لماذا يعتذر البابا فرنسيس للسكان الأصليين في كندا؟

الآلاف منهم أبيدوا «بيولوجياً وثقافيّاً» في مدارس داخلية

البابا يقبل يد ألما دي جاريه إحدى الناجيات من مدارس الكنيسة الداخلية في كندا (رويترز)
البابا يقبل يد ألما دي جاريه إحدى الناجيات من مدارس الكنيسة الداخلية في كندا (رويترز)
TT

لماذا يعتذر البابا فرنسيس للسكان الأصليين في كندا؟

البابا يقبل يد ألما دي جاريه إحدى الناجيات من مدارس الكنيسة الداخلية في كندا (رويترز)
البابا يقبل يد ألما دي جاريه إحدى الناجيات من مدارس الكنيسة الداخلية في كندا (رويترز)

وصل البابا فرنسيس، أمس الأحد، إلى كندا في رحلة «توبة» يفترض أن يجدد خلالها طلب الصفح عن دور الكنيسة الكاثوليكية في مأساة المدارس الداخلية للسكان الأصليين.
وحطّت الطائرة البابوية قرابة الظهر في مطار إدمونتون في مقاطعة ألبرتا غرب كندا، واستقبله في المطار رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، والحاكمة العامة لكندا ماري سيمون ممثلة الملكة إليزابيث الثانية ومسؤولون دينيون. وخلال الرحلة، قال الحبر الأعظم، البالغ 85 عاماً، لصحافيين يرافقونه «إنها رحلة توبة».
وستخصص هذه الزيارة في المقام الأول للسكان الأصليين الذين يمثلون خمسة في المائة من سكان كندا. وقبيل مغادرته، وجه البابا رسالة عبر «تويتر» إلى «إخوانه وأخواته الأعزاء في كندا»؛ وكتب: «آتي إليكم للقاء السكان الأصليين. آمل، بعون الله، أن تسهم رحلة التوبة التي أقوم بها في طريق المصالحة التي بدأت. أرجو أن ترافقوني بالصلاة».
بين نهاية القرن التاسع عشر وتسعينيات القرن العشرين، سُجل، عنوة، زهاء 150 ألف طفل من السكان الأصليين بشكل قسري في أكثر من 130 مدرسة داخلية مدعومة من الدولة تدير معظمها الكنيسة الكاثوليكية. وقد فصل هؤلاء الأطفال عن أسرهم وعزلوا عن لغتهم وثقافتهم، وغالباً ما كانوا ضحايا لأعمال عنف، في بعض الأحيان جنسية. وكان العديد من هؤلاء الأطفال ضحايا سوء معاملة واغتصاب وسوء تغذية، مما أدى في المحصلة إلى وفاة زهاء ستة آلاف طفل، مما اعتبرته لجنة تحقيق وطنية «إبادة جماعية ثقافية»، وشكل صدمة دفعت السلطات إلى إعلان «يوم مصالحة» وطني.
وتنتظر مجموعات السكان الأصليين زيارة البابا بفارغ الصبر على أمل أن يجدد اعتذاراته التاريخية التي عبر عنها في أبريل (نيسان) في الفاتيكان. ومن المتوقع أن يقوم البابا بمبادرات رمزية، من بينها إعادة عدد من القطع العائدة للشعوب الأصلية والمعروضة في متاحف الفاتيكان منذ عقود. وقال جورج أركاند جونيور، الرئيس الأكبر لـ«اتحاد الشعوب الأصلية في كونفدرالية المعاهدة 6» في مؤتمر صحافي الخميس في إدمونتون، إن «هذه الرحلة التاريخية جزء مهم من رحلة الشفاء»، لكن «ما زال يتعين القيام بالكثير». فيما حذر إيرفين بول، زعيم قبائل «لويس بول كري»، من أن «الزيارة قد تؤدي إلى فتح جروح ناجين».
وسيلتقي البابا أفراداً من السكان الأصليين للمرة الأولى اليوم في ماسكواسيس التي تبعد نحو مائة كيلومتر جنوب إدمونتون عاصمة مقاطعة ألبرتا، حيث ينتظر حضور نحو 15 ألف شخص. وكانت ألبرتا تضم أكبر عدد من المدارس الداخلية. وتشهد كندا، التي يشكل الكاثوليك 44 في المائة من سكانها، مثل بلدان أخرى أزمة مع الكنيسة، مع تراجع حاد في المشاركة في ممارسة الشعائر في السنوات الأخيرة.
وتتضمن الزيارة في مجملها، ما لا يقل عن خمس مراحل تفصل بينها آلاف الكيلومترات بين مقاطعتي كيبيك في الشرق وألبرتا في الغرب وإقليم نونافوت للسكان الأصليين في الشمال.
وبعد أن اعتذر رأس الكنيسة الكاثوليكية مطلع أبريل الماضي عن «السلوك الباعث على الأسى» لبعض أعضاء كنيسته المتورطين في ملف المدارس الداخلية، أراد تقديم الاعتذار شخصياً لسكان كندا الأصليين في أراضيهم. وقال البابا، قبيل توجهه إلى كندا الأسبوع الماضي، أمام الحاضرين في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان: «لسوء الحظ ساهم العديد من المسيحيين في كندا، ومن ضمنهم بعض أعضاء الجماعات الدينية، في سياسات الاستيعاب الثقافي التي أضرت، في الماضي، بشكل خطير بالسكان الأصليين وبطرق مختلفة».
وتفجرت قضية الاعتداءات على أطفال الشعوب الأصلية عام 2015. وقد أعرب وقتها رئيس الحكومة الكندية ترودو عن حزنه لاكتشاف 751 قبراً لأشخاص مجهولين في موقع مدرسة داخلية سابقة للسكان الأصليين في قرية مارييفال في مقاطعة ساسكاتشوان في غرب كندا.
وكانت مدرسة السكان الأصليين الداخلية في مارييفال قد أنشئت عام 1899 وأغلقت عام 1997. وهي من ضمن نظام المدارس الداخلية الذي أرسته الحكومة الفيدرالية سابقاً؛ إذ أوكلت السلطات إدارة المدرسة إلى الكنيسة الكاثوليكية، فتولت المهمة على التوالي اثنتان من جمعيات الراهبات.
وعلق ترودو آنذاك على هذه الأنباء المروعة قائلاً: «أعلم أن هذا الاكتشاف لا يتسبب سوى بتفاقم الألم الذي تشعر به أساساً العائلات والأشخاص الناجون وكافة الشعوب والمجتمعات في أوساط السكان الأصليين، كما أنه يعيد التأكيد على حقيقة يعرفونها منذ زمن بعيد. الألم والصدمة اللذان تشعرون بهما، كندا مسؤولة عنهما». وأضاف: «هذه الاكتشافات في مارييفال و(سابقاً) في كاملوبس (في مقاطعة بريتيش كولومبيا) ذكرت بشكل مخجل بالعنصرية والتمييز والظلم الممنهج الذي واجهه السكان الأصليون، ولا يزالون، في هذا البلد. علينا أن نعترف معاً بهذه الحقيقة وأن نستخلص الدروس من الماضي ونسير قُدماً على طريق المصالحة المشترك». وقال ترودو إنه لا يستثني إجراء تحقيق جنائي حول هذا الاكتشاف «الصادم والمروّع».
«تكريم الحقيقة والتصالح من أجل المستقبل»، كان عنوان التقرير النهائي الذي أصدرته «لجنة الحقيقة» في ديسمبر (كانون الأول) 2015 حول السكّان الأصليين في كندا.
وحققت اللجنة في المعاملة التي لقيها نحو من 150 ألفاً من أبناء السكان الأصليين منذ سبعينات القرن التاسع عشر وحتّى عام 1996 في مختلف أنحاء كندا. وكان يتم إقحام هؤلاء في مدارس داخلية بغية «إبعادهم عن ثقافة أهلهم وإدماجهم في مجتمع البيض» حسب السياسة المتّبعة منذ تلك الفترة. واعتبرت اللجنة أنّ سياسة الدولة الكنديّة لدمج السكّان الأصليين فشلت، ولكنّ عواقبها الوخيمة ما تزال قائمة.
وجابت اللجنة منذ تأسيسها عام 2007 مختلف أنحاء كندا واستمعت إلى نحو 7 آلاف شهادة، وأصدرت تقريرها النهائي الذي رفعت فيه 94 توصية للتعويض عن الإساءة التي لحقت بالسكّان الأصليين. وتحدّث تقريرها عن إبادة جسديّة وبيولوجيّة وثقافيّة بحقّ السكّان الأصليين.
وتمّ الكشف عن التقرير خلال جلسة رسميّة حضرها، آنذاك، رئيس الحكومة الكنديّة جاستن ترودو وأعضاء اللجنة وزعماء السكّان الأصليين، وتلاميذ سابقون في المدارس الداخلية من أبناء السكّان الأصليين.
وتحدث رئيس اللجنة، القاضي مورّي سانكلير، بتأثر شديد عن مضاعفات عمل اللجنة عليه وعلى نظيريه في اللجنة الصحافيّة ماري ولسون والمحامي ولتون ليتلتشايلد بعد استماعهم للشهادات من 6 آلاف تلميذ سابق في المدارس الداخليّة. وأضاف أنّ متابعة العمل المؤثّر والمؤلم تطلّبت منه القوّة للمثابرة وكان دعم عائلته وأولاده والأحفاد بالغَ الأهميّة بالنسبة له.


مقالات ذات صلة

اكتشاف بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية... في الغيوم

يوميات الشرق اكتشاف بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية... في الغيوم

اكتشاف بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية... في الغيوم

اكتُشفت في الغيوم بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية سحبتها الرياح إلى السحاب لمسافات طويلة جداً أحياناً، على ما كشفت دراسة فرنسية كندية. وقال معدّ الدراسة الرئيسي فلوران روسّي في مقابلة عبر الهاتف مع وكالة الصحافة الفرنسية أمس (الجمعة)، إنّ «هذه البكتيريا عادة ما تعيش فوق الأوراق أو داخل التربة». وأضاف: «اكتشفنا أنّ الرياح حملتها إلى الغلاف الجوي وأنّ بإمكانها التنقل لمسافات طويلة وعبور الكرة الأرضية على ارتفاعات عالية بفضل السحب». وكان عدد من الباحثين في جامعة لافال في كيبيك وجامعة كليرمون أوفيرنيه أخذوا عينات باستخدام «مكانس كهربائية» عالية السرعة من سحب متشكّلة فوق بوي دو دوم، وهو بركان خامد

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم روسيا تنصح مواطنيها بعدم السفر إلى كندا

روسيا تنصح مواطنيها بعدم السفر إلى كندا

نصحت وزارة الخارجية الروسية، (السبت)، مواطنيها بتجنّب السفر إلى كندا، لأسباب وصفتها بـ«العنصرية». وتُعد كندا من أكثر الدول دعماً لكييف في حربها مع روسيا، كما فرضت عقوبات على مئات المسؤولين والشركات الروسية، إضافة إلى فرض حظر تجاري واسع النطاق. وذكرت الوزارة أنه «نظراً للعديد من حالات السلوك العنصري ضد المواطنين الروس في كندا، بما يشمل العنف الجسدي، نوصيكم بتجنّب السفر إلى هذا البلد، سواء لأغراض السياحة أو التعليم أو في سياق العلاقات التجارية».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الشرطة الكندية تحقق بعملية سرقة ذهب ضخمة في مطار تورونتو

الشرطة الكندية تحقق بعملية سرقة ذهب ضخمة في مطار تورونتو

تحقق الشرطة الكندية في عملية سرقة ذهب ضخمة في مطار بيرسون الدولي بتورونتو، بعد اختفاء مقتنيات ثمينة تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وكشفت الشرطة، أمس (الخميس)، أن لصوصاً سرقوا ذهباً ومقتنيات ثمينة يوم الاثنين الماضي قيمتها أكثر من 20 مليون دولار كندي (14 مليون دولار أميركي). وقال ستيفن دويفستين مفتش الشرطة الإقليمية لصحيفة «تورونتو ستار» إنه تمت سرقة حاوية بعد تفريغها من طائرة في منشأة شحن. وتابع: «ما يمكنني قوله أن الحاوية كانت تحتوي على شحنة قيمتها مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
سيلين ديون تطرح أغنيات جديدة للمرة الأولى منذ مرضها

سيلين ديون تطرح أغنيات جديدة للمرة الأولى منذ مرضها

أعلنت سيلين ديون، إطلاق أغنيات جديدة هي الأولى لها منذ أن أعلنت المغنية الكندية في ديسمبر (كانون الأول) أنها تعاني من حالة عصبية نادرة. ويحمل الألبوم الجديد عنوان «لاف أغين»، ويتضمن أعمالاً موسيقية خاصة بفيلم يحمل الاسم نفسه، بينها خمس أغنيات جديدة، إضافة إلى أعمال قديمة. وتصدر هذه المجموعة الموسيقية في 12 مايو (أيار)، بالتزامن مع طرح الفيلم في دور السينما الكندية. هذا الألبوم الأول منذ ألبوم «كاريدج» الذي أصدرته النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية عام 2019، التي تظهر على الشاشة في فيلم «لاف أغين»، حيث تؤدي شخصيتها الخاصة. وقالت سيلين ديون، في بيان، «لقد استمتعتُ كثيراً بصنع هذا الفيلم.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
العالم قراصنة روس يستهدفون مواقع رسمية كندية خلال زيارة لرئيس الوزراء الأوكراني

قراصنة روس يستهدفون مواقع رسمية كندية خلال زيارة لرئيس الوزراء الأوكراني

صرح رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، بأن هجوماً إلكترونياً أعلن قراصنة مؤيدون لروسيا مسؤوليتهم عنه، استهدف مواقع حكومية كندية خلال زيارة لنظيره الأوكراني، مؤكداً أن ذلك «لن يغيّر بأي حال من الأحوال دعمنا الثابت لأوكرانيا»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال ترودو إن الهجوم الذي تبنته «نو نيم» (بلا اسم) في رسالة على تطبيق «تلغرام»، أدى إلى توقف عدد كبير من المواقع الرسمية لبضع ساعات صباح الثلاثاء، بينها موقعا رئيس الدولة ومجلس الشيوخ، خلال اجتماع بين دنيس شميهال وترودو في تورونتو. وأضاف رئيس الوزراء الكندي في مؤتمر صحافي مشترك مع شميهال أن «مهاجمة قراصنة معلوماتية روس لبلدان تعبّر عن دعمها الث

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...