كيف غيرت السعودية إدارة الحج في 100 عام؟

أول صورة فوتوغرافية ملونة التقطت للمسجد الحرام عام 1952 (واس)
أول صورة فوتوغرافية ملونة التقطت للمسجد الحرام عام 1952 (واس)
TT

كيف غيرت السعودية إدارة الحج في 100 عام؟

أول صورة فوتوغرافية ملونة التقطت للمسجد الحرام عام 1952 (واس)
أول صورة فوتوغرافية ملونة التقطت للمسجد الحرام عام 1952 (واس)

صادف موسم حج هذا العام 1443 للهجرة، والذي اختتم أمس بنجاح كبير رغم الأزمات السياسية والظروف الصحية والاقتصادية التي يعيشها العالم - الذكرى المئوية لتنظيم الحكومة السعودية لمواسم الحج وخدمة الحرمين الشريفين وذلك بدءًا من دخول الملك عبدالعزيز مكة المكرمة في عام 1343هـ ( 1924م)، فمرور 100 عام ( 100 حج) على تنظيم أول موسم للحج في العهد السعودي يعد حدثاً مفصلياً وعلامة فارقة في تاريخ الحج عبر العصور، فعلى مدى 100عام استطاعت المملكة تجاوز جميع التحديات ومواجهة جميع الصعوبات وتقديم أفضل الخدمات لحجاج بيت الله الحرام مما لا مثيل له في التاريخ.
وعلى مدى 100 عام واجهت السعودية تحديات وقضايا صاحبت تنظيم مواسم الحج والإشراف عليها، وبذلت القيادة السعودية جهودا جبارة في بناء وتطوير هذه المنظومة المتكاملة والتطور المؤسسي في إدارة (الحشود، والأزمات، والموارد، والمشاريع، وغيرها من المجالات) وبرعاية وإشراف مباشرين من ملك المملكة العربية السعودية والذي يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين.
في بداية نشوء الدولة استطاع الملك عبد العزيز مواجهة العديد من القضايا وعمل على بناء منظومة متكاملة لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، حيث إن التنظيم والإشراف على الحج تزامن مع تأسيس وتطوير عدد من القطاعات الرئيسية في الدولة (الأمن، والصحة، والإعلام، والنقل، والبلديات، والمياه، والتموين...) الأمر الذي يعكس مدى ما بذلته المملكة العربية السعودية في إعمار الحرمين والمشاعر المقدسة خدمةً لضيوف الرحمن خلال 100 عام.

ومن اللافت أنه ورغم كل هذه الجهود فإن الحملات والمغالطات والشائعات والمؤامرات المتعلقة بالحج ما زالت تتكرر، فبعد مبايعة الملك عبد العزيز ملكا على الحجاز بدأت حملات ضد الملك عبد العزيز أدت إلى منع بعض الدول رعاياها من أداء الحج بحجة سلامتهم!!، أيضا كانت هناك دعوات لأن يكون الحرمان الشريفان تحت إدارة إسلامية؛ بل إن بعض (المسلمين) طالب بأن يكونا تحت الحماية البريطانية!، وهو الطرح نفسه المتكرر والمستمر عن تدويل الحرمين، ولا أعلم عن أي إدارة إسلامية أو تدويل يتحدث أولئك؟ إن ما بذله الملك عبد العزيز في سبيل تأمين الحج والحجيج، وتحقيقه لأهم ما كان يطلبه الحاج وهو الأمن قصة تستحق أن تفرد لها الصفحات، فالبعض يظن أن ما يروى عن فقدان الأمن في أرجاء شبه الجزيرة العربية - ولعدة قرون - قبل توحيدها على يد الملك عبد العزيز هو ضرب من الأساطير، وقد وصف المؤرخون كالجبرتي والبديري والكردي وغيرهم من الموثقين والرحالة حال الحج والحجيج مع الأمن وأوردوا قصصًا عما واجهه الحجاج تكاد لا تصدق من فرط بشاعتها، حتى إن الفقيه الشافعي علوان الحموي الذي عاش في القرن العاشر الهجري ( حوالي القرن الرابع عشر الميلادي) أسقط كتاب الحج من مؤلفه «مصباح الهداية ومفتاح الولاية» لاعتقاده بأن الحج في ذلك الزمان لا يجب بسبب اضطراب الأمن وعدم قدرة الحجاج على الوصول إلى مكة وهم آمنون.

                          صورة نادرة للمؤسس الملك عبد العزيز في لباس الإحرام في حج عام 1353 للهجرة (1935 ميلادية)
وأتى بعده بقرون أمير الشعراء أحمد شوقي ليصف حال الحج والحجاج؛ وذلك في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ( التاسع عشر الميلادي) وعن وضع الأمن والحج قبل الحكم السعودي، فإذا كان هذا هو وضع الحواضر كمكة المكرمة فكيف يكون حال البوادي والقفار؟ ولكن يكفي أن نقرأ أبياتا من قصيدة شوقي (ضج الحجيج) لنتعرف على حقيقة الوضع، التي قال فيها:-
إن تصوير شوقي للأوضاع وقتذاك تكفي عن كل وصف. ورغم استتباب الأمن بعد الحكم السعودي فإن الحملات أثيرت لتأليب الرأي العام الإسلامي على انضمام الحجاز لحكم الملك عبد العزيز، إضافة إلى نشر الشائعات وترويج المغالطات، فقد ورد إلى الملك عبد العزيز في شهر ربيع الأول 1345هـ - سبتمبر 1926م، من ظفر علي خان صاحب جريدة زميندا الصادرة في الهند البرقية الآتية: «بعض المضادين من ذوي النفوذ ينشرون أخبارا متعددة ضد جلالتكم ويعلنون أنكم عزمتم على محو القبة الخضراء التي على القبر النبوي فمن فضلكم أعلنوا تحت إمضائكم بإنكار شاف لهذه الحكاية المختلقة لاطمئنان المسلمين بصيانة القبر المقدس وإسكات المفسدين»، فأرسل الملك المؤسس لظفر علي خان الجواب الآتي: «كل ما يقال عن القبة الخضراء كذب لا أصل له وقبر الرسول في حفظ وأمان بحول الله، وإنا نفديهما بأموالنا وأولادنا وأنفسنا لا يمكن أن يصيبهما أذى وفينا عرق ينبض. كذلك قبور جميع الصالحين نحافظ عليها ونحترمها ونصونها من كل أذى ونرى ذلك دينا ونعاهد الله على ذلك، فكذبوا جميع أقوال المرجفين».
أيضاً عقدت جمعية (خدام الحرمين) في شهر ربيع الثاني 1345هـ - أكتوبر عام 1926م، مؤتمرا في مدينة لكنهو بالهند سمته (مؤتمر الحجاز) وكان عدد المسلمين في الهند يصل إلى قرابة 90 مليون نسمة يمثلون أكبر تجمع سكاني للمسلمين في العالم وقتذاك، وقرروا فيه أن المسلمين لا يحجون بعد عامهم هذا حتى تتغير الحال في الديار المقدسة، كما صدر عن ذلك المؤتمر بيان جاء فيه أن «أعظم الحكومات الإسلامية قد أصبحت تحت ظل الحكومة البريطانية ولذا لنا الحق أن نستعين بهذه الحكومة لتساعدنا بقطع جميع الوسائل السياسية لنرفع من بيننا ابن سعود».
وخلال تلك السنوات منعت عدد من الدول ( من بينها إيران وتركيا ) حجاجها من الحج لأسباب مختلفة، لكن كلها تصب في مناوأة حكم الملك عبد العزيز وجعلها ورقة ضغط ومساومة سواء من حكومات تلك الدول أو من الحكومات التي كانت تلك البلدان تخضع لسيطرتها. الأسوأ من ذلك أن بعض أولئك المطالبين بجعل الحرمين تحت إدارة إسلامية هم من تلاعب بأوقاف الحرمين، واستولى عليها فكيف يؤمنون على الحرمين وتلك حالهم؟ وقد علق على هذا الأمر أمير البيان شكيب أرسلان: «فبعض هذه الحكومات بلعت جانبا من هذه الأوقاف ومحت رسومه وجعلت شروط واقفيه كأمس الدابر وأكلت ريع الجانب الآخر وحولته إلى مهالك معلومة ليس لها تعلق بالحرمين الشريفين ولم تبال ما عملت، وكانت إذا دفعت إلى الحرمين صرة دراهم، أو شحنت سفينة حبوب ظنت أنها تتصدق على أهل الحجاز من مال أبيها».
كما ذكر طلعت باشا حرب أن «فريضة الحج فيما مضى كانت ضربا من الاستشهاد يودع الحاج أهليه، ويودعونه كأنه ذاهب إلى غير رجعة، وكانت الطريق شاقة غير مأمونة، وكانت عصابات [ قطاع الطرق ] تُغير على قوافل الحجاج فتُعمل فيهم القتل والنهب. ولما استتب الأمر في يد الملك عبد العزيز، استتب الأمن في طول الصحراء وعرضها، فأصبحت الصحراء أكثر أمانا من أي مدينة في العالم».
لم يوفر الملك المؤسس لحجاج بيت الله الحرام الأمن فقط، بل إنه سخر جميع الإمكانات - رغم شح موارد الدولة حينها - لتوسعة وعمارة الحرمين الشريفين وتوفير جميع الخدمات لضيوف الرحمن، كما سخر أبناؤه الملوك من بعده كل الإمكانات والموارد لخدمة وعمارة الحرمين وتهيئة جميع السبل لراحة قاصديهما.
وتأتي اليوم هذه المنجزات العملاقة والخدمات المميزة التي تقدمها السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان لخدمة ضيوف الرحمن والعناية بهم، امتداداً لما بدأه المؤسس رحمه الله. فقد أنفقت حكومة المملكة مئات المليارات من الريالات على مشاريع الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، إضافةً إلى ما تنفقه من ميزانيات تشغيلية سنوية بعشرات المليارات من الريالات.
يطول الحديث عما قدمته وتقدمه السعودية للحج، وهناك كثير من الجوانب والتفاصيل المتعلقة بالحج والتي تستحق أن تبرز وتنشر لكن مقالا كهذا لا يمكنه الإحاطة بجميع الجوانب والخدمات التي تقدم للحج والحجيج منذ دخولهم المنافذ السعودية مقارنة بما كان يعانيه الحجاج قبل العهد السعودي سواء في مجال الرعاية الصحية أو النقل والمواصلات أو البنى التحتية والتقنية أو الخدمات الأمنية أو الغذاء، ناهيك من التوسعات الضخمة للحرمين الشريفين والتي تضاعفت فيها مساحة المسجد الحرام -على سبيل المثال - من حوالي 30 ألف متر مربع إلى قرابة 1.5 مليون متر مربع وارتفعت الطاقة الاستيعابية من قرابة 60 ألف مصل إلى حوالي مليوني مصل، هذا فضلا عن المشاريع العملاقة في المشاعر المقدسة والتي أسهمت في استيعاب ملايين الحجاج مقارنة بحوالي 100 ألف حاج قبل قرن من الزمان.
ومع تزامن الذكرى المئوية مع موسم الحج لهذا العام فعلينا أن نستحضر ما بذلته وتبذله السعودية قيادة وحكومة وشعبًا في خدمة الحرمين الشريفين وتوفير وسائل الراحة للحجاج الأمر الذي يعكس مدى العناية والاهتمام اللذين يحظى بهما الحرمان الشريفان والمشاعر المقدسة منذ عهد الملك عبد العزيز وحتى اليوم عمارةً وتوسعةً وتطويراً لجميع المرافق والخدمات.
إن مناسبة كهذه يجب أن تحظى بالمزيد من التوثيق حول تفاصيل المنجزات التي قامت بها السعودية طوال مائة عام، كما تتطلب - في تقديري - إطلاق مبادرة (المئويات السعودية) والتي تهدف إلى التوثيق الشامل لجميع الإنجازات التي حققتها المملكة العربية السعودية في جميع المجالات وبناء محتوى معلوماتي متكامل عنها، حيث إن هذه الذكرى المئوية تمثل دخول عهد (المئويات السعودية) وتاريخ تأسيس العديد من مؤسسات الدولة ونقطة البداية للتطورات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية والفكرية والتنموية التي مرت بها المملكة العربية السعودية، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، والتي ستظل مُسخّرة جميع إمكاناتها لخدمة الحرمين الشريفين واستقبال ضيوف الرحمن، وسيظل السعوديون ورثة للحضارة العربية والإسلامية.
* كاتب وباحث سعودي


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
TT

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)
مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

يرى الدكتور راشد بن عساكر الباحث السعودي أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية، لافتاً إلى أن هناك المئات من الوثائق والأحكام والفتاوى المتشددة ظهرت قبل وبعد قيام الدولة السعودية.

ويشير العساكر في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أقدم وثيقة محلية جرى الوقوف عليها، إذ كُتبت عام 747هـ، 1346م وتُبين شدة التدين والالتزام بالمعتقد والمنهج النبوي وصحابته والسلف الصالح، «ثم نجد ما بين القرن الثامن والقرن الثاني عشر الهجري/الخامس عشر الميلادي، مئات الوثائق والأحكام والفتاوى والمسائل الشرعية المتبعة للكتاب والسنة النبوية منهجاً وتطبيقاً في المجتمع النجدي، وهى لعدد كبير من علماء نجد».

الباحث راشد بن عساكر

جمع بعضها الشيخ أحمد المنقور (ت 1125هـ / 1713م) في كتابه «الفواكه العديدة في المسائل المفيدة» في مجلدين كبيرين، ومن أبرز العلماء والمُفتين الشيخ أحمد بن عطوة التميمي (توفي 948 هـ / 1541م)، والشيخ العالم قاضى العارض إسماعيل بن رميح العريني (توفي بعد عام 969هـ / 1561م)، والشيخ سليمان بن علي بن مشرف (توفي 1079هـ / 1668م)، والعلامة الشيخ المحقق عثمان بن قائد الحنبلي (توفي عام 1685م) صاحب مؤلفات العقيدة والتوحيد والفقه كنجاة الخلف في اعتقاد السلف، وكتابه التوحيد، والذي اتجه إلى مصر وتولى ريادة المقام الحنبلي والإفتاء بها. ومنهم علماء الدرعية من أسرة الباهلي فقد خرج منهم عدة علماء؛ ومنهم أحمد بن موسى الباهلى، وسليمان الباهلي، وغيرهم، وعالم العارض الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (توفي 1099هـ / 1688م).

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

عشرات العلماء وطلاب العلم في المنطقة جُلّهم ركز على فقْد الأمن والاضطراب السياسي وليس على اندراس الدين ولغة التعميم، كما روّج له ابن غنام ومَن نقل عنه.

يقول شيخ مشايخ علماء نجد، السلفي الحنبلي أحمد بن عطوة التميمي (ت 948هـ / 1541م): «إن كبار نجد المُطاعين في قراهم الحاكمين عليهم، إذا اتفق كل واحد منهم وعدولَ قريته ووجوههم على بيع تركة وقضاء دَين على الوجه الشرعي، فإن الصادر منهم في ذلك أصح وأولى وألزم، وأثبت مما يصدر عن قضاتهم الذين عليهم وعلى تقليدهم دينهم وأموال المسلمين؛ ما يستحق خراب الشريعة، لا أكثر الله منهم, ولا مَن يمضى لأقوالهم وأسأل الله أن يطفئ شرهم عن مذهبنا وعن المسلمين» ( المنقور، الفواكه العديدة: 2/76).

وبنقل ابن عطوة مسائل عدة، ومنها مسائل شيخه أحمد العسكري عالم الشام (توفي عام 910 هـ / 1504م)، بعد سؤاله عن وضع أمراء البلدان النجدية وطريقة حكمهم بلدانهم بقوله: «وسألت شيخنا عن شيوخ بلدنا، بعد أن عرّفته حالهم، فأجاب: حكمهم كغيرهم من السلاطين في سائر الأوطان». (المنقور، الفواكه: 2/194). ثم ضرب مثالاً لواقعة حول جماعة أمَّروا أميراً عليهم من أهل نجد، فذكر أن ولايته صحيحة وحُكمه حُكم غيره من ولاة المسلمين. (الفواكه: 2/194). ويبين مفتي البلاد النجدية الشيخ عبد الله بن ذهلان كثرة قرى بلاد نجد وتعددها، وأن «كل نجد قرى»، وأن الخوف هو السائد في ذلك، بقوله: «إن ما بين قرى نجد هذا الزمن مخوف إلا مع جنب ونحوه. (المنقور، الفواكه العديدة: 2/36، 90)».

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

وسُئل عن فتوى منع خروج المرأة وامتناعها في حال السفر مع زوجها بسبب الخوف على النفس والمال، فهل تسقط نفقتها إذا رغبت بالمكوث، فأجاب: «فلو خافت إذا سافرت معه، فلها عليه النفقة مع عدم السفر للعذر، سواء كان الخوف على النفس، أو المال، أو هما. والظاهر أن ما بين قرى نجد هذا الزمن مخوف إلا مع جنب ونحوه» (المنقور، الفواكه العديدة: 2/36). والجنب: أي الذى يحميك من قبيلتك أو بلدك، من قومك البعيد أو القريب، فقد كانت نجد بلاداً وقبائل في صراعات وخوف فلا ينتقل شخص إلا بوجود شخص يذهب معه لحماية، لكونه من القبيلة نفسها فيدفع له مقابل تلك الحماية.

مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

وقد عاب علماء نجد ووصفوا بعض الدجالين بأنهم يذكرون أن في بلاد نجد قبراً، كما ردوا على شبهتهم بقبر زيد بن الخطاب بأنه بُني مرتفعاً ووضع على جانب المقبرة، وقد جصّص بالنورة على ظاهره، إنما هو في حماية القبر من اختراق السيل الذى بجواره ضِمن مقبرة شعيب الدم.

وقد استعرض علماء نجد وحرصوا في فتاواهم على الالتزام بالدليل وتتبع السنة واتباع أقوال الأئمة، ومن يستعرض بعض فتاواهم مؤلفاتهم - وليس كلهما - يجد ذلك ظاهراً وبيناً، وأن من يدّعي وجود الشرك وانتشاره فإنما هو كذب ظاهر وتلبُّس بالزور. وردَّ عليه أحد العلماء بقوله: وكيف يكفر مَن يعمرون المساجد بذكر الله وطاعته ولهم جمعة وجماعة ويحرّمون ما حرَّم الله عليهم، ويستحلّون ما أحل الله لهم. وتبيّن لكل ذي عقل أن الذى نسبهم إلى الكفر والشرك كاذب وأنه رمامهم بشيء وهم بريئون».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ولي العهد السعودي يزور مسجد قباء في المدينة المنورة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)
TT

ولي العهد السعودي يزور مسجد قباء في المدينة المنورة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصلي بمسجد قباء في المدينة المنورة (واس)

زار الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مسجد قباء في المدينة المنورة، وأدى ركعتي تحية المسجد.
رافق ولي العهد، الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة، والأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز نائب أمير منطقة الرياض، والأمير سعود بن نهار بن سعود بن عبد العزيز نائب أمير منطقة المدينة المنورة، والأمير سعود بن سلمان بن عبد العزيز، والوزراء.


إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا عن «حق إسرائيل» في الشرق الأوسط

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

إدانات عربية وإسلامية واسعة لتصريحات سفير أميركا عن «حق إسرائيل» في الشرق الأوسط

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

نددت دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك اليوم (الأحد)، بتصريحات أدلى بها سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي، واعتبر فيها أن التقاليد التوراتية تمنح إسرائيل الحق في أراض تمتد على جزء كبير من الشرق الأوسط.

وأجرى الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون مقابلة مع هاكابي، وهو قس معمداني سابق ومن أبرز مؤيدي الدولة العبرية، عيّنه الرئيس دونالد ترمب سفيراً عام 2025.

السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (رويترز)

وجاء في بيان مشترك لدول عربية وإسلامية «تعرب وزارات خارجية كل من المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية إندونيسيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، والجمهورية التركية، ، ومملكة البحرين، ودولة قطر، والجمهورية العربية السورية، ودولة فلسطين، ودولة الكويت، والجمهورية اللبنانية، وسلطنة عُمان، وأمانات مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي عن إدانتها الشديدة وقلقها البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، والتي أشار فيها بقبول ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة».

وأكّد البيان «الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدًا جسيمًا لأمن المنطقة واستقرارها».

وكانت السعودية اعتبرت أن تصريحات هاكابي «غير مسؤولة» و«سابقة خطيرة»، فيما رأى فيها الأردن «مساسا بسيادة دول المنطقة" فيما أكدت مصر أن «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية».

ونددت الكويت بالتصريحات التي «تشكل مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي»، فيما شددت سلطنة عمان على أنها تنطوي على «تقويض لفرص السلام وتهديد لأمن واستقرار المنطقة».

واعتبرت السلطة الفلسطينية أن تصريحات هاكابي «تتناقض مع موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة».

ونشر السفير الأميركي منشورين على منصة «إكس» السبت لتوضيح موقفه بشأن مواضيع أخرى نوقشت خلال المقابلة، من بينها تعريف الصهيونية، لكنه لم يتطرق مجدداً إلى تصريحاته المتعلقة بسيطرة إسرائيل على أراض في الشرق الأوسط.

وجاءت تصريحات هاكابي فيما تكثّف إسرائيل الإجراءات الرامية إلى زيادة سيطرتها على الضفة الغربية التي تحتلها منذ العام 1967.

وأعلنت إسرائيل قبل عقود ضم القدس الشرقية وجزء من مرتفعات الجولان السورية.