أوروبا تلك الفكرة الغائمة

تسميتها قارة كانت فكرة سخيفة حسب بعض المؤرخين

جاك بارزون - نول مالكوم
جاك بارزون - نول مالكوم
TT

أوروبا تلك الفكرة الغائمة

جاك بارزون - نول مالكوم
جاك بارزون - نول مالكوم

في كتابه «فرضيات حول أوروبا» (2000) يناقش الفرنسي دنيس غينو، كيف تشكلت فكرة أوروبا، كيف تبلورت نظرتها لنفسها وللعالم، وكيف لعب العالم أو تحديداً الآخر الشرقي دوراً محورياً في تشكيل تلك الفكرة. مفهوم أوروبا بوصفها إمبراطورية أو عالماً مسيحياً أو حتى فكرة الاتحاد الأوروبي تشكل بالتعارض أو التقابل مع عالم شرقي مغاير، كما يقول غينو، وهو فيلسوف وأستاذ أدب فرنسي معروف باهتمامه بالمسرح. منذ اليونانيين والرومان، مروراً بمجيء المسيحية وعهد الإصلاح وصولاً إلى الثورات المتتالية في العصر الحديث، كانت أوروبا، حسب غينو، سلسلة مشاريع تنشأ باسم مجتمع موحد أو متشابه، لكنه كان دائماً بحاجة إلى آخر يتعارض معه لكي تتحدد معالمه. هذا الطرح تؤكده التحديات التي لا تزال تواجه الاتحاد الأوروبي اليوم وهو يصارع الاختلاف اللغوي في أوضح صوره في بروكسل، لكنه يدرك أنه عملاق تنغرس رجلاه في طين التفاوت الاقتصادي والصناعي والاجتماعي إلى غير ذلك مما يميز ما كان يعرف بأوروبا الشرقية عن نظيرتها الغربية، فمن بإمكانه مقارنة بلغاريا أو رومانيا بألمانيا أو فرنسا؟
دور الآخر الشرقي يسترعي الانتباه، على الأقل بالنسبة لنا نحن المنسوبين إلى الشرق، أي الذين نمثل «آخر» أوروبا، مع أن الشرق أوسع من أن يُحصر في الأوسط أو في الأقصى منه. لكن الشرق يظل فيما يبدو مختلفاً بغض النظر عن الجغرافيا. ذلك الاختلاف كان منطلقاً لدراسات أخرى لمؤرخين ومحللين ثقافيين آخرين نظروا إليه من حيث يصل إلى مستوى العداء تأسيساً على الصراع الديني والسياسي، سواء بين عالمي الإسلام والمسيحية، أو بين الخلافات الإسلامية المتتالية، آخرها العثمانية من ناحية، وأوروبا المتعاظمة قوة منذ القرن السادس عشر تقريباً. ولا شك أن كلتا القوتين، الإسلامية والمسيحية، احتاجت «آخر» لتؤسس أو تتبين من خلاله ملامح هويتها أو اختلافها. ذلك ما يتمحور حوله كتاب البريطاني نول مالكوم «أعداء مفيدون: الإسلام والإمبراطورية العثمانية في الفكر السياسي الغربي 1450 - 1750» (2019) حيث يتضح تراوح الخطاب الأوروبي المسيحي تجاه العثمانيين والمسلمين عامة بين إعجاب وكراهية تبعاً للاحتياج السياسي وهوية المتحدث، ففي نهاية المطاف كان ثمة خطاب براغماتي يصطنع العدو وفقاً لظروف سياسية محلية لكنها مبنية دائماً على نحن وهم، أي على هوية أوروبية تتحدد بمقتضى تلك العلاقة بالأخر. الباحث الأميركي جلعاد النجار (غيل أنيجار، كما يكتب اسمه العائد إلى يهود المغرب) في كتابه حول «تاريخ العدو» في أوروبا يناقش المفهوم نفسه لكن من زاوية إثنية تتحدد بمقتضاها هوية أوروبا حسب هوية العدو الذي يكون خارجياً وثقافياً (العربي) أو داخلياً ودينياً (اليهودي). ذلك التحديد يتغلغل إلى الفكر الأوروبي لنجد أصداءه لدى فلاسفة مثل كانط وتنويريي فرنسا وصولاً إلى هيغل ثم فرويد. ومن المثير للاهتمام أن يتناول الموضوع لكن من زاوية مختلفة مؤرخ تركي هو إبراهيم كالين في كتاب بعنوان «مقدمة إلى تاريخنا والآخر». الكتاب صدر عام 2021 مترجماً عن التركية (وهذا مثير بحد ذاته للاهتمام لندرة أو قلة ما يترجم من لغة كالتركية).
فكرة أوروبا أو مفهومها يتحدد، مثل مفهوم أي كيان سياسي/اقتصادي أو ثقافي/اجتماعي من التقابل مع المختلف، وهذا من البدهيات، لكن الحفر وراء البدهيات هو عمل المؤرخين والمفكرين. المؤرخ الأميركي جاك بارزون، وهو فرنسي الأصل، شغل حتى تقاعده منصب «أستاذ الجامعة» في جامعة كولومبيا وتوفي في عامه الرابع بعد المائة بعد أن قورن بكبار مؤرخي القرن العشرين، كان أحد أولئك المنقبين وراء المتعارف عليه أو المستقر. في كتابه «من الفجر إلى الانحلال» (From Dawn to Decadence) الصادر عام 2000 يعرض تاريخاً ثقافياً لخمسة قرون من تاريخ الغرب عامة ويشير إلى فكرة أوروبا في سياق سعيه لتحديد مفهوم الغرب الذي يؤرخ له. يستوقف القارئ في ذلك السياق ما يقوله بارزون في التمهيد حين يعلل السبب الذي جعله يختار خمسة قرون من التاريخ الغربي تبدأ بالقرن السادس عشر. ففي تلك الفترة، حسب بارزون، أخذت فكرة أوروبا بالتشكل، أي أنها لم تكن قد تبلورت بعد، الأمر الذي يجعل الحديث عن الغرب أكثر دقة من الحديث عن أوروبا: «على المرء أن يتحدث عن (الغرب) بوصفه منقسماً في القرن السادس عشر، لأن (أوروبا) لم تتضح بعد. إن أوروبا هي شبه الجزيرة التي تشكل نتوءاً من كتلة آسيا الهائلة دونما حاجز وتسمى قارة على ما في التسمية من سخف. ثورة القرن السادس عشر لم يتأثر بها سوى الجزء الغربي الأقصى: من ألمانيا وبولندا والنمسا وإيطاليا حتى المحيط الأطلسي. كان البلقان ينتمي للأتراك المسلمين وكانت روسيا مسيحية أرثوذوكسية، ليست كاثوليكية» (الثورة المقصودة هي مجموع النقلات العميقة سواء الدينية متمثلة بعهد الإصلاح البروتستانتي والعلمية والفكرية في عصر النهضة على يد أمثال كوبرنيكوس وغاليليو وإيراسموس).
تسمية أوروبا قارة تسمية سخيفة إذن، حسب بارزون، وأسباب ذلك جغرافية بصفة عامة لكنها تكتسب بعداً ثقافياً وسياسياً إذا ما نظرنا إلى البعد التاريخي. ذلك البعد لم ينته حقيقة بعد القرن السادس عشر رغم تراجع العثمانيين وانضمام ما كانوا يحتلونه من شرق أوروبا ووسطه إلى بقية المناطق المعروفة بالأوروبية. ذلك أن الكيان الذي عرف بأوروبا فيما بعد ظل يحدد هويته باستمرار قياساً إلى الآخر الشرقي الإسلامي بصفة خاصة. وجاءت دراسات لعدد من الباحثين الغربيين، أميركيين وأوروبيين، لتؤكد هذه الحقيقة مرة تلو الأخرى. المؤرخ الفرنسي ريمون شفاب، مثلاً، يتحدث عن عصر نهضة شرقي في أوروبا (أورينتال رينيسانس) ما بين عامي 1680 و1880 في كتاب بذلك العنوان صدر عام 1984 بمقدمة مهمة لإدوارد سعيد. ثم جاء المؤرخ الأميركي بيفيلاكوا ليتحدث عما سمّاه «جماعة الأدب العربي» التي جادل فيها بأن عصر الأنوار الفرنسي/الأوروبي لم يكن ليتبلور لولا عصور تنوير أوروبي عربي عملت فيه جماعة من الأوروبيين على مدى قرن كامل على ترجمة الكثير من الثقافة العربية إلى اللغات الأوروبية، لتفتح بذلك آفاقاً للفكر الأوروبي لم تكن متاحة من قبل. تلك الآفاق لم تقلل من الفجوة بين أوروبا المسيحية أو العقلانية والعالم الإسلامي باختلافه الثقافي والإثني.
لكن ذلك الاختلاف كان مهماً لكي تحدد أوروبا هويتها مرة أخرى، الهوية التي تظل موضع مساءلة حتى اليوم: بأي معنى يكون الألماني والروماني منتمين لهوية واحدة؟ بعد تراجع المسيحية، ما مكونات الهوية الأوروبية فلا اللغة واحدة ولا الأعراق متشابهة. في الاتحاد الأوروبي 24 لغة تجري الترجمة منها وإليها في كل اجتماع لمجالس الاتحاد، وهو موضوع غريب على المستوى العالمي، لأن من الصعب العثور على كيان سياسي أو ثقافي بهذه التعددية اللغوية، أقول التعددية وهي إحدى زوايا النظر إلى ما يعرف بأوروبا. زاوية أخرى هي أن نقول الشتات أو التفرق اللغوي، واختلاف اللغة يحمل معه اختلافات ثقافية عميقة دون شك، يحاول الأوروبيون حالياً تجاوزها على مستويات الأنظمة الديمقراطية والقوانين العلمانية فينجحون مع بعض الكيانات ويفشلون مع بعضها الآخر (حقوق الأقليات، حقوق المرأة، مستوى الالتزام الديني، الفساد السياسي والاقتصادي... إلخ).
هل يؤدي هذا الاختلاف إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي ومعه مفهوم أوروبا، لينفصل المتجانسون عن غير المتجانسين؟ وما أثر الضغط الروسي على ذلك الكيان الذي يحاول تجميع نفسه والاحتماء بهوية تكاد تتفلت؟ إن وجود روسيا المسيحية في نهاية المطاف وتركيا المسلمة بالجزء الأوروبي لكل منهما، جغرافياً على الأقل، يعيد إلى الذهن رؤية جاك بارزون حول الجانب المثير للسخرية، بتعبيره، حين نتحدث عن أوروبا بدلاً من الغرب، لكن مع إحلال القرن الحادي والعشرين محل القرن السادس عشر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».