يقول ساشا غلاسير، الخبير والباحث المشارك في مركز الأبحاث الأميركي «ديفينس برايورتيز»، إن التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين أدى إلى جعل تايوان أخطر منطقة توتر في العالم. فالحزب الشيوعي الصيني يؤكد أنها إقليم منشق، وإعادة توحيده مع البر الرئيسي هي فقط مسألة وقت. وأوضحت بكين أنها على استعداد لاستخدام القوة لتحقيق ذلك. وتبدو الولايات المتحدة من جانبها مصممة على منع حدوثه؛ حيث أعلن الرئيس جو بايدن في ثلاث مناسبات منفصلة أن الولايات المتحدة لديها «التزام بالدفاع عن تايوان»، وهو ما أعاد البيت الأبيض توضيحه، وتأكيد أن المقصود ليست المواجهة العسكرية المباشرة مع الصين؛ لكن برغم ذلك يظل السؤال المطروح هو: إذا حدث فعلاً هجوم صيني على تايوان، فكيف ينبغي أن يكون رد فعل الولايات المتحدة؟
ويضيف غلاسير في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية: برغم أنه يتعين على السياسة الأميركية الحالية أن تعطي الأولوية للدبلوماسية مع بكين، وتسليح تايبيه لردع العدوان، فمن المهم أيضاً أن تخطط لمثل هذا الطارئ، من أجل أن ترد بحكمة بدلاً من أن تسمح للعاطفة بأن تقود السياسة. ويوفر رد الفعل الأميركي إزاء الحرب الدائرة في أوكرانيا معرفة دقيقة بحصافة وحماقة بعض ردود الفعل.
ويرى غلاسير أن ضبط النفس العسكري، هو «أهم درس من دروس رد الفعل تجاه الحرب في أوكرانيا، وينبغي أن يتحلى القادة الأميركيون بالحكمة، لإتاحة المنطق نفسه ليكون نبراساً لأي رد فعل تجاه أي هجوم صيني على تايوان».
وعلى نحو صحيح، خلصت إدارة بايدن والحلفاء الأوروبيون الأكثر قرباً من أوكرانيا، إلى أن الصراع العسكري المباشر مع روسيا «غير مطروح». ورغم أن الولايات المتحدة تشعر بالتعاطف مع الظروف السيئة التي يجد الأوكرانيون أنفسهم فيها، فإن الحرب ليست حربها التي يتعين عليها خوضها. فأوكرانيا في نهاية المطاف لا تبرر التضحية بأرواح الأميركيين في حرب تقليدية مع روسيا، كما لا تستحق المخاطرة بتصعيد نووي.
ويرى غلاسير أنه بالمثل قد يتعاطف الأميركيون إزاء التهديد الحقيقي الذي تواجهه تايوان من جانب دولة مجاورة أكبر منها كثيراً. ومع ذلك، فإن أي حرب بين الولايات المتحدة والصين سوف تسفر عن المخاطر نفسها غير المقبولة، المتمثلة في خسائر كبيرة في الأرواح، وتهديد خطير باستخدام السلاح النووي من الجانبين. ومن ثم، فإنه كما تجنبت الولايات المتحدة الصراع العسكري المباشر مع روسيا بسبب أوكرانيا، يتعين عليها تجنب الصراع العسكري المباشر مع الصين بسبب تايوان.
وبدلاً من التدخل عسكرياً، تدعم الولايات المتحدة وأوروبا أوكرانيا بكميات كبيرة من المساعدات الإنسانية والأسلحة الفتاكة. وفي ظل حدود أوكرانيا الغربية مع الدول الصديقة، كان تزويدها بالمساعدات سهلاً. وجمع نحو 82 مليار دولار، دفعت منها الولايات المتحدة نحو 24 ملياراً كمساعدات عسكرية فقط. ورغم أن حزم المساعدات الكبيرة قد توفر لأوكرانيا سبل الصمود في مقاومة قوية؛ فليس من المرجح أن يؤدي ذلك إلى ترجيح كفة الميزان لصالحها.
وفي حالة تايوان، هناك عوامل عدّة من المحتمل أن تحول دون أي محاولة مماثلة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها لتقديم الدعم. ومن المؤكد أن الصين أدركت أنه لتجنب مخاطر أي حرب مطولة، ينبغي القيام بأي خطوة ضد تايوان «في أسرع ما يمكن». فتايوان -وهي جزيرة أكبر قليلاً من ولاية ميريلاند- تفتقر إلى العمق الاستراتيجي الذي تتمتع به أوكرانيا.
وبرغم أن أي قتال على نطاق واسع سيكون وحشياً، فمن المحتمل أيضاً أن يكون سريعاً، وبالتالي يمنع تقديم المساعدات الأميركية أو العالمية في الوقت المناسب لاستخدامها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن محاولة تقديم المساعدات لتايوان تحمل في طياتها خطر الانجرار من دون قصد إلى أعمال قتالية؛ حيث قد تحاول الصين اعتراض السفن والطائرات التي تحمل المساعدات.
ويؤكد غلاسير أن الانتقام الاقتصادي والدبلوماسي ضد روسيا قد يدل على رغبة في معاقبة روسيا؛ لكنه لم يغير السلوك الروسي، وساهم في عواقب ثانوية في أنحاء العالم، طالت الأمن الغذائي، وارتفاع أسعار الغاز، والتضخم القياسي. وعلاوة على ذلك أثبت صعوبة قيام الولايات المتحدة بإقناع الدول الأخرى، بما في ذلك الواقعة في الجنوب العالمي، وآسيا، ونصف الكرة الأرضية الغربي، بالمشاركة في العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا. ومع خفض الدول الأوروبية لواردات الغاز والنفط الروسية، استغلت دول مثل الهند والصين الفرصة، واستوردت كميات قياسية بأسعار منخفضة، ومن ثم تم تقليص تأثير العقوبات الغربية.
ويقول غلاسير إن العواقب الاقتصادية لأي رد فعل مماثل بالنسبة لأي صراع بين الصين وتايوان، سوف تسفر عن تداعيات أكبر في أنحاء العالم، نظراً لاعتماد الصين المتبادل داخل الاقتصاد العالمي. ومن المحتمل أن يكون من المستحيل إقناع الدول الأخرى بتقبل أضرار شديدة على اقتصاداتها المحلية من أجل تايوان؛ حيث إن الصين هي أكبر شريك تجاري لأكثر من 130 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وسوف يسفر الخلل في سلسلة الإمداد العالمية -نتيجة المشاركة في عقوبات اقتصادية شاملة- عن نقص الإمدادات، وارتفاع الأسعار، وفقدان أكبر سوق في العالم بالنسبة للشركات المحلية. ومن المؤكد أيضاً أن الصين سوف ترد بانتقام اقتصادي من جانبها، مما يزيد من تفاقم أزمة اقتصادية عالمية.
وفي حقيقة الأمر، فإنه إذا ما هاجمت الصين تايوان، فليس هناك ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة لمساعدة تايوان أقل من خوض حرب مكلفة وخطرة بشكل كبير للغاية من أجلها. وبدلاً من ذلك، فإن أي استراتيجية حكيمة وممكنة سياسياً تتمثل في القيام بردع إقليمي وتنوع اقتصادي.
ويختتم غلاسير تحليله بالقول إنه مع تحول ميزان القوة في العالم، سوف تحتاج الولايات المتحدة والصين إلى تعلم العيش، كل منهما مع الأخرى. ففي أثناء الحرب الباردة، شنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حرباً ضد طرف ثالث تابع لإحدى الدولتين، ومع ذلك لم تؤدِّ تلك الحالات بصورة دائمة إلى تقويض العلاقات الدبلوماسية.
وسوف يكون إعادة دمج تايوان بالقوة في البر الرئيسي للصين كارثة بالنسبة إلى تايوان، وربما بالنسبة إلى الصين، ولكن ليست هناك حاجة لأن يكون كارثة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ويتعين الاستعانة بالتصرف الحكيم والواقعية الواضحة، لضمان أمن الولايات المتحدة وازدهارها، بغض النظر عن الوضع السياسي الرسمي لتايوان.
دروس أوكرانيا في تايوان... ماذا يمكن أن تفعل واشنطن؟
دروس أوكرانيا في تايوان... ماذا يمكن أن تفعل واشنطن؟
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
