ما الذي ينتظر خَلَف جونسون؟

تحديات هائلة jتنتظر خلَف بوريس جونسون (أرشيفية- رويترز)
تحديات هائلة jتنتظر خلَف بوريس جونسون (أرشيفية- رويترز)
TT

ما الذي ينتظر خَلَف جونسون؟

تحديات هائلة jتنتظر خلَف بوريس جونسون (أرشيفية- رويترز)
تحديات هائلة jتنتظر خلَف بوريس جونسون (أرشيفية- رويترز)

تنتظر تحديات اقتصادية هائلة خلَف بوريس جونسون على رأس الحكومة البريطانية، إذ سيتحتم عليه مواجهة تضخم في أعلى مستوياته منذ أربعين عاماً وأزمة غلاء المعيشة ومخاطر الانكماش، تقابلها دعوات من المحافظين لخفض الضرائب.
ورأى كيران تومكينز، من «كابيتال إيكونوميكس»، أن رئيس الحكومة المقبل «سيضطر على الأرجح إلى إبداء نية في خفض الضرائب حتى ينتخبه أعضاء الحزب المحافظ».
وفي مواجهة ارتفاع الأسعار الذي قد يتخطى 11% بحلول نهاية السنة ويشكل ضغطاً على ميزانية الأسر، رأت المحللة لدى «هارغريفز لانسداون» ساره كولز، أنه سيتحتم على رئيس الوزراء المقبل أيضاً «تقديم دعم فعّال» للبريطانيين الأقل دخلاً «وإلا فسوف يعاقَب في صناديق الاقتراع» في الانتخابات التشريعية المقبلة المتوقعة بحلول يناير (كانون الثاني) 2025 على أبعد تقدير.
ويؤجج التضخم الاحتجاجات الاجتماعية، إذ شهد البلد في أواخر يونيو (حزيران) أكبر إضراب لعمال السكك الحديد منذ ثلاثين عاماً فيما تتضاعف الدعوات إلى الإضراب في جميع القطاعات للمطالبة بزيادة الأجور.
وكان وزير المالية السابق ريشي سوناك، قد جعل من العودة إلى التوازن المالي قضيته الرئيسية بعد إنفاق المليارات في ظل تفشي وباء «كوفيد - 19»، وكان يُتهم باستمرار بعدم بذل الكثير من الجهود لمساعدة البريطانيين.
كما أقر سوناك زيادة في المساهمات الاجتماعية ومن المتوقع زيادة الضرائب على الشركات العام المقبل، ما يثير احتجاجات في صفوف الحزب المحافظ المؤيد تقليدياً لضرائب منخفضة.
وعند إعلان استقالته المدوية (الثلاثاء)، انتقد سوناك «الاختلاف الجوهري الكبير» في نهج بوريس جونسون الذي كان يدفع باتجاه مزيد من الليونة في الإنفاق.
إلى ذلك، يحذّر خبراء الاقتصاد منذ الآن بأن التخفيضات الضريبية قد تحفز الطلب وتحرك بالتالي الاقتصاد، إلا أنها تطرح مخاطر بتأجيج التضخم أكثر، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج عكسية.
فالشركات البريطانية تجد صعوبة بالأساس في تلبية الطلب بسبب عوائق هائلة ناجمة عن الأزمة الصحية، إنما كذلك عن «بريكست» والحرب في أوكرانيا، وفي طليعتها البلبلة في سلاسل الإمداد والنقص في الموظفين وزيادة كلفة الطاقة.
ورأى المحلل لدى «إيه جي راس مولد»، أن «التخفيضات الضريبية لن تساعد وقد تفاقم (هذه الظواهر) بتأجيج التضخم وإرغام بنك إنجلترا على رفع معدلات الفائدة بسرعة أكبر وبفارق أكبر» لمحاولة احتواء دوامة ارتفاع الأسعار.
إضافةً إلى قل ذلك، تأتي مخاطر زيادة حجم الدين العام الذي ارتفع بشكل حاد مع تفشي الوباء وبات يتبع «منحنى لا يُحتمل»، في غياب زيادة في الضرائب أو خفض للنفقات، وفقاً لـ«مكتب مسؤولية الميزانية» الذي يضع التوقعات المالية، ما يزيد من صعوبة المعادلة القائمة.
إلا أن الأسواق لم تبدِ قدراً خاصاً من القلق حيال خلافة جونسون، بل أظهرت ارتياحاً لعدم تفاقم الأزمة السياسية.
ولم يؤدّ إعلان جونسون استقالته (الخميس)، إلى حرف بورصة لندن عن مسارها، بل تسبب بارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني بصورة مؤقتة في وقت تدهورت العملة البريطانية منذ التصويت على «بريكست» في يونيو 2016.
ورأى كيران تومكينز، من «كابيتال إيكونوميكس»، أن وطأة رحيل جونسون على الآفاق الاقتصادية في المملكة المتحدة تبقى محدودة لا سيما أن مسألة اعتماد «بريكست» متشدد أو أكثر ليونة لم تعد مطروحة للبحث، حتى لو أن البروتوكول المتعلق بآيرلندا الشمالية لا يزال يفسد العلاقات بين لندن وبروكسل.
وحسب رأي مدير أكبر نقابة بريطانية لأرباب العمل توني دانكر، في حال كان الهدف الأول لرئيس الوزراء المقبل هو «إنعاش النمو الاقتصادي»، فإن أول ما تطلبه الشركات البريطانية هو الاستقرار، مضيفاً: «إننا الآن بحاجة لملء الفراغ السياسي بسرعة».


مقالات ذات صلة

جونسون: تصرفت بحسن نية في حفلات الإغلاق المرتبط بـ«كورونا»

العالم جونسون: تصرفت بحسن نية في حفلات الإغلاق المرتبط بـ«كورونا»

جونسون: تصرفت بحسن نية في حفلات الإغلاق المرتبط بـ«كورونا»

نفى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، اليوم (الثلاثاء)، مزاعم بأنه تعمد تضليل البرلمان بشأن إقامة حفلات في مقر الحكومة في داوننغ ستريت وسط تفشي جائحة «كورونا»، وفي وقت كانت تشهد فيه البلاد آنذاك قواعد إغلاق صارمة لاحتواء تفشي الفيروس الفتاك، ونشر أدلة قبل جلسة استماع مرتقبة أصر خلالها أنه تصرف «بحسن نية»، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ» للأنباء. وقال جونسون في تقريره إلى لجنة برلمانية، «إنني لم أضلل مجلس العموم عن عمد أو لا مبالاة بتاريخ أول ديسمبر (كانون الأول) 2021 أو 8 ديسمبر (كانون الأول) 2021 أو في أي تاريخ آخر...

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم نائب رئيس الوزراء البريطاني دومينيك راب (إ.ب.أ)

بريطانيا: نائب رئيس الوزراء سيستقيل إذا ثبتت ضده اتهامات بالتنمر

قال دومينيك راب، نائب رئيس الوزراء البريطاني، اليوم (الأحد)، إنه سيستقيل إذا خلص تحقيق بشأن سلوكه إلى ثبوت اتهامات بالتنمر وجهها له موظفون حكوميون. وأضاف لقناة «سكاي نيوز»: «إذا ثبت أي اتهام بالتنمر فسأستقيل». وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، طلب راب إجراء تحقيق في اتهامين رسميين بشأن سلوكه. وبعد ذلك بشهر، تم توسيع نطاق التحقيق ليشمل 5 شكاوى رسمية أخرى، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس «بي بي سي» ريتشارد شارب (موقع بي بي سي)

لندن: رئيس «بي بي سي» ارتكب «أخطاءً جسيمة» لإقراضه بوريس جونسون

قالت لجنة في البرلمان البريطاني، إن ريتشارد شارب، رئيس هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ارتكب «أخطاءً جسيمة من حيث التقدير»، بعدم كشفه عن الدور الذي قام به فيما يخص قرضاً لرئيس الوزراء البريطاني السابق، بوريس جونسون، نتجت عنه المخاطرة بثقة المواطنين في المؤسسة الإخبارية البريطانية الشهيرة. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن شبكة «بلومبرغ»، اليوم الأحد، أن شارب يواجه حالياً ضغوطاً تطالبه بالاستقالة. وكانت اللجنة الرقمية والثقافية والإعلامية والرياضية، قد استجوبت شارب في وقت سابق من الشهر الجاري، بشأن مشاركته في المساعدة في ترتيب تقديم قرض بقيمة 800 ألف جنيه إسترليني (964 ألفاً و960 دولاراً) لج

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم رئيسة وزراء بريطانيا السابقة ليز تراس (أ.ب)

ليز تراس: لم يتم منحي فرصة أبداً في «داونينغ ستريت»

ذكرت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، ليز تراس، أنه لم يتم منحها أبداً «فرصة حقيقية» لتنفيذ جدول أعمالها الراديكالي، الخاص بخفض الضرائب، من قبل حزبها (المحافظين)، ومن قبل «مؤسسة اقتصادية ذات نفوذ»، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية. وفي أول تعليقات مفصلة لها منذ إجبارها على الخروج من «داونينغ ستريت»، أضافت رئيسة الوزراء السابقة، أنها لم تقدر قوة المقاومة التي كانت ستواجهها لخططها، طبقاً لما ذكرته وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا)، اليوم الأحد. وبينما أقرت بأنها لم تكن «منزهة من الخطأ» على الطريقة «سيئة السمعة» التي تفككت بها الميزانية المصغرة لوزير الخزانة، كواسي كوارتنغ، بشكل كارثي، إلا

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الجيش البريطاني «في حاجة ماسة إلى إعادة الرسملة» (رويترز)

والاس: الجيش البريطاني «تخلف عن نظرائه» و«يحتاج إلى استثمارات»

قال وزير الدفاع البريطاني بن والاس إن الجيش البريطاني «تخلف عن نظرائه» وإنه «بحاجة إلى المزيد من الاستثمارات». يأتي ذلك بعد أن كشفت شبكة «سكاي نيوز» أمس أن جنرالاً أميركياً قال لوالاس بشكل خاص إن القوات المسلحة البريطانية لم تعد تعتبر قوة قتالية عالية المستوى. وكشفت مصادر دفاعية أن الجنرال الأميركي قال إن هذا التراجع في القدرة القتالية الحربية يحتاج إلى حل بشكل أسرع مما كان مخططا له في أعقاب الحرب الروسية في أوكرانيا. وقالت المصادر إن ذلك يجب أن يشمل زيادة ميزانية الدفاع بما لا يقل عن 3 مليارات جنيه إسترليني (3.6 ملايين دولار) سنوياً ووقف خطة لتقليص حجم الجيش أكثر. وأشار التحذير أيضاً إلى أن ا

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.