«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

حملات تعاطف تحركها السوشيال ميديا... وخبراء يعوّلون على «دور الدولة»

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف
TT

«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف

لا يكاد يمر يوم دون أن نطالع عنواناً في صحيفة، أو على مواقع الإنترنت، يتحدث عن جريمة بشعة هنا أو هناك، لتبدأ المحاكمات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر سلسلة لا نهائية من التغريدات والمنشورات والتقارير الإعلامية، المصحوبة بتعليقات وحملات للتعاطف مع الجاني وتبرير جريمته، وإلقاء اللوم على الضحية، وسط حالة مثيرة للدهشة من «تمجيد العنف»، والاعتياد عليه بصفته جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، فلم تعد مشاهد الدماء والقتل مستهجنة أو غريبة للكل، بل العكس بات البعض يحاول توثيقها بعدسة هاتفه المحمول، ومشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وهو ما يثير التساؤلات حول أسباب اعتياد بعض الناس على العنف، وتمجيدهم للجناة.
وتتشابه مشاهد العنف في الشارع العربي من حيث درجة التفاعل والاستهجان والتعاطف، وإن اختلفت تفاصيل الجرائم، فخلال شهر يوليو (تموز) 2022 استيقظ الفلسطينيون على خبر استخراج جثة رجل من تحت الإسمنت في منزله، ببلدة عجة في جنوب جنين، قتله ابنه، ودفنه وصب فوقه الإسمنت.
https://twitter.com/ShehabAgency/status/1546626903775363074?s=20&t=T1dNj8R7yJrv6T9qW8kXQw
تأتي هذه الحادثة بعد أسابيع من جريمة هزت الشارع المصري، راح ضحيتها الطالبة الجامعية نيرة أشرف، التي قتلها زميلها محمد عادل على أبواب جامعة المنصورة؛ لأنها «رفضت الزواج» منه.
لم يمر يومان حتى شهدت الأردن جريمة مماثلة راحت ضحيتها إيمان إرشيد التي قُتلت بالرصاص داخل الحرم الجامعي في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة شمال العاصمة عمان، وتمكنت قوات الأمن من تحديد مكان القاتل، ولدى محاصرته من قِبل رجال الأمن العام، أقدم على إطلاق النار على نفسه.
يبدو أن الجاني الأردني اتخذ من القاتل المصري قدوة، حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي رسلة تهديد قيل إن الجاني أرسلها لإيمان، تقول «بكرا رح اجي احكي معك وإذا ما قبلتي رح اقتلك مثل ما المصري قتل البنت اليوم».
https://twitter.com/WwwDootnoor/status/1539966943540588546?s=20&t=vbStiQoPdhvAkMrNUoEX7Q
وعلى غرار نيرة أشرف المصرية، وإيمان إرشيد الأردنية، شهد أحد الشواطئ التونسية جريمة قتل وصفت بـ«البشعة» أوائل يوليو 2022، حيث طعن شاب من مواليد 1992 صديقته بسكين أمام الناس في وضح النهار، ثم حاول الانتحار بعدها.
الدكتورة ديما دبوس، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط شمال أفريقيا في مؤسسة «إكواليتي ناو»، ترجع تزايد العنف إلى «الإجراءات الاحترازية خلال جائحة كورونا»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإغلاق، والبطالة والضائقة الاقتصادية، كلها أسباب أدت إلى تزايد العنف في المجتمع، دون توفير وسيلة للشكوى».
بينما يرجع الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، حالة «تمجيد العنف» في الشارع العربي إلى 4 أسباب، وهي كما يقول في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن «وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت الناس تعتاد مشاهد العنف والجدال، إلى جانب غياب الأمن والقانون في الشارع لتقاعس القائمين على تنفيذه عن القيام بدورهم، وبطء الإجراءات القضائية التي تجعل المواطن يتراجع عن اللجوء للقانون، ويقرر الاعتماد على نفسه في الحصول على حقه، وأخيراً حالة الانتقائية في المحاسبة؛ فالغني وصاحب النفوذ يستطيع الهروب من يد العدالة»، مشيراً إلى أن «هناك تشابهاً في العادات والتقاليد في العالم العربي؛ وهو ما يدفع إلى تشابه الجرائم، أو محاولة محاكاتها في بعض الأحيان».
ويضيف صادق «هناك حالة من التعايش في الشارع مع العنف، وخاصة العنف الانتقائي ضد النساء والأقليات، فمن الطبيعي أن يضرب الرجل زوجته أو ابنته أو أخته أمام الناس دون أن يتدخل أحد، ومن يحاول أن يلجأ للقانون لا يجد آذاناً صاغية في هذه الوقائع، وينتهي الأمر بالصلح، وحتى إن تمت معاقبة الجاني، فهناك خوف من الانتقام فيما بعد»، ضارباً المثل بقصة فتاة المول في مصر، «التي تم تشويه وجهها من قِبل متحرش أبلغت عنه».
وتعود قصة فتاة المول إلى عام 2017 عندما تعرضت فتاة لمحاولة قتل أسفرت عن تشويه وجهها، من قِبل شاب سبق أن تحرش بها، وعوقب بالحبس أسبوعين وغرامة 100 جنيه، فعاد لينتقم منها.
لكن خالد القضاة، الصحافي الأردني والمدرب على قضايا السلامة المهنية وأخلاقيات المهنة، يرى أنه «لا يمكن الحديث عن انتشار الجريمة من عدمه لعدم وجود إحصائيات فعلية تقيس ذلك»، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يحدث هو زيادة في معدل نشر أخبار الجريمة بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، والسباق المحموم بينها وبين وسائل الإعلام التقليدية على الجمهور»، مشيراً إلى أن «الناس تعودت على أخبار الجريمة، وأصبحت تتعمق في نشر تفاصيلها وصورها، فأصبحت الجريمة هي الأصل وغير ذلك استثناء».
وأضاف القضاة «نشر تفاصيل الجرائم، يعطي فرصة للشباب الصغير لتعلم كيفية ارتكابها، وبالتالي محاكاتها وتقليدها».
زهور وعمارة، أستاذة في القانون العام وحقوقية تونسية، تشير إلى أن «الجميع أصبح ينظر للعنف من منظور مواقع التواصل الاجتماعي»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الواقع التونسي شهد مؤخراً تمجيداً لحالات العنف ضد النساء، تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي»، ضاربة المثل بقضية المشعوذ بلقاسم الذي عُرضت قصته في شهر مايو (أيار) الماضي، ضمن برنامج «الحقائق الأربع»، وهو شخص استدرج أكثر من 900 سيدة واغتصبهن بدعوى علاجهن من الجن العاشق.
حوادث العنف لا تنتهي؛ ففي نهاية مايو الماضي، كشفت وزارة الداخلية المصرية عن تفاصيل واقعة مفجعة حدثت في إحدى محافظات دلتا مصر، بعد أن قتلت أم أطفالها الثلاثة، تاركة رسالة وداع لزوجها الذي يعمل خارج البلاد، قالت فيها «أنا يا محمد وديت ولادك للجنة، أنت أيضاً ستلحقهم للجنة، أنا قصّرت مع أطفالي خصوصاً أحمد، اصبر واحتسبهم عند الله، ويا بختك بالجنة، أما أنا، فادعيلي لأني كنت بتعذب في الدنيا ومش قادرة أعيش».
وشهدت الأردن بداية شهر يوليو 2022 جريمة مشابهة قتل فيها رجل طفلتيه 9 و12 عاماً، ودفنهما بمحيط المنزل.
https://twitter.com/ajelnews24/status/1544318143467819008?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي فبراير (شباط) الماضي اعتقلت السلطات المغربية في الدار البيضاء شاباً (36 سنة)، بتهمة قتل والده وزوجة أبيه، طعناً بالسكين، وفي المغرب أيضاً في عيد الأضحى قتل شاب عشريني صديقه إثر نشوب مشادة كلامية بينهما انتهت بطعنه بسكين الأضحية.
وشهدت الجزائر نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي وقائع جريمة قتل قام خلالها شاب يحمل سلاحاً أبيض بشن هجوم على ممرضتين بالقرب من المستشفى، ليقتل الأولى ويصيب الثانية.
وفي الكويت، هزت جريمة الطفل صقر المطيري القلوب خلال شهر يوليو 2022 بعدما ترددت أنباء عن قتل والدته له.
https://twitter.com/goldendose/status/1546169052409827330?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
https://twitter.com/moi_kuw/status/1546112468270911490?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وبدأت الناس تطالب بعدم نشر تفاصيل أكثر عن القصة، وهو ما ذكرته دكتورة مريم المنصوري، في تغريدة على حسابها الشخصي على «تويتر»، قالت فيها «أتمنى ما ينشرن تفاصيل أكثر عن قصة الولد المقتول من أمه».
https://twitter.com/dr_m_almansouri/status/1546581033516240899?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي واقعة أخرى في الشهر نفسه، تداول رواد مواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشخص يعتدي على زوجين بالسكين في شوارع الكويت.
https://twitter.com/sa_almjd/status/1546662603287662592?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وأثارت هذه الجرائم ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها انتقد عدم تفاعل المارة، وإصرارهم على تصوير الجريمة بدلاً من محاولة منعها، كما تقول مهجة السقا في تغريدة لها على «تويتر» تعليقاً على واقعة نيرة أشرف «إنك تموت بشرف أحسن ما تموت وأنت ماسك موبايلك بتصور جريمة بشعة كأنك مخرج فيلم إدرامي».
https://twitter.com/mouhga22/status/1547054559251648513?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
والبعض الآخر عمد إلى لوم الضحية نيرة أشرف، باعتبارها السبب في الجريمة، ومحاولة تبرير سلوك القاتل، لدرجة التعاطف معه، وإنشاء مجموعات لدعمه على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمع تبرعات في محاولة لدفع الدية، لتخليصه من عقوبة الإعدام، من بينها مجموعة على «فيسبوك» حملت عنوان «ظلم محمد عادل قاتل نيرة أشرف تخفيف الحكم»، طالب روادها بمحاكمة عادلة لمحمد عادل، واصفين ما يحدث له بالظلم.
https://www.facebook.com/groups/441969830795322
وحول أسباب التعاطف مع المجرمين، يقول الدكتور صادق «السبب يرجع لتدهور أخلاق المجتمع، إضافة إلى أن بعض المتعاطفين يمارسون نفس الجرائم بشكل أو بآخر؛ مما يدفعهم تلقائياً للتعاطف مع أقرانهم»، مؤكداً أهمية دور الإعلام في «فرملة المجتمع، وعدم تشجيع العنف، أو التعاطف مع المجرمين، كما يحدث الآن».
بينما يرى خالد القضاة، أن «الجمهور يستغل هذه الجرائم وسيلة لتوجيه انتقادات سياسية للحكومة، والتعبير عن احتقانه من إجراءاتها، وهو ما يفسر تعاطفه أحيانا مع الجناة انتقادا لتقصير الدولة في أداء دورها، كما حدث مؤخراً في قضية السطو على البنوك في الأردن، حيث تعاطف الجمهور مع اللصوص، وكانوا يتابعون نجاحهم وفشلهم، وخططهم، بتشجيع من الإعلام؛ لأن المؤسسات البنكية رمز لسيطرة الدولة على الناس وتكبيلهم بالقروض».
وهنا تقول وعمارة، إن «قضية بلقاسم على سبيل المثال أثارت بلبلة على وسائل التواصل الاجتماعي وانقسم الرأي العام التونسي بين رافض لما أقدم عليه بلقاسم وبين من يلوم النساء لأنهن خضعن لأكاذيب المشعوذ، ووصل الأمر إلى الحديث عن هشاشة المرأة، وابتعادها عن الدين، مستنكرين قبول النساء بمثل هذه الحلول الجنسية، ومجّد البعض هذا العنف الجنسي الذي سلط على الضحايا كنوع من التشفي والعقاب لما أقدمن عليه».
وتتهم دبوس المجتمع العربي بـ«الذكوري»، وتقول، إن «المجتمع دائماً ما يتعاطف مع الرجل ويلوم المرأة”، ضاربة المثل «بجريمة قتل شهدتها لبنان مؤخرا، قتل فيها رجل زوجته مع سبق الإصرار والترصد، لكن المجتمع تعاطف معه، بما في ذلك القضاء، وتم تخفيف الحكم عليه، تحت دعوى اتهامها بالخيانة».
الاحتفاء بالقتلة والتعاطف معهم ليس ظاهرة جديدة على العالم، وإن بدا أكثر وضوحاً اليوم بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، ففي عام 1925 اعتقل غيرالد شابمان في ولاية إنديانا الأميركية، والذي كان يعدّ واحداً من أخطر عشرة مجرمين في أميركا، وخلال 6 أيام من المحاكمة تجمع الناس خارج المحكمة، وفور صدور حكم الإعدام شنقاً «لعن الرجال وبكت النساء»، وقالت صحيفة «ذا هارفارد كريمسون» في تقرير بتاريخ 6 أبريل (نيسان) 1925، إن «الصحف لعبت دوراً في زيادة شعبيته عند الناس، وعندما يعدم سيغطى قبره بالورود»، وهو ما حدث بالفعل، حيث نفذ الحكم عام 1926، ولسنوات بعد دفنه ظلت النساء تزور قبره وتضع حوله الزهور.
ويعد تيد باندي واحداً من أشهر المجرمين في التاريخ الأميركي، حيث قتل واغتصب نحو 100 امرأة، وتم القبض عليه وإعدامه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وكان يتلقى رسائل إعجاب أثناء وجوده في السجن، وعندما عرضت نتفليكس حلقات وثائقية تروي قصته، وتتضمن تسجيلات صوتية له، عام 2019 حاز باندي تعاطف المشاهدين؛ وهو ما دفع البعض للمقارنة بين حالته وبين حالة التعاطف مع محمد عادل.
https://www.facebook.com/samar.alzohairy11/posts/pfbid02n9cregwtgawK4fdqhZb9ufCfuAY45Uvnvg7zaCNDuoRLHv7ommAkXwxqetfUpgwml
ويشير صادق إلى أنه «مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمن، يزداد العنف، خاصة مع غياب الوازع الأخلاقي»، محملاً الدولة مسؤولية سياسية عن «إعادة ضبط بوصلة المجتمع الأخلاقية»، ويقول «في أحداث العنف الكبرى في العالم عادة ما يكون هناك تحرك من الجهات العليا في الدولة لإدانة العنف، ومواساة الضحايا، كما يحدث في أحداث إطلاق النار المتكررة في الولايات المتحدة، وهو ما يؤكد عدم تسامح الدولة مع العنف، ويساهم في توجيه المجتمع أخلاقياً، لكن للأسف رغم كثرة الحوادث في المنطقة العربية، لم نرَ تحركات مماثلة».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


في غياب الإغاثة واستهتار الحوثيين... الموت جوعاً للنازحين اليمنيين

يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)
يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)
TT

في غياب الإغاثة واستهتار الحوثيين... الموت جوعاً للنازحين اليمنيين

يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)
يمنيات يواجهن ظروفاً معقدة في مخيمات النزوح بخاصة أثناء الحمل والولادة (الأمم متحدة)

كشفت وفاة زوجين يمنيين بسبب الجوع في أحد مخيمات النزوح، بمناطق سيطرة الحوثيين، عن تسارع خطير في وتيرة التدهور الإنساني والصحي، بعد سلسلة من التحذيرات الأممية عن تنامي الجوع الذي يهدد ملايين السكان، وبالتزامن مع توزيع الجماعة مواد غذائية تالفة وسخرية قادة فيها من صراخ الجوعى.

فمنذ أيام تدهورت الحالة الصحية لأرملة المسن عبد الله مستباني المتوفى منذ أسابيع قبل أن تلحق به، نتيجة سوء التغذية الحاد وافتقاره للرعاية الصحية الأساسية في مخيم للنزوح في مديرية عبس بمحافظة حجة (شمال غرب)، رغم المناشدات التي أُطلقت لتوفير الغذاء والدواء اللازمين لإنقاذ حياتها، في حين يحذر ناشطون محليون من وضع أشبه بالمجاعة.

وذكر ناشطون محليون أن مستباني توفي منتصف مايو (أيار) الماضي بعد أشهر من المرض وسوء التغذية، رغم المطالبة بالتدخل وتقديم المساعدة لإنقاذ حياته، لتأتي وفاة زوجته، أخيراً، معيدة تسليط الضوء على اتساع رقعة الجوع والمرض داخل مخيمات النزوح وما تفرضه الأوضاع الإنسانية المتدهورة من أعباء على الأسر الفقيرة.

الأطفال يدفعون ثمناً باهظاً بسبب تدهور الوضع الإنساني في اليمن (الأمم المتحدة)

وبينما يؤكد الناشطون اليمنيون أن معاناة مستباني وزوجته مع المرض والجوع كانت مشتركة واستمرت لأشهر عديدة، يشيرون إلى أن الجماعة الحوثية والجهات الإغاثية التابعة لها تجاهلت مأساتهما والمناشدات التي أطلقت لإنقاذهما.

وجاءت واقعة وفاة المرأة بعد أسبوعين فقط من إعلان الأمم المتحدة، أواخر الشهر الماضي، عن ظهور جيوب مجاعة في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع تسجيل أعلى معدل عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ التي يرتفع فيها خطر الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.

اختلالات اجتماعية

تتوقع الأمم المتحدة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، يمثلون 53 في المائة من سكان اليمن، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الحالي.

يقول إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الاقتصادي والإنساني، إن جزءاً كبيراً من المجتمع اليمني مهدد بالفناء في قرابة 50 مديرية، في ظل تناقص معدل النمو السكاني في البلاد من 3.2 في المائة إلى 2.2 في المائة، وتراجع المانحين عن التمويل، مستغرباً عدم التدخل الإنساني، كما يلزم القانون الدولي لإنقاذ الأرواح.

أزمة النازحين داخلياً في اليمن من أكثر الأزمات تعقيداً حول العالم (الأمم المتحدة)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، اتهم القرشي العاملين في المجال الإنساني بالمغالطة في معالجة مؤشرات المجاعة وسوء التغذية من خلال تصميم برامج لا ترقى لمعالجة الكارثة، واحتكار الأمم المتحدة المكملات الغذائية الخاصة بسوء التغذية، وحرمان أي جهة من الحصول عليها، في حين تحولت هي إلى ضحية لممارسات الجماعة الحوثية.

وبين أن الجهات الإغاثية خارج إطار الأمم المتحدة لا تحصل علي المعلومات الموثوقة ولا البرامج المصممة بشكل فني ودقيق لمعالجة كل القضايا تقريباً، كما يتسبب في إهدار أموال طائلة بسبب عدم المعرفة بمتطلبات الأزمة، مشيداً بالدعم السعودي الذي يساهم في تخفيفها وسط تجاهل دولي تام.

ودعا إلى الأخذ بالاعتبار بوادر المجاعة في اليمن والنظر إلى سوء التغذية ككارثة يجب مواجهتها بشكل مباشر وفعال وبأسرع.

استهانة بمشاعر الجوعى

في غضون ذلك، أثارت تصريحات للقيادي الحوثي محمد مفتاح القائم بأعمال رئيس حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، والتي طالب فيها الجائعين إلى العمل بالمجان للقضاء على البطالة، غضباً وتهكماً واسعين.

وأبدى مفتاح استغرابه من انتشار مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يشكو فيها المستخدمون من الفاقة وانعدام فرص العمل ومصادر الدخل، ودعاهم إلى توفير المبالغ التي ينفقونها على الإنترنت، والخروج للعمل ولو بالمجان، لحل مشكلة البطالة.

وبينما يرى غالبية السكان أن تصريحات القيادي الحوثي، وتوزيع القمح الفاسد على السكان يمثل استهتاراً بالغاً بمعاناتهم وأمنهم الغذائي، طالب جمال بلفقيه، رئيس اللجنة العليا للإغاثة، الأمم المتحدة بإدانة ممارسات الجماعة التي أدت إلى مفاقمة الأزمة الإنسانية في اليمن، والتي لم تتوقف باختطاف الموظفين الأمميين المسؤولين عن أعمال الإغاثة وتقديم المساعدات.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة التي يرأسها ترصد الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق أعمال الإغاثة من سرقة المساعدات أو إحراقها كما حدث في صوامع الغلال في الحديدة، أو استخدامها للابتزاز من أجل إيقاف العمليات العسكرية للحكومة الشرعية.

يمنية تعدّ الطعام لعائلتها في ظل أوضاع معيشية فاقمها تراجع الإغاثة الأممية (الأمم المتحدة)

كما طالب بإعادة تنظيم العمليات الإغاثية من خلال رؤية استراتيجية لهذا النشاط، وانطلاق عمل المنظمات من المناطق المحررة التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية، وإيداع أموال المساعدات في البنك المركزي لدعم العملة المحلية، وتحويل المساعدات الإغاثية من سلال غذائية إلى مشروعات تنموية لدعم المجتمعات المحلية وتمكين الأفراد من الحصول على فرص العمل.

وكانت الجماعة الحوثية وزعت، خلال الأيام الماضية، دقيقاً فاسداً على عدد من العائلات المتضررة من تردي الأحوال المعيشية في العاصمة صنعاء وعددٍ من مناطق سيطرتها، بعد شرائه من أحد المستوردين في صفقة مشبوهة.


هواجس مصر بشأن «تهجير الفلسطينيين» مستمرة رغم «الضمانات الأميركية»

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (مجلس الوزراء)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (مجلس الوزراء)
TT

هواجس مصر بشأن «تهجير الفلسطينيين» مستمرة رغم «الضمانات الأميركية»

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (مجلس الوزراء)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (مجلس الوزراء)

رغم الخطة الأميركية للسلام في قطاع غزة التي تم التوقيع عليها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتضمنت بنداً ينص صراحة على عدم إجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم، وعلى الشروع في عملية إعادة إعمار القطاع، تستمر الهواجس المصرية بشأن مساعي التهجير الإسرائيلية.

وعكست تصريحات أدلى بها وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، مساء الثلاثاء، هذه الهواجس، حين قال إن ملف تهجير الفلسطينيين «سيظل قائماً ما دامت فكرة (إسرائيل الكبرى) باقية في الوعي الإسرائيلي العام، سواء على المستوى المجتمعي أو الفكري».

وتأتي تصريحات رشوان بعد أقل من شهر على أخرى لوزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، تحدث فيها عن «تنفيذ خطة (الهجرة الطوعية) في التوقيت والطريقة المناسبين»، وفي ظل جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مع اتجاه إسرائيل نحو توسيع مناطق سيطرتها في القطاع، وكذلك تسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية.

وقال رشوان خلال لقاء تلفزيوني: «مخطط التهجير لن يختفي، فقد يقل عدد المؤيدين له أو يزيد، لكن وجوده سيبقى قائماً». واستطرد: «الفكرة كامنة وموجودة في صلب الفكر الصهيوني، ولذلك يمكن أن تُبعث من جديد في أي لحظة، لكن الأهم هو ما فعلته مصر، وما تم التوصل إليه من تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن عدم إجبار أي فلسطيني على الخروج من غزة، وأن من يخرج طوعاً يكون له الحق في العودة».

وتنص خطة ترمب للسلام في غزة على أنه «لن يُجبَر أحد على مغادرة غزة، وأولئك الذين يرغبون في مغادرتها سيكونون أحراراً في القيام بذلك والعودة إليها». ويضيف النص: «سنشجّع الناس على البقاء ونوفّر لهم الفرصة لبناء غزة أفضل... ولن تحتلّ إسرائيل غزة أو تضمّها إليها».

مصريون في مظاهرة أمام معبر رفح رفضاً لتهجير الفلسطينيين (أرشيفية - وكالة أنباء الشرق الأوسط)

وقال رشوان: «أنصار فكرة التهجير يشكلون النسبة الأكبر داخل حكومة التطرف؛ لكن من المرجح ألا تستمر حكومة التطرف التوراتي بعد الانتخابات المقبلة، وبالتالي قد يصبح تأثيرها المباشر في السياسة الإسرائيلية على الأرض أقل، إلا أن ذلك لا يعني أنه بمجرد رحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يكون الموضوع قد انتهى، فالأمر ليس كذلك على الإطلاق».

وأضاف أن مصر «عُرض عليها وضُغط عليها بما يكفي لتقبل تهجير الفلسطينيين إلى أراضيها أو غير أراضيها، لكن مصر لم تقبل عبورهم من أراضيهم إلى أي مكان آخر».

تعقيدات القضية

المفكر السياسي وعضو مجلس الشيوخ سابقاً، عبد المنعم سعيد، يرى أن استمرار الهواجس المصرية «يرجع إلى طبيعة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، ولأن القضية الفلسطينية لم يتم حلها بشكل نهائي بعد وتعاني تعقيدات عديدة».

وأضاف: «الإسرائيليون سلموا أنفسهم إلى نخبة حالية ذات طبيعة متطرفة وعنصرية تضغط باتجاه تمرير تلك المخططات».

وواصل حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الوضع الحالي بحاجة إلى استراتيجية عربية موحدة للتعامل مع السلوك الوحشي للحكومة المتطرفة، وأن يكون هناك توازن قوى عبر تعاون عسكري عربي يقف بالمرصاد للمخططات الإسرائيلية».

وتابع: «تعمل الحكومة الإسرائيلية الحالية على تغذية خططها نحو تهجير الفلسطينيين أو قتلهم، وتزرع في نفوس مواطنيها أنهم يشكلون خطراً على بقائها»، مضيفاً أن استمرار الصراعات في مناطق مختلفة بالمنطقة يغذي استمرار خطر التهجير.

شاحنة عند معبر رفح الحدودي (الهيئة العامة للاستعلامات)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن الموقف المصري واضح في رفض التهجير وعدم السماح بتمرير المخططات الإسرائيلية التي تتعارض مع القوانين والمواثيق الدولية وتخالف الخطة الأميركية للسلام في قطاع غزة، مشيراً إلى أن القاهرة «تتنبه إلى كل المحاولات التي تستهدف خلق أرضية تمهد لإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم».

«خط أحمر»

وأكدت مصر مراراً وتكراراً أن «التهجير من قطاع غزة خط أحمر لن تسمح بتجاوزه»، كما شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة على أن مصر ترفض تهجير فلسطينيي قطاع غزة إلى سيناء أو أي مكان آخر؛ «منعاً لتصفية القضية الفلسطينية وحماية لأمن مصر القومي».

وهناك خطوات تنفيذية على الأرض تشي بمُضي إسرائيل قدماً نحو تنفيذ المخطط بعد تعيين العقيد (متقاعد) يعقوب بليتشتين رئيساً لـ«إدارة الانتقال الطوعي لسكان غزة» في مارس (آذار) من العام الماضي.

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك إن الهيئة ستتخذ إجراءات «لإعداد وتمكين مرور سكان غزة بأمان لغرض خروجهم الطوعي إلى دول ثالثة، بما في ذلك تأمين حركتهم، وإنشاء مسار مروري، وتفتيش المشاة عند المعابر المخصصة في قطاع غزة».

وقال الحفني إن التأكيد المصري المتواصل على استمرار خطر التهجير «لا يتعلق فقط بمخاوف من تمرير مخططات متطرفة، لكنه يُعبر عن يقظة دائمة ومتواصلة بشأن محاولات فرض أمر واقع على الأرض».

وأضاف: «مصر توظف علاقاتها مع مختلف دول العالم التي ترتبط معها بمصالح مشتركة لوأد هذه الخطط وتشكيل موقف صلب يقف حائلاً أمام تنفيذها على أرض الواقع».


الحوثيون يسعون لترميم واجهتهم المتآكلة بحكومة جديدة

تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)
تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يسعون لترميم واجهتهم المتآكلة بحكومة جديدة

تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)
تحميل القائم بأعمال رئاسة حكومة الحوثيين مسؤولية الإخفاقات (إعلام محلي)

في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية شمال اليمن، وتزداد التحذيرات من تفاقم أوضاع الجوع والفقر، كشفت مصادر سياسية يمنية عن ترتيبات يقودها زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، لتشكيل حكومة انقلابية جديدة؛ في خطوة لإعادة ترميم واجهة الجماعة السياسية والتنفيذية وامتصاص حالة الاحتقان الشعبي المتصاعدة.

وتأتي هذه التحركات بعد نحو عام من مقتل رئيس الحكومة الانقلابية غير المعترف بها، أحمد الرهوي، وعدد من الوزراء في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً بصنعاء، في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً متصاعدة نتيجة التدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية واتساع رقعة الفقر والبطالة.

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن النقاشات داخل أروقة الجماعة تتركز حالياً على اختيار رئيس جديد للحكومة وإعادة تشكيل عدد من الوزارات، وسط مساعٍ لتقديم التغيير بوصفه استجابة للمطالب الشعبية المتصاعدة، في ظل توقعات بأن الخطوة لن تتجاوز حدود إعادة تدوير الوجوه السياسية دون إحداث تغيير فعلي في طريقة إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

ووفق المصادر، يأتي الحديث عن التغيير الحكومي في ظل تصاعد حالة السخط بين السكان بسبب التدهور المستمر للأوضاع المعيشية، وفشل السلطات الحوثية في معالجة المشكلات الاقتصادية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة.

قمع الحوثيين المنظمات الدولية عطل برامج المساعدات الإنسانية (إعلام محلي)

وأسهمت إجراءات الجماعة ضد المنظمات الدولية والأممية في تعقيد الوضع الإنساني، بعد إغلاق عدد من المكاتب واعتقال عشرات الموظفين المحليين والدوليين العاملين في المجال الإغاثي؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على برامج المساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين.

وتؤكد المصادر أن توقف أو تقليص المساعدات الغذائية في كثير من المناطق أدى إلى زيادة معاناة الأسر الفقيرة، خصوصاً في الأرياف ومخيمات النزوح، حيث باتت أعداد متنامية من العائلات تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.

وفي موازاة ذلك، تستمر مطالب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين بصرف رواتبهم المتوقفة منذ سنوات، في إحدى أعلى القضايا حساسية وتأثيراً على حياة السكان، وسط اتهامات للجماعة بتوجيه الإيرادات العامة نحو الإنفاق العسكري والتعبئة والتجنيد بدلاً من الوفاء بالالتزامات المالية تجاه الموظفين.

مسؤولية الإخفاق

أفادت المصادر بأن عبد الملك الحوثي حمّل القائم بأعمال رئيس الحكومة غير المعترف بها، محمد مفتاح، مسؤولية جانب من الإخفاقات الاقتصادية والإدارية التي شهدتها مناطق سيطرة الجماعة خلال الفترة الماضية.

ووصفت المصادر مفتاح بأنه شخصية دعوية وآيديولوجية أكثر منه مسؤولاً يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة ملفات اقتصادية معقدة؛ الأمر الذي جعله هدفاً للانتقادات داخل بعض دوائر الجماعة نفسها.

وأضافت أن مكتب زعيم الجماعة يدرس أسماء متعددة لخلافته، مع منح أولوية لشخصيات تنحدر من المحافظات الجنوبية، في محاولة لإظهار قدر من التوازن الجغرافي والتمثيل السياسي داخل مؤسسات السلطة التي تديرها الجماعة.

غير أن المصادر شددت على أن هذه المناصب تظل محدودة التأثير، وأن شاغليها لا يمتلكون القدرة الفعلية على اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالسياسة أو الاقتصاد أو الأمن.

مصور يمني في صنعاء يوثق آثار ضربة إسرائيلية لمحطة وقود (إ.ب.أ)

وعلى الرغم من الحديث عن حكومة حوثية جديدة، فإن المصادر تؤكد أن موازين القوة داخل الجماعة لم تتغير خلال السنوات الماضية، وأن النفوذ الحقيقي ما زال متركزاً في دائرة ضيقة تدير الملفات السياسية والمالية والعسكرية.

وتشير المصادر إلى أن أحمد حامد، المعروف باسم «أبو محفوظ»، لا يزال اللاعب الأكبر تأثيراً في إدارة مؤسسات الجماعة، من خلال إشرافه المباشر على مكتب ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى»، وهو الموقع الذي منحه صلاحيات واسعة تتجاوز صلاحيات الوزراء والمحافظين.

ووفقاً للمصادر، فإن كثيراً من المسؤولين لا يستطيعون التصرف في الموازنات المالية أو اتخاذ قرارات إدارية مهمة دون موافقة مسبقة منه؛ مما يجعل أي حكومة جديدة خاضعة عملياً للمنظومة ذاتها التي تدير السلطة منذ سنوات.

صراع الأجنحة والحصص

تكشف المصادر عن استمرار الخلافات بين مراكز القوى داخل الجماعة بشأن توزيع الحقائب الوزارية واختيار الشخصيات التي ستتولى المناصب القيادية في الحكومة الجديدة.

ووفق هذه المصادر، فإن التنافس لا يدور بشأن برامج إصلاح أو رؤى اقتصادية، بقدر ما يرتبط بحسابات النفوذ وتقاسم المواقع بين الأجنحة المختلفة والقوى المتحالفة مع الجماعة.

وتضيف المصادر أن التوجه الغالب يميل إلى اختيار شخصية محسوبة على جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الموالي للحوثيين لرئاسة الحكومة الجديدة، استمراراً للنهج الذي اتبعته الجماعة في تشكيل الحكومات السابقة.

كما تشير المعلومات إلى أن الشخصية المطروحة للمنصب كانت من بين القيادات التي وقفت إلى جانب الحوثيين خلال المواجهة مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح أواخر عام 2017، قبل مقتله على أيدي الجماعة في صنعاء.

اتهامات للحوثيين بتوجيه الإيرادات نحو أنشطة التعبئة والتجنيد (إعلام محلي)

وفي مؤشر على اقتراب التغيير، شنت وسائل إعلام محسوبة على الجماعة خلال الأيام الأخيرة حملة انتقادات للحكومة الحالية، ركزت على ضعف الأداء الإداري والخدمي واستمرار مظاهر الفساد والقصور في المؤسسات العامة.

وخصصت قناة «الساحات» التابعة للجماعة ويشرف عليها كوادر من «حزب الله» اللبناني، حلقات وبرامج لمناقشة أداء الحكومة الانقلابية بعد مرور عامين على تشكيلها، وطرحت أسئلة مباشرة بشأن أسباب استمرار الإخفاقات وعجز المؤسسات الرسمية عن معالجة المشكلات المتراكمة.

وامتدت الانتقادات أيضاً إلى قطاعات خدمية عدة، من بينها التربية، حيث اشتكى ناشطون موالون للجماعة من عدم التزام المدارس الأهلية التسعيرات الرسمية للكتب المدرسية، ومن عجز كثير من المدارس الحكومية عن توفير الكتب للطلاب.

وأشار المنتقدون إلى اضطرار كثير من الأسر إلى شراء الكتب من الأسواق والباعة المنتشرين في الشوارع بأسعار مرتفعة؛ مما يضيف أعباء مالية جديدة على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

كما طالت الانتقادات قطاع السياحة، حيث تحدث ناشطون عن استمرار الفوضى في أسعار الفنادق والمنشآت السياحية، وعدم التزامها التسعيرات الرسمية، مؤكدين أن أسعار بعض الخدمات أصبحت أعلى من مثيلاتها في عدد من العواصم العربية رغم تواضع مستوى الخدمات المقدمة.