بايدن يَعد إسرائيل بـ«اندماج أعمق» في المنطقة... ويشدد على حل الدولتين

عدّ العلاقات معها «الأقوى تاريخياً» وتعهد تعزيز الشراكة الدفاعية والتكنولوجية... ولبيد يدعو إلى «حلف عالمي قوي» ضد إيران

بايدن متوسطاً لبيد وهرتسوغ في مطار بن غوريون أمس (أ.ف.ب)
بايدن متوسطاً لبيد وهرتسوغ في مطار بن غوريون أمس (أ.ف.ب)
TT

بايدن يَعد إسرائيل بـ«اندماج أعمق» في المنطقة... ويشدد على حل الدولتين

بايدن متوسطاً لبيد وهرتسوغ في مطار بن غوريون أمس (أ.ف.ب)
بايدن متوسطاً لبيد وهرتسوغ في مطار بن غوريون أمس (أ.ف.ب)

افتتح الرئيس الأميركي جو بايدن جولته على المنطقة من إسرائيل، أمس، بوعد بتعميق اندماجها في المنطقة عبر توسيع اتفاقات السلام وأطر التعاون الأمني. لكنه في الوقت نفسه شدد على أهمية حل الدولتين والحاجة إلى «سلام أكثر».
وحظي بايدن باستقبال كبير في مطار بن غوريون، حيث كان في انتظاره بايدن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، ورئيس الوزراء يائير لبيد، ورئيس الوزراء المناوب نفتالي بنيت، ومعظم أعضاء الحكومة. وفور وصوله، ألقى بايدن كلمة أكد فيها أن العلاقات مع إسرائيل «أعمق وأقوى من أي وقت».
وشدد على أهمية السلام، قائلاً: «ثمة حاجة إلى سلام أكثر، واستقرار أكثر، وهذه أمور بالغة الأهمية بالنسبة لشعوب المنطقة. ولذلك سنبحث في استمرار دعمي المتواصل لحل الدولتين (إسرائيلية وفلسطينية) والذي يبقى من وجهة نظري أفضل طريق لضمان المساواة والازدهار والسلام للفلسطينيين والإسرائيليين ويحافظ على إسرائيل كدولة ديمقراطية».
- دفع اندماج إسرائيل في المنطقة
وتعهد بـ«دفع اندماج إسرائيل في المنطقة وتعزيز الكيانات الناشئة والمشاركة مثل قمة «آي تو يو تو» الجديدة التي ستضم إسرائيل والإمارات والهند مع الولايات المتحدة لتعميق تعاوننا الاستراتيجي». وأضاف أن البلدين سيعززان علاقاتهما على نحو أكبر، مشيراً إلى شراكة تتعلق «بأنظمة الدفاع الأكثر تطوراً». وأضاف «أفخر بأن هذه هي زيارتي العاشرة».
ورحب الرئيس الإسرائيلي ببايدن بكلمة قال فيها: «لقد كنت طوال حياتك صديقاً حقيقياً وداعماً مثابراً لدولة إسرائيل وشعب إسرائيل... رياح السلام تهب من شمال أفريقيا، مروراً بالبحر المتوسط، وحتى الخليج».
وألقى لبيد كلمة عدّ فيها الزيارة «تاريخية كونها تعبر عن العلاقة غير القابلة للكسر التي تربط دولتينا بعضهما ببعض وعن التزامنا بالقيم المشتركة، وبالديمقراطية، وبالحرية، وبحق الشعب اليهودي في امتلاك دولة خاصة به. وزيارة شخصية كون علاقاتك مع إسرائيل دائماً ما كانت شخصية... وبما أنك لم تأتِ إلى هنا منذ عدة سنوات، فخلال الأيام المقبلة سترى كيف نمت وتطورت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة».
- حلف ضد إيران
وقال: «خلال زيارتك سنُجري محادثات حول قضايا الأمن القومي، وسنبحث بناء الهيكلية الأمنية والاقتصادية الجديدة مع شعوب الشرق الأوسط بعد اتفاقيات إبراهيم وإنجازات قمة النقب، وسنبحث ضرورة إعادة تشكيل حلف عالمي قوي كفيل بوقف البرنامج النووي الإيراني».
وتوجه بايدن بعد الاستقبال الحار إلى منطقة جانبية في المطار، تم فيها بناء معرض للمضادات الصاروخية «القبة الحديد». فقد كان مفترضاً أن يزور مصانع هذه الصواريخ، لكن لضيق الوقت تم نقل المعرض إلى المطار خصيصاً. وهناك اطّلع على منظومات الدفاع الجوية المتعددة الطبقات لاعتراض الصواريخ، وآخرها «الشعاع الحديد» الذي يعمل بالليزر.
- «الشعاع الحديد»
وشرح وزير الدفاع بيني غانتس، أمام بايدن، كيف تعمل هذه المنظومات. وقال إن «القبة الحديد» كانت «أسطورة في جدواها لكن كل صاروخ تقذفه لإسقاط الصواريخ كان يكلف 60 ألف دولار، بينما منظومة الشعاع الحديد التي ستدخل إلى العمل بعد سنتين تكلف دولاراً واحداً في كل عملية إسقاط». وأكد أن هذا الاختراع الإسرائيلي تم بتمويل أميركي وبشراكة في المعرفة التكنولوجية بين البلدين.
وكان بايدن قد امتنع عن مصافحة المسؤولين الإسرائيليين الذين استقبلوه بحفاوة، خوفاً من عدوى «كورونا» وبسبب الحر الشديد، ولم يقترب من الوزراء واكتفى بالتقاط صورة جماعية معهم. لكن مَن خرق القاعدة هو غانتس ثم رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو الذي صافحه بقوة. فقال له بايدن: «أنت تعرف بأنني أحبك»، فأجابه نتنياهو: «أنت كبير يا جو».
ولفت النظر تهامس بين لبيد وبايدن، وعندما سُئل عنه، أجاب لبيد: «كنت قد التقيت بايدن قبل ثماني سنوات في مكتبه وهو نائب للرئيس، فقال لي: لو كان لي الشعر الذي عندك لكنت أصبحت رئيساً. فأجبته قائلاً: لو كان لي طولك لكنت صرت رئيس وزراء إسرائيل. وقد ذكّرته بما قاله لي وبما أجبته».
والتقى بايدن مع بنيت، فأعرب له عن إعجابه به وبما فعله في تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية.
- «إعلان القدس»
وتخطط الولايات المتحدة وإسرائيل لإصدار بيان مشترك يطلق عليه اسم «إعلان القدس» الذي من المفترض أن يكون بمثابة خريطة طريق للعلاقات بين البلدين في السنوات المقبلة، ويتضمن التزامات أمنية أميركية لإسرائيل وتأكيداً متكرراً للعلاقات الاستراتيجية التي لا يمكن أن تنفصم.
ووفقاً لتسريبات، فإن الإعلان سيتضمن موقفاً أميركياً - إسرائيلياً متشدداً ضد حصول إيران على القنبلة النووية، وسيعلن التزام البلدين باستخدام كل عناصر القوة والنفوذ الوطني لمواجهة التهديدات النووية الإيرانية. كما يتضمن التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على قدرات إسرائيل العسكرية وتعزيز قدراتها على الردع والدفاع عن نفسها في مواجهة أي تهديد.
- أجندة لقاءات بايدن
ومن المقرر أن يعقد بايدن اليوم (الخميس) لقاءً ثنائياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. وبعد اللقاء الثنائي، سيشارك بايدن في الاجتماع الأول لقادة مجموعة غرب آسيا I2U2 الذي يضم قادة إسرائيل والهند والإمارات العربية، وهو كيان يشبه التحالف الأمني الذي أقامه بايدن في المحيطين الهندي والهادي مع بريطانيا وأستراليا AUKUS الذي سيسمح بمشاركة أكبر للقدرات الدفاعية. ويندرج كلا التحالفين في إطار خطط أميركا لمواجهة الصين بشكل أساسي، إذ يأتي تحالف I2U2 مقابلاً للاتفاق الاستراتيجي الذي وقّعته الصين مع إيران لمدة 25 عاماً.
وتشمل اجتماعات بايدن اليوم، لقاءً مع نظيره هرتسوغ الذي سيقلّده وسام الرئاسة الإسرائيلي. ثم يلتقي مع نتنياهو، رغم التوتر الطويل في علاقات الرجلين. وحرص بايدن على هذا اللقاء حتى لا يبدو متحيزاً في الانتخابات المقبلة تجاه طرف ضد آخر.
وتمر إسرائيل بمرحلة انتقالية مشوبة بالتوترات والاضطرابات السياسية مع الاستعداد لجولة انتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل هي الخامسة في فترة لا تتعدى ثلاث سنوات. وتسعى للحصول على تطمينات من الإدارة الأميركية بشأن إيران والاطلاع بشكل مكثف على مسارات ونقاشات أي إحياء محتمل للاتفاق النووي، كما تسعى إلى علاقات أقوى أمنياً واستخباراتياً واقتصادياً في المنطقة، وهو ما يسميها بايدن «مساعدة إسرائيل على مزيد من الاندماج في المنطقة» وتوثيق العلاقات مع الدول العربية.
- توقعات محدودة فلسطينياً
وهناك قلق في إسرائيل من أن يترجم المسعى الأميركي للتقريب بين إسرائيل ومزيد من الدول العربية، إلى ممارسة ضغوط عليها لتقديم تنازلات للفلسطينيين، منها إعادة فتح القنصلية الأميركية للشؤون الفلسطينية في القدس الشرقية، وهو الأمر الذي تعارضه إسرائيل بشدة.
وتضغط السلطة الفلسطينية والدول العربية للحصول على تعهدات أميركية بتنفيذ الالتزامات التي أعلنت عنها منذ مجيء بايدن للسلطة ومن بينها تجميد المستوطنات الإسرائيلية، ووقف جميع الإجراءات أحادية الجانب وممارسة ضغوط لدفع مسار إقامة الدولة الفلسطينية.
ومن المقرر أن يزور بايدن (الجمعة) مستشفى «أوغوستا فكتوريا» الواقعة على جبل الزيتون بالقدس الشرقية، وهي واحدة من ستة مستشفيات في القدس الشرقية ترعى سكان القدس والضفة الغربية وغزة ويأتي تمويلها من الأمم المتحدة. ورفض الأميركيون طلباً إسرائيلياً بضم مسؤول إسرائيلي إلى الزيارة.
وسيلقي بايدن خلال زيارته للمستشفى تصريحات حول المساعدات الأميركية وتطوير شبكة مستشفيات القدس الشرقية وسيعلن عن تمويل للمستشفيات الفلسطينية ومساعدات اقتصادية للسلطة الفلسطينية وسيكرر دعمه لحل الدولتين.
كما يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيت لحم بالضفة الغربية ويلقي كل من بايدن وعباس بياناً مشتركاً. وأشار مسؤولون إلى أن عباس سيوضح للرئيس بايدن أن القيادة الفلسطينية لن يكون أمامها خيار سوى تنفيذ قرارات منظمة التحرير الفلسطينية ووقف التنسيق الأمني وإلغاء جميع الاتفاقات الموقَّعة مع إسرائيل في ظل غياب أفق سياسي.
وبعد لقاء عباس تنطلق طائرة الرئاسة الأميركية إلى مدينة جدة في السعودية، حيث يشارك بايدن في قمة تستضيفها المملكة وتجمع قادة وزعماء السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر ومصر والأردن والعراق.
وأوضح مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان أن بايدن سيدلي بتصريحات مهمة حول رؤيته لمنطقة الشرق الأوسط ويلتقي مع قادة المنطقة. ويقول مسؤولو البيت الأبيض إن الرئيس يأمل في بناء روابط ثقة مع الدول الحليفة، وتحالفات أمنية ضد الاستفزازات الإيرانية، إضافة إلى دفع جهود السلام في اليمن وتحويل الهدنة إلى وقف كامل لإطلاق النار.
وتحاول إدارة بايدن إبقاء إمدادات النفط مرتفعةً مع ارتفاع أسعار الغاز والبنزين في الولايات المتحدة واستمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. ويسعى إلى الحصول على دعم قادة الدول المشاركة في قمة جدة لمواصلة الضغط على روسيا لإنهاء غزوها لأوكرانيا. كما تسعى الإدارة إلى معالجة إحباط دول المنطقة من موقف واشنطن من إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، بمزيد من إعلانات الصفقات العسكرية والتعاون الأمني والاستخباراتي لمواجهة استفزازات إيران.


مقالات ذات صلة

بايدن يطلق حملة جمع التبرعات وترمب ينهي القطيعة مع «سي إن إن»

الولايات المتحدة​ بايدن يطلق حملة جمع التبرعات وترمب ينهي القطيعة مع «سي إن إن»

بايدن يطلق حملة جمع التبرعات وترمب ينهي القطيعة مع «سي إن إن»

يتجه الرئيس الأميركي بايدن إلى مدينة نيويورك، الأسبوع المقبل، للمشاركة في حفل لجمع التبرعات لحملة إعادة انتخابه. ويستضيف الحفل المدير التنفيذي السابق لشركة «بلاكستون»، وتصل قيمة التذكرة إلى 25 ألف دولار للفرد الواحد. ويعدّ حفل جمع التبرعات الأول في خطط حملة بايدن بنيويورك، يعقبه حفل آخر يستضيفه جورج لوغوثيتيس، الرئيس التنفيذي لمجموعة «ليبرا غروب» العالمية، الذي دعم الرئيس الأسبق باراك أوباما، ويعدّ من المتبرعين المنتظمين للحزب الديمقراطي. ويتوقع مديرو حملة بايدن أن تدر تلك الحفلات ما يصل إلى 2.5 مليون دولار.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بايدن يدعو رئيس مجلس النواب الأميركي للتفاوض حول أزمة سقف الدين

بايدن يدعو رئيس مجلس النواب الأميركي للتفاوض حول أزمة سقف الدين

أعلن البيت الأبيض أن الرئيس جو بايدن أجرى محادثة هاتفية الاثنين مع رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفن مكارثي حول أزمة رفع سقف الدين الوطني للولايات المتحدة، ودعاه للتفاوض شخصيا الأسبوع المقبل. وقال بيان مقتضب إن بايدن دعا مكارثي وكبار القادة الجمهوريين والديموقراطيين الآخرين في الكونغرس «لاجتماع في البيت الأبيض في 9 مايو(أيار)». بصفته رئيسا للغالبية الجمهورية في مجلس النواب، يملك مكارثي سلطة رقابية أساسية على الميزانية الأميركية. ومع ذلك، كان بايدن واضحا بأنه لن يقبل اقتراح مكارثي ربط رفع سقف الدين بخفض كبير في الإنفاق على برامج يعتبرها الديموقراطيون حيوية للأميركيين. وزاد هذا المأزق من احتمال أول

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب يتعهد «سحق» بايدن انتخابياً

ترمب يتعهد «سحق» بايدن انتخابياً

تعهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، «سحق» الرئيس جو بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فيما أدلى نائبه مايك بنس بشهادته في إطار تحقيق فيدرالي بشأن هجوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 على مبنى الكابيتول. وقال ترمب، الخميس، أمام حشد من نحو 1500 مناصر، «الاختيار في هذه الانتخابات هو بين القوة أو الضعف، والنجاح أو الفشل، والأمان أو الفوضى، والسلام أو الحرب، والازدهار أو الكارثة». وتابع: «نحن نعيش في كارثة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ هجوم على ترشح بايدن للرئاسة بسبب عمره: قد يموت على الكرسي

هجوم على ترشح بايدن للرئاسة بسبب عمره: قد يموت على الكرسي

قالت المرشحة للرئاسة الأميركية نيكي هايلي إن الرئيس الأميركي جو بايدن قد يموت في منصبه في حال أعيد انتخابه. وسلطت حاكمة ولاية ساوث كارولينا السابقة البالغة من العمر 51 عامًا، وسفيرة دونالد ترمب السابقة لدى الأمم المتحدة الضوء على سن بايدن، وقالت لشبكة «فوكس نيوز»: «أعتقد أنه يمكننا جميعًا القول إنه إذا صوتنا لجو بايدن، فإننا نعول حقاً على الرئيسة هاريس، لأن فكرة أنه سيبلغ سن 86 عاماً ليست عادية». عندما أعلنت ترشحها لسباق الرئاسة، دعت هايلي جميع المرشحين الذين تزيد أعمارهم على 75 عامًا إلى اختبار معرفي - والذي سينطبق على بايدن البالغ من العمر 80 عامًا، ودونالد ترامب البالغ من العمر 76 عامًا. يظ

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بايدن سيلتقي 18 من قادة المحيط الهادئ في بابوا غينيا الجديدة

بايدن سيلتقي 18 من قادة المحيط الهادئ في بابوا غينيا الجديدة

أعلن وزير خارجية بابوا غينيا الجديدة اليوم (السبت)، أن الرئيس الأميركي جو بايدن سيلتقي 18 زعيما من قادة منطقة جنوب المحيط الهادئ خلال زيارته للأرخبيل في مايو (أيار) المقبل في إشارة إلى حملة متجددة لجذب حلفاء في المنطقة. وقال وزير خارجية بابوا غينيا الجديدة جاستن تكاتشينكو إن بايدن يخطط للقاء أعضاء كتلة منتدى جزر المحيط الهادئ في العاصمة بينما تحاول الولايات المتحدة تكثيف حملتها الدبلوماسية لجذب حلفاء في المنطقة. وبين القادة المدعوين رئيسا وزراء أستراليا ونيوزيلندا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».


قلق جمهوري من الانتخابات النصفية

ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)
ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)
TT

قلق جمهوري من الانتخابات النصفية

ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)
ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)

رغم تراجع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا تزال قبضته على الحزب الجمهوري محكمة، والدليل سقوط معارضيه الجمهوريين الواحد تلو الآخر في الانتخابات التمهيدية. ولا تساعد حرب إيران في رسم الصورة بشكل واضح أمام الحزب؛ فمن جهة يحاول الجمهوريون الموازنة بين غضب الناخب من الحرب، وحسابات الانتخابات النصفية، ومن جهة أخرى يسعون جاهدين لاسترضاء الرئيس الأميركي، الذي نجح حتى الساعة في تحييد خصومه الحاليين والسابقين في مسار الانتخابات التمهيدية.

يستعرض «تقرير واشنطن» وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، كيف يخوض الحزب الجمهوري هذه المعادلة المعقدة، وما إذا كانت حرب إيران والانتخابات التمهيدية، ستتحولان إلى اختبار سياسي قد يعيد رسم مستقبل الحزب.

وضع الأميركيين الاقتصادي

مع استمرار الأسعار بالارتفاع جراء حرب إيران، أكد الرئيس الأميركي أنه لا يفكر في وضع الأميركيين الاقتصادي خلال دراسته لخطوته المقبلة في الحرب، مشدداً على أنه يركز على ضرورة ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً. تصريحات أقلقت الجمهوريين، خصوصاً في موسم انتخابي حاسم يسعون فيه للاحتفاظ بأغلبيتهم بالكونغرس. وتقول ليزا كاموسو ميلر، مديرة الاتصالات السابقة في اللجنة الوطنية الجمهورية، إن رسالة ترمب هذه «تبعث على القلق» لأنها تحبط من عزيمة الناخبين. وتعتبر ميلر أنه وبغض النظر عن التطورات الدولية المرتبطة بحرب إيران، فإن الناخب الأميركي يركز على وضعه المعيشي بشكل أساسي، ولا يكترث بما يجري في العالم، مضيفة أن «ارتفاع أسعار البنزين سوف يجعل الناس يشعرون بمشاعر الاستياء أكثر، لأنه لا دخل لهم في هذا النزاع. إنهم يعانون من أجل توفير الطعام لهم ولعائلاتهم، وسياسات الحروب هذه لم تكن ناجحة لكسب ود الناخب الأميركي».

لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

ويعرب ستيفن كينت، الخبير الاستراتيجي المحافظ، عن دهشته من تصريحات ترمب، مشيراً إلى صراحته الفائقة في هذا السياق. ووصف هذه التصريحات بالشجاعة السياسية، لأنه لطالما تحفظ السياسيون عن الإدلاء بهذا النوع من التصريحات علناً حتى لو كانوا يفكرون بها، كي لا تؤثر على حظوظهم السياسية. ويضيف: «إن الرئيس الأميركي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يتخذ قرار الحرب في نزاع عسكري بناء على ما يجري في الميدان. هو حريص على عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وارتفاع الأسعار في أميركا لا يجب أن يشكل عاملاً في اتخاذ قراره. هذا دليل على المسؤولية، لكنه ليس تصرفاً سياسياً حكيماً».

من ناحيته، يوجه كيني بورغس، العضو الديمقراطي السابق في مجلس نيويورك، انتقادات لاذعة لترمب بسبب تصريحاته حول وضع الأميركيين المعيشي، خصوصاً أنه ترشح على أساس تحسين الاقتصاد وتخفيض تكلفة المعيشة، وهذا هو السبب الأساسي الذي دفع بالأميركيين إلى انتخابه رئيساً. ويعتبر بورغس أنه وبغض النظر عن السياق الذي كان يتحدث فيه ترمب، في إشارة إلى برنامج إيران النووي، فإن مسؤوليته تكمن في الحرص على تأمين مستقبل الأميركيين وتعزيز الاقتصاد، مؤكداً أن رسائل من هذا النوع سوف تؤدي إلى خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية.

ذاكرة الناخب «قصيرة»

مع اقتراب موعد الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يؤكد كينت ضرورة أن ينهي ترمب الحرب بسرعة، كي لا تنعكس آثارها سلباً على الجمهوريين في الانتخابات النصفية. لكنه يتساءل ما إذا كان ترمب يكترث بنتائج هذه الانتخابات، أم لا، مقارنة بحرب إيران التي يركز عليها بشكل كبير، فيضيف: «أنا أعتقد فعلاً أنه في حال انتهت هذه الحرب بتسوية مع إيران ونزع قدراتها النووية وفتح المضيق، فترمب لن يأبه؛ لا بأكتوبر (تشرين الأول) ولا بنوفمبر، لأن الناخب الأميركي ذاكرته قصيرة، وسينسى ارتفاع الأسعار في حال انخفضت قبل توجهه إلى صناديق الاقتراع».

النائب الجمهوري توماس ماسي بعد إعلانه خسارته في سباق كنتاكي التمهيدي - 19 مايو 2026 (أ.ب)

وفيما يوافق بورغس على أن الناخب الأميركي «ذاكرته قصيرة»، فإنه يشير إلى أن التعافي من الأزمات الاقتصادية يستغرق وقتاً طويلاً، وأن الأزمة الحالية لن تنتهي مع وقف الحرب؛ بل قد تستمر لأشهر، مضيفاً: «صحيح أن ذاكرة الأميركيين قصيرة فيما يتعلق بالقرارات السياسية، لكن الآثار المالية ستبقى لفترة طويلة، وهذا سيؤثر على الحزب الجمهوري».

ويشير بورغس إلى تدهور شعبية ترمب التي وصلت إلى نحو 35 في المائة، بحسب آخر الاستطلاعات، معتبراً أنه لا يكترث بهذه الأرقام، لأنه في ولايته الأخيرة ويفكر فقط في الإنجازات التي سيحققها وليس في مستقبل حزبه، وخير دليل على ذلك بحسب قوله، هو ما فعله في الانتخابات التمهيدية حين أسقط معارضيه من الحزب من دون التفكير في انعكاس هذا على الانتخابات النصفية.

الولاء لترمب وليس للحزب

مع خسارة عدد من الجمهوريين الذين تحدوا ترمب لمقاعدهم في الانتخابات التمهيدية، كانت الصدمة الكبرى بالنسبة للحزب، تأييد الرئيس الأميركي لمنافس السيناتور الحالي جون كورنين عن ولاية تكساس؛ فكورنين - وهو من القيادات الحزبية البارزة والعريقة في مجلس الشيوخ - لم يعارض ترمب علناً، وهذا ما أثار دهشة قيادات الحزب.

السيناتور الجمهوري جون كورنين في مجلس الشيوخ - 20 مايو 2026 (أ.ب)

وتقول ميلر إن رفض ترمب تأييد كورنين، فاجأ الجمهوريين الذين لا يزالون يحاولون فهم السبب. وتعتبر أن هذا القرار يثير قلق أعضاء الحزب لأنه غامض، ففي حين كان متوقعاً أن يسعى الرئيس لإسقاط وجوه معارضة علناً له؛ كالنائب توماس ماسي في كنتاكي، فإن السيناتور كورنين «لم ينتقد مرة ترمب علناً». وأضافت: «هناك خوف جمهوري عارم من الاعتراض على سياسات الرئيس. فالجمهوريون قلقون من أنهم سيخسرون منصبهم ومستقبلهم السياسي فقط، لأنهم صوتوا ضد بعض سياسات ترمب».

ترمب يوقع على قبعات ماغا في البيت الأبيض - 19 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر كينت أن خير دليل على هذا الخوف هو انسياق الجمهوريين مع سياسات التعريفات الجمركية رغم تعارضها مع مبادئ الحزب، ويرجح أن يكون سبب تخلي ترمب عن السيناتور كورنين رغم وفائه له ودعمه لأجندته، هو معارضته لتغيير إجراءات العرقلة في مجلس الشيوخ (فيليسبتر)، التي دعا ترمب القيادات الجمهورية إلى إلغائها في أكثر من مناسبة من دون أي تجاوب من قبلهم.

أما بورغس فيقول إن الحزب الجمهوري اليوم أصبح حزب دونالد ترمب من دون منازع، ويتساءل: «ماذا جرى للحزب ومبادئه؟ وما أولوياته وأجندته؟ إن ترمب يرغم الجمهوريين على الإعراب عن ولائهم له كأنه قائدهم الأعلى. هو لا يكترث بأن شعبيته متدنية وأن حزبه يتدهور في الاستطلاعات؛ بل بتعزيز قبضته على الحزب. هو لا يأبه بما يجري من بعد ولايته، كل ما يكترث به هو شخصه فقط».