الدردري: حرب شعواء بين «طالبان» و«داعش» في أفغانستان... وصدمنا بمنع تعليم الفتيات

ممثل الأمم المتحدة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: المخدرات تشغل 10 في المائة من الأراضي الزراعية

ممثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في أفغانستان عبد الله الدردري
ممثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في أفغانستان عبد الله الدردري
TT

الدردري: حرب شعواء بين «طالبان» و«داعش» في أفغانستان... وصدمنا بمنع تعليم الفتيات

ممثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في أفغانستان عبد الله الدردري
ممثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في أفغانستان عبد الله الدردري

قال ممثل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في أفغانستان عبد الله الدردري، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن الحوار السياسي بين الأمم المتحدة و«طالبان» كان بناءً ويتقدم، قبل صدور قرار منع تعليم الفتيات الذي كان «سلبياً وشكل صدمة».
وأوضح رداً على سؤال أن «طالبان» في «حرب شعواء ومعركة واضحة ضد داعش»، لافتاً إلى وجود بيان من «طالبان» بأنه لا مجال لنشاط «القاعدة» في أفغانستان، وأن «السلطات تراقب تطبيق هذا الكلام».
وعن موضوع المخدرات، قال إن 10 في المائة من المساحات الزراعية تزرع بالمخدرات «وتنتج أفغانستان 80 في المائة من الإنتاج العالمي لزهرة الأفيون، وفيها 4 ملايين مدمن، بينهم مليون ونصف مليون امرأة وطفل»، لافتاً إلى جهود أممية لمعالجة هذه المشكلة التي يشكل «العائد المادي منها بين 2 و3 مليارات دولار، فيما تبلغ القيمة السوقية 200 مليار دولار».
وقال الدردري إن «موقع أفغانستان هو ميزة ولعنة».
وهنا نص الحديث الذي جرى عبر تطبيق «زووم» وروى فيه الدردري لحظات دخول عناصر «طالبان» إلى مكاتبه قبل سنة:
• في بيان قمة جدة، القمة الخليجية – الأميركية + 3 كان هناك بند يتعلق بأفغانستان، شمل المساعدات ومكافحة الإرهاب وحق التعليم للجميع. كيف تلقيتم ذلك في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان؟
- بالنسبة لنا، هذا كلام مهم جداً، إذ يهمنا أن يكون هناك دعم دولي واضح وتوازن بين تقديم المساعدات والتزام السلطات بمكافحة الإرهاب وإتاحة فرص التعليم. التوازن بين تلك الأمور مهم للغاية.
للأمانة، أذكر أن وصول المساعدات لأفغانستان استمر ولم ينقطع. ويهمنا جداً صدور بيان من هذا التجمع من دول معنية مباشرة بالوضع في أفغانستان.
• هذا البيان صدر في جدة، وقمت أخيراً بجولة في منطقة الخليج شملت السعودية والإمارات والكويت وقطر. لماذا أفغانستان مهمة لدول الخليج والعرب؟
- أفغانستان لها أهمية تاريخية، وكانت مدينة بلخ في القرن الثالث عشر تُلقب بـ«أم البلاد» في منطقة تضم دمشق وبغداد ومكة المكرمة والمدينة والقاهرة. التاريخ مهم جداً. أنا فوجئت بأهميتها عند انتقالي إليها واكتشافي أن فخر الدين الرازي وابن سينا والبيروني، وغيرهم ممن نعتبرهم أعلاماً في العلوم والأدب، هم من هذه البلاد.
أفغانستان لها أيضاً أهمية جغرافية. فالجغرافيا تحدد التاريخ. هي قريبة من المنطقة، وفي التاريخ القريب الانفعالات فيها مشابهة لانفعالاتنا في المنطقة العربية.
إما أن تتجه أفغانستان نحو الاستقرار وبالتالي تخفف الضغط عن منطقتنا، وإما أن تتجه إلى الانفجار وتتحول إلى بؤرة للأعمال الإرهابية. فلا بد من استقرار أفغانستان للمصلحة العامة.
أيضاً، هناك ثروات متاحة في أفغانستان. ففيها أكبر مناجم الليثيوم في العالم.
أفغانستان مهمة كذلك لأسباب اقتصادية حتى لا تحصل هجرات كبيرة جداً منها قد تؤدي إلى اختلالات ديموغرافية، وطبعاً، الخشية من نشر التعصب والتطرف.
• خلال جولتك على المسؤولين في الدول الخليجية، هل لمست اهتماماً بالانخراط أكثر من الناحيتين السياسية والاقتصادية في أفغانستان؟
- خلال لقاءاتي مع مسؤولين في وزارات الخارجية وصناديق التنمية والمجتمع الأهلي، لمست أن هناك توجهاً للمساعدة على الصعيد التنموي والاقتصادي والإنساني، والكل يُجمِع على أن أفغانستان قضية مهمة قريبة من عقولنا وقلوبنا. كما لمست تقديراً لدور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولكونه قام بالزيارة ليُطلع هذه الدول على ما يجري. جولتنا لم تكن لجمع أموال، بل لنستمع ونستفيد من الخبرات والتجارب، خبرة الكويت في العمل الخيري، وكذلك الإمارات، ولتأسيس شراكات. وجدنا في جميع الدول التي زرناها قلوباً مفتوحة وآذاناً مصغية وعقولاً متعطشة للمعلومات ولتحليلات تسلط الضوء على ما يجري.
مسلحان من «طالبان» في منطقة باميان (أ.ف.ب)
• بعد نحو شهر، تحل ذكرى مرور سنة على التغيير الكبير في أفغانستان. هل لك أن تصف انطباعاتك الشخصية عن نقطة التحول تلك عند انسحاب القوات الأميركية، وكيفية التعاطي كمؤسسة أممية من دون اعتراف بحكومة «طالبان»؟
- يوم 15 أغسطس (آب) الماضي، كنت في مكتبي في اجتماع مع من تبقى من الموظفين، بعد أن طلبت من الموظفين الدوليين مغادرة أفغانستان، وكان عددهم 77 موظفاً، وكذلك من الموظفين المحليين وكان عددهم 350 موظفاً، العمل من المنزل. كنت أتوقع أن تتدهور الأمور. وكان معي في المكتب 3 موظفين دوليين وعدد قليل من الموظفين المحليين. مجمع الأمم المتحدة يقع جنوب شرقي كابل، على أطراف المدينة. دخل علي مدير مكتبي عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً وهو منهار، قائلاً: «وصلوا» (إلى بوابة المجمع). وكانت لحظات تثير الخوف... الخوف من المجهول.
طرقوا باب المجمع ودخلوه من دون إثارة أي مشاكل، طالبين التحدث مع مسؤولي الأمن. وأكدوا لمسؤولي الأمن أنهم هنا لحمايتنا ولا داعي للخوف.
• ماذا حصل؟
- «طالبان» التزموا بأمرين: 1 – أن موظفي الأمم المتحدة لهم حق الدخول إلى أي منطقة في أفغانستان والتواصل في أي مكان. 2 - تأمين الحماية الكاملة. ونحن فعلاً نجول داخل أفغانستان وندخل كل المناطق مع مرافقين من «طالبان».
في ليلة 15 - 16 أغسطس الماضي، انتظرت حتى المساء للاتصال بقيادة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في نيويورك، وسُئلت: «ماذا تريد أن تفعل؟». قررت أنه يجب علينا أن نبقى وأن نجمع فريقاً في الخارج بناءً على خطة واضحة.
رتبت الأمور، وغادرت بعد أيام إلى دبي، حيث جمعت فريقاً وكنت أول العائدين عن طريق إسلام آباد، وانضم إلى أعضاء الفريق تباعاً.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل في أفغانستان منذ خمسين سنة ولم يغادرها أبداً، وارتأيت أنه لا يمكن تغيير هذا النهج. وهناك منظمات أخرى تابعة للأمم المتحدة بقيت أيضاً.
• كفريق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصلتم إلى أماكن في أفغانستان لم تكونوا تستطيعون الوصول إليها في أيام الحكومة السابقة؟
هذا صحيح. قضيت 13 ساعة في الطريق بين قندهار وكابل، لقطع مسافة 465 كلم، فكل 100 متر تقريباً هناك حفرة سببها تفجير. لا يمكن أن يتوقع أي طرف الانتصار في أفغانستان. هذه حرب مستحيلة. دخلنا مناطق لم ندخلها من قبل، مناطق مهملة تفتقر إلى الخدمات الصحية والتعليمية. وكل من قابلنا قال إنه لا يريد سلة غذائية بل فرصة عمل. الأفغان شعب كريم ويريد العمل.
أفغان ينقلون الماء قرب كابل (أ.ف.ب)
• ما أولويات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؟ وهل ستكون مختلفة عن أولوياتها في زمن الحكومة السابقة، حيث كانت ربما مساعدات من دون تمكين؟
رُب ضارة نافعة. غياب حكومة جعلنا منذ اللحظة الأولى، مع الفريق الذي أتى من دبي، نعمل مع الناس في المجتمعات المحلية، لا مع مؤسسات مركزية كان مشكوكاً في نتائج التعاون معها. وهناك استثمارات ذهبت سدى. نعمل مع الناس على الأرض، مع النساء الريفيات والشباب. نقدم تمويلاً وتدريباً وهم يقومون بالمشاريع. نصل إلى كل مكان وندعم الناس مباشرة.
نسبة الأمية في أفغانستان 70 في المائة، ولكن لديهم وعي تنموي عالٍ وراقٍ للغاية. العمل هنا متعب ومجهد، ولكننا نرى نتائج مباشرة. قمنا بتأمين 500 ألف فرصة عمل موقتة، ما يعني أن 500 ألف أسرة أصبح لديها دخل بعد أن كانوا لا يعرفون من أين سيؤمنون وجبتهم التالية. هم قالوا إنهم كانوا على وشك السير على الأقدام إلى إيران، ومنها إلى تركيا ثم أوروبا.
• لا اعتراف دولياً بحكومة «طالبان»، ولكن من خلال اتصالاتكم مع المانحين والدول الكبرى والولايات المتحدة الأميركية، هل طرحتم مسألة الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة والتي تعود للأفغان؟
- موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هو السماح للشعب الأفغاني بالاستفادة من موارده.
* وهي؟
الأموال المجمدة هي بحدود 7 مليارات دولار. والمساعدات التنموية قيمتها 7 مليارات دولار سنوياً، وإجمالي الاحتياجات السنوية 8.4 مليار دولار للاحتياجات الإنسانية والتنموية. منذ 15 أغسطس الماضي، تلقى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان 2.2 مليار دولار، منها مبلغ 950 مليون دولار نقلناه نقداً.
كنت أخشى بعد بدء الحرب في أوكرانيا أن يحصل انخفاض في حجم المساعدات إلى أفغانستان، ولكن ذلك لم يحصل، واستمرت المساعدات بالوتيرة ذاتها.
• بعد الحرب في أوكرانيا لم يحصل تغيير في التزام المانحين؟
- بما يتعلق ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان، لم يحصل تغيير لا في الالتزامات ولا في التنفيذ.
• سراج الدين حقاني، وزير الداخلية في حكومة «طالبان»، أعرب عن شعوره بالإحباط بسبب عدم الاعتراف بحكومة «طالبان». أقدر أن عملكم لا علاقة له بالسياسة، ولكن هل طرحتم عليهم بعض الخطوات التي يمكن أن تسهل الاعتراف بحكومتهم؟
- هذا النوع من الحوار السياسي تقوم به جهات مختصة، ولكن أعرف أن الحوار كان يتقدم بشكل جيد بين الأمم المتحدة وسلطات الأمر الواقع، لا لناحية الاعتراف، ولكن المساحة المتاحة كانت تتوسع كل يوم من قِبل المانحين، وكانت هناك استثناءات من العقوبات، إلى حين حلول صباح 23 مارس (آذار)، عند صدور قرار منع تعليم البنات في المرحلة الثانوية الذي كان له تأثير سلبي للغاية على أجواء الحوار. كان حواراً بناءً.
يهمنا كذلك إحياء النظام المصرفي الأفغاني الذي يوشك على الانهيار، وما زلنا مستمرين في عملنا.
شاعرة تلقي قصيدة في لقاء أدبي بكابل (أ.ف.ب)
منع تعليم البنات في المرحلة الثانوية شكل صدمة سلبية.
• ما تفسيرك لهذا القرار؟
- كلما أثرنا هذا الموضوع مع مسؤول يكون الرد أن هذا قرار تقني. وأحد المسؤولين أكد لي باللغة الإنجليزية
« Education for all is our policy» أي: سياستنا هي التعليم للجميع. هم يذكرون أسباباً تقنية من نوع الفصل بين الإناث والذكور في الصفوف وتأمين مدرسات للبنات، وقد عرضنا عليهم المساعدة في هذه الأمور.
أشير هنا إلى أن هناك عدداً من الولايات الأفغانية استمر في تعليم البنات في المرحلة الثانوية. وهناك نقاش حقيقي حول هذا الموضوع، ولا تفسير لهذا القرار.
• ننتقل إلى الحديث عن المخدرات في أفغانستان.
في أفغانستان مساحة 220 ألف هكتار مزروعة بالمخدرات، أي ما نسبته نحو 10 في المائة من إجمالي المساحات الزراعية. وتنتج أفغانستان 80 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي من زهرة الأفيون، وفيها 4 ملايين مدمن، بينهم مليون ونصف مليون امرأة وطفل، من أصل 40 مليون أفغاني. العائد المادي من هذه الزراعة يتراوح ما بين 2 و3 مليارات دولار داخل أفغانستان، ولكن بعد التصنيع والتصدير ربما تصل القيمة السوقية إلى 200 مليار دولار.
أفغانستان تصدر التفاح في موسمه إلى دول مجاورة، حيث يخزن في البرادات، ثم تستورده بخمسة أضعاف السعر الأصلي خارج الموسم. البرادات تنقذ المواسم الزراعية.
• هل هناك خطة أممية للتعاطي مع مسألة المخدرات؟
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لديه برنامج مهم ممول من وزارة الخارجية الأميركية لتأمين زراعات بديلة. ولكن حجم المدخول من المخدرات يمثل اقتصاد دولة. نحن معنيون، لأن هناك 4 ملايين مدمن يجب معالجتهم ومتابعتهم. الزراعات البديلة لا يمكن أن تتم فقط عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بل تحتاج إلى عمل مشترك ضخم. ويمكن تصنيع جزء من المخدرات بشكل شرعي للصناعات الدوائية. ليس هناك برنامج كامل وجاهز. فالتعامل مع مساحة 220 ألف هكتار يحتاج إلى 20 سنة على الأقل. ما زلنا في مرحلة العمل الإنساني وتأمين الاحتياجات الإنسانية الأولية.
وهناك تردد في الذهاب إلى الموضوع التنموي البحت، فهذا يحتاج إلى تعامل مع حكومة، ونحن نعمل ضمن قيود، ونقترح حلولاً لمشاكل آنية وطويلة الأمد ضمن نطاق ضيق جداً.
• حدثنا عن موقف «طالبان» من «داعش» و«القاعدة».
- «طالبان» في حرب شعواء ومعركة واضحة مع «داعش»، فهم يَقتلون ويُقتلون في تلك المعارك. وبالنسبة لـ«القاعدة»، هناك إعلان واضح وصريح أن لا مجال لأن تكون أفغانستان مكاناً أو منطلقاً لعمليات إرهابية. والسلطات تراقب تطبيق هذا الكلام.
• لكن بعض الشخصيات الأساسية في حكومة «طالبان» كانت على علاقة وثيقة بـ«القاعدة».
لهذا السبب هناك فرق. لا احتواء ولا وجود، ولا أحد يستخدم أراضي أفغانستان.

احتفال للشرطة في قندهار (إ.ب.أ)

• هل لك أن تحدثنا عن أهمية الموقع الجيو - سياسي لأفغانستان في ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، مع صعود الصين وخروج أميركا من أفغانستان لتهتم بآسيا؟
- موقع أفغانستان هو ميزة ولعنة في آن معاً. موقعها يمكن أن يشكل فرصة لأفغانستان للنهوض اقتصادياً. موقعها يسهم في الترابط الاقتصادي الإقليمي. لا يمكن للطاقة المتوفرة في تركمانستان وأوزبكستان أن تصل إلى باكستان والهند إلا عن طريق أفغانستان، لذلك هي موقع استراتيجي مهم للغاية. كذلك الانتقال من الصين إلى الخليج يمر عبر أفغانستان. السكك الحديدية بين المتوسط وآسيا يجب أن تمر عبر أفغانستان. الربط الكهربائي بين المراكز الغنية في الشمال والمحتاجين في الجنوب عليه أن يمر عبر أفغانستان، وهناك مشاريع متوقفة بسبب ذلك.
لا بد من الإشارة إلى أن أفغانستان لا تملك أي منفذ على البحر، ما يجعل من الضروري أن يكون لها إمكانية الوصول إلى منافذ بحرية لتصريف إنتاجها. لأفغانستان موقع استراتيجي لا تستطيع أي دولة أخرى أن تأخذه. وإذا حاولنا تصنيف أفغانستان بين دول آسيا الوسطى: جنوب شبه القارة الهندية، دول الشرق الأوسط، فهي ليست في أي واحدة من هذه التصنيفات، لكنها كل هذه التصنيفات في آن معاً.
• لو كنت قيادياً في الحزب الشيوعي الصيني في بكين في 15 أغسطس، هل كنت ستقلق؟
- كنت سأنظر إلى الأمر من زاوية: كيف يمكن لبلدي أن تستفيد من هذه التطورات؟ مستوى العلاقات مهم. في 25 من الشهر الجاري سيُعقد اجتماع في طشقند يضم 40 دولة للبحث في التعاون الإقليمي حول أفغانستان ومعها.
بغض النظر عمن يحكم أفغانستان، موقعها لا يمكن تجاهله. لاحظنا زيادة كبيرة في تجارة الترانزيت بعد أن أصبح الوضع الأمني أفضل بكثير، وانخفضت مستويات الرشوة، وأصبح الانتقال من شمال أفغانستان إلى الجنوب أسهل.
• تبوأت مناصب في حكومات سورية سابقة، وتسلمت منصب نائب رئيس الوزراء قبل انتقالك إلى الأمم المتحدة. أنت سوري، وكنت موظفاً حكومياً مرموقاً، وتعمل الآن في مؤسسة أممية. حدثنا عن تجربتك.
- أتيت إلى العمل الحكومي السوري من الأمم المتحدة، وغادرته إلى الأمم المتحدة. بدايتي المهنية كانت مع الأمم المتحدة، وأعتبر نفسي محظوظاً لأن أصل إلى هذه المراتب في بلدي وفي المنظمة الدولية. وهناك بُعد تاريخي لي كشخص في أن أكون في كابل في تلك اللحظة التاريخية، وأن أساعد في بناء هذه البلاد مستفيداً من خبرتي، من نجاحاتي ومن إخفاقاتي. هذا له قيمة (معنوية) كبيرة عندي. الأفغان أقرب إلينا مما كنا نظن، وأشعر أنني هنا في بلدي. أعتبر خبرتي في العمل الحكومي مفيدة، لأنني أعرف كيف تفكر الحكومات.


مقالات ذات صلة

واشنطن: «طالبان» قتلت مخطط الهجوم الانتحاري على مطار كابل في 2021

العالم واشنطن: «طالبان» قتلت مخطط الهجوم الانتحاري على مطار كابل في 2021

واشنطن: «طالبان» قتلت مخطط الهجوم الانتحاري على مطار كابل في 2021

قتلت قوات «طالبان» مخطط الهجوم الانتحاري على مطار كابل خلال الانسحاب الفوضوي للقوات الأميركية من أفغانستان في 2021، وفق ما أعلن البيت الأبيض أول من أمس (الثلاثاء). وفجّر المهاجم، الذي ينتمي لتنظيم «داعش»، نفسه وسط حشود كبيرة من الناس في محيط المطار في أثناء محاولتهم الفرار من أفغانستان في 26 أغسطس (آب) 2021. وأسفر الانفجار عن مقتل 170 أفغانيا، و13 جنديا أميركيا كانوا يؤمنون المطار خلال عملية الانسحاب. وكان التفجير من الأعنف في أفغانستان في السنوات الأخيرة، وأثار موجة انتقادات للرئيس جو بايدن على خلفية قراره سحب قوات بلاده بعد نحو 20 عاما على الغزو الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ البيت الأبيض يسلّم الكونغرس تقريراً سرّياً عن الانسحاب من أفغانستان

البيت الأبيض يسلّم الكونغرس تقريراً سرّياً عن الانسحاب من أفغانستان

أعلن البيت الأبيض، اليوم الخميس، أنّه سلّم الكونغرس تقريراً سرّياً طال انتظاره عن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، مدافعاً عن مسار هذا الانسحاب، الذي أنهى 20 عاماً من المحاولات الفاشلة لهزيمة حركة «طالبان». ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض إنّه ما من شيء كان بإمكانه «تغيير مسار الانسحاب»، وإنّ «الرئيس (جو) بايدن رفض إرسال جيل آخر من الأميركيين لخوض حرب كان يجب أن تنتهي، بالنسبة للولايات المتحدة، منذ فترة طويلة». وصدم الانسحاب الذي انتهى في 30 أغسطس (آب) 2021 الأميركيين وحلفاء الولايات المتحدة بعدما تغلبت «طالبان» في أسابيع على القوات الأفغا

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم 3 قتلى في هجوم روسي بمسيّرات على منطقة كييف

3 قتلى في هجوم روسي بمسيّرات على منطقة كييف

قُتل 3 أشخاص، وأصيب 7 آخرون بجروح، في هجوم بطائرات مسيّرة روسية، ليل الثلاثاء – الأربعاء، في منطقة كييف، على ما أعلنت الإدارة العسكرية الإقليمية، صباح اليوم الأربعاء. وقالت الإدارة، على منصة تلغرام، إن «موقعاً مدنياً تضرَّر في أعقاب الهجوم الليلي بطائرات مسيَّرة في منطقة كييف»، والذي تسبَّب باندلاع حريق، دون تقديم مزيد من التفاصيل، وبالأخص حول الموقع المستهدف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الأمير البريطاني هاري خلال مشاركته في الحرب بأفغانستان عام 2012 (رويترز)

وزير الدفاع البريطاني يتهم هاري بـ«التفاخر» بقتله 25 شخصاً في أفغانستان

اتهم وزير الدفاع البريطاني، بن والاس، الأمير البريطاني هاري بـ«التفاخر» بعدد الأشخاص الذين قتلهم أثناء قيامه بجولة عسكرية في أفغانستان و«خذلان» زملائه في الخدمة. وانضم والاس، وهو جندي سابق، إلى قدامى المحاربين البارزين الآخرين لانتقاد مزاعم دوق ساسكس بأنه قتل 25 جندياً من حركة «طالبان»، أثناء خدمته مع الجيش البريطاني، وفقاً لصحيفة «الغارديان». وعلى الرغم من أن والاس قال إن الأمر متروك لكل فرد من أفراد الخدمة السابقين «لاتخاذ خياراته الخاصة بشأن ما يريد التحدث عنه»، لكنه لم يكن ليتحدث عن هذا الأمر في اجتماع علني. وتابع والاس: «القوات المسلحة لا تتعلق بالحصيلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أفغان يحاولون عرض مستنداتهم على القوات الأجنبية في مطار كابل خلال عملية الانسحاب من أفغانستان 26 أغسطس 2021 (إ.ب.أ)

الجمهوريون يفتحون تحقيقات في الانسحاب «الكارثي» من أفغانستان

بدأ الجمهوريون في مجلس النواب بتحقيقاتهم في «الانسحاب الأميركي الكارثي من أفغانستان»، وأرسل رئيس لجنة الشؤون الخارجية الجديد مايك مكول رسالة إلى الإدارة الأميركية يطالبها فيها بتسليم وثائق ومعلومات مرتبطة بالانسحاب. ويقول مكول إنه «بعد انسحاب إدارة بايدن الفوضوي والمميت من أفغانستان، شعر أعداء أميركا بالقوة، وأصبحت البلاد ملاذاً آمناً للإرهابيين مجدداً». ووجه مكول، الذي توعد ببدء التحقيقات مع تسلم الجمهوريين للأغلبية في النواب، انتقادات شديدة للبيت الأبيض فاتهمه بعدم التعاون مع مطالبه بتسليم وثائق متعلقة بالانسحاب يعود تاريخها إلى أغسطس (آب) 2021، وذلك عندما كان كبيراً للجمهوريين في اللجنة.

رنا أبتر (واشنطن)

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.