كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي

«حجر السعادة» تحتشد بالرموز والدلالات والوقائع

كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي
TT

كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي

كاميرا روائية تكتب تاريخاً من الألم العراقي

رواية «حجر السعادة» للروائي أزهر جرجيس، الصادرة عام 2022، رواية محتشدة بالرموز والدلالات والوقائع والتواريخ والذكريات، حتى لتبدو مثل متحف شامل للصور والوثائق والميثولوجيا، ذلك أنها كُتبت -كما هو واضح- بلغة الكاميرا، وكأنها تكتب تاريخاً. فالراوي المركزي في الرواية، وبطلها «كمال» أو «كيمو» هو مصور فوتوغرافي موهوب، عشق فن التصوير منذ نعومة أظفاره، عندما صنع كاميرته الخاصة به من الورق، وهو ما زال طفلاً، وكان تلميذاً نابهاً لمعلمه المصور «خليل» الذي قال له مرة: «إننا لا نلتقط الصور؛ بل ندون التاريخ».
ويبدو أن مقولة المصور «خليل» هذه، قد أصبحت البنية الإطارية السردية في الرواية،، ولذا فقد قال كمال في أحد مونولوغاته الداخلية:
«كنت محظوظاً لأني أقرأ ما سيمسي تاريخاً، وأشارك في تدوينه، دون حاجة إلى سلسلة رواة» (ص 29).
لقد تحول النسيج السردي في الرواية إلى مجموعة من الأنساق البصرية القائمة على دلالية الصورة ولغتها السيميائية؛ بل يمكن القول إن الكاميرا أصبحت، بدورها، راوياً وشاهداً، على فترات مفصلية خطيرة من تاريخ العراق الحي. فهي لم تقتصر على تسجيل ما هو عرضي وطارئ وعابر؛ بل وثقت وبفنية عالية حركة الأحداث الجوهرية في المجتمع. والرواية تتحول بمرور السرد إلى رواية شخصية؛ لأنها تتمحور، أساساً، حول المراحل المختلفة من حياة بطلها وراويها الأساسي (كمال)، حتى ليمكن القول هنا إن الشخصية هي التي تحرك الحدث، وليس العكس. ولكن ذلك لا يعني أن الحدث لا يتحكم أحياناً في مصير الشخصية الروائية، ولنقل ثمة تأثيرات متبادلة بين فعل الشخصية الذاتي، وحركة الحدث الروائي ذاته.
ومما يكرس طبيعة الرواية هذه، بوصفها رواية شخصية، أنها تقوم أساساً على سرد ذاتي (أوتوبيوغرافي) مبأر، يقدمه البطل «كمال» أو «كيمو» لحياته، منذ طفولته حتى نهاية الرواية. ولذا فالرواية تنطبق عليها مواصفات روايات السرد الذاتي ورواية الشخصية، في آنٍ واحد.
لقد كانت شخصية البطل تنمو وتمتلئ بالدلالات والرموز، وتشع بقوة من خلال انتظامها داخل مجموعة من الأنساق البصرية، التخييلية والواقعية التي تبث دائماً دلالاتها، كما يذهب إلى ذلك الناقد الفرنسي فيليب هامون، في كتابه «سيميولوجية الشخصيات الروائية»، إذ كتب يقول:
«إن الشخصية كيان فارغ، أي بياض دلالي، لا قيمة له، إلا من خلال انتظامها داخل نسق، هو مصدر الدلالات فيها، أو هو منطلق تلقيها أيضاً» (ص 12).
ويذهب الناقد الفرنسي فانسون جون، في كتابه «أثر الشخصية في الرواية» إلى أن «الشخصية، بين اعتبارها تابعة إلى الحدث، واعتبارها وظيفة أو بنية تخييلية، أو وظيفة نحوية، أو علامة، ستظل مفهوماً زئبقياً يتأنى عن كل تحديد صارم» (ص 8).
ومن هنا نرى أن شخصية «كمال» في الرواية شخصية نامية ومتطورة وإشكالية، منذ بداية طفولتها، وظلت مشتبكة بالواقع الخارجي الذي كان يؤثر في مسارها، مثلما كانت هذه الشخصية تؤثر في بعض مفاصل حركة الواقع الخارجي. أي يمكن الحديث عن لون من التوازن بين الشخصية والواقع أو الحدث، والذي يتجسد في الغالب في علاقة جدلية نامية ومتصاعدة.
وتكشف الرواية، من جهة أخرى، عن بنية دائرية واضحة، على مستوى الحدث والزمان والمكان. إذ يستهل الروائي سرده في الفصل الأول تحت عنوان «قاتل مأجور: شتاء 2018»، وتكاد تختتم الرواية في الفصل الخامس والعشرين بالعنوان ذاته: «قاتل مأجور: شتاء 2018»؛ حيث يستكمل الروائي سرد الحدث المركزي في الفصل الأول المتمثل في وجود قاتل محترف يلاحقه على دراجة بخارية (ص 7). ويعود السرد ليقدم لنا منذ الفصل الخامس والعشرين المحاولات العديدة التي تعرض فيها البطل للقتل، والتي فعلاً انتهت بإصابته بأربع إطلاقات نارية، ألزمته الرقود في المستشفى والبيت لمدة تزيد على ثلاثة أشهر؛ إذ هاجمه القاتل المأجور المنتمي إلى ميليشيا «فرسان بغداد» التي يترأسها زعيمها القاتل المحترف «طاهر الحنش»، وهو يحاول دخول الزقاق المؤدي إلى بيته. وبذا يمكن أن نعد ظهور القاتل المأجور في الفصل الأول، وتنفيذه اللاحق لمحاولة قتل «كمال» بمثابة البنية الإطارية للحكاية، أما ما أُدرج بين هذين المشهدين المتكاملين، من متن روائي، فهو مجرد استذكارات ومرويات تبدأ منذ ولادة البطل في مدينة الموصل عام 1954، وترعرعه فيها، واضطراره إلى الهرب إلى بغداد، وتعرفه اللاحق إلى المصور «خليل» الذي رعاه وعلمه فن التصوير الاحترافي، وأوصى له بعد وفاته، من خلال وصية أودعها لدى «فوزي المطبعجي» بوراثته الحصرية في امتلاك الاستوديو ودار سكنه. لقد حفلت الرواية من خلال هذا السرد الاستذكاري بكثير من الأحداث التي تتمحور حول حياة «كمال» المبكرة بالموصل، وتعرضه الدائم إلى التنمر والإهانة من قبل زوجة أبيه وأطفال المدرسة وحتى من قبل أبيه، بحيث يخيل للقارئ أن البطل ربما كان يعاني من مرض «البارانويا» أو الإحساس بالاضطهاد الذي يخيل فيه للشخص المريض أن العالم كله ضده، وأنه معرض لسلسلة من المؤامرات التي تستهدف حياته وحريته وكرامته.
وبسبب هذه النظرة السوداوية إلى الحياة، فقد تحولت الرواية، وخصوصاً في الفصول الأولى، إلى «ديستوبيا» قاتمة وحزينة، وكأن الراوي يرسم لنا لوحة بالفحم الأسود، فكل شيء معاد ولا إنساني، والناس أشرار وعدوانيون ومتنمرون؛ لكن الروائي يحاول الاستدراك وفتح بصيص من الأمل، وسط هذا الظلام الشامل، من خلال تصوير النضال الجماهيري ضد «طاهر الحنش»، زعيم ميليشيا «فرسان بغداد» التي استباحت المدينة، وبالتالي قدرة الجماهير على إسقاط نظام «الحنش» الإرهابي الذي يرمز -كما يخيل لي- إلى أنموذج الحكم الصدامي أساساً، بقدر ما يشير إلى ميليشيا طائفية محددة. وتتحقق إرادة الجماهير في التغيير في تلك الانتفاضة الشعبية الجريئة التي هي صدى لـ«انتفاضة تشرين» الشعبية. وتعود الحياة إلى بغداد، وإلى «متحف السلام» الذي دمرته ميليشيا «فرسان بغداد».
وقد كان إحساس «كمال» وهو يراقب صانع الأفلام الموصلي هذا الذي كان يفرش الصور القديمة بأنه «كمن يجمع الصور ليخيط بها الذاكرة» (ص 283)، وهو ما كان يفعله السرد في هذه الرواية الذي كان يلتقط الصور ويؤرشفها دلالياً، ليخيط بها ما تمزق أو اندثر من ذاكرة الراوي وذاكرة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي كانت تعيد صياغته.
ولم تكن الرواية مقتصرة على سرد المراحل المختلفة، في حياة بطلها وراويها المصور «كمال»؛ بل كانت أمينة في تصوير مراحل دقيقة ومؤلمة من تاريخ العراق الحديث. فقد وقفت الرواية مع الإنسان العراقي، وأدانت كافة مظاهر الاستبداد والعنف والديكتاتورية، وفي المقدمة منها ديكتاتورية صدام حسين، كما أدانت الرواية كل مظاهر العنف والاستبداد والفساد التي شاعت بعد الاحتلال، ومنها استشراء الدور الإجرامي الذي تقوم به بعض الميليشيات في كل مفاصل الحياة في العراق. كما تفضح الرواية بعض رجال الدين الذين يتسترون بالدين زوراً، للقيام بأعمال غير أخلاقية، مثل رجل الدين الذي يشرف على «خان الرحمة»، والذي كان يجند أطفال الشوارع الذين يأويهم في الخان، للقيام بالسرقة، وهو مشهد يذكرنا برواية نجيب محفوظ «خان الخليلي»، وبرواية تشارلز ديكنز «أوليفر تويست»، وبالفيلم الهندي «المليونير المشرد». وأدانت الرواية حروب صدام حسين المتعددة؛ حيث يلعن الراوي الطاغية بهذه الطريقة:
«يا ابن... حتى الأغاني كانت مضرجة بدماء المعركة» (ص 208).
وسخرت الرواية من حروب الطاغية صدام حسين:
«حروبنا كالسجائر، تشتعل من أعقاب بعضها. خمدت حرب واشتعلت أخرى بلا فواصل، ولا أحد يدري كيف؟ ولماذا؟» (ص 211).
ومن الناحية السردية، شعرنا بأن منظور الراوي راح يمر عبر منظارين زمنيين مختلفين في آن واحد وبصورة تزامنية، بعد أن كان يتحقق بالتناوب. المنظار الأول يمثل وعي «كمال» أو «كيمو» الصغير، وهو وعي بريء وتلقائي. أما المنظار الثاني فيمثل وعي «كمال» الكبير الناضج الذي عركته الحياة. لكننا كثيراً ما نجد تداخلاً غير مبرر بين المستويين؛ حيث يطل تعليق ناضج وعميق على لسان الطفل «كيمو» الذي يمتلك بدوره مقدرة خاصة على رصد الأحداث وتسجيلها، تجسدت بشكل خاص عند وصوله إلى مدينة بغداد؛ حيث راح يصف ما يراه بعين بريئة ترى الأشياء لأول مرة، محققاً ما يسمى في النقد الشكلاني لدى شكلوفسكي «نزع المألوفية» (Defamiliaration)، إذْ نراه يعيد رسم خريطة بغداد وجسورها ومحلاتها بالتفصيل، وهو تحت تأثير الدهشة والانبهار الذي لم يفارقه، مما أكسب سرده آنذاك خصوصية وشفافية وبراءة.
لقد ظلت الرواية تنظر إلى الواقع والأحداث بمنظور مدني وعلماني إلى حد كبير يرفض الاستسلام للخرافات، وللشعارات الزائفة التي تتبرقع زوراً باسم الدين أياً كان؛ إذ كان يرفض الذهاب إلى الكنيسة، بوصفه مسيحياً، لأداء المراسيم الدينية، وفضح عندما كان صغيراً في الموصل، رجل دين مسيحياً، كما فضح رجل الدين المسلم الذي كان يدير «خان الرحمة»، وكما عرّى أكذوبة وجود الجن في «بستان الجن» في الموصل، عندما كان في الثامنة من عمره (ص 19).
وأخيراً رفض الاستسلام لميثولوجيا «حجر النسيان» الذي كان يحمله، والذي كان كثيراً ما يلجأ إليه، من خلال مضغه؛ لأنه تميمة، كما كان يعتقد، تمنحه الراحة الكاذبة، وتشعره بالسعادة، عندما قرر أخيراً أن يتخلص منه ويلقيه في النهر.
وهكذا يقطع البطل صلته بكل ما هو خرافي وميثولوجي وميتافيزيقي.
رواية «حجر السعادة» للروائي أزهر جرجيس كبيرة بمضامينها ودلالاتها، وغنية بنسيجها السردي المتنوع، ومن هنا، فإنها تشكل إنجازاً سردياً مهماً للرواية العراقية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
TT

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة رافقتها لسنوات حول العلاقة بين الفرد والتاريخ والسياسة، موضحة أن اهتمامها الأساسي كان دائماً منصباً على فهم كيفية تشكّل الإنسان داخل سياقه السياسي والاجتماعي، وكيف تؤثر الأحداث الكبرى في حياة الأفراد ومساراتهم الشخصية.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الإحساس بالانتماء دفعها دائماً إلى التساؤل عن دور الفرد في مواجهة التاريخ، وعن معنى أن يكون الإنسان جزءاً من جماعة تتعرض لتحولات وصدمات متتالية، مشيرة إلى أن سؤال «الممكن» ظل يلاحقها باستمرار، خصوصاً أن جيلها عاش لحظات أمل وتغيير سرعان ما أعقبتها كوارث وانتكاسات، وهو ما جعل فكرة الثورة والتغيير موضوعاً شخصياً بالنسبة إليها، وليس مجرد موضوع سياسي أو نظري.

يقدّم فيلم «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» قراءة سينمائية مركبة لتاريخ مدينة طرابلس اللبنانية، من خلال استعادة خمس محطات مفصلية تمتد من لحظة الاستقلال عام 1943 وصولاً إلى احتجاجات عام 2019. ولا يكتفي الفيلم بتوثيق هذه الأحداث بوصفها وقائع تاريخية متفرقة، بل يحاول تفكيك تداخلاتها وتأثيرها العميق في هوية المدينة وسكانها.

وعُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وهو حاصل على دعم من «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي»، وينتمي إلى السينما الوثائقية التجريبية التي تبتعد عن السرد التقليدي.

المخرجة اللبنانية خلال عرض الفيلم في برلين (إدارة المهرجان)

وقالت المخرجة اللبنانية إن عودتها إلى مدينة طرابلس شكّلت نقطة تحول مهمة في هذه الرحلة، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان عام 2019، إذ دفعتها الظروف الاقتصادية والوجودية إلى العودة للعيش في المدينة بعد سنوات طويلة في بيروت وخارج لبنان، مؤكدة أن هذه العودة جعلتها تشعر بالحاجة إلى إعادة اكتشاف المدينة التي كانت قد غادرتها سابقاً، والتي شعرت في مراحل سابقة بأنها كانت تضيق عليها بصفتها امرأة وبصفتها فنانة تحمل أفكاراً تقدمية.

وأوضحت أن عودتها إلى طرابلس أعادت طرح سؤال الهوية والانتماء لديها، وبدأت تبحث من خلال الفيلم عن موقعها الشخصي داخل هذه المدينة، وعن علاقتها بها في هذا الوقت تحديداً، وأدركت بعد إنجاز الفيلم أن طرابلس أصبحت بالنسبة إليها فضاءً أساسياً لصناعة أفلامها المقبلة، سواء كانت وثائقية أو روائية.

وتطرقت رانية إلى تجربة الاحتجاجات اللبنانية عام 2019، مؤكدة أنها عاشت تلك اللحظة عن قرب، ونزلت إلى الشارع مثل كثيرين غيرها، لكنها في الوقت نفسه كانت تفكر في دورها بصفتها مخرجة، وهذا الواقع دفعها بشكل طبيعي إلى العودة للتفكير في تاريخ المدينة ومراحلها المختلفة، خصوصاً أنها تنتمي إلى عائلة ذات خلفية قومية عربية، وكان والدها من المتأثرين بالفكر الناصري.

وأكدت أن علاقتها بوالدها الذي رحل خلال تصويرها الفيلم كانت من أكثر العناصر الشخصية تأثيراً في الفيلم، لأنها كانت تشعر دائماً بأن جيل والدها حمل أحلاماً كبرى، خصوصاً حلم القومية العربية، لكنه تعرّض لاحقاً لسلسلة من الانكسارات السياسية والتاريخية، فوالدها عاش الحرب الأهلية اللبنانية بكل ما حملته من صدمات، لكنه نادراً ما كان يتحدث عن تلك التجارب؛ إذ كان منشغلاً أكثر بتأمين حياة أفضل لأسرته وتعليم أبنائه.

تناول الفيلم مراحل مختلفة في تاريخ طرابلس (الشركة المنتجة)

وأوضحت المخرجة اللبنانية أن هذا الصمت الذي ميّز جيل والدها أثار لديها الكثير من الأسئلة، مؤكدة أنها كانت تشعر دائماً بأن هناك وجعاً كبيراً لم يتم التعبير عنه بالكلمات، لأن الفيلم يحاول الاقتراب من هذه المساحة الصامتة، ومن التساؤل الذي ظل يلاحقها وهو: «ماذا حدث لنا؟ وماذا حدث لذلك الجيل؟».

وأكدت أن الفيلم يتناول أيضاً مسألة الفجوة بين الأجيال؛ لأن هذا التواصل في كثير من الأحيان يبدو مستحيلاً، لكون الأسئلة التي يحملها الجيل الجديد لا تجد دائماً مساحة للحوار مع الجيل السابق، لافتة إلى أن الرسالة الطويلة التي تكتبها لوالدها داخل الفيلم جاءت بعد وفاته، لأن بعض الأسئلة لم يكن من الممكن طرحها عليه في أثناء حياته.

وحول البعد السياسي للفيلم، قالت رانية إن «العمل ليس محايداً»، مؤكدة أنها لا تؤمن أصلاً بفكرة الحياد في السينما؛ لأن أفكارها تميل بوضوح إلى اليسار، لكنها ترى اليسار قبل كل شيء بوصفه «موقفاً أخلاقياً يقوم على الانشغال بالآخرين والسعي لبناء مجتمع يهتم فيه الناس بعضهم ببعض»، على حد تعبيرها.

حصل الفيلم الوثائقي على دعم من إدارة «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وأكدت أن هدفها الأساسي من صناعة الأفلام هو فتح مساحة للتفكير المشترك، فالسينما بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتعبير الشخصي، بل محاولة لمدّ اليد إلى الآخرين والدعوة إلى الحوار والتساؤل الجماعي، لافتة إلى أنها تشعر أحياناً بالانزعاج حين تنحصر أفلامها في دائرة المهرجانات السينمائية فقط، لأنها تتمنى أن يشاهدها أيضاً الأشخاص الذين صُوِّرت قصصهم داخل الفيلم.

وعن صعوبة مرحلة المونتاج، أكدت المخرجة اللبنانية أنها كانت المرحلة الأكثر تعقيداً في إنجاز الفيلم، لأن العمل كان يحاول الجمع بين طبقات زمنية متعددة تمتد من أربعينات القرن الماضي حتى اليوم، فالتحدي الأكبر كان يتمثّل في كيفية تركيب هذه الأزمنة المختلفة داخل بنية واحدة تجمع بين التاريخَين الشخصي والعام.

وأوضحت أنها عملت على المونتاج بمفردها، لأنها عادة ما تنتج أفلامها بشكل مستقل، مشيرة إلى أن هذه العملية استغرقت وقتاً طويلاً قبل أن تتمكّن من اكتشاف الخيط الذي يربط بين مختلف عناصر الفيلم، فالعمل الوثائقي غالباً ما يُكتب فعلياً على طاولة المونتاج، حيث تتشكّل المعاني النهائية من خلال ترتيب المواد المصورة وإعادة بنائها.