الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي تعالج مرارة الأحلام بالسخرية

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
TT

الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف

تبدو رواية ميرال الطحاوي «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة مؤخراً عن دار «العين» بالقاهرة، مناسبة لتأمل علاقة الكاتب المهاجر بالمكان؛ فهو من حيث الواقع غادر عالماً كان يعرفه ولم يعد فيه، وانتقل إلى عالم هو طارئ عليه، خصوصاً من يهاجر بعد الطفولة والصبا.
بعض الكُتاب مثل أمين معلوف الذي انتقل في عمر الأربعين تقريباً إلى باريس وفيها بدأ الكتابة الأدبية، حل المعضلة باللجوء إلى التاريخ والبحث عن اللحظات التي تجمع العالمين، وكأنها محاولة ذاتية لرتق تمزقات الذات التي لم تعد في أي منهما، قبل أن تكون خياراً فنياً ومعرفياً. والبعض لجأ إلى الرواية الذهنية مثل ميلان كونديرا، حيث نلحظ اتكاءه على المعرفة في رواياته التالية لانتقاله إلى باريس، أكثر مما نلمس العوالم الصاخبة بالحياة التي ظهرت في «كتاب الضحك والنسيان» و«غراميات مرحة» اللذين كتبهما في تشيكوسلوفاكيا قبل أن ينتقل هو الآخر إلى باريس.
ورأينا بين الكتاب العرب من لم يجد وسيلة للتفاهم مع الحاضنة الجديدة ويواصل تدوير ذكرياته، مثلما فعل الكاتب المصري الراحل جميل عطية إبراهيم رغم طول إقامته في سويسرا، ورأينا من استطاع حمل البطيختين في يد واحدة، مثل هدى بركات وإنعام كجه جي، فيستجيب لعوالم الحاضنة الجديدة وللعالم الأم، ويجد ما يرويه عنهما معاً.

وتبدو ميرال الطحاوي؛ التي تُدرس اللغة والأدب العربيين في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2007، قد أضافت في روايتها الجديدة، وهي الثانية للكاتبة التي تجري أحداثها في العالم الجديد بعد «بروكلين هايتس - 2010»، أثر العالم الجديد إلى عالمها الأول الذي عُرفت به قبل الهجرة؛ عالم البدو على أطراف حياة الفلاحين في صحراء محافظة الشرقية بمصر، وإن ظلت على إخلاصها لعالمها الأول في كتب بحثية، بعد أن هجنته في عالمها السردي، حيث أصدرت بين الروايتين ثلاثة كتب تنفتح على البحث التاريخي الأدبي والسيرة الذاتية «الأنثى المقدسة أساطير المرأة في الصحراء - دار بتانة 2019»، و«بنت شيخ العربان - العين 2020» و«بعيدة برقة عن المرسال... أشعار الحب عند نساء البدو - دار المحروسة 2021».
ورغم أن «بروكلين هايتس» و«أيام الشمس المشرقة» تدوران في عالم المهاجرين، إلا أن «أيام الشمس المشرقة» تبدو مختلفة تماماً؛ حيث ينفتح السرد على اللاجئين من كل الجنسيات، وليس عالم المهاجرين في ظروف أقل قسوة. معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعيشون في مستوى من الفقر والعنف وانعدام الأمان إلى الحد الذي تسميه دراسات الاجتماع «الحياة العارية»، لكن الرواية تتسع كذلك لتشمل نماذج من أساتذة الجامعة، وليس هناك من فرق بينهم وبين العمال البسطاء؛ حيث لا تفتح الجنة الأميركية أبوابها مجاناً للغرباء والغريبات اللائي يتعرضن للانتهاك قسراً أو طوعاً من أجل البقاء.
وفي حين طالعنا في «بروكلين هايتس» عالماً من الأسى، لكن بعنف أقل، تهيمن عليه شخصيته المركزية وهي أستاذة جامعية تحاول تثبيت أقدامها في العالم الجديد، تحتل شخصيات «أيام الشمس المشرقة» مساحات شبه متساوية في السرد، وكلها مرسومة بعناية، في ملامحها الجسدية والنفسية، يلاحقها السرد إلى ماضيها في بلادها الأصلية عبر موجات من الاستعادات.
يكاد القارئ لا يلحظ وجود الكاتبة بنفسها داخل الرواية، وهذا اختلاف آخر بين «أيام الشمس المشرقة» وبين كل رواياتها ابتداءً من روايتها الأولى «الخباء - 1996»، وتختلف كذلك من حيث اللغة التي تتميز بمستوى عالٍ من الجرأة، مفعمة بالحيوية من خلال المهارة في الانتقال بين لغة الراوي الخفي التي تقوم على المجاز والصور الشعرية، وبين لغات الشخصيات الخشنة بما يتناسب وتكوينها النفسي والثقافي. تنزل هذه اللغة إلى مستويات من الجرأة لا نلمسها في أي من روايات ميرال الطحاوي الأخرى.
تبدأ الرواية بمشهد رؤية «نِعَم الخباز» لابنها ممداً في دمائه، بينما يبدو على الحائط أثر الرصاصة التي اخترقت دماغه. بعد ذلك سنعرف أن إطلاق النار يتم في هذه المدينة بسبب وبدون سبب وفي أي مكان.
«الشمس المشرقة» مدينة حدودية شبه ساحلية مهجورة، كانت في السابق مقراً لعمال مناجم نحاس نضبت فتركها العمال مخلفين وراءهم بيوتاً بسيطة. يصلها المهاجرون الذين لم يبتلعهم البحر أو تبتلعهم الصحراء، وفي نية كل منهم أنها محطة للاستراحة قبل أن ينطلقوا منها إلى مدن أحلامهم، لكن كثيرين منهم مصيرهم بهذه المدينة التي تمنحهم بؤساً يضاهي بؤسهم في بلادهم التي فروا منها. لا شيء مشرق في هذه المدينة سوى الأسماء الفخمة التي لا تُكلف مالاً.
مدينة بهذا البؤس تحمل اسماً بهذا الإشراق، فلا بد أن تحمل ضاحيتها الغنية اسم «الجنة الأبدية» والمرأة التي تقود ثلاث أو أربع عاملات لتنظيف البيوت أو قتل الحشرات تسمي مجموعتها «شركة» تحمل اسماً طويلاً فخماً، يبدو في تضاد ساخر مع الحقيقة. حتى الموت في تلك المدينة لم يفلت من استراتيجية التسمية الساخرة، فقد حملت المقبرة اسماً يزين الموت «حديقة الأرواح»! وهي في الحقيقة شواهد قبور مغمورة بشواهد صغيرة تكاد لا تلحظها العين على ربوة عشبية بلا سياج، يتساوى فيها الموتى ولا يكترثون لأصولهم المختلفة.
وكما تكذب المدينة في أسمائها؛ فكل سكانها يكذبون فيها بشأن ماضيهم الذي هربوا منه، ويرسلون إلى أوطانهم بكذب آخر بشأن حاضرهم!
يدعي الكثير منهم أنهم حصلوا على الشهادات العليا في بلادهم، ثم ينسون تلك الأكاذيب الصغيرة بعد أن يكتشفوا أنها لا تقدم ولا تؤخر في تحديد هوياتهم المحتملة. أبو عبد القادر أحد هؤلاء. له سمت وقور، ويدعي أنه يحمل درجة الدكتوراه في الفقه والدراسات القرآنية، وأنه ذات يوم كان أستاذاً للشريعة في جامعة إسلامية، لكنه ليس بحاجة إلى كل هذا الادعاء؛ فهو مجرد إمام لمسجد صغير ملحق بالمقابر، ومهمته الأساسية تغسيل الموتى المسلمين وإقامة صلاة الجنازة على أرواحهم. لكن لديه عمل آخر يبدو أكثر نفعاً للأحياء حيث يمارس التصوير ويتقن العمل على برامج تركيب الصور.
يطلب خدمات «أبو عبد القادر» أولئك الذين يريدون إرسال صور إلى ذويهم في البلاد الأم بخلفيات تؤكد ثراءهم وتحققهم جالسين خلف مكاتب فخمة أو داخل فيلا أنيقة أو واقفين في حدائق وارفة.
يمارس «أبو عبد القادر» مهمته في تزييف الحاضر بسرية وتفهم مثلما يُكفن الموتى، فيظهر البؤساء من خدم البيوت ومزاولي الأعمال الهامشية في صور أطباء ناجحين ورجال أعمال وأزواج سعداء، يستخدم في ذلك خلفيات من مكاتب وبنايات فخمة، كما يستدعي المقابر للشهادة الزور؛ حيث تصلح التدرجات اللونية لأحراشها دليلاً على الطبيعة السخية لعالم الأحلام الأميركي، وهو خبير في تصوير رابية الموت من بعيد وبزوايا محددة تضمن عدم انكشاف حقيقتها كمقبرة.
ورغم كل الأسى؛ فالحلم الأميركي لم يتحول إلى كذبة مطلقة. يظل الثراء ممكناً لقلة دفعت الثمن أو رفعها الحظ، تسكن ضواحي غنية نشأت على التلال حول «الشمس المشرقة»، وأصبح بوسع سكان المدينة البائسة أن ينظروا إلى السماء ليتأملوا الفروق المعمارية بين منتجعات بالغ كل منها في اسمه: يتأملون الحافة الشرقية التي تطل منها «جنة عدن» و«تلال الجنة»، ثم يتحولون إلى الحافة الغربية، حيث يطل منتجع «وادي الجنة الأبدية»، وبالقرب منه منتجع «نسمات الجنة».
تنتهي الرواية بمركب مهاجرين جدد يحمل بدوره اسماً ساخراً (عين الحياة) يجبره حرس الحدود على العودة بحمولته من البشر، ويستدير المركب تاركاً فرق الإنقاذ أمام مشهد لم يتوقعه أحد: سبعة أجساد صغيرة تطفو في سترات النجاة الصفراء وقد بدت مثل بالونات يتقاذفها المد والجزر، وصار الأطفال السبعة مادة لانقسام الإعلام خارج «الشمس المحرقة»؛ البعض منه يدين حرس الحدود أخلاقياً لأنه مارس العنف ضد «عين الحياة»، وأعاد أبرياء إلى بيئات خطرة فروا منها، والبعض أدان الأمهات اللائي تخلين عن أطفالهن، بينما كان شعب «الشمس المشرقة» يركض لملاحقة الكوارث الموسمية المتلاحقة.
وإذا كانت الرواية قد بدأت بجثة طازجة، فقد انتهت بالعثور على أخرى لامرأة مختفية؛ إذ ظهرت جثة «ميمي دوج» إلى جانب جثث كلاب بحر نافقة على الشاطئ، لكن لا يبدو أن «الشمس المشرقة» ستتوقف عن النمو أو استقبال المزيد من المتطلعين لفرصة عمل في الجنات المتناثرة فوق التلال على مشارفها.

 

 

مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.