الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي تعالج مرارة الأحلام بالسخرية

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
TT

الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف

تبدو رواية ميرال الطحاوي «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة مؤخراً عن دار «العين» بالقاهرة، مناسبة لتأمل علاقة الكاتب المهاجر بالمكان؛ فهو من حيث الواقع غادر عالماً كان يعرفه ولم يعد فيه، وانتقل إلى عالم هو طارئ عليه، خصوصاً من يهاجر بعد الطفولة والصبا.
بعض الكُتاب مثل أمين معلوف الذي انتقل في عمر الأربعين تقريباً إلى باريس وفيها بدأ الكتابة الأدبية، حل المعضلة باللجوء إلى التاريخ والبحث عن اللحظات التي تجمع العالمين، وكأنها محاولة ذاتية لرتق تمزقات الذات التي لم تعد في أي منهما، قبل أن تكون خياراً فنياً ومعرفياً. والبعض لجأ إلى الرواية الذهنية مثل ميلان كونديرا، حيث نلحظ اتكاءه على المعرفة في رواياته التالية لانتقاله إلى باريس، أكثر مما نلمس العوالم الصاخبة بالحياة التي ظهرت في «كتاب الضحك والنسيان» و«غراميات مرحة» اللذين كتبهما في تشيكوسلوفاكيا قبل أن ينتقل هو الآخر إلى باريس.
ورأينا بين الكتاب العرب من لم يجد وسيلة للتفاهم مع الحاضنة الجديدة ويواصل تدوير ذكرياته، مثلما فعل الكاتب المصري الراحل جميل عطية إبراهيم رغم طول إقامته في سويسرا، ورأينا من استطاع حمل البطيختين في يد واحدة، مثل هدى بركات وإنعام كجه جي، فيستجيب لعوالم الحاضنة الجديدة وللعالم الأم، ويجد ما يرويه عنهما معاً.

وتبدو ميرال الطحاوي؛ التي تُدرس اللغة والأدب العربيين في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2007، قد أضافت في روايتها الجديدة، وهي الثانية للكاتبة التي تجري أحداثها في العالم الجديد بعد «بروكلين هايتس - 2010»، أثر العالم الجديد إلى عالمها الأول الذي عُرفت به قبل الهجرة؛ عالم البدو على أطراف حياة الفلاحين في صحراء محافظة الشرقية بمصر، وإن ظلت على إخلاصها لعالمها الأول في كتب بحثية، بعد أن هجنته في عالمها السردي، حيث أصدرت بين الروايتين ثلاثة كتب تنفتح على البحث التاريخي الأدبي والسيرة الذاتية «الأنثى المقدسة أساطير المرأة في الصحراء - دار بتانة 2019»، و«بنت شيخ العربان - العين 2020» و«بعيدة برقة عن المرسال... أشعار الحب عند نساء البدو - دار المحروسة 2021».
ورغم أن «بروكلين هايتس» و«أيام الشمس المشرقة» تدوران في عالم المهاجرين، إلا أن «أيام الشمس المشرقة» تبدو مختلفة تماماً؛ حيث ينفتح السرد على اللاجئين من كل الجنسيات، وليس عالم المهاجرين في ظروف أقل قسوة. معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعيشون في مستوى من الفقر والعنف وانعدام الأمان إلى الحد الذي تسميه دراسات الاجتماع «الحياة العارية»، لكن الرواية تتسع كذلك لتشمل نماذج من أساتذة الجامعة، وليس هناك من فرق بينهم وبين العمال البسطاء؛ حيث لا تفتح الجنة الأميركية أبوابها مجاناً للغرباء والغريبات اللائي يتعرضن للانتهاك قسراً أو طوعاً من أجل البقاء.
وفي حين طالعنا في «بروكلين هايتس» عالماً من الأسى، لكن بعنف أقل، تهيمن عليه شخصيته المركزية وهي أستاذة جامعية تحاول تثبيت أقدامها في العالم الجديد، تحتل شخصيات «أيام الشمس المشرقة» مساحات شبه متساوية في السرد، وكلها مرسومة بعناية، في ملامحها الجسدية والنفسية، يلاحقها السرد إلى ماضيها في بلادها الأصلية عبر موجات من الاستعادات.
يكاد القارئ لا يلحظ وجود الكاتبة بنفسها داخل الرواية، وهذا اختلاف آخر بين «أيام الشمس المشرقة» وبين كل رواياتها ابتداءً من روايتها الأولى «الخباء - 1996»، وتختلف كذلك من حيث اللغة التي تتميز بمستوى عالٍ من الجرأة، مفعمة بالحيوية من خلال المهارة في الانتقال بين لغة الراوي الخفي التي تقوم على المجاز والصور الشعرية، وبين لغات الشخصيات الخشنة بما يتناسب وتكوينها النفسي والثقافي. تنزل هذه اللغة إلى مستويات من الجرأة لا نلمسها في أي من روايات ميرال الطحاوي الأخرى.
تبدأ الرواية بمشهد رؤية «نِعَم الخباز» لابنها ممداً في دمائه، بينما يبدو على الحائط أثر الرصاصة التي اخترقت دماغه. بعد ذلك سنعرف أن إطلاق النار يتم في هذه المدينة بسبب وبدون سبب وفي أي مكان.
«الشمس المشرقة» مدينة حدودية شبه ساحلية مهجورة، كانت في السابق مقراً لعمال مناجم نحاس نضبت فتركها العمال مخلفين وراءهم بيوتاً بسيطة. يصلها المهاجرون الذين لم يبتلعهم البحر أو تبتلعهم الصحراء، وفي نية كل منهم أنها محطة للاستراحة قبل أن ينطلقوا منها إلى مدن أحلامهم، لكن كثيرين منهم مصيرهم بهذه المدينة التي تمنحهم بؤساً يضاهي بؤسهم في بلادهم التي فروا منها. لا شيء مشرق في هذه المدينة سوى الأسماء الفخمة التي لا تُكلف مالاً.
مدينة بهذا البؤس تحمل اسماً بهذا الإشراق، فلا بد أن تحمل ضاحيتها الغنية اسم «الجنة الأبدية» والمرأة التي تقود ثلاث أو أربع عاملات لتنظيف البيوت أو قتل الحشرات تسمي مجموعتها «شركة» تحمل اسماً طويلاً فخماً، يبدو في تضاد ساخر مع الحقيقة. حتى الموت في تلك المدينة لم يفلت من استراتيجية التسمية الساخرة، فقد حملت المقبرة اسماً يزين الموت «حديقة الأرواح»! وهي في الحقيقة شواهد قبور مغمورة بشواهد صغيرة تكاد لا تلحظها العين على ربوة عشبية بلا سياج، يتساوى فيها الموتى ولا يكترثون لأصولهم المختلفة.
وكما تكذب المدينة في أسمائها؛ فكل سكانها يكذبون فيها بشأن ماضيهم الذي هربوا منه، ويرسلون إلى أوطانهم بكذب آخر بشأن حاضرهم!
يدعي الكثير منهم أنهم حصلوا على الشهادات العليا في بلادهم، ثم ينسون تلك الأكاذيب الصغيرة بعد أن يكتشفوا أنها لا تقدم ولا تؤخر في تحديد هوياتهم المحتملة. أبو عبد القادر أحد هؤلاء. له سمت وقور، ويدعي أنه يحمل درجة الدكتوراه في الفقه والدراسات القرآنية، وأنه ذات يوم كان أستاذاً للشريعة في جامعة إسلامية، لكنه ليس بحاجة إلى كل هذا الادعاء؛ فهو مجرد إمام لمسجد صغير ملحق بالمقابر، ومهمته الأساسية تغسيل الموتى المسلمين وإقامة صلاة الجنازة على أرواحهم. لكن لديه عمل آخر يبدو أكثر نفعاً للأحياء حيث يمارس التصوير ويتقن العمل على برامج تركيب الصور.
يطلب خدمات «أبو عبد القادر» أولئك الذين يريدون إرسال صور إلى ذويهم في البلاد الأم بخلفيات تؤكد ثراءهم وتحققهم جالسين خلف مكاتب فخمة أو داخل فيلا أنيقة أو واقفين في حدائق وارفة.
يمارس «أبو عبد القادر» مهمته في تزييف الحاضر بسرية وتفهم مثلما يُكفن الموتى، فيظهر البؤساء من خدم البيوت ومزاولي الأعمال الهامشية في صور أطباء ناجحين ورجال أعمال وأزواج سعداء، يستخدم في ذلك خلفيات من مكاتب وبنايات فخمة، كما يستدعي المقابر للشهادة الزور؛ حيث تصلح التدرجات اللونية لأحراشها دليلاً على الطبيعة السخية لعالم الأحلام الأميركي، وهو خبير في تصوير رابية الموت من بعيد وبزوايا محددة تضمن عدم انكشاف حقيقتها كمقبرة.
ورغم كل الأسى؛ فالحلم الأميركي لم يتحول إلى كذبة مطلقة. يظل الثراء ممكناً لقلة دفعت الثمن أو رفعها الحظ، تسكن ضواحي غنية نشأت على التلال حول «الشمس المشرقة»، وأصبح بوسع سكان المدينة البائسة أن ينظروا إلى السماء ليتأملوا الفروق المعمارية بين منتجعات بالغ كل منها في اسمه: يتأملون الحافة الشرقية التي تطل منها «جنة عدن» و«تلال الجنة»، ثم يتحولون إلى الحافة الغربية، حيث يطل منتجع «وادي الجنة الأبدية»، وبالقرب منه منتجع «نسمات الجنة».
تنتهي الرواية بمركب مهاجرين جدد يحمل بدوره اسماً ساخراً (عين الحياة) يجبره حرس الحدود على العودة بحمولته من البشر، ويستدير المركب تاركاً فرق الإنقاذ أمام مشهد لم يتوقعه أحد: سبعة أجساد صغيرة تطفو في سترات النجاة الصفراء وقد بدت مثل بالونات يتقاذفها المد والجزر، وصار الأطفال السبعة مادة لانقسام الإعلام خارج «الشمس المحرقة»؛ البعض منه يدين حرس الحدود أخلاقياً لأنه مارس العنف ضد «عين الحياة»، وأعاد أبرياء إلى بيئات خطرة فروا منها، والبعض أدان الأمهات اللائي تخلين عن أطفالهن، بينما كان شعب «الشمس المشرقة» يركض لملاحقة الكوارث الموسمية المتلاحقة.
وإذا كانت الرواية قد بدأت بجثة طازجة، فقد انتهت بالعثور على أخرى لامرأة مختفية؛ إذ ظهرت جثة «ميمي دوج» إلى جانب جثث كلاب بحر نافقة على الشاطئ، لكن لا يبدو أن «الشمس المشرقة» ستتوقف عن النمو أو استقبال المزيد من المتطلعين لفرصة عمل في الجنات المتناثرة فوق التلال على مشارفها.

 

 

مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

جميلة في الخمسين (بيست إيماج)
جميلة في الخمسين (بيست إيماج)
TT

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

جميلة في الخمسين (بيست إيماج)
جميلة في الخمسين (بيست إيماج)

لا يمكن الإلمام بجميع اهتمامات النجمة التشيكية المولد، الفرنسية الإقامة، أدريانا كاريمبو. فهي عارضة أزياء، وممثلة سينما، ومذيعة تلفزيون، وسفيرة لعدد من دور الأزياء، وناشطة في جمعيات إنسانية، ومؤلِّفة أصدرت أكثر من كتاب. آخر مؤلّفاتها صدر قبل أيام في باريس بعنوان «أحبك لأنني أحبك». وفيه تروي علاقتها بشريك حياتها المغنّي الفرنسي مارك لافوان من دون أن تذكر اسمه.

أدريانا الفارعة القامة، التي تُوصف بأنها صاحبة أطول ساقين بين عارضات الأزياء، تؤكد أنها تعيش حالياً أجمل سنوات حياتها. لها ميل إلى الكتابة عبَّرت عنه في عدد من كتب السيرة، أشهرها: «جئت من بلد لم يعد موجوداً»، روت فيه ما حلَّ بتشيكوسلوفاكيا من تقسيم وغياب للاسم.

«أحبك لأنني أحبك» (غلاف الكتاب)

تبلغ أدريانا 54 عاماً، ولا تزال تحت الضوء لأنها تتمتَّع بذكاء يقودها إلى تنويع نشاطاتها. درست الطبّ لـ3 سنوات في براغ لتصبح طبيبة مثل والدتها، لكنها تركت الدراسة حين لمحها مصوّر يعمل مع وكالة للعارضات وقدَّم لها تذكرة طيران إلى باريس. وكانت بدايتها مع الشهرة حين تزوَّجت بطل كرة القدم الفرنسي كريستيان كاريمبو. لكن الاثنين انفصلا بعد 3 سنوات لترتبط برجل الأعمال الأرمني أندريه أوهانيان، وتنتقل لتقيم معه في مراكش حيث يملك مطعماً. وفي سنّ الـ47 عاماً حقَّقت حلمها بالأمومة ووضعت طفلة كانت ولادتها أشبه بمعجزة. لكن الزواج انتهى بالطلاق وعادت إلى باريس.

في كتابها الجديد «أحبك لأنني أحبك وهذا كلّ شيء»، تكشف أدريانا بأنها تعرَّفت إلى شريك حياتها الجديد قبل أكثر من ربع قرن. وهي قد أحبَّته من النظرة الأولى، وأدركت أنه الرجل المناسب لها. لكن الكتاب يتضمَّن أيضاً تجربتها في الحياة ومفهومها للحبّ. وهي تصف كيف دهمتها هذه العاطفة بشكل مفاجئ، لكن «ليس من الضرورة وضع اسم لكلّ شيء، بل أن نعيش ما نشعر به». كما تتطرَّق إلى علاقتها المتوتّرة مع والدها وتفضيله شقيقتها عليها. وتكتب أنه كان قادراً على الحبّ، «لكنه لم يُحبّني». وهو وضع جعلها تشعر بالظلم وعدم الفهم لمدة طويلة، وترك أثراً مؤلماً لا يزال حاضراً.

أدريانا ومارك لافوان (بيست إيماج)

تروي أدريانا كاريمبو أنّ والدها، الذي كان مهندساً ميسوراً، هدَّدها ذات مرة بأن عليها العمل لدفع إيجار منزلهم. ومنذ صباها شعرت بعبء المسؤولية. وفي حين اتّسمت علاقتها بوالدها بالتباعد والألم، كانت علاقتها بوالدتها مختلفة تماماً. تتحدَّث عن رابطة قوية معها وهي تعدّها قدوتها في الحياة. ولهذا أرادت أن تكون طبيبة مثل أمها. لكن طموحها كان يذهب أبعد من حدود مدينتها. وحين جاءتها فرصة العمل عارضة في باريس، فلم تتركها تفلت من يدها.

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات، وبقيت 5 أيام من دون طعام، لأنها لم تكن تملك نقوداً ولا تتكلَّم سوى التشيكية والروسية. وبعد أشهر، كانت البنت التشيكية الجميلة تتصدَّر أغلفة مجلات الموضة العالمية. وحين اختيرت في إعلان عن صدرية نسائية فإنّ الشركة حقَّقت مبيعات تجاوزت ربع مليون قطعة في ذلك العام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كتاب «فارغ» يوحّد آلاف الكتّاب ضدَّ شركات الذكاء الاصطناعي

صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)
صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)
TT

كتاب «فارغ» يوحّد آلاف الكتّاب ضدَّ شركات الذكاء الاصطناعي

صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)
صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)

انضمَّ نحو 10 آلاف كاتب، من بينهم كازو إيشيغورو وفيليبا غريغوري وريتشارد عثمان، إلى حملة لدعم حقوق النشر. وفي إطارها، نشر آلاف المؤلّفين كتاباً «فارغاً»، للاحتجاج على استغلال شركات الذكاء الاصطناعي أعمالهم دون إذن.

وحمل الكتاب عنوان «لا تسرق هذا الكتاب»، واقتصر محتواه على قائمة بأسماء الكتّاب. وتُوزَّع نسخ من الكتاب على الحضور في معرض لندن للكتاب، قبل أسبوع من الموعد المقرَّر لإصدار الحكومة البريطانية تقييماً للتكلفة الاقتصادية للتغييرات المقترحة في قانون حقوق النشر.

وذكرت «الغارديان» أنه بحلول 18 مارس (آذار) الحالي، يتعيَّن على الوزراء تقديم تقييم للآثار الاقتصادية، بالإضافة إلى تقرير محدَّث عن سير المشاورات المتعلّقة بالإصلاح القانوني، في ظلّ حالة من الغضب بين المبدعين، جراء استغلال شركات الذكاء الاصطناعي لأعمالهم.

في هذا الإطار، قال إد منظم الكتاب، نيوتن ريكس، وهو ملحّن وناشط في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية للفنانين، إنّ صناعة الذكاء الاصطناعي «مبنية على أعمال مسروقة... مأخوذة من دون إذن أو مقابل»، مضيفاً: «هذه ليست جريمة من دون ضحايا، فالذكاء الاصطناعي التوليدي ينافس الأشخاص الذين تدرَّب هذا الذكاء على أعمالهم، ويسلبهم مصادر رزقهم. يجب على الحكومة حماية المبدعين في المملكة المتحدة، ورفض تقنين سرقة الأعمال الإبداعية من شركات الذكاء الاصطناعي».

ومن بين المؤلّفين الآخرين الذين أسهموا بأسمائهم في الكتاب: ميك هيرون مؤلّف رواية «الخيول البطيئة»، والكاتبة ماريان كيز، والمؤرّخ ديفيد أولوسوجا، ومالوري بلاكمان كاتبة رواية «الصفر والصلبان».

وقالت بلاكمان: «ليس من المستغرب بأيّ حال أن نتوقَّع من شركات الذكاء الاصطناعي دفع مقابل استخدام كتب المؤلفين».

يُذكر أنّ الغلاف الخلفي للكتاب يحمل عبارة: «يجب على حكومة المملكة المتحدة ألا تُقنِّن سرقة الكتب لمصلحة شركات الذكاء الاصطناعي».

ومن المقرَّر أن يُطلق الناشرون مبادرة ترخيص الذكاء الاصطناعي في معرض لندن للكتاب. وتعمل «خدمات ترخيص الناشرين»، وهي هيئة غير ربحية في هذا القطاع، على إنشاء نظام ترخيص جماعي، ودعت مختلف عناصر القطاع إلى الانضمام إليه، على أمل أن يتيح الوصول القانوني إلى الأعمال المنشورة.

بوجه عام، يتطلَّب الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات، بما في ذلك الأعمال المحميّة بحقوق الطبع والنشر والمأخوذة من الإنترنت المفتوح، لتطوير أدوات مثل برامج الدردشة الآلية ومولّدات الصور. وقد أثار هذا الأمر استياءً واسعاً بين المبدعين والشركات في جميع أنحاء العالم، ممّا أدّى إلى رفع دعاوى قضائية على جانبَي المحيط الأطلسي.

العام الماضي، وافقت شركة «أنثروبيك»، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي ومطوّرة برنامج الدردشة الآلي «كلود»، على دفع 1.5 مليار دولار (1.1 مليار جنيه إسترليني)، لتسوية دعوى قضائية جماعية تقدَّم بها مؤلّفو كتب زعموا أنّ الشركة الناشئة استخدمت نسخاً مقرصنة من أعمالهم لتدريب منتجها الرئيسي.

وقد أبدى فنانون بريطانيون غضبهم الشديد إزاء المقترح الحكومي الرئيسي في المشاورات الدائرة، ويقوم على السماح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام الأعمال المحميّة بحقوق الطبع والنشر من دون إذن مالكها، إلا إذا أبدى المالك رغبته في الانسحاب من هذه العملية. وكان إلتون جون من بين الفنانين الذين احتجّوا على احتمال تخفيف صرامة قانون حقوق الطبع والنشر، واصفاً الحكومة بأنها «فاشلة تماماً».

إلى جانب المُقترح الحكومي الرئيسي، اقترح الوزراء 3 خيارات أخرى: الإبقاء على الوضع الراهن، أو إلزام شركات الذكاء الاصطناعي بالحصول على تراخيص لاستخدام الأعمال المحمية بموجب حقوق الطبع والنشر، أو السماح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر من دون أي خيار للشركات والأفراد المبدعين.

كما رفضت الحكومة استبعاد التنازل عن حقوق الطبع والنشر لمصلحة استخدام المواد لأغراض «البحث التجاري»، الأمر الذي يخشى المتخصّصون في المجال الإبداعي أن تستغله شركات الذكاء الاصطناعي للاستيلاء على أعمال الفنانين من دون إذن.

وقال متحدّث باسم الحكومة: «ترغب الحكومة في صياغة نظام لحقوق الطبع والنشر يُقدّر الإبداع البشري ويحميه، ويكون جديراً بالثقة، ويُحفّز الابتكار. سنواصل التواصل الوثيق مع القطاع الإبداعي بشأن هذه القضية، وسنفي بالتزامنا بإطلاع البرلمان على آخر المستجدات بحلول 18 مارس».


عملة دُفعت أجرةً لحافلة في بريطانيا تحمل أصلاً فينيقياً عمره 2000 عام

قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)
قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)
TT

عملة دُفعت أجرةً لحافلة في بريطانيا تحمل أصلاً فينيقياً عمره 2000 عام

قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)
قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)

عُثر على عملة معدنية غريبة الشكل، كانت تُستخدم لدفع أجرة الحافلة في ليدز في خمسينات القرن الماضي، وتبيَّن أنها تعود إلى حضارة قديمة يتجاوز عمرها 2000 عام.

ووفق «الإندبندنت»، وصلت العملة، التي سُلِّمت إلى سائق حافلة محلّي قبل عقود، إلى رئيس أمناء الصندوق السابق في هيئة النقل بمدينة ليدز، جيمس إدواردز، الذي كان يتولّى مَهمّة جمع الأجرة ويحصيها في نهاية كلّ يوم.

ولأنها لم تكن صالحة للاستخدام، حملها إدواردز إلى منزله وأهداها لحفيده الصغير بيتر، الذي احتفظ بها في صندوق خشبي صغير لأكثر من 70 عاماً.

اليوم، اكتشف علماء الآثار من جامعة ليدز أنها تعود إلى القرطاجيين، وهم جزء من الحضارة الفينيقية، في مدينة قادس الإسبانية خلال القرن الأول قبل الميلاد.

وقال الحفيد، البالغ الآن 77 عاماً: «كان جدّي يعثر على عملات معدنية غير بريطانية ويحتفظ بها جانباً، وعندما كنت أزوره كان يعطيني بعضها». وأضاف: «لم يمضِ وقت طويل على انتهاء الحرب حينذاك، لذا أتخيّل أنّ الجنود عادوا ومعهم عملات معدنية من البلدان التي أُرسلوا إليها. لم نكن من هواة جمع العملات، لكننا كنا مفتونين بأصلها ورموزها. بالنسبة إليّ، كانت كنزاً ثميناً».

من جهته، حاول بيتر الكشف عن أصل العملة، وانصب تركيزه على نقشٍ معين.

يحمل النقش على أحد وجهيها صورة الإله ملقارت، الذي يشبه البطل اليوناني هيراكليس، مرتدياً غطاء رأسه الشهير المصنوع من جلد الأسد.

رحلة غير متوقَّعة لعملة عمرها 200 عام (مجلس مدينة ليدز)

من ناحيتهم، أفاد خبراء بأنها أتت من مستوطنة قرطاجية قديمة على الساحل الإسباني. وقال بيتر: «لطالما أثارت هذه العملة فضولي لصعوبة تحديد مصدرها». وأوضح: «أول ما خطر ببالي عندما عرفت أصلها، أنني رغبت في إعادتها إلى مؤسّسة تُتيح للجميع دراستها، وقد تفضّلت متاحف ليدز ومعارضها مشكورةً بعرض توفير مكان مناسب لها».

وبالفعل، تبرَّع بالعملة المعدنية إلى متاحف ليدز ومعارضها، وهي الآن جزء من مركز ليدز للاكتشاف، الذي يضمّ عملات معدنية وورقية من ثقافات مختلفة حول العالم، تمتدّ لآلاف السنوات.

وقالت العضوة التنفيذية في مجلس مدينة ليدز لشؤون الرعاية الاجتماعية للبالغين وأنماط الحياة النشطة والثقافة، سلمى عارف: «من المذهل أن نتخيّل كيف وصلت هذه القطعة الصغيرة من التاريخ، التي صنعتها حضارة قديمة منذ آلاف السنوات، إلى ليدز وإلى مجموعتنا». وأضافت: «لا تقتصر مَهمّة المتاحف، مثل متحفنا، على حفظ القطع الأثرية فحسب، إذ تتعدّاها إلى سرد قصص مثل هذه، وإلهام الزوار للتفكير في التاريخ الذي يحيط بنا، حتى في أكثر الأماكن غير المتوقَّعة».

Your Premium trial has ended