«سينسيرك» تعطي أملاً لأطفال دكار الفقراء

ماليك يؤدي حركات بهلوانية على شاطئ نغور في دكار بالسنغال (إ.ف.ب)
ماليك يؤدي حركات بهلوانية على شاطئ نغور في دكار بالسنغال (إ.ف.ب)
TT

«سينسيرك» تعطي أملاً لأطفال دكار الفقراء

ماليك يؤدي حركات بهلوانية على شاطئ نغور في دكار بالسنغال (إ.ف.ب)
ماليك يؤدي حركات بهلوانية على شاطئ نغور في دكار بالسنغال (إ.ف.ب)

تدور مارييتو ثيام برشاقة داخل طوق «هولا هوب» معلق، خلال عرض تحييه فرقة «سينسيرك»، أول فرقة سيرك في السنغال وإحدى الفرق النادرة في هذا البلد الأفريقي.
تلتف مارييتو ثيام بخفة على طوقها وتنزلق وتتدلى تحت أنظار الجمهور المذهول، فيما أعضاء فرقتها يتابعون حركاتها بانتباه شديد خلال العرض، الذي يقدمونه في إطار أول مهرجان للسيرك يُنظم في دكار، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.
ومارييتو البالغة 29 عاماً، هي المديرة الفنية للفرقة التي تضم بين أعضائها امرأتين فقط. انتقلت إلى دكار لإكمال دراستها، غير أنها تخلت عن كل شيء للالتحاق بالسيرك وإدارة الفرقة.
وكان من الصعب على مارييتو أن تبرر هذا القرار لعائلتها، لكن حين تكون على المسرح تحت الأضواء، لا تندم على خيارها، بل تستسلم لسحر العرض، مشاركة روعة تلك اللحظات مع رفاقها وأطفال الشارع الذين يشاهدونها. وفرقة «سينسيرك» ليست مجرد سيرك، بل هي أيضاً مدرسة تساعد الأطفال الفقراء الذين يواجهون أوضاعاً صعبة، على الخروج من ظروفهم الاجتماعية، فتبعث فيهم من خلال عروضها أحلاماً وأملاً بحياة أفضل.
حالف الحظ ماليك (30 عاماً)، عندما انضم إلى السيرك حيث لقيت مهاراته البهلوانية التقدير الذي تستحقه. وهو كان يعيش في الشارع عند وصوله إلى دكار عام 2015 آتياً من غينيا، فصادف السيرك الذي تبنى موهبته.
وفي ذلك اليوم من شهر مايو (أيار)، أدى ماليك على شاطئ نغور حركات بهلوانية، فيقفز عالياً ويتشقلب وكأنه يطير في الجو، وقدماه تكادان تلامسان الشمس الساطعة. يقدم ماليك عرضاً لافتاً في خفته، يتخلله هرم بشري يشكله مع تلاميذه. فهو على غرار قدامى الفرقة، ليس فناناً فحسب، بل يدرس فنه أيضاً. وبفضل ما جناه من تدريس الأطفال، بات ماليك حالياً، قادراً على دفع إيجار شقة في منطقة نغور في دكار.
وهو يهوى مشاطرة شغفه في عمله، ويوفر بدوره للأطفال المتحدرين من أسر فقيرة ملاذاً آمناً بعيداً عن قسوة الحياة في الشارع.
ومن يدري؟ ربما يكمل هؤلاء الأطفال مستقبلاً، مسيرته ومسيرة مارييتو، فيؤدون بدورهم عروضاً لجيل جديد من الأطفال، فيتشقلبون ويقفزون نحو النجوم التي تزين خيمة السيرك الكبيرة.


مقالات ذات صلة

تصاعُد الجدل بين المعارضة والسلطة في السنغال

العالم تصاعُد الجدل بين المعارضة والسلطة في السنغال

تصاعُد الجدل بين المعارضة والسلطة في السنغال

قبل أشهر من إجراء انتخابات رئاسية، يزداد الجدل الذي يثيره المعارض السنغالي البارز عثمان سونكو، الذي دعا إلى «عصيان مدني وطني» ضد القضاء، وسط نقاش متصاعد حول فرص المعارضة في التنافس في الانتخابات بعد تحالف مختلف قواها ضد ترشح الرئيس الحالي ماكي سال لعهدة ثالثة. وهذا الأسبوع، دعا عثمان سونكو، لعصيان مدني ضد القضاء، رافضاً «أي حوار مع الرئيس سال»، كما ندد سونكو بـ«ادّعاءات أنه يقوّض نظام العدالة». يأتي ذلك بعد أن ادّعى سونكو سابقاً أن «حياته في خطر وأن لديه أدلة تُظهر أنه تعرض لمحاولة اغتيال» في 16 مارس (آذار) الماضي، وهو في طريقه إلى المحكمة لمواجهة اتهامات بالاغتصاب. وكانت محكمة سنغالية في 30 م

العالم هل ينجح رئيس السنغال في الترشح لولاية ثالثة؟

هل ينجح رئيس السنغال في الترشح لولاية ثالثة؟

قبل نحو 10 أشهر على موعد الانتخابات الرئاسية، تشهد السنغال غرب أفريقيا، جدلاً سياسياً ودستورياً، حول أحقية الرئيس الحالي ماكي سال في الترشح لولاية ثالثة، تمتد حتى 2029. ولم يعلن الرئيس سال، الذي يتولى السلطة منذ 2012، عزمه تقديم أوراق ترشحه، لكنه رفض الادعاء بأن «ترشحه لولاية ثالثة أمر غير دستوري». وأجرى سال استفتاء عام 2016 قلّص فترة الرئاسة من 7 إلى 5 أعوام، وبينما ولايته الأولى لمدة 7 أعوام، فاز في انتخابات 2019 بولاية ثانية مدتها 5 أعوام. وفي تصريح سابق، قال إن «هذا التعديل يلغي بشكل فعلي ولايته الأولى»، بحيث تبدأ فترتان جديدتان. وفي محاولة لإيقاف ترشّح محتمل لولاية ثالثة، حشدت المعارضة ال

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم تقرير: السنغال تدفع باتجاه توسيع صناعاتها التعدينية

تقرير: السنغال تدفع باتجاه توسيع صناعاتها التعدينية

تعمل السنغال على أن تصبح الصناعة التعدينية أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني. ,تمنح الحكومة نفسها وسائل واسعة لتحقيق هذه الرؤية؛ إذ تطمح إلى جعل البلاد مركزاً للصناعة في غرب أفريقيا. ولتحقيق ذلك، قامت، بداية من منتصف فبراير (شباط)، بعملية تقييم لقطاع الصناعة التعدينية. وفق تقرير نشرته اليوم مجلة «أفريقيا الشابة» (جون أفريك)، فإن السنغال مثل العديد من الدول في القارة لديها موارد طبيعية مثل الحديد، الزركون، الأسمدة، ومواد البناء، تحتاج إلى استغلال أكبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي الملك محمد السادس (ماب)

نزلة برد تحول دون زيارة ملك المغرب للسنغال

حالت نزلة برد دون قيام العاهل المغربي الملك محمد بزيارة رسمية للسنغال.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم صدامات وأعمال نهب في السنغال على خلفية توتر يسبق الانتخابات

صدامات وأعمال نهب في السنغال على خلفية توتر يسبق الانتخابات

جرت صدامات وعمليات نهب مساء الجمعة في مدينة وسط غرب السنغال منعت فيها السلطات تجمعاً للمعارض عثمان سونكو، المرشح للاقتراع الرئاسي الذي سيجرى في 2024، كما كشفت صور نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. وتحدثت مواقع إلكترونية إخبارية عن اشتباكات بين أنصار سونكو وقوات الأمن بعد ظهر الجمعة في بلدة توبا - مباكي.

«الشرق الأوسط» (دكار)

شمخاني… رجل خامنئي الأمني يعود في لحظة اختبار مع واشنطن

صورة من فيديو وزعه التلفزيون الإيراني ويظهر شمخاني يتحدث عن محاولة اغتياله في 13 يونيو 2025
صورة من فيديو وزعه التلفزيون الإيراني ويظهر شمخاني يتحدث عن محاولة اغتياله في 13 يونيو 2025
TT

شمخاني… رجل خامنئي الأمني يعود في لحظة اختبار مع واشنطن

صورة من فيديو وزعه التلفزيون الإيراني ويظهر شمخاني يتحدث عن محاولة اغتياله في 13 يونيو 2025
صورة من فيديو وزعه التلفزيون الإيراني ويظهر شمخاني يتحدث عن محاولة اغتياله في 13 يونيو 2025

ظل علي شمخاني، الذي سخر من إسرائيل بعد انتشاله حياً من تحت أنقاض منزله في طهران عقب غارة جوية في يونيو (حزيران) 2025، حاضراً في صلب صناعة القرار الإيراني خلال أكثر المواجهات العسكرية والدبلوماسية صعوبة في تاريخ البلاد، فقاً لوكالة «رويترز».

يُعد القائد السابق في «الحرس الثوري»، البالغ 70 عاماً، مستشاراً موثوقاً للمرشد علي خامنئي، في مواجهة عالية المخاطر مع الولايات المتحدة قد تحدد ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية، التي ولدت من ثورة عام 1979، ستبلغ نصف قرن من عمرها.

وقال شمخاني للمخرج الإيراني جواد موغوي، في مقابلة نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول): «أيها الأوغاد، أنا حي»، في إشارة إلى نجاته من الضربة الإسرائيلية التي دمرت منزله، مستحضراً فيلم الهروب من السجن «بابيلون» الأميركي الصادر عام 1973.

علي شمخاني مستشار المرشد الإيراني خلال اجتماع خامنئي مع الحكومة الشهر الماضي (موقع خامنئي)

هذا العام، ثبّت خامنئي شمخاني أميناً للجنة الدفاع العليا المستحدثة، والتي أُنشئت تحت خيمة مجلس الأمن القومي عقب حرب الـ12 يوماً العام الماضي، حين شنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على منشآت نووية ومواقع عسكرية إيرانية.

ويعيده هذا التعيين شمخاني إلى قلب عملية صنع القرار في إيران. وتتولى اللجنة تنسيق الإجراءات الإيرانية في زمن الحرب، في وقت تهدد فيه واشنطن بشن غارات جوية جديدة من سفن حربية قريبة إذا لم تُفضِ المفاوضات إلى اتفاق جديد يقيّد برنامج طهران النووي.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد عرض، في خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس، الثلاثاء، مبررات هجوم محتمل على إيران، قائلاً إنه لن يسمح «لأكبر دولة راعية للإرهاب في العالم» بامتلاك سلاح نووي.

وتنفي إيران رعاية الإرهاب، وتؤكد منذ سنوات أنها لا تنوي تطوير أسلحة نووية، رغم اعتقاد دول غربية وإسرائيل أن ذلك هو هدف ما تصفه طهران ببرنامجها النووي السلمي.

وكتب شمخاني، على منصة «إكس» في يناير (كانون الثاني) 2026: «الضربة المحدودة وهم. أي عمل عسكري أميركي – من أي مصدر وبأي مستوى – سيُعد بداية حرب، وسيكون الرد فورياً وشاملاً وغير مسبوق، ويستهدف قلب تل أبيب وكل من يدعم المعتدي».

شمخاني، وهو من قدامى المحاربين في حرب إيران – العراق (1980 – 1988)، حين قاتلت الجمهورية الإسلامية حديثة العهد من أجل البقاء، يشغل منصب مستشار سياسي لخامنئي منذ مغادرته مجلس الأمن القومي عام 2023.

علي شمخاني مستشار المرشد الإيراني في أول ظهور بعد نجاته من محاولة اغتيال خلال مراسم تشييع القادة العسكريين والعلماء النوويين - 28 يونيو الماضي (متداولة - إكس)

وترأس المجلس لعقد كامل، شمل ذلك فترة الاتفاق النووي لعام 2015 مع القوى العالمية، وانسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، وهي محطة عززت شكوكه حيال الاتفاق.

ويُعد مجلس الأمن القومي الهيئة العليا لوضع سياسات الأمن والدفاع، وكان شمخاني ممثل خامنئي فيه خلال ولايته.

ومع تصاعد التوتر مع واشنطن وتزايد التكهنات بشأن مصير إيران في حال اندلاع حرب، يبدو شمخاني مستعداً لممارسة نفوذ بين نخبة من قادة «الحرس الثوري» السابقين ذوي الحنكة السياسية.

في أتون الحرب

وُلد شمخاني عام 1955 لعائلة عربية في قرية بمحافظة الأحواز الغنية بالنفط، وصعد في صفوف «الحرس الثوري» خلال الحرب مع العراق، حيث قاد قواته في المحافظة الواقعة جنوب غربي البلاد، التي كانت جبهة القتال الرئيسية ضد قوات صدام حسين.

وبحلول عام 1982 أصبح نائباً لقائد «الحرس الثوري» محسن رضائي، وهو أيضاً من مدينة تسكنها أقلية اللر في شمال الأحواز وشارك معه في نشاطات مناهضة للشاه في سبعينات القرن الماضي. وعند انتهاء الحرب، تولى قيادة القوات البرية لـ«الحرس» إلى جانب منصب وزاري.

وفي عام 1989، نقله خامنئي، الذي عُيّن حديثاً مرشداً للنظام، إلى بحرية الجيش النظامي التي تضررت بشدة في اشتباكات مع القوات الأميركية. وخلال عام واحد، أُسندت إليه القيادة المتزامنة للبحرية النظامية وبحرية «الحرس الثوري»، حيث أشرف على التحول نحو تكتيكات بحرية غير متكافئة لمواجهة خصوم يتفوقون تقليدياً.

مسؤول أمني وقناة دبلوماسية

شغل شمخاني أيضاً أدواراً دبلوماسية، إذ شارك خلال مفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015 وساهم في تنفيذ الاتفاق وإدارة تداعيات الانسحاب الأميركي منه. غير أن الرئيس الأسبق حسن روحاني أعرب لاحقاً عن ندمه على تعيينه، معتبراً أن شمخاني دعم إجراءات برلمانية شددت موقف إيران التفاوضي بفرض تخصيب أعلى لليورانيوم.

وفي مقابلة أكتوبر 2025، قال شمخاني إنه كان ينبغي لإيران أن تفكر في بناء أسلحة نووية في تسعينات القرن الماضي، في تصريحات عكست تركيزه على الردع بعد تعرض إيران لضربات جوية كبرى من إسرائيل والولايات المتحدة خلال حرب الاثني عشر يوماً.

اقتصاد العقوبات والتدقيق

واجه شمخاني عبر السنوات اتهامات وعقوبات تتعلق بأنشطة عائلته. ففي 2020 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه، كما استهدفت نجله محمد حسين في 2025 بتهمة إدارة شبكة سفن تنقل نفطاً خاضعاً للعقوبات من إيران وروسيا إلى مشترين دوليين.

صورة تتداولها وكالات إيرانية لحسين شمخاني الملقب بـ«هكتور» النفط الإيراني

وبحسب وزارة الخزانة، سمحت «إمبراطورية الشحن» التابعة لعائلة شمخاني لها بتكديس ثروة ضخمة، وأصبحت لاعباً رئيسياً في تسهيل التفاف إيران على العقوبات الأميركية. ولم يعلّق شمخاني علناً على اتهامات الفساد.

كما واجهت ابنته فاطمة جدلاً في 2025 بعد انتشار واسع لمقطع فيديو ظهرت فيه بفستان مكشوف خلال حفل زفاف فاخر، ما غذّى اتهامات بامتيازات النخبة وسلّط الضوء على التوتر بين الخطاب المحافظ للمؤسسة الحاكمة وأنماط حياة المقربين من السلطة.


أميركا تسعى لتطويق أزمة دبلوماسية بينها وبين باريس

صورة مركبة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وسفير الولايات المتحدة في باريس شارل كوشنير (أ.ف.ب)
صورة مركبة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وسفير الولايات المتحدة في باريس شارل كوشنير (أ.ف.ب)
TT

أميركا تسعى لتطويق أزمة دبلوماسية بينها وبين باريس

صورة مركبة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وسفير الولايات المتحدة في باريس شارل كوشنير (أ.ف.ب)
صورة مركبة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وسفير الولايات المتحدة في باريس شارل كوشنير (أ.ف.ب)

في 11 يوليو (تموز) من العام الماضي، تسلم شارل كوشنير رسمياً منصبه سفيراً للولايات المتحدة لدى فرنسا، بعد أن صادق مجلس الشيوخ الأميركي على تسميته. والسفارة في باريس تُعدّ من الأهم من بين جميع البعثات الدبلوماسية الأميركية عبر العالم. ومن المتعارف عليه أن الرئيس الأميركي المنتخَب يقوم بتسمية مقربين منه لهذا المنصب، أو من قدَّم تبرعاً مالياً كبيراً لحملته الانتخابية.

والحال أن كوشنير، وفق ما تبيِّنه السجلات الانتخابية، قدَّم مليون دولار لحملة ترمب في عام 2023، ولذا لا يمكن اعتباره من كبار المساهمين. لكنه، بالمقابل، والد جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترمب ومبعوثه، إلى جانب ستيف ويتكوف، إلى ثلاثة ملفات رئيسية: أوكرانيا وإيران وغزة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً الأربعاء أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) بمناسبة جلسة استجواب للحكومة (إ.ب.أ)

وتقول مصادر فرنسية واسعة الاطلاع إن باريس لم تكن متحمسة لتسمية المطور العقاري سفيراً لديها، نظراً لسيرته الشخصية، بينما باريس تتبع نهجاً صارماً لجهة اختيار أفضل دبلوماسييها ليمثلوا بلادهم في العاصمة الأميركية. وما لم تستسغه باريس أن يُوفَد شخص صدر بحقه حكم بالسجن لعامين في حبس فيدرالي، واعترف بارتكاب جنحة التهرب الضريبي، والتمثيل غير الشرعي لحملات انتخابية، وتحريض شهود على الإدلاء بشهادات زور.

وقبل مغادرته البيت الأبيض، في عام 2020، أصدر ترمب عفواً عن شارل كوشنير، بحيث أعاد تصفير سجلَّه العدلي، ثم عَمَد، بعد عودته إلى الرئاسة، العام الماضي، إلى تسميته سفيراً في عاصمة النور.

كوشنير سفير لا يشبه بقية السفراء

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنير (أ.ف.ب)

يُعدّ كوشنير سفيراً لا يشبه باقي السفراء، بمعنى أنه لا يحترم الأصول واللياقات الدبلوماسية؛ فبعد شهر واحد على وصوله إلى باريس، وجَّه رسالة شخصية للرئيس إيمانويل ماكرون اتهم فيها فرنسا بأنها «لا تبذل ما يكفي لمكافحة معاداة السامية»، في الوقت الذي كانت فيه باريس تبذل جهوداً لإنجاح مؤتمر الأمم المتحدة لحل الدولتين، ووسط انتقادات فرنسية قوية لممارسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية.

وقتها، وصفت الخارجية الفرنسية رسالة كوشنير بأنها «غير مقبولة»، وطلبت منه المجيء إلى مقرها. إلا أن الأخير رفض الاستجابة وتلبية الاستدعاء، وعمد إلى إرسال نائبه بدلاً عنه. ونهاية الأسبوع الماضي، علَّقت الخارجية الأميركية على موت الشاب اليميني المتطرف في مدينة ليون، خلال اشتباك مع نشطاء من اليسار المتطرف، وجاء فيما كتبَتْه: «إنّ اليسارية الراديكالية العنيفة في تصاعد، ويُظهِر دورها في وفاة كونتان ديرانك التهديدَ الذي تمثّله للسلامة العامة».

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنير (أ.ف.ب)

وأضافت التغريدة: «سنواصل متابعة الوضع عن كثب، ونتوقّع أن يتم تقديم مرتكبي أعمال العنف إلى العدالة». وكتبت سارة بي روجرز، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة ما يلي: «عندما تقرِّر قتل الناس بسبب آرائهم، بدل إقناعهم، فإنك تكون قد خرجت من إطار الحضارة. ولهذا نتعامل مع العنف السياسي، أي الإرهاب، بأقصى درجات الحزم».

لم يتأخر رد باريس، على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو، الذي قال، الأحد، في برنامج إذاعي، إن فرنسا «ترفض أي استغلال لهذه المأساة لأغراض سياسية... وإنها لا تتلقى دروساً فيما يتعلق بالعنف، لا سيما من الأممية الرجعية»، في إشارة مباشرة للولايات المتحدة ولسياساتها في الداخل والخارج.

كذلك وجهت غالبية الوسائل الإعلامية الفرنسية سهامها باتجاه واشنطن، بالنسبة لما حصل في مينيابوليس، وفي مناطق أخرى، فضلاً عن سياستها الخارجية إزاء جزيرة غرينلاند القطبية، أو لجهة فرض رسوم مرتفعة على الصادرات الفرنسية إليها.

كذلك، فإن باريس تأخذ على الإدارة الأميركية فرضها تدابير غليظة على المفوض الأوروبي السابق، تييري بريتون، الذي تتهمه بالدفع لفرض ضرائب باهظة على الشركات التكنولوجية والرقمية الأميركية، عندما كان يمارس وظيفته في بروكسل، وعلى نيكولا غيلو، القاضي الفرنسي في المحكمة الجنائية الدولية لدوره المفترض في قرار المحكمة بطلب القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب جرائم إسرائيل في غزة.

مبنى وزارة الخارجية الفرنسية في باريس (رويترز)

خلافات كثيرة بين واشنطن وباريس

ما سبق غيض من فيض المآخذ الفرنسية على واشنطن. والاتهامات بين الجانبين كثيرة، وأكثر من مرة لم يتردد ترمب في مهاجمة ماكرون شخصياً، الذي لم يستسغ تعليقات رئيسة الوزراء الإيطالية، ميلوني، بخصوص ما حصل في ليون؛ إذ دعاها لـ«الاهتمام بما يجري في إيطاليا». وميلوني، كما هو معروف، قريبة جداً من ترمب، وتُعد حليفته داخل الاتحاد الأوروبي.

إزاء هذا التصرف العدائي، استدعى بارو السفير الأميركي مجدداً إلى الخارجية للقائه في السابعة من مساء الاثنين. إلا أن الأخير، كما في المرة السابقة، لم يستجب للطلب الرسمي؛ الأمر الذي دفعه لإصدار بيان جاء فيه أنه يريد تفسيراً لرفض السفير الأميركي احترام قواعد السلوك الأساسية للدبلوماسيين، معتبراً تصرف كوشنير «أمراً مفاجئاً»، وأضاف: «عندما يُشرَّف المرء بتمثيل بلده، الولايات المتحدة، في فرنسا كسفير، فعليه الالتزام بأبسط قواعد الدبلوماسية والاستجابة لاستدعاءات وزارة الخارجية».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلفه من اليمين: المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو وجاريد كوشنير خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام في واشنطن (أ.ف.ب)

وانتهى بيان الخارجية بتنبيه كوشنير بأنه ممنوع من التواصل مباشرة مع وزراء الحكومة الفرنسية، بانتظار أن يقدم تفسيراً لرفضه الاستجابة لطلبه، وتُعدّ هذه «العقوبة» أمراً نادراً بين الدول الحليفة. وكان كوشنير قد كلف دبلوماسيّاً في السفارة الأميركية بالحضور إلى الخارجية الفرنسية، معللاً غيابه بـ«انشغالات شخصية».

بعد ظهر الثلاثاء، كشفت وزارة الخارجية الفرنسية أن السفير كوشنير اتصل بالوزير بارو، الذي أوضح له مباشرة الأسباب التي دفعته لاستدعائه، وجوهرها أن فرنسا «ترفض أي شكل من أشكال التدخل في شؤونها الداخلية أو تسخير النقاشات الجارية داخلها كأدوات من جانب سلطات خارجية».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (إ.ب.أ)

ورداً على ذلك، قال كوشنير إنه «أخذ علماً بذلك، وأعرب عن رغبته في عدم التدخل بالنقاشات العامة (في فرنسا)، وذكَّر بالصداقة التي تربط بين فرنسا والولايات المتحدة. وقد اتفق الوزير والسفير على الالتقاء في الأيام المقبلة لمواصلة العمل من أجل علاقة ثنائية متينة، التي تحتفل هذا العام بمرور 250 عاماً على إقامتها».

هل يعني ذلك أن الجفاء قد انتهى إلى غير رجعة؟

من الصعب تصوُّر ذلك، لأن ثمة خلافات عميقة بين الجانبين، ولن تُمحى بعد لقاء تم التعبير عنه بلغة دبلوماسية مقننة، وحقيقة ما جرى يبقى داخل جدران المكتب الذي جرى فيه اللقاء.


رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)
TT

رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)

جددت القاهرة موقفها الرافض لنفاذ إثيوبيا، الدولة الحبيسة بأفريقيا، إلى البحر الأحمر، نافية قبولها ذلك، مقابل مرونة من أديس أبابا في موقفها بشأن «سد النهضة»، بينما لم تعلق إثيوبيا التي استضافت الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الأربعاء الماضي، على الموقف، وسط توتر للعلاقات بين البلدين.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، بينما ترفض إبرام اتفاق قانوني ملزم مع مصر بشأن السد، الذي تتخوف القاهرة من أن يؤثر على حصتها المائية، وسط فشل المفاوضات على مدار عقد من الزمن، في الوصول لتفاهمات قبل أن تتحرك واشنطن مؤخراً في هذا المسار.

وقبل نحو أسبوع، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية، في 18 فبراير (شباط)، بأن «رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد طالب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بمساندة جهود بلاده الرامية إلى تأمين منفذ بحري عبر وسائل سلمية وتوافقية».

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

رفض مصري

ونفى مصدر مصري مسؤول، مساء الثلاثاء، «بشكل قاطع التقارير المتداولة حول استعداد مصر منح إثيوبيا نفاذاً بحرياً إلى البحر الأحمر مقابل مرونة إثيوبية في موقفها بشأن السد الإثيوبي»، لافتاً إلى أن «التقارير المتداولة عارية تماماً من الصحة ولا تستند إلى أي أساس».

وأكد أن «موقف مصر من الأمن المائي والسد الإثيوبي ثابت ولم يتغير، ويتمثل في التمسك بالقانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية وعدم الإضرار بحصة مصر المائية».

وشدد المصدر المصري، على أن «حوكمة وأمن البحر الأحمر يقتصران فقط على الدول المشاطئة له، باعتباره ممراً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالأمن القومي لتلك الدول، ولا يجوز لدول أخرى أن تشارك في أي ترتيبات أو تفاهمات تخصّ البحر الأحمر».

وجاء النفي، غداة نقل صحيفة «ذا ناشيونال»، عن مصادر مطلعة، أن «مصر مستعدة للتعاون مع حلفائها الأفارقة، لتأمين وصول إثيوبيا إلى مياه البحر الأحمر إذا أبدت أديس أبابا مرونة في نزاعها المائي في ملف السد، وتم تقديم مقترح بهذا لأديس أبابا الأسبوع الماضي كذلك أرسل لواشنطن».

وتعقيباً على ذلك، يقول نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، إن «الموقف المصري الرافض ما يتعلق بمنفذ البحر الأحمر، مسألة مرتبطة بسيادة الدول، وموقف الدول المشاطئة على البحر الأحمر نفسه، بأن الدولة غير المشاطئة ليس لها الحق في أن تتشاطأ إلا في إطار القانون الدولي، إذا كان يسمح بهذا».

ويرى أن «إثيوبيا متعنتة بالأساس، وليس موقف مصر ما سيجعلها تتعنت أكثر في ملف سد النهضة»، مضيفاً: «المطلوب من أديس أبابا إبداء حسن النية وتغيير موقفها، وهناك طرح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل أسابيع بشأن سد النهضة يمكن الاستفادة منه، ولا تعقد الأمور وتربط أمراً بأمر، لأن هذا لن يقبل».

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن حصول بلاده على ميناء أو منفذ بحري على البحر الأحمر، «حق ومشروع وطني، وبقاء دولة بحجم إثيوبيا وكثافتها السكانية، دولة حبيسة من دون منفذ بحري أمر لا يقبله العقل ولا القانون الدولي»، مشيراً إلى أن «هذا الحق ينص عليه الدستور والقوانين والأعراف الدولية، وسيتم بطرق سلمية».

وأضاف: «إثيوبيا عندما طلبت منفذاً بحرياً، لم تطلبه بلا ثمن، وإنما طلبت ذلك مقابل منفعة متبادلة، ولدينا كوننا إثيوبيين أشياء كثيرة ينتفع بها إخواننا في دول الجوار، ولهم مصلحتهم ولنا مصلحة، ونستطيع أن نخصص لهم نسبة معينة ونشاركهم في هذه الموارد، وهذا المبدأ تتعاون به دول العالم».

وترفض مصر مشاركة أي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر في حوكمته، وتدعو إلى تفعيل «مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر»، الذي تم تأسيسه عام 2020 في الرياض، ويضم ثماني دول عربية وأفريقية هي: السعودية، ومصر، واليمن، والأردن، والسودان، والصومال، وجيبوتي، وإريتريا، ويهدف إلى تعزيز الأمن والتنمية بين أعضائه.

مباحثات بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإثيوبي خلال زيارة سابقة للقاهرة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

والأربعاء، أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال استقبال نظيره بجنوب السودان، ماندي سيمايا كومبا، بالقاهرة، «أهمية تعزيز التعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة بين دول حوض النيل وفقاً للقانون الدولي، لا سيما مبادئ الإخطار المسبق والتشاور وعدم الإضرار ورفض الإجراءات الأحادية».

ويرى البرلماني الإثيوبي، أن الموقف المصري «يعقد الأمور»، فيما أكد أن «سد النهضة، دائماً وأبداً لن يلحق الضرر بإخواننا من دول المصب (السودان ومصر)، وهذا موقف ثابت لا يتغير».

وأضاف: «أما ما يتعلق بالمنفذ البحري، فهذا حق قانوني ودولي، ونتمنى أن يفهم إخواننا هذه الحقيقة، ويتكلمون بكل إنصاف لأننا إخوة أشقاء، هناك أشياء كثيرة تربط بعضنا ببعض، ولا يستغني واحدنا عن الآخر».

لكن حليمة يرى أن «الموقف المصري ثابت وراسخ، والمسألة تتطلب حتماً أن تغير إثيوبيا من سياستها القائمة على التصرفات الأحادية، وفرض سياسة الأمر الواقع، وأن تتجه إلى عقد اتفاق قانوني ملزم، منصف وعادل، وتتوقف عن المراوغة وتعقيد كل أزمة وإفشال أي حال».

ويعتقد حليمة أن «زيارة الرئيس الإسرائيلي لأديس أبابا تدخل في إطار تعزيز العلاقات واتجاه نحو اتخاذ مواقف متطابقة بصدد ما يجري في المنطقة، لكن مصر واعية ومدركة لكل الأخطار، ولن تسمح بأي مساس بحقوقها، ولن تقبل بأي مسار يقتنص منها، وعلى أديس أبابا أن تراجع نفسها فوراً دون تبريرات غير مقبولة».