«عنصر التحفيز» في ثلاث روايات عربية

«عنصر التحفيز» في ثلاث روايات عربية

عبد الرحمن مبروك يتناوله نموذجاً في كتابه عن آليات المنهج الشكلي
الثلاثاء - 19 ذو الحجة 1443 هـ - 19 يوليو 2022 مـ رقم العدد [ 15939]

يرى الناقد د. مراد عبد الرحمن مبروك في كتابه «آليات المنهج الشكلي في نقد الرواية العربية المعاصرة... التحفيز نموذجاً» الصادر حديثاً ضمن سلسلة «دراسات أدبية» لهيئة الكتاب المصرية أن الدرس النقدي لا تكتمل جوانبه وأبعاده إلا بالتطبيق. وتكمن مشكلة الدراسات النقدية العربية، حسب مبروك، في أن التنظير دائماً ما يبدو في وادٍ والتطبيق في وادٍ آخر، فضلاً عن أن الجانب التنظيري في بعض منها يبدو طاغياً على التطبيقي.
تضمن الكتاب مبحثين، الأول تنظيري ارتكز على محورين. تناول أولهما مفهوم المنهج الشكلي وتطوره، بداية من الشكلانيين الروس، ونهاية بالبنائيين، وارتكز ثانيهما على آليات تشكيله من حيث المقاربات الشكلية، والمتن والمبنى الحكائيين، والسرد والتحفيز. أما المبحث التطبيقي فقد عني بالتحفيز كنموذج تطبيقي من نماذج المنهج الشكلي، وتضمن 4 محاور، دار الأول حول «التحفيز السياقي»، من حيث التحفيز اللغوي والشخصية والحدث، أما الثاني فقد اهتم بـ«التحفيز الفعلي للمتن الحكائي»، وتم على أساسه دراسة التحفيز الفعلي المركزي، ونظيره الفرعي الثانوي، وانصب الثالث على تحفيز الطبيعة من حيث التحفيز التأليفي، والواقعي والجمالي. أما المحور الرابع فقد تضمن عدداً من العناصر التي تمحورت حول تحفيز الدلالة الموضوعية التي تنوعت بين التحفيز السياسي والاجتماعي والأسطوري والنفسي والتوليدي.
وراعى المؤلف في هذا المحور الأخير تطور آليات المنهج الشكلي، وما طرأ عليها عند الشكلانيين والبنائيين والدلاليين، ثم انتهى بتصور كلي يفيد من الأطروحات السابقة، ويضيف ما يراه متوافقاً مع تطور الراوية العربية المعاصرة التي تندر فيها الدراسات التي تعنى بالتحفيز، وذلك من خلال دراسة مطولة تركزت على 3 روايات، هي «الصياد واليمام» للأديب المصري إبراهيم عبد المجيد، و«المستنقعات الضوئية» للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، و«الغرف الأخرى» لجبرا إبراهيم جبرا.
وفي حديثه عن نموذج «التحفيز» في الروايات الثلاث، ركز مبروك على عدد من العناصر التي تندرج في سياقاته المختلفة، بداية من التحفيز البنائي الذي يتشكل عبر اللغة والمشترك اللفظي، وضرب له مثلاً بطلقات الرصاص عند جبرا إبراهيم جبرا في روايته «الغرف الأخرى» حيث تتكرر في أكثر من موضع في الرواية، وتقوم بدور أساسي في سياق التحفيز الروائي منذ بداية السرد، حيث تمثل صوت القوة السلطوية التي تجعل العصافير والناس والجمهور يفرون من مواقعهم ليسقطوا في حصارهم الأبدي داخل الغرف التي لا نهاية لها.
وفي رواية «الصياد واليمام» يأتي التحفيز عبر المشترك اللفظي في حديث الطفل لأبيه الصياد، وهو يطلب منه أن يأخذه معه ليصطاد العصافير، مبرراً ذلك بقوله: «أنت كبير تصطاد اليمام وأنا صغير أصطاد العصافير»، وهي كلمات مفتاحية، بدأ بها إبراهيم عبد المجيد روايته وتسربت في أحداثها وعبر كثير من مشاهدها حتى نهايتها بتذكره كلمات الشرطي حول مصرع طفله تحت عجلات قطار لا يذكر له رقمه، ويظل هكذا صوت الطفل وتداعيات صورته مسيطراً على وعي الصياد واعتزاله وشعوره بالعدمية والانسحاق والضياع، لأنه كلما صوب بندقيته ناحية طيورها تذكر مصرعه المفجع.
أما عن المشترك اللفظي في رواية «المستنقعات الضوئية» فيشير مبروك إلى أنه يتضح في سياقات كثيرة في النص وبعبارات مختلفة على لسان الراوي، وهو يتحدث عن انفصاله عن زوجته التي تركته لتتزوج صديقه: «طلقتني وتزوجت أخلص صديق لي»، «منذ 4 سنوات طلقتني»، وبهذا المشترك اللفظي يؤكد الكاتب المدلول الإيحائي الذي أراد توصيله عبر الراوي، وهو انفصال الذات عن نفسها عندما تغيب الحرية ويسيطر الضياع بعد فقدانه زوجته التي عاش معها لحظات التوحد والحياة والوجود، غير أنه عندما وضعوه في السجن دون جريمة اقترفها تخلت عنه وتزوجت أعز رفيق في حياته، وهذا الفعل يظل بمثابة صدمة تلازم بطل الرواية كلما استحضر وعيه الماضي، أو ارتد لواقعه الحاضر المر.
ومن مفارقة الصور والألفاظ والمواقف في الروايات الثلاث ينتقل الدكتور مراد عبد الرحمن إلى الحديث عن عناصر تحفيز أخرى، منها تحفيز الشخصية التي تكون دافعاً لحركة شخصيات أخرى في سياق الأحداث، عبر ما يعتمل في طبيعتها من صفات وما تقوم به من تصرفات مثل الكراهية والخوف، بوصفهما نمطي سلوك سلبيين، والتواصل والرغبة والمشاركة كأفعال إيجابية، كما يتحدث عن التحفيز الوصفي للشخصيات التي تتبدل طبيعتها من العطف والمحبة للأنانية والطفيلية، وهو ما يظهر في شخصية زوجة المسجون في رواية «المستنقعات الضوئية» التي تغيرت من رفيقة مخلصة في حياته إلى امرأة خائنة.
هكذا، وفي باقي فصول الكتاب يسعى الدكتور مراد عبد الرحمن في مقارباته للروايات الثلاث للحديث عن عناصر تحفيز أخرى يراها تشكل بنية تدفع الأحداث للتطور حتى النهاية، وتتشكل من خلالها كل وحدة حكائية صغرى، سواء أكانت جملة أو صورة أو موقفاً أو لوحة روائية لتنتج فعالية ما، أساسية كانت أو ثانوية، تطور الأحداث وتدفعها للتنامي داخل متن الراوية.


Art

اختيارات المحرر

فيديو