بلينكن يشيد بتايلند ويطالب بضغط آسيوي على ميانمار

واشنطن تتوقع تواصلاً بين الرئيسين الأميركي والصيني خلال الأسابيع المقبلة

وزير الخارجية التايلندي يضع وردة على سترة نظيره الأميركي بعد توقيع مذكرة اتفاق في بانكوك أمس (رويترز)
وزير الخارجية التايلندي يضع وردة على سترة نظيره الأميركي بعد توقيع مذكرة اتفاق في بانكوك أمس (رويترز)
TT

بلينكن يشيد بتايلند ويطالب بضغط آسيوي على ميانمار

وزير الخارجية التايلندي يضع وردة على سترة نظيره الأميركي بعد توقيع مذكرة اتفاق في بانكوك أمس (رويترز)
وزير الخارجية التايلندي يضع وردة على سترة نظيره الأميركي بعد توقيع مذكرة اتفاق في بانكوك أمس (رويترز)

أشاد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أمس الأحد، بالدور الذي تلعبه تايلند في الجهود الأميركية المتجددة في جنوب شرقي آسيا، ووعد بإبقاء الضغط على العسكريين الحاكمين في ميانمار بعد لقاء مع ناشطين مطالبين بالديمقراطية في هذا البلد.
والتقى بلينكن، القادة التايلنديين، وأشاد بدور المملكة في إحياء السياسة الأميركية في جنوب شرقي آسيا، وهي منطقة رئيسية في المنافسة مع بكين. وفي اجتماع عُقد بعيداً عن عدسات الكاميرات لحماية عائلاتهم، استمع الدبلوماسي الأميركي إلى ناشطين شباب مؤيدين للديمقراطية في ميانمار، حيث أطاح جيشهم الحكومة المدنية في فبراير (شباط) 2021، وأنهى عقداً من التحول الديمقراطي بدعم من واشنطن.
وأعطى بلينكن الأولوية للتصدي لغزو روسيا لأوكرانيا، لكنه تعهد أيضاً بمواصلة الضغط على ميانمار. واعترف بأن الاستراتيجية الأميركية التي تتضمن عقوبات ضد المجلس العسكري لم تسفر عن أي نتائج حتى الآن. وقال بلينكن للصحافيين في بانكوك، «يمكننا أن نؤكد للأسف أننا لم نشهد أي تحرك إيجابي، وعلى العكس من ذلك ما زلنا نشهد قمعاً للشعب البورمي».
وقال بلينكن، «سنواصل البحث عن طرق نستطيع من خلالها نحن ودول أخرى الضغط (على الجيش) للعودة إلى طريق الديمقراطية». وأضاف: «أعتقد أنه على جميع دول رابطة جنوب شرقي آسيا محاسبة النظام». وفي أبريل (نيسان) من العام الماضي توصلت رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) إلى «توافق من خمس نقاط» مع المجلس العسكري البورمي الذي تولى السلطة قبل شهرين، بما في ذلك دعوات للحوار مع المعارضة.
وامتنع بلينكن عن توجيه انتقادات للزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الصيني وانغ يي، إلى ميانمار. وكان بلينكن أجرى محادثات استمرت خمس ساعات السبت في بالي، لكنه دعا بكين إلى دعم الدعوات الدولية من أجل الديمقراطية. وقال «أعتقد أنه يقع على عاتق الصين ومن مصلحتها أيضاً أن ترى ميانمار تعود إلى المسار الذي كانت تسلكه، وأبعدت عنه بعنف مع وقوع الانقلاب».
وفر عشرات آلاف السكان من ميانمار وتدهورت الأوضاع الإنسانية، واشتد الصراع العرقي منذ أن أطاح الجيش الحاكمة المدنية الفعلية المدنية أونغ سان سو كي، واعتقلها في فبراير 2021، وخلال التوقيع على اتفاقية تعهد فيها بالاستمرار في تعزيز العلاقات، أشار بلينكن إلى دعم تايلند لخطة اقتصادية جديدة بقيادة أميركية لمنطقة آسيا، وإلى جهودها على صعيد مكافحة التغير المناخي.
وفي بانكوك، التقى بلينكن، رئيس الوزراء برايوت تشان أو تشا، الذي وصل إلى السلطة في انقلاب عام 2014 ما أدى إلى فرض عقوبات أميركية على تايلند. وأصبح برايوت رئيساً للحكومة في انتخابات 2019، مما أدى إلى عودة تدريجية إلى خطاب سياسي أكثر انفتاحاً. وفي بيان مشترك وقعه بلينكن ودون، اعتبرت تايلند أن الديمقراطية «أساسية» لرؤية البلدين لآسيا. وجاء في البيان أن «المؤسسات الديمقراطية القوية والمجتمع المدني المستقل والانتخابات الحرة والنزيهة هي أمور أساسية لهذه الرؤية مما يسمح لمجتمعاتنا بالوصول إلى إمكاناتها الكاملة». وتناول البيان قضية ذات أولوية قصوى لإدارة بايدن، وذكر أن واشنطن وبانكوك ستعززان «مجتمعات مفتوحة وشاملة» لأفراد «مجتمع الميم». كما أشاد بتايلند لتأييدها خطة لبايدن تهدف إلى ربط منطقة جنوب شرقي آسيا بشركات تروج للطاقة الخضراء، قائلاً إن الشركات وعدت بتخصيص 2.7 مليار دولار في هذا البلد.
وقال بلينكن، من جهة أخرى، إن الولايات المتحدة تتوقع أن تتاح الفرصة للرئيس جو بايدن والزعيم الصيني شي جينبينغ للتحدث إلى بعضهما بعضاً في الأسابيع المقبلة. لكن عندما سئل في مؤتمر صحافي في تايلند ما إذا كان بايدن وشي قد يعقدان أول اجتماع مباشر على هامش قمة مجموعة العشرين في بالي نوفمبر (تشرين الثاني)، قال بلينكن إنه لا يمكنه التحدث عما قد يحدث في ذلك الوقت. وأضاف أنه لا يستطيع تحديد من سيمثل الولايات المتحدة في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) في تايلند. وقال بلينكن «فيما يتعلق بالرئيس شي والرئيس بايدن، نتوقع أنه ستتاح لهما فرصة التحدث في الأسابيع المقبلة، ولا يمكنني الحديث عما قد يجري في الخريف».
وتصف الولايات المتحدة، الصين، بأنها منافستها الاستراتيجية الرئيسية، وتقول إن التواصل رفيع المستوى مهم للحفاظ على استقرار العلاقة الصعبة مع بكين، ومنعها من الانجراف عن غير قصد إلى صراع. ورداً على سؤال آخر، قال بلينكن «بينما نتطلع بشدة للمشاركة في (قمة أبيك)... لا يمكنني أن أحدد حالياً من الذي سيشارك لكن الولايات المتحدة ستكون حاضرة بقوة».
وجاءت تصريحات بلينكن هذه بعد يوم واحد من اجتماع استمر لأكثر من خمس ساعات مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي في جزيرة بالي بإندونيسيا، التي سافر إليها لحضور اجتماع لوزراء خارجية دول مجموعة العشرين. ووصف كل من بلينكن ووانغ محادثات السبت، وهي أول مناقشات وجهاً لوجه بينهما منذ أكتوبر (تشرين الأول)، بأنها «صريحة»، بينما قالت وسائل الإعلام الصينية إن وانغ أبلغ بلينكن بأن اتجاه العلاقات الأميركية الصينية معرض لخطر مزيد من «الانحراف» بسبب مشكلة في معتقدات الولايات المتحدة.
وأبدى بلينكن قلقه بعد المحادثات بشأن «انحياز» الصين لروسيا، وانتقد بشكل مباشر علاقة الرئيس الصيني بنظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، في أواخر يونيو (حزيران)، إن من المتوقع أن يتحدث بايدن وشي مرة أخرى في الأسابيع القليلة المقبلة. ومن المتوقع أن يحضر مسؤولون أميركيون الاجتماع مع وانغ لبحث إمكانية عقد اجتماع مباشر بين رئيسي البلدين ربما على هامش قمة مجموعة العشرين في نوفمبر. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية التايلندية، للصحافيين، يوم الجمعة، إن وانغ أبلغ نظيره التايلندي خلال زيارته لتايلند يوم الثلاثاء بأن شي، الذي لم يغادر الصين خلال جائحة «كوفيد - 19» سيحضر «قمة أبيك»، إذا لم يكن لديه التزامات أخرى.
وحول الاضطرابات في سريلانكا، رأى بلينكن أن للقيود الروسية على صادرات الحبوب الأوكرانية دوراً في ذلك. وقال «نرى تأثير هذا العدوان الروسي يحدث في كل مكان. قد يكون ساهم في الوضع في سريلانكا، ونحن قلقون بشأن التداعيات في جميع أنحاء العالم». وتشهد سريلانكا اضطرابات خطيرة بسبب نقص الغذاء والدواء والوقود. وبعد بانكوك، سيتوجه بلينكن إلى اليابان الاثنين لتقديم تعازيه شخصياً بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق شينزو آبي الجمعة.
وتايلند هي أقدم حليف للولايات المتحدة في آسيا، لكنها تعاونت بشكل متزايد مع الصين التي يتصاعد نفوذها. وتأتي زيارة بلينكن بعد أيام على محطة لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، في إطار جولة أكبر في جنوب شرقي آسيا، سلط فيها الضوء على إنفاق بكين السخي على البنى التحتية. وتعتبر الولايات المتحدة، الصين، بنظامها السلطوي ومواردها التكنولوجية والعسكرية الضخمة، أبرز منافسيها العالميين. لكن البلدين سعيا مؤخراً إلى خفض التوتر، وعقد وانغ وبلينكن السبت اجتماعاً مطولاً على غير العادة استمر خمس ساعات في بالي.


مقالات ذات صلة

ملك تايلاند يعين ابنته الصغرى «ميجور جنرال» في الجيش

العالم ملك تايلاند يعين ابنته الصغرى «ميجور جنرال» في الجيش

ملك تايلاند يعين ابنته الصغرى «ميجور جنرال» في الجيش

أعلنت الجريدة الرسمية في تايلاند تعيين الأميرة سيريفانافاري ناريراتانا راجاكانيا متخصصة في الجيش التايلاندي الملكي برتبة «ميجور جنرال»، بحسب وكالة «بلومبيرغ» للأنباء. وأعلن الملك ماها فاجير الونجكورن أمس (الجمعة) تعيين كريمته التي تبلغ من العمر 36 عاماً في أحدث جولة من الترقيات العسكرية، والتي تدخل حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من أبريل (نيسان) المقبل. وتحمل الأميرة درجة الماجستير في التصميم من غرفة اتحاد تصميم الأزياء الباريسية، بالعاصمة الفرنسية، وأصبحت مصممة أزياء ولديها ماركة باسم «سيريفانافاري». والأميرة هي الابنة الصغرى للملك، بينما الابنة الكبرى للملك الأميرة باجراكيتيابها نقلت إلى المس

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
العالم الحضانة التي شهدت المجزرة (أ.ف.ب)

مجزرة الحضانة في تايلند: 35 قتيلاً معظمهم أطفال

أقدم ضابط شرطة سابق على اقتحام حضانة أطفال في شمال تايلاند، الخميس، وقتل 35 شخصاً على الأقل، معظمهم أطفال، قبل أن يعود إلى بيته ويقتل عائلته ثم ينتحر، فيما أمر رئيس الوزراء برايوت تشان أوتشا، بفتح تحقيق «بعد هذه المجزرة الرهيبة». وقال الكولونيل في الشرطة في إقليم نونغ بوا لامبو، إن الشرطي السابق بانيا خمراب، البالغ من العمر 34 عاماً، كان يحمل سلاحاً نارياً ومسدساً وسكيناً، وهاجم الحضانة قبل أن يفر من الموقع بشاحنة، وعاد إلى منزله وقتل زوجته وطفله بعد الهجوم. وأوضح أن حصيلة المذبحة 35 قتيلاً و12 جريحاً، بينهم ثلاثة إصاباتهم خطيرة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
العالم لحظة وصول رئيس الوزراء إلى اجتماع قبل مناقشة سحب الثقة في مجلس النواب في البرلمان (إ.ب.أ)

تايلاند: رئيس الوزراء يجتاز تصويتاً في البرلمان لحجب الثقة

نجا رئيس الوزراء التايلاندي برايوت تشان أوتشا من تصويت بحجب الثقة في البرلمان اليوم (السبت)، بعد حصوله على دعم كافٍ من النواب ليجتاز بذلك آخر اختبار رئيسي له قبل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في غضون الأحد عشر شهراً المقبلة. وأظهر فرز أصوات بثه التلفزيون على الهواء حصول قائد الجيش السابق، الذي وصل في بادئ الأمر إلى السلطة في انقلاب عام 2014. على الأصوات المطلوبة للنجاح مما يضمن مكانه كرئيس للوزراء حتى تنتهي فترته في مارس (آذار) من العام المقبل. وحصل برايوث البالغ من العمر 68 عاماً على 256 صوتاً مقابل 206 أصوات مع امتناع تسعة أعضاء عن التصويت.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
العالم قائد انقلاب ميانمار يطلب من نظيره التايلاندي المساعدة لتحقيق الديمقراطية

قائد انقلاب ميانمار يطلب من نظيره التايلاندي المساعدة لتحقيق الديمقراطية

قال برايوت تشان أوتشا رئيس وزراء تايلاند، الذي أتى إلى السلطة بانقلاب قبل سنوات، يوم الأربعاء الماضي، إنه تلقى خطاباً من قائد المجلس العسكري الجديد في ميانمار يطلب مساعدته لتحقيق الديمقراطية. وأطاح برايوت برئيس وزراء منتخب عام 2014 وظل في منصبه بعد انتخابات أُجريت في 2019 وقال منافسوه إنها معيبة بشدة. وقال للصحافيين في بانكوك إنه لطالما ساند الديمقراطية في ميانمار. وأطاح جيش ميانمار تحت قيادة مين أونغ هلاينغ بالزعيمة المدنية المنتخبة أونغ سان سو تشي في أول فبراير (شباط)، واحتجزها بدعوى تزوير انتخابات أُجريت العام الماضي وفاز فيها حزب سو تشي بأغلبية ساحقة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
يوميات الشرق تايلاند تحظر الطعام والشراب والصحف على متن رحلاتها الداخلية

تايلاند تحظر الطعام والشراب والصحف على متن رحلاتها الداخلية

حظرت تايلاند الطعام والشراب وأي مواد مطبوعة بخلاف البطاقات التي تحتوي على معلومات السلامة على متن الرحلات الداخلية، وذلك في محاولة لوقف انتشار فيروس كورونا، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وسيتعين على شركات الطيران اتباع القواعد أو قد تواجه عقوبة محتملة من الجهة المنظمة لها، وهي هيئة الطيران المدني في تايلاند. وهذه هي المرة الثانية التي يتم فيها اتخاذ مثل هذه الخطوة، حيث حظرت تايلاند سابقًا خدمة الطعام والشراب على متن الطائرات في 26 أبريل (نيسان) عام 2020، ولكن تم رفع الحظر في 31 أغسطس (آب). وأكد تشولا سوكمانوب، المدير العام لهيئة الطيران المدني في تايلاند هذا الإجراء لشبكة «سي إن إن». وقال: «إن وقت ا

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.