبرز هذه النقاط: التأكيد على وحدة الأراضي السورية، وأن الحل العسكري للصراع السوري مستحيل التحقيق، وأن الصراع لا يمكن أن ينتهي إلا من خلال عملية سياسية يقودها ويملكها السوريون وتسهلها الأمم المتحدة، في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
أيضاً، أكدت القمة ضرورة تسهيل «العودة الآمنة والطوعية» للاجئين والنازحين داخلياً إلى أماكن إقامتهم الأصلية في سوريا لضمان حقهم في العودة ودعمهم في هذا الإطار. ودعت إلى زيادة المساعدات لسوريا، بما في ذلك إعادة البنية التحتية الأساسية، لا سيما المياه والكهرباء والصرف الصحي والصحة والمرافق التعليمية والمدارس والمستشفيات. وأجمع الرؤساء الثلاثة على إدانة الهجمات العسكرية الإسرائيلية على سوريا، مشددين على أنها «انتهاك للقانون الدولي والإنساني ولسيادة سوريا، وتعمل على زعزعة استقرار المنطقة وتصعد التوترات فيها».

- ظروف انعقاد القمة
في الحقيقة، انعقدت قمة طهران الثلاثية في سياق تطورات أكسبتها اهتماماً دولياً واسعاً. فهي جاءت في الوقت الذي تنخرط إيران منذ فترة طويلة في مفاوضات بخصوص ملفها النووي عبر مسار متذبذب صعوداً وهبوطاً، فضلاً عن المواجهة المعلنة مع إسرائيل أخيراً. أما بالنسبة لروسيا، فإنها اليوم في مواجهة معلنة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو» بسبب الحرب في أوكرانيا ودعم الغرب تسليح أوكرانيا والعقوبات على روسيا... وصولاً إلى الاهتمام بحل أزمة تصدير الحبوب من أوكرانيا التي اكتسبت دفعة بتوقيع الاتفاقية الرباعية بين روسيا وأوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة - في إسطنبول في 22 يوليو الحالي - بشأن إنشاء ممر آمن في البحر الأسود لصادرات الحبوب والمنتجات الزراعية والأسمدة من أوكرانيا وروسيا. وهذه الأخيرة اتفاقية تعلق عليها الآمال في إنقاذ الملايين من الجوع ونقص الغذاء حول العالم.
أما الطرف الثالث، أي تركيا، فهي تلوح للشهر الثالث بعملية عسكرية جديدة في الشمال السوري لاستكمال إنشاء «منطقة آمنة» هناك، وتواصل مساعيها لإقناع الأطراف المختلفة بها. ولكن هناك من يرى أنها مساع لن تجدي نفعاً باستثناء رفع الضغوط عن تركيا بعد التطورات الأخيرة في العراق، واتهام القوات التركية بقصف منتجع سياحي في دهوك (شمال العراق) أدى لمقتل وإصابة عشرات المدنيين في إطار حملتها على حزب العمال الكردستاني. وكل هذا، فضلاً عن إبقاء حالة الزخم حول مكافحة الإرهاب في الشارع التركي لتواصل الحكومة استخدامها ورقةً لحشد الدعم لحزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب إردوغان في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في يونيو 2023.
إضافة إلى كل ما سبق، زاد من لفت الأنظار إلى قمة طهران الثلاثية، أنها أتت بعد زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للشرق الأوسط، وحضوره «قمة جدة» في المملكة العربية السعودية مع قادة 9 دول عربية. هذه الزيارة والمشاركة جاءتا في إطار سعي بايدن لزيادة التعاون مع هذه الدوال العربية فيما يتعلق بأمن الطاقة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التصريحات الأميركية المنتقدة لما تعتبره واشنطن زيادة في وتيرة التعاون العسكري بين روسيا وإيران أخيراً، والموقف التركي من انضمام السويد وفنلندا لـ«ناتو». إذ سحبت أنقرة اعتراضها على انضمام البلدين مقابل التزامات منهما بشأن مكافحة الإرهاب ورفع الحظر على صادرات الأسلحة إليها الذي فرض عام 2019 بسبب العملية العسكرية التركية ضد «قسد» في شمال شرقي سوريا، المعروفة بـ«نبع السلام».


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
TT

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)
استقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين يوم الاثنين (د.ب.أ)

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع أنه يسعى إلى إعادة 80 في المائة من السوريين المقيمين في ألمانيا، والذين يتجاوز عددهم 900 ألف شخص، إلى وطنهم.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشرع، قال رئيس «الحزب المسيحي الديمقراطي» الألماني في برلين الاثنين: «على المدى البعيد خلال السنوات الثلاث المقبلة، وبناء على رغبة أعرب عنها الرئيس الشرع أيضاً، من المفترض أن يعود نحو 80 في المائة من السوريين والسوريات المقيمين حالياً في ألمانيا إلى وطنهم».

وقال ميرتس إن غالبية السوريين والسوريات الذين لجأوا إلى ألمانيا إبان فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد يرغبون في العودة إلى بلدهم لإعادة بنائه والعيش هناك بأمان وحرية وكرامة، وأضاف المستشار الألماني مخاطباً الرئيس السوري: «هؤلاء الأشخاص (...) موضع ترحيب لديكم»، معرباً عن تقديره لتعبير الشرع عن ذلك أيضاً، وأردف: «ولربما كانت هذه هي الرسالة الأساسية لزيارتكم اليوم في برلين».

اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع والوفد المرافق مع رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية فرانك فالتر شتاينماير في قصر بيلفيو في العاصمة الألمانية الاثنين (حساب الرئاسة السورية)

وصرّح الرئيس السوري خلال المؤتمر الصحافي: «نعمل مع شركائنا في الحكومة الألمانية على إرساء برنامج الهجرة الدائرية الذي يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنهم دون التخلي عن حياتهم التي بنوها في ألمانيا، لمن يرغب منهم في البقاء». وأشار إلى أن «سوريا تمثّل ببعدها الحضاري وموقعها الهام فرصة مثالية لشراكة سورية أوروبية تقودها ألمانيا» وهي «تعود اليوم إلى العالم وأوروبا بقوة أكبر وإرادة صلبة».

سوريون في ألمانيا رفعوا علم سوريا في برلين ترحيباً بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع والوفد المرافق (أ.ف.ب)

واعتبر أنه «لا يمكن الحديث عن التعافي وإعادة الإعمار من دون الحديث عن السوريين في ألمانيا»، مستطرداً: «لدينا 1.3 مليون سوري بينهم 6 آلاف طبيب يعملون في المستشفيات الألمانية وأكثر من ربع مليون إنسان يساهمون في عجلة الاقتصاد الألماني».

وأعلن ميرتس عن نيّة ألمانيا «دعم» إعمار سوريا بعد الحرب، مشيراً إلى أن وفداً من الحكومة الألمانية سيزور دمشق لهذا الغرض في الأيّام القليلة المقبلة. لكنه كشف أنه أوضح لضيفه خلال لقائهما أن هذه المشاريع المشتركة تبقى رهن التطوّر المحرز في تمتين أسس دولة القانون في سوريا. وصرّح ميرتس: «كلّي ثقة بعد هذا اللقاء بأن ذلك سيتحقّق في سوريا».

في سياق آخر للزيارة، عقد الرئيس أحمد الشرع، اليوم، اجتماعاً على طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية، بحضور وزراء الخارجية والمغتربين والاقتصاد والطاقة والطوارئ وإدارة الكوارث، أكد خلاله أن الحكومة أجرت تعديلات واسعة على قانون الاستثمار، بهدف تسهيل وتشجيع الاستثمارات في سوريا، مشيراً إلى الفرص الكبيرة المتاحة في مختلف القطاعات الاقتصادية.

مظاهرة لسوريين ضد الرئيس السوري أحمد الشرع في برلين (رويترز)

وأكد الرئيس أحمد الشرع أن العلاقة بين سوريا وألمانيا يعاد بناؤها على أسس من الثقة المتبادلة، ومرتكزات اقتصادية مهمة، بما يعزز فرص التعاون في المرحلة المقبلة.

وأوضح الرئيس الشرع في تصريح لقناة «الإخبارية» السورية، على هامش اجتماع الطاولة المستديرة، أنه لمس اهتماماً متزايداً من تلك الشركات بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع سوريا، مشيراً إلى أن اللقاءات التي جرت معها تعكس توجهاً نحو توسيع التعاون، ولا سيما في المجالات الاقتصادية التي تشكل أساساً متيناً لأي علاقة سياسية.

ولفت إلى أن السياسة تحتاج إلى روابط متينة، وفي مقدمتها الروابط الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذا المسار بدأ يتحقق في العلاقات السورية الألمانية.

وقدمت الشركات الألمانية عروضاً في عدد من القطاعات الاقتصادية شملت الطاقة والتمويل والأمن والتحول الرقمي، إضافة إلى البناء والرعاية الصحية والخدمات اللوجيستية، كما شهد الاجتماع توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجانب السوري وعدد من الشركات المشاركة.


«تُسجل حتى 500 متر»... فصائل غزة تكثف ملاحقة أجهزة التجسس الإسرائيلية

جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

«تُسجل حتى 500 متر»... فصائل غزة تكثف ملاحقة أجهزة التجسس الإسرائيلية

جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون أثناء عملية عسكرية قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

تكثف أجهزة أمن الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة عمليات البحث عن أجهزة تجسس إسرائيلية تشمل كاميرات متطورة، وأجهزة تنصت فائقة «تُسجل في نطاق يصل إلى 500 متر» لتحليل البصمات الصوتية للمطلوبين للجيش الإسرائيلي.

ووفق مصادر من الفصائل تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد تمكنت إسرائيل عبر عملاء ميدانيين أو في فترات وجود الجيش داخل بعض المناطق، من زرع تلك الأجهزة في مناطق عدة بالقطاع.

وحتى أيام قريبة، كانت عمليات الملاحقة لتلك الأجهزة تجري سراً، قبل أن ينفجر أحد الأجهزة بشكل مفاجئ، الأسبوع الماضي، بعد كشفه من قبل عناصر تتبع لأحد الفصائل الفلسطينية في مخيم للنازحين بمنطقة دير البلح وسط قطاع غزة، وبعد ساعات قليلة من الانفجار، هاجمت طائرة حربية الموقع بصاروخين.

نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

وأكدت مصادر ميدانية من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وفصائل أخرى لـ«الشرق الأوسط» أن عناصرها كشفواً عدداً من تلك الأجهزة من أنواع مختلفة خلال الشهور الماضية، وتحدث أحد المصادر عن أن «بعضها كان مزروعاً بشكل مختلف من مكان إلى آخر؛ إذ تم الكشف عنها أثناء الحرب بعد اغتيال بعض النشطاء الميدانيين، وأخرى كشفت لاحقاً بعد وقف إطلاق النار».

وبيّنت المصادر أن تلك الأجهزة تشمل كاميرات وأجهزة تنصت سمعي، وكذلك مجسات مختلفة بعضها بهدف تدميرها ذاتياً عند محاولة كشفها، أو لمنح مشغليها إنذاراً أو إشارة بكشفها ما يدفعهم لتدميرها.

ووفق المصادر فقد تطابقت تقديرات فنيين من الفصائل أن «غالبية الأجهزة التي كشفت حتى الآن كانت مرتبطة بشكل أساسي بطائرات مسيرة إسرائيلية لنقل المعلومات أو الصور أو التسجيلات إلى غرف عمليات أمنية».

ورجح مصدر ميداني أن «يكون هناك اعتماد على الأقمار الصناعية في تدعيم تلك الأجهزة بالإنترنت بدعم من متعاونين بشريين مع جيش الاحتلال، أو باستخدام الإنترنت الذي توفره الأقمار الصناعية».

أين وُجدت الأجهزة؟

توضح المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن بعض الأجهزة «عُثر عليها في مستشفيات كان الجيش الإسرائيلي قد اقتحمها وسط الحرب مثل (مجمع الشفاء الطبي) وغيره».

وشرح أحد المصادر أن عمليات البحث توصلت إلى «وجود بعض الأجهزة داخل قطع حجرية كبيرة أو صغيرة، وأخرى داخل قطع أثاث في أقسام طبية، وكانت تحتوي على كاميرات صغيرة ذات دقة عالية وتصور مسافات لا تقل عن 800 متر».

جنود إسرائيليون ينفذون عمليات داخل مستشفى الشفاء بمدينة غزة نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

وتابع المصدر الذي اطلع عن قرب على عمليات العثور على الأجهزة أنه «أحدها كان متطوراً للغاية ومخصصاً للتنصت؛ إذ تبين أنه يُسجل من مسافة تصل إلى 500 متر»، مرجحاً أنه «يمكن من خلال التسجيلات التعرف على بعض الشخصيات المطلوب عبر بصمة الصوت الموجودة لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية بسبب الاعتقالات السابقة أو الاتصالات الشخصية المسجلة والمرصودة عبر الهاتف النقال أو غيره».

الأمطار تلعب دوراً

ولعبت الصدفة دوراً في كشف بعض الأجهزة، وفق ما قال مصدر لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنه «تم اكتشاف أجهزة تجسس في مخيمات للنازحين في منطقة مواصي خان يونس، وتبين أن متعاونين مع الاحتلال وضعوها هناك، فيما اكتشفت أخرى في فصل الشتاء بعد غرق الخيام بمياه الأمطار، وتكرر أيضاً وجود أجهزة داخل صناديق خشبية مموهة على شكل حجارة، أو صناديق خشبية ممزقة للتغطية على فكرة كشفها».

وبسبب طول فترة الحرب، توصل عناصر الفصائل المسلحة إلى أن بعض الطائرات المسيّرة ألقت أجهزة تجسس في «مناطق ميتة أمنياً» لإيصالها إلى المتعاونين مع إسرائيل.

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وشرح أحد المصادر أنه بعد العودة إلى مناطق دخلها الجيش الإسرائيلي أثناء الحرب «اكتشفنا زرع أجهزة تجسسية في شوارع عامة ومنازل مُدمرة، ومنها كاميرات حرارية وتسجيلية وغيرها، وكانت على الأغلب تستهدف رصد تحركات النشطاء والتعرف عليهم». وتابع أنه «تم العثور على بعض الأجهزة في مناطق بساحات مفتوحة داخل (جالونات) يعتقد البعض للوهلة الأولى أنها مجرد (خردة)، وتبين أنها كانت تستهدف محاولات رصد القائمين على عمليات تسليم الأسرى الإسرائيليين».

التجسس قبل الحرب

لم يبدأ مسار التجسس، بالتأكيد، في الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن المصادر في حديثها إلى «الشرق الأوسط» توقفت عند وقائع بعينها قبل الحرب.

وأكد أحد المصادر أنه تم العثور على أجهزة في مكاتب للفصائل، وحتى منازل لنشطاء وغيرهم، عبارة عن «كاميرات صغيرة تحمل أجهزة تنصت، داخل أجهزة راوتر الإنترنت أو شبكات الكهرباء، وكان يتم وضعها عبر متعاونين مع الاحتلال يتسلمون تلك الأجهزة مع البضائع التجارية التي كانت تدخل للقطاع ويتسلمونها بطرق مختلفة».

مسلحون من حركتي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أ.ف.ب)

وفي مايو (أيار) عام 2018، قتل 6 من مهندسي «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» إثر انفجار وقع أثناء فحصهم جهاز تجسس عُثر عليه وأوصلت التحليلات الأمنية للجهاز، إلى العثور على ثغرات أمنية كبيرة تمثلت في وضع أجهزة تجسس داخل شبكة الاتصالات الداخلية لـ«القسام»، وقالت «القسام» حينها إنها «أفشلت أخطر عملية تجسس إسرائيلية في القطاع».

وبعد ذلك الحدث بنحو شهر ونصف الشهر، اكتشف جهاز تجسس داخل «حجر جرانيت» أدخله أحد التجار إلى القطاع بتعليمات من المخابرات الإسرائيلية بهدف نقله لاحقاً إلى داخل موقع عسكري لأحد الفصائل، وفعلاً تم إدخاله إلى هناك وكشف الجهاز بعد أيام قليلة فقط.


واشنطن: المطلوب نزع سلاح «حزب الله» ولا مشكلة مع الشيعة

أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)
أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)
TT

واشنطن: المطلوب نزع سلاح «حزب الله» ولا مشكلة مع الشيعة

أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)
أحد المسعفين في موقع غارة جوية إسرائيلية على قرية حناويه جنوب لبنان شرق مدينة صور (أ.ف.ب)

يصطدم لبنان الرسمي والسياسي بانسداد الأفق، حتى الساعة، في وجه الجهود الحثيثة التي يتصدرها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لوقف الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، التي بلغت ذروتها مع ارتفاع منسوب المخاوف من تمادي الدولة العبرية في إفراغ جنوب لبنان من الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) من خلال الاعتداء على أماكن وجودهما. تأتي هذه التصرفات الإسرائيلية في غياب أي تدخل دولي، بالأخص من الولايات المتحدة التي يبدو أنها ماضية بإعطاء الضوء الأخضر لتل أبيب، حسب ما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، لاستئصال الجناح العسكري لـ«حزب الله» ونزع سلاحه كونه يربط لبنان بإيران التي تتصرف على أنها وحدها تمسك بالورقة اللبنانية للتفاوض بالإنابة عن صاحب الشأن، أي الحكومة اللبنانية.

وتبدو الحرب المشتعلة في جنوب لبنان متروكة للميدان بعد تعذُّر التوصل إلى وقف النار. ولم يعد من همّ لحكومة الرئيس نواف سلام سوى الالتفات لتحصين الجبهة الداخلية للحفاظ على السلم الأهلي في البلد، وهذا يكمن وراء تعاونها مع القوى المضيفة للنازحين استعداداً لاستيعاب تدفق موجات جديدة منهم، في ظل تمادي إسرائيل بتهجيرها سكان البلدات الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت وتدميرها الممنهج لبيوتهم.

مصطفى السيد نازح من بيت ليف في جنوب لبنان يقيم مع عائلته في مدرسة ببيروت تحولت إلى مركز للإيواء (رويترز)

نزول الحكومة بثقلها لاستيعاب موجات جديدة من النازحين وتوفير الإيواء لهم لا يعني أن الرئيسين عون وسلام استسلما للأمر الواقع المفروض على البلد، بل هما مستمران في التواصل مع المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف النار شرط أن يتلازم ذلك بتجاوب من «حزب الله» بدل الاحتكام للميدان الذي حوّل جنوب نهر الليطاني امتداداً إلى البلدات الواقعة في شماله والمطلة عليه إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش أو للإقامة فيها، ولو بصورة مؤقتة، في ظل الهجمات الإسرائيلية المتواصلة.

تأتي المواكبة الرسمية للوضع المشتعل في الجنوب في سياق الجهود التي يقوم بها عون بالتعاون مع الحكومة لوقف العدوان وعودة الاستقرار إلى البلد، بغياب أي تحرك للسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي يكاد يغيب عن السمع، بالمعنى الرسمي للكلمة، من دون أن ينقطع عن التواصل مع سفراء في اللجنة «الخماسية» وآخرين من المجموعة الأوروبية، فيما لم يسجّل له أي تواصل مع الجهات الرسمية.

ورغم أن عيسى يلوذ بالصمت علناً، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر دبلوماسي غربي، فضل عدم ذكر اسمه، أن السفير الأميركي كان قد قال كلمته ورسم خريطة الطريق لوقف الحرب في الجنوب، لكنه لم يلق الاستجابة المطلوبة التي تتيح لبلاده التدخل لوقفها.

مواطنون يتفقدون مبنى في بيروت استهدف بغارة إسرائيلية (رويترز)

في هذا السياق، نقل المصدر عن دبلوماسي أميركي بارز في سفارة بلاده في بيروت قوله إن لا مشكلة بين الولايات المتحدة والشيعة الذين «ننظر إليهم على أنهم كانوا ولا يزالون يشكلون مكوناً سياسياً أساسياً في البلد لا يمكن لأي جهة، أكانت خارجية أو داخلية، أن تتجاهل دورهم في الحياة السياسية وحجمهم في المعادلة التي تحكم لبنان، وإنما المشكلة هي مع (حزب الله) الذي ينفّذ أجندة خارجية بارتباطه الوثيق بالحرس الثوري في إيران وتلقيه التعليمات منه». كما ينقل المصدر عنه أن «حزب الله» هو من عطّل استكمال تنفيذ الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنّتها الحكومة لتطبيق حصرية السلاح بيدها، حتى أنه رفض الاستجابة لاحتواء سلاحه وبادر إلى تبنّي إطلاق الدفعة الأولى من الصواريخ على إسرائيل، برغم أنه نفى شفهياً علاقته بذلك، لكنه أحجم عن إصدار بيان في هذا الخصوص لإعفاء «الحرس الثوري» من المسؤولية عن إطلاقها، في أول خرق لوقف النار من الجانب اللبناني بعد التزام استمر لسنة وأكثر من 3 أشهر.

كان السفير عيسى قد أُبلغ رسمياً بعدم تدخّل «حزب الله» عسكرياً لإسناد إيران، وهذا ما تعهد به الحزب لرئيس المجلس النيابي نبيه بري. لكن «حزب الله» اضطر للتراجع بإصداره بياناً اعتبر فيه أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل جاء انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

حسب المصدر الدبلوماسي، «حزب الله» هو من تسبب بإقحام لبنان في حرب لا يريدها بإسناده أولاً لغزة ولاحقاً لإيران، مشيراً إلى أن عيسى كان قد حمل تطمينات للبنان بأن إسرائيل ليست في وارد توسعة الحرب في حال لم يتدخل الحزب عسكرياً إسناداً لإيران.

وأضاف أن واشنطن أيدت دعوة عون للتفاوض مباشرة مع إسرائيل، وإن كانت اشترطت تسمية وفد مدني لتمثيل لبنان في المفاوضات على أن يضم ممثلاً وازناً للشيعة يحظى بتأييد بري الذي أبدى تفهماً لمبادرة رئيس الجمهورية لكنه ربطها أولاً بوقف النار وعودة النازحين إلى قراهم ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه. ولم يلق هذا المقترح التجاوب المطلوب من إسرائيل، برغم أن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو كان كلّف الوزير السابق رون ديرمر بملف التفاوض مع لبنان.

ولفت المصدر إلى أن واشنطن، وإن كانت لا تستفيض في تبريرها لعدم تجاوب إسرائيل، فهي في المقابل تحمّل «حزب الله» مسؤولية الإطاحة بمبادرة عون بذريعة إعلان الأمين العام للحزب نعيم قاسم رفضه المفاوضات تحت النار استسلاماً لإرادة الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإصراراً منه على ربط لبنان بإيران من جهة ثانية.