شعراء قبل فوات أواننا

فراس عبد المجيد و«تماثيله الراقصة» نموذجاً

شعراء قبل فوات أواننا
TT

شعراء قبل فوات أواننا

شعراء قبل فوات أواننا

أتذكر قبل أكثر من 25 عاماً حين كنتُ طالباً في الجامعة المستنصرية في المرحلة الأولى من الدراسة الجامعية، حيث كنا نلتقي في رابطة للشعر في الجامعة، وكانت في الغرفة التي نلتقي فيها مئات النسخ من ديوان واحد لشاعر لا أعرفه، أتذكر أني أخذت أكثر من عشر نسخ من هذا الديوان، لكتابة المحاضرات، وبعض مسودات قصائدي عليه، ذلك أننا كنا في أيام حصار شديد، وكنا نعاني شحة في كل شيء، منها الورق الذي نكتب عليه. المهم أن هذه النسخ التي أخذتها نفعتني كثيراً في الكتابة عليها، لكنني - للأسف - لم أكلف نفسي خمس دقائق لقراءة هذا الديوان الذي رافقني طويلاً وأنا أخط مسوداتي على صفحاته الفارغة، وحتى الممتلئة، وحين عدت إلى ذلك الديوان بعد أكثر من عشرة أعوام، ومن باب المصادفة، فقد قرأته قراءة جيدة، شعرت لحظتها بندم، ذلك أنني لم أقف عند هذا الديوان، وأقرؤه قراءة تليق به في ذلك الوقت، الديوان هو للشاعر التونسي بوغديري الطيب، وعنوانه «حرائق تحت المطر»، وقد طبع في «دار الحرية للطباعة» سنة 8891 في بغداد:
(لا تبالي بشوق أصابعنا للمطر/ سأخاتل نهراً، يقص شواربه تحت صفصافه والصباح/ أطيل انحناءاته...).
لم أكن أعرف هذا الشاعر إلا بوساطة هذا الديوان، وهو ذو نزعة غنائية، لكنها غنائية صافية تشبه قصائد الشعراء القادمين من البساتين والقرى، نصوصهم ممتلئة نخيلاً وأعناباً، ماءً وعصافير، ذلك هو بوغديري الطيب الذي لم أعرف أين حلت به الدنيا، فلم أقرأ له غير هذا العمل.
أردت أن أقول من خلال هذه المقدمة أن هناك شعراء مهمين ورائعين مروا في حياتنا دون أن نلتفت لهم، ونقف عند نصوصهم مأخوذين بالأسماء المشهورة، والأسماء التي تحضر كل مهرجان وأمسية، وتقرأ في كل مكان، ولكن هناك أسماء شعرية نتفاجأ كثيراً بحجم إبداعهم، دون أن يعلنوا عنه، كما يفعل الشعراء في العادة، وهنا أتذكر أيضاً في التسعينات حينما مررت على إدارة اتحاد الأدباء لاستحصال الهوية منهم، خطها لي أحد الموظفين في إدارة الاتحاد وهو رجل كبير ومحترم كثيراً، وحين سلمني الهوية قال لي أنا أيضاً شاعر وعندي مجاميع شعرية، لكنني لم أتوقف عند ذلك الشاعر إلا بعد أن سمعت برحيله وهو الشاعر تركي الحميري، الذي يمثل تجربة مبدعة من تجارب الجيل الستيني دون صخب أو ضجيج.
(في أحجار الروح/ يشق الفجر طريق الولد المطروح على أبواب الزقورات/ يناغي البسمات الصبح/ يهذي تصفعه الريح المغبرة/ يبكي، يبتسم، يهذي، يبكي يصرخ/ هل تأتي الغابة؟/ هل يأتي الحقل؟....).
كم وكم اسم مثل تركي الحميري مر علينا دون أن ننتبه له، ونسمعه، فضاعت علينا دررٌ كثيرة، ربما كان أولئك الشعراء أنفسهم أحد الأسباب في عدم وصولهم لنا، وهذه مسألة خاضعة لطبيعة المزاج، ربما، أو لظروف موضوعية تتعلق بالشأن السياسي، أو الاجتماعي، فقد انزوى عددٌ من الشعراء خوفاً من منزلق السلطة، ولأن الجو العام للوسط الثقافي ربما يهيمن عليه مجموعة من الأسماء، يبقون في خانة التداول عشرات السنوات، وبهذا فإنهم يهيمنون على المشهد كله، وكأن الشعرية العراقية ترتبط بفلان أو فلان دون غيره، كما أن الشللية واحدة من مواصفات التجربة العراقية، ففي كل جيل تجد مجموعة من الشعراء «كروبات» يشكلون مجاميع محددة لهم مواصفاتهم ولهم أفكارهم، وهم دائماً يدعون تمثيلهم للشعر العراقي، وهؤلاء موجودون في كل الأجيال العراقية الشعرية، أما الشعراء الذين لم يدخلوا في تلك الشللية فقد عانوا كثيراً في مسألة الوصول للمتلقي من حيث النشر والطباعة والدعوات في المهرجانات، وما زالت هذه الظاهرة متفشية حتى هذه اللحظة.
أمثلة كثيرة من نمط هؤلاء الشعراء الذين كتبوا وأصدروا دواوينهم دون أن يصلوا إلينا، ونعيش هواجسهم وهمومهم، وبصراحة فإني منذ أيام وأنا أرتب مكتبتي، وجدت ديواناً للصديق فراس عبد المجيد عنوانه «رقص التماثيل»، وقد استغربت هل فراس شاعر؟ رغم أن عمره تجاوز الخامسة والسبعين عاماً، فكل ما أعرفه عنه أنه صحافي، فمن ورطه بالشعر؟ ولكنني أخذت قسطاً من ترتيب المكتبة، وسحبت ديوان فراس عبد المجيد وبدأت أقرأ، وكانت القصيدة الأولى «الزورق» فأخذني زورق فراس إلى أماكن من الدهشة والجمال حتى أنساني مكتبتي، ولم أفق إلا وأنا في الصفحة الأخيرة من الديوان الساحر، وسأورد لكم بعضاً من تلك القصيدة لتشاركوني جمالها:

الزورق الذي صنعته
«قبل عقود خمسة ونيفٍ».
من الورقْ
أطلقته
ونمتُ في ظلال نخلة
طاولها شراعه
ولم أفق
كنت نسيته
يهيم غافياً في ضحكات الجدول الغربي حتى يبلغ الأفق
كانت نوال «حلوة الحلوات» خلف غيمة شاردة تشير لي
والزورق النزقْ
ظل أميناً
مخلصاً لسيره
لم يتخط الموجة العذراء في اندفاعه
لم ينزلق...

وبقيت مسمراً أمام الديوان، هل هو هذا نفسه صديقنا الذي يزورني في دار الشؤون الثقافية هو وزوجته الكاتبة صبيحة شبر؟ هل هو نفسه الذي أراه في اتحاد الأدباء؟ طيب كيف لي وأنا في هذا الوسط منذ أكثر من 25 عاماً، كيف لم أقرأ له ولا نصاً واحداً؟ ولماذا لم أره يرتقي منصة شعرية ويقرأ عليها؟ ولماذا لم يذكر في أي حواراتنا بأنه شاعر؟ وأن لديه مجاميع ودواوين مطبوعة؟ هل يكمن الخلل في أنا الذي يجب عليّ أن أتابع الشعراء وأقرأ لهم وأتتبع تحولاتهم؟ أم أنني أكتفي بالموجودين الذين يملؤون الساحة الثقافية، ويتكررون في كل مشهد وفعالية ومهرجان؟ أم إن فراس نفسه مشترك بهذا الأمر؟ في أن ينزوي شاعراً؟ وليس أي شاعر بصراحة، فقد قرأت عمله هذا ووجدت بأن ديوانه «رقص التماثيل» أحد أجمل الأعمال الشعرية العراقية، التي يجب أن يتوقف عندها النقاد بدلاً من الوقوف عند هذيانات لا قيمة لها سوى ركام من اللغة، أما تجربة فراس في هذا الديوان فهي تنم عن شعرية أخاذة، موضوعاتٍ وأساليبَ، حيث تتنوع تجربته في هذا الديوان بين الغنائية والدرامية، وهو يمسك بقصيدة التفعيلة برشاقة عالية، يتنقل بين التفعيلات كأي لاعب سيرك ماهر لغة وصوراً إدهاشية، أما من حيث الموضوعة، فإن الديوان غني بالموضوعات، حيث أخذ من ثيمة التماثيل وتناول عشرة تماثيل، وبدأ يغير بحركاتهن، ويبث الروح في كل تمثال وينزله من قاعدته (حين رأى الجند بطروادة/ ينسلون فرادى وجماعات من قدميه/ أحس بأن فروسيته جرحت/ وضميره مات/ صهل صهيلاً مكتوماً/ أطلق ساقيه للريح/ وهام وحيداً في الفوات)، وتنوع الديوان أيضاً بأنه دخل في حوار مع شخصيات سماه «صور شخصية»، حيث أخذ العديد من الشخصيات الأدبية المعروفة وكتب عنها نصوصاً شعرية تكثف باختصار شديد تلك الشخصيات، وكأن فراس عبد المجيد يرسم «بورتريه» عن تلك الشخصية، لكنه «بورتريه» شعري يلخص حياة أولئك الشعراء، حيث يقول عن يوسف الصائغ:
(حين رأى الرفاق يرحلون/ لم يرتحل/ لكنه.../ حين ابتدا شارعه/ زقاقه/ وكل ما في دربه يضيق/ دون في دفتره خاطرة/ «ما أوحش الدنيا بلا رفيق»/ لا ما اشتكى من قلة الزاد/ ولا طول السفر/ لكنه/ مسافراً صار بلا طريق/ متخذاً جلاده صديق)، وهنا يكثف فراس ويختزل صورة يوسف الصائغ بهذه القصيدة القصيرة برشاقة عالية.
ما أريد أن أقوله إن هناك أسماءً شعرية مهمة لم نلتفت لها للأسف، وأعتقد أن الكل مساهم بهذه القضية، أعني الشاعر نفسه، والوسط الثقافي، والمؤسسات الثقافية، والمتلقين، ونحن المهتمين بصناعة الثقافة وترويجها، فليس كل الشعراء لديهم ذلك الحضور في المنتديات والمهرجانات، أو لديهم قابلية على السفر الدائم، ولكن عموماً أنا فرح كثيراً بتجربة فراس عبد المجيد في ديوانه «رقص التماثيل»، وهو مفتاح للبحث عن تجارب أخرى، ورسالة لنا جميعاً علينا ألا نتغافل أي تجربة شعرية دون أن نقف عندها متأملين وقارئين.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الحُبُّ كسرَ قلبك؟ دَع الطعام يرمِّمه ويُداويك

وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)
وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)
TT

الحُبُّ كسرَ قلبك؟ دَع الطعام يرمِّمه ويُداويك

وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)
وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)

​قبل سنوات، أطلق أحد أهم مصنّعي المثلّجات في المكسيك تسمياتٍ غير مألوفة على نكهاته. خصّص 5 أنواع من البوظة لمُنكَسري القلوب الخارجين للتوّ من علاقة عاطفية، كي ترافقهم في مراحل الحزن الخمس المتعارف عليها في علم النفس.

أطلق على الفانيلا اسم «إنكار»؛ لأنّ طعمها المهدّئ والمريح يساعد على امتصاص صدمة ما بعد الانفصال العاطفي. انسكبت نكهة الماتشا على آيس كريم «الغضب»، لِما في العشبة الخضراء من مكوّنات تحفّز على الاسترخاء. أما الشوكولاتة فعلاجُ «الحزن» طبعاً، وتَليها نكهة الفواكه الحمراء المخصصة لمرحلة «التقبّل». تبقى المانجا التي ربطها صانع المثلّجات بـ«الأمل» واعداً متذوّقيها بأن تُهَيّئهم لحبٍّ جديد.

ابتكر صانع مثلجات مكسيكي بوظة لمداواة القلوب المنكسرة (بكسلز)

القلب خاسر في كل الأحوال

غالباً ما يلجأ الأشخاص الخارجون من علاقة حب بقلبٍ منكَسِر إلى الأكل بطريقةٍ مفرطة وغير واعية، في محاولة للتعويض عن الفراغ العاطفي. يُذوّبون أحزانهم في أكواب الآيس كريم، ويُغرقون دموعهم في أكياس الشيبس الضخمة وألواح الشوكولاتة، وفي أطباق الهامبرغر وشرائح البيتزا، ما يؤدّي إلى زيادة في الوزن إذا ما استمرّ الانزواء في غرفة النوم طويلاً.

في المقابل، يفقد أشخاصٌ آخرون شهيّتهم بعد الصدمة العاطفية فيمتنعون عن الطعام حتى لو وصلوا إلى مرحلة الجوع الشديد، وهذا قد يتسبب في مضاعفة وجع القلب على المدى البعيد.

بعد الصدمة العاطفية غالباً ما يكون رد الفعل الإفراط في الطعام (بكسلز)

العِلم يدعم النظريّة

لكن ماذا لو كان ثمّة طعامٌ صحّي يساعد فعلاً في ترميم القلوب المنكسرة بعد الانفصال؟

قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال، أو على الأقلّ وعداً واهياً يُطلَق لمساعدة منكسري القلوب على تجاوز المرحلة، إلا أنّ العلمَ يؤكّد أنّ في الأمر كثيراً من الحقيقة.

يمكن للطعام أن يلعب دوراً -ولو جزئياً- في الشفاء من الخيبة العاطفية وانكسار القلب. هذه هي النتيجة التي توصّل إليها باحثون من جامعة «جونز هوبكنز» الأميركية عام 2022؛ إذ وجدوا أنّ «المركّبات النشطة بيولوجياً والمرتبطة بنظام غذائي صحي يضم الفواكه والخضراوات والأحماض الدهنية والألياف، تتفاعل بشكل إيجابي مع المسارات الحيوية المتعلقة بالالتهاب والإجهاد التأكسدي واختلال وظائف الميتوكوندريا، وهي عوامل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة النفسية».

وتحرص اختصاصية التغذية جويل نهرا على التوضيح في حديثها مع «الشرق الأوسط»، قائلة: «ليس هناك طعام يعالج القلب المكسور أو يسرّع التجاوز بكل ما للكلمة من معنى. إلا أنّ ثمة أطعمة قادرة على دعم الدماغ والجسم في حالات الانفصال العاطفي، وذلك بمواجهة التوتّر واضطرابات النوم والشهية». أما مَن يعانون انقطاعاً أو إفراطاً في الشهية بسبب الصدمة العاطفية، فهي تنصحهم بالوجبات الصغيرة والمتقطّعة والمتوازنة.

باحثون في جامعة «جونز هوبكنز» وجدوا أنَّ الطعام يساعد في علاج القلب المكسور (بكسلز)

الشوكولاتة الداكنة

في طليعة قائمة الأطعمة التي تدعم القلوب المكسورة، الشوكولاتة الداكنة. وتشير نهرا إلى أنَّ «ما فيها من كاكاو وبوليفينول وماغنيسيوم يلعب دوراً أساسياً في تحسين المزاج والتخفيف من القلق».

ويأتي بحثٌ أجراه «مركز نستله للبحوث» في سويسرا ليدعم تلك النظرية، مؤكّداً أنّ استهلاك 40 ملّيغراماً من الشوكولاتة الداكنة في اليوم الواحد مدّة أسبوعين، يمكن أن يساعد في خفض مستويات هرمون التوتّر (الكورتيزول).

غير أنّ اختصاصية التغذية تحذّر مَن يعبرون أزمة عاطفية قاسية، من الإفراط في استهلاكها؛ لأنها قد تتسبب في الأرق وآلام الأمعاء وزيادة الوزن.

تتصدَّر الشوكولاتة الداكنة قائمة الأطعمة المساعدة في التئام القلوب المكسورة (بكسلز)

حساء الدجاج

من بين أكثر الأطعمة التي يتقبّلها من فارقوا حبيباً ففقدوا الشهيّة، حساء الدجاج. ولا يُنكر العلم الفوائد العاطفية لهذا الطبق الدافئ، فوفق دراسة نُشرت في مجلّة «جمعية العلوم النفسيّة» يولّد تناول الحساء مشاعر نفسية إيجابية ويقلّل من الشعور بالوحدة.

ويبقى حساء الدجاج المُعَدّ منزلياً الخيار الأفضل؛ لا سيما عند تحضيره مع الخضراوات. ولكن لحساء العدس أو الطماطم فوائده العاطفية كذلك.

حساء الدجاج من الخيارات المفضَّلة لدى منكسري القلوب (بكسلز)

الخرشوف صديق القلب المخسوف

في عام 2021، وجدت دراسة أعدّتها جامعة إديث كوان في أستراليا، أنّ أي حمية غذائية غنية بالخضراوات والفواكه الطازجة تعود بمنفعة كبيرة على الصحة النفسية لمَن يعتمدونها.

وتؤكّد اختصاصية التغذية جويل نهرا هذه النظرية، لافتة إلى أنّ «الفاكهة والخضراوات تحتوي على مضادات للأكسدة ومعادن وألياف، وهي كلها مفيدة للاستقرار النفسي».

لكن من بين خيرات الأرض الكثيرة يتربّع الخرشوف، المعروف أيضاً بـ«الأرضي شوكي»، على عرش «الطبطبة». فوفق دراسة أجرتها جامعة كولورادو الأميركية، يُحسّن الخرشوف الغني بالبروبيوتيك جودة النوم، ويخفّف من الغضب؛ إذ إنه يعزّز مستويات البكتيريا المعويّة في مواجهة التوتّر.

كما يحتوي الخرشوف على نِسَب عالية من البوتاسيوم والماغنيسيوم وفيتامينات C وK، وهي عناصر تلعب دوراً مهماً في تعزيز استجابة الجسم للتوتّر والحزن.

الخرشوف صديق القلوب المكسورة (بكسلز)

الأسماك وسائر البروتينات

على قائمة الأطعمة التي تساعد في مداواة القلب المكسور، الأسماك الدهنية الغنية بـ«أوميغا 3»، مثل السلمون والسردين. وتلفت نهرا إلى أنها «أساسية لصحة الدماغ والجهاز العصبي»، مضيفة أنّ «كل مصادر البروتين -وعلى رأسها البيض واللحوم والدجاج والبقوليات- تساهم في تنظيم هرمون السيروتونين المسؤول عن تعديل المزاج والشعور بالسعادة».

وتلفت اختصاصية التغذية كذلك إلى مكوّن أساسي آخر في مرحلة الانفصال العاطفي، وهو المكسّرات والبذور النيئة المفيدة لصحة الدماغ.

للأسماك الغنية بـ«أوميغا 3» مثل السلمون دور في تعزيز الاستقرار النفسي والعصبي (بكسلز)

لكن ليس بالطعام وحده يلتئم القلب المكسور. فإلى جانب الغذاء المتوازن، والتخفيف من السكّر والكحوليّات، يجب شرب كمية كافية من المياه، وممارسة الرياضة، والخروج من المنزل، والاختلاط بالأصدقاء.


في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).