هل تستمر ليتوانيا في منع البضائع الروسية من الوصول إلى كالينينغراد؟

الاتحاد الأوروبي بدأ مراجعة توجيهاته حول تطبيقها... لكن فيلنيوس ترى أن ذلك سيدفع موسكو لطلب المزيد

تحولت ليتوانيا إلى ساحة صراع جديدة بعدما قررت منع عبور البضائع إلى كالينينغراد (إ.ب.أ)
تحولت ليتوانيا إلى ساحة صراع جديدة بعدما قررت منع عبور البضائع إلى كالينينغراد (إ.ب.أ)
TT

هل تستمر ليتوانيا في منع البضائع الروسية من الوصول إلى كالينينغراد؟

تحولت ليتوانيا إلى ساحة صراع جديدة بعدما قررت منع عبور البضائع إلى كالينينغراد (إ.ب.أ)
تحولت ليتوانيا إلى ساحة صراع جديدة بعدما قررت منع عبور البضائع إلى كالينينغراد (إ.ب.أ)

على بعد أمتار قليلة من كالينينغراد، تتوقف القطارات القادمة من عمق الأراضي الروسية، في بلدة كيبارتاي الليتوانية. يقترب حرس الحدود الليتواني من القطارات المحملة بالركاب أو البضائع، ويدخلون لتفتيشها. فهم يبحثون عن مواد «ممنوعة» قد تكون هذه القطارات تنقلها إلى كالينينغراد. والعثور على أي من المواد التي باتت على لائحة العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا نتيجة حربها على أوكرانيا، يعني بأن العربة لن يسمح لها بإكمال طريقها.
منذ دخول العقوبات الأوروبية الاقتصادية على روسيا حيز التنفيذ في 18 يونيو (حزيران) الماضي، تحولت ليتوانيا إلى ساحة صراع جديدة، بعد أن قررت منع بضائع العبور المشمولة بالعقوبات من الوصول إلى كالينينغراد. ورغم أن فيلنيوس تقول، إن واحداً في المائة فقط من البضائع القادمة من روسيا إلى مدينة البحرية المعزولة عنها، خاضعة للعقوبات، فإن روسيا تتهمها بفرض حصار على كالينينغراد. فالمدينة الروسية محاصرة براً بين ليتوانيا وبولندا، ولا منفذ برياً مباشر لها على روسيا. ولضمان حرص نقل البضائع والركاب؛ وقّعت موسكو اتفاقية مع فيلنيوس بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وخسارة روسيا للممرات البرية التي تصلها بمدينتها البحرية الاستراتيجية. ثم وقّعت اتفاقاً شبيهاً مع الاتحاد الأوروبي عام 2002 بعد انضمام ليتوانيا إلى الاتحاد، يضمن حرية التنقل والنقل بين روسيا وكالينينغراد التي بات الوصول إليها يعبر في أراضي الاتحاد الأوروبي. وكانت كالينينغراد جزءاً من بروسيا (ألمانيا اليوم) واسمها كونيغزبيرغ حتى العام 1946 عندما خسرتها ألمانيا للاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية وطردت سكانها الألمان واستبدلتهم بالروس. وتحولت اليوم إلى شريان حيوي بالنسبة لموسكو. فهي تضم الميناء الروسي الوحيد الذي لا يتجمد. وهي أيضاً مقر أسطول البلطيق التابع للبحرية الروسية.
وحتى الآن تقتصر البضائع التي تمنع ليتوانيا روسيا من نقلها إلى كالينينغراد على المعدن، ولكن اللائحة تتوسع تدريجياً، وستشمل في الأيام المقبلة بضائع أخرى مثل الذهب والفحم وحتى موارد الطاقة في أغسطس (آب) المقبل. ورغم أن هذه العقوبات تستهدف منع البضائع الروسية من دخول أراضي الاتحاد الأوروبي، فإن ليتوانيا قررت تطبيقها على البضائع التي تعبر أراضيها للوصول إلى كالينينغراد؛ وهو ما دفع روسيا لاتهامها بأنها تخرق الاتفاقات الثنائية السابقة بينهما وحذرتها من عواقب استمرار منعها لمرور البضائع.
وتدافع ليتوانيا عن قرارها هذا رغم أن الاتحاد الأوروبي بدأ الآن في مراجعة توجيهاته حول تطبيق تلك العقوبات لتحديد ما إذا كان يتوجب إعفاء بضائع المرور منها، ومن المفترض أن يبلغ ليتوانيا، الدولة العضو في الناتو، بها قريباً. وقبل أيام، قال الرئيس الليتواني غيتاناس نوزيدا، إن ليتوانيا «ستحتفظ بالسيطرة على البضائع المنقولة عبر أراضيها ولا يمكن الحديث عن أي ممرات» للبضائع المحظورة.
ليس خافياً أن ليتوانيا تخشى أن تؤدي «مهادنة» روسيا إلى رد فعل عكسي. والتضامن مع أوكرانيا في هذه الدولة الصغيرة، أخذ أبعاداً اجتماعية وليس فقط سياسية. في شوارع العاصمة، العلم الأوكراني في كل مكان. على شرفات المنازل، في واجهات المحال وإلى جانب العلم الليتواني أمام البرلمان ومعظم المقرات الرسمية وغير الرسمية، ويغطي حتى واجهة وزارة الدفاع.
ويقول أندريوس بروشورانكو، الخبير في معهد دراسات أوروبا الشرقية في فيلنيوس، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن التوصيات التي تسلمتها ليتوانيا من الاتحاد الأوروبي حول العقوبات على روسيا «كانت قابلة للتفسير»، ولم تحدد ما إذا كانت تطبق أيضاً على بضائع المرور. ويضيف، أن ليتوانيا قررت «أن تفسرها بشكل صارم، وهذا يعني أنها منعت مرور البضائع الخاضعة للعقوبات».
ويقول بروشورانكو، إن الحكومة الليتوانية «متمسكة بقرارها» رغم أن بروكسل تدرس منح بعض بضائع المرور إعفاءات، ويشرح السبب بالقول «ليتوانيا لا تريد أن تقدم تنازلات لروسيا لأنها تعتقد أن أي تنازل الآن سيدفع موسكو لطلب تنازلات إضافية». وتدفع ألمانيا الاتحاد الأوروبي لإصدار استثناء لبضائع العبور الروسية، وقد عبّر المستشار الألماني أولاف شولتز عن عدم رضاه لقرار فيلنيوس قائلاً «نحن نتحدث عن جزأين تابعين لروسيا». ويقول بروشورانكو، إن ألمانيا هي الآن التي تدفع لإصدار هذه الإعفاءات، وإن ليتوانيا رغم عدم موافقتها على ذلك، فهي لن تدخل في مواجهة مع ألمانيا التي تعتبرها شريكاً رئيسياً هي في حاجة إليه اليوم.
وتهدد روسيا ليتوانيا بعواقب لم تحددها في حال لم تتراجع عن قرار منع عبور البضائع إلى كالينينغراد، ولكن من الواضح بأن فيلنيوس لا تعتبر هذه التهديدات جادة، أو أنها تعتقد بأن خيارات روسيا للرد محدودة. فعلى الصعيد العسكري، لم ترفع فيلنيوس من تأهب قواتها على الحدود مع كالينينغراد، بحسب ما أكدت المتحدثة باسم القوات المسلحة الليتوانية إيستي ليليكايتي لـ«الشرق الأوسط». وقالت ليليكايتي في رد مكتوب، رداً على سؤال حول رفع مستوى الجهوزية للجيش الليتواني «إن التدريبات العسكرية للقوات المسلحة لا تتوقف ولا تتأثر بالوضع الجيوسياسي الحالي، وما زال الاستعداد العسكري لوحدات القوات المسلحة معتاداً». وأضافت حول تعزيز القوات المسلحة انتشارها على الحدد مع كالينينغراد «نحن يقظون، وبالتنسيق مع الدول الحليفة نراقب عن كثب الوضع الأمني في الجوار ونقيم التحديات الأمنية بشكل واقعي». وأكدت، أن الوضع على الحدود «ما زال هادئاً؛ ولذلك لم يتم إرسال أي قوات إضافية باتجاه منطقة كالينينغراد». ولكن المتحدثة أكدت بأن حلف «الناتو» أرسل تعزيزات أمنية إضافية «ضمن رد الدول المتحالفة على التحديات الأمنية» التي استجدت في الأشهر الماضية. وقالت، إن قوات «الناتو»، «تجري تدريبات عسكرية في ليتوانيا بالمشاركة مع القوات الوطنية». وأكدت ليليكايتي، أن من ضمن التعزيزات التي أرسلها «الناتو» بعد الحرب في أوكرانيا، أسلحة مدفعية مضادة للدفاع الجوي والمدفعية.
ورغم هذه التعزيزات، يستبعد محللون في فيلنيوس أن تقدِم روسيا على عملية عسكرية في ليتوانيا. ويقول بروشورانكو، إن «روسيا تهدد الآن كل جيرانها من بينهم ليتوانيا؛ ولذلك لا يجب أن نكون خائفين جداً من هذه التهديدات». ويقول بأن خبراء عسكريين في فيلنيوس يقولون، إن روسيا عاجزة عن تنفيذ أي عملية عسكرية إضافية الآن «لأنه ليس لديها جنود كافين في كالينينغراد». وأضاف «قبل الحرب، يُعتقد بأن روسيا كان لديها قرابة 40 ألف جندي متمركز في كالينينغراد، والآن انخفض العدد إلى النصف».
ويستعبد كذلك بروشورانكو، أن تنفذ روسيا تهديداتها بفرض حصار بحري على ليتوانيا، ولكنه يتحدث عن خطوات أخرى يمكن لروسيا أن تأخذها بحق ليتوانيا لجعلها تدفع الثمن، تحديداً من الناحية الاقتصادية. ويشير إلى إمكانية منع البضائع الليتوانية من العبور إلى بيلاروسيا أو الأراضي الروسية إلى دول أخرى. كما يتحدث عن إمكانية تدخل روسيا في الحياة السياسية في ليتوانيا، ولكنه يضيف بأن «هذا يحصل منذ سنوات في كل الأحوال». ولكن السيناريو الأكثر واقعية، يقول بروشورانكو، هو أن تستمر وتكثف روسيا هجماتها مثل التي تحصل منذ أكثر من أسبوعين وتستهدف البنى التحتية في البلاد. ويقول بأن هذه الهجمات التي تشنّها مجموعة من القراصنة الروس، ولم تتبناها موسكو رسمياً، نجحت بإحداث أضرار رغم أنها كانت محدودة، والأهم أنها «كشفت نقاط ضعف» يمكن لروسيا استغلالها عبر تنفيذ هجمات إلكترونية على مواقع بنى تحتية.
ورغم أن هذه الهجمات نجحت فعلاً بتعطيل عدد من المواقع الإلكترونية التابعة للحكومة ولشركات خاصة، تحديداً في المجال المالي، إلا أنها لم تحدِث أضراراً دائمة كما تؤكد وزارة الدفاع في تصريحات لـ«الشرق الأوسط». وقالت أوسرا فاتكيفيكيوت، المتحدثة باسم الوزارة في رد مكتوب، إن الهجمات السيبرانية استمرت قرابة الأسبوعين، إنها عطلت عدداً من المواقع لفترة محدودة، ولكنها لم تحدث أضراراً دائمة. وأضافت أن الخطوات التي اتخذها وحدة مواجهة الهجمات السيرانية التابعة لوزارة الدفاع نجحت بتقليص حجم الأضرار التي أحدثتها مجموعة «كلينت» للقراصنة الروس. وتوقعت المتحدثة باسم وزارة الدفاع وقوع المزيد من الهجمات السيبرانية «المدمرة» قريباً، وقالت بأن الوزارة تنصح جميع الشركات الخاصة باتخاذ تدابير وقائية فورية.
وأكد كذلك جوناس سكاردينسكاس، رئيس وحدة الهجمات السيبرانية في وزارة الدفاع الليتوانية لـ«الشرق الأوسط»، أن الهجمات السيبرانية «لم تحدث أضراراً كبيرة، ولكنها نجحت بوقف خدمات بعض المواقع لوقت قصير، وهذا لا يمكن اعتباره حوادث واسعة التأثير». وأضاف سكاردينسكاس، أن هجمات كهذه «ليست جديدة ونحن نواجهها منذ فترة؛ لذلك دفاعنا ضدها جيد»، مضيفاً أن الفارق بين هذه الهجمات وسابقاتها «أنها استمرت لفترة طويلة مقارنة بالسابقة وكان لديها أهداف عدة، وهذا أمر جديد لأنها عادة تركز على هدف واحد أو هدفين على الأكثر». وأكد سكاردينسكاس، أن وحدته «في حالة تأهب قصوى» لمواجهة أي هجمات إلكترونية أخرى قد تتعرض لها ليتوانيا.
وجاءت هذه الهجمات رداً على بدء ليتوانيا تطبيق العقوبات الأوروبية ومنع مرور بعض البضائع إلى كالينينغراد، وأيضاً رداً على قرار البرلمان الليتواني وقف الاعتماد كلياً على موارد الطاقة الروسية وحظر شراء النفط والغاز منها؛ ما جعلها أول دولة أوروبية تقوم بخطوة مماثلة. وحجم ليتوانيا الصغير بعدد سكانها الذي لا يتجاوز المليونين و700 ألف شخص، ساعدها بالتخلي على موارد الطاقة الروسية، وهو ما تعجز عنه الدول الأوروبية الكبيرة حتى الآن. واستعاضت ليتوانيا بباخرة «الاستقلال» للتعويض عن الغاز الروسي، وهي باخرة أميركية راسية في ميناء كلايبيدا على بحر البلطيق تحولت إلى خزان للغاز المسال تملؤه ليتوانيا من النرويج ودول أخرى تستورد منها الغاز.


مقالات ذات صلة

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».