«الخطة ب» تفرض حكومة سودانية مدنية ثم انتخابات بمن حضر

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ب)
TT

«الخطة ب» تفرض حكومة سودانية مدنية ثم انتخابات بمن حضر

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ب)

السؤال الذي شغل المشهد السياسي بالسودان بعد الخطاب الذي ألقاه البرهان مساء أول من أمس (الاثنين)، هل كانت الترتيبات المفاجئة فيه وليدة تفاعلات الموقف بعد مواكب 30 يونيو (حزيران) الفائت، أم كانت خلاصة حوار واسع في الغرف المغلقة بمشاركة أطراف رئيسية داخلية وخارجية؟ وما «الخطة ب» في حال رفض القوى السياسية السودانية هذه الترتيبات وأصرت على مواصلة المواكب والاعتصامات ثم الإضراب العام وصولاً للعصيان المدني؟
حتى قبل نصف ساعة من إعلان الخطوة لم يكن هناك إعلان عن خطاب للفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان الذي فاجأ غالبية السودانيين ورمى بالكرة في ملعب المدنيين.
الخطاب الذي استغرق دقائق معدودة خلص إلى قرارات مباشرة: خروج المؤسسة العسكرية من المفاوضات، ومنح المدنيين فرصة الحوار تحت مظلة الآلية الثلاثية، وتشكيل حكومة تنفيذية مدنية بموجبها يُحل مجلس السيادة، واستحداث «المجلس الأعلى للقوات المسلحة والدعم السريع» الذي يصبح مسؤولاً عن الدفاع والأمن وما تتفق عليه الحكومة مع العسكريين من صلاحيات وثيقة الصلة بالنشاط العسكري.
خطاب البرهان وضع المكونات المدنية السياسية على مفترق طرق. المسار «الصِفرّي» الذي يقوده الحزب الشيوعي بزخم لجان المقاومة والقوى الثورية مثل تجمع المهنيين، لم يتردد في إشهار موقف مضاد لخطاب البرهان ومن الدقيقة الأولى، نص بيان الرد من الحزب الشيوعي وصف خطاب البرهان بأنه «شرعنة لانقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021»، وقال إن الخطاب كشف «كل مزالق التسوية وأبعادها والقوى التي خططتها والقوى المنوط بها تنفيذ ما اتُّفق عليه في الغرف المغلقة تحت رعاية الإدارة الأميركية». هي إشارة واضحة لقوى الحرية والتغيير «المجلس المركزي». ثم أعلن البيان إدانته لكل للقوى المشاركة فيه، ورسم خريطة طريق الحراك الثوري الذي يواصل الاعتصامات ثم يتحول إلى الإضراب العام ثم العصيان المدني، وأخيراً «الزحف» لانتزاع «الحكم الديمقراطي المدني» كما ينص البيان الصادر من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السبت 2 يوليو (تموز) 2022 الفائت.
قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) تدرك أن ما ورد في خطاب البرهان يمثل فرصة قد لا تتكرر، لكنها في الوقت ذاته تحاول أن تتجنب الآلة الإعلامية التي يديرها الحزب الشيوعي بكفاءة ضد مَن يخرج عن مسار المواجهة الشاملة، فأعلنت عن مواصلة الحراك الثوري لإسقاط الانقلاب، وقال البيان الصادر بعد سويعات من خطاب البرهان: «قرارات قائد السلطة الانقلابية هي مناورة مكشوفة وتراجع تكتيكي... وواجباتنا جميعاً الآن هي مواصلة التصعيد الجماهيري بجميع طرقه السلمية من اعتصامات ومواكب والإضراب السياسي وصولاً للعصيان المدني الذي يجبر السلطة الانقلابية على التنحي...».
وفق ردود الأفعال هذه، يبدو سيناريو الأزمة السودانية واضحاً بلا التباس: تصعيد ثوري في الشارع مع انقسام بين القوى المدنية، وإصرار من المكون العسكري على مغادرة المشهد وتسليم السلطة لمن حضر القسمة.
أمس، بدأ فولكر بيترس رئيس البعثة الأممية «يونامس»، اتصالاته لاستعادة مهام الآلية الثلاثية، ولن يجد في غرف التفاوض إلا المجموعة التي شاركت في جلسة الحوار المباشر الأولى بـ«روتانا» في 8 يونيو 2022 الفائت، وهي قريبة من المكون العسكري بل ربما ليس بينها من خلافات تتطلب مؤتمراً للحوار.
في غضون شهر، يُتوقع أن تتكون حكومة مدنية –بمن حضر- يعقبها صدور قرار بحل مجلس السيادة والذي عملياً يُنهي الشراكة التي أسستها الوثيقة الدستورية الموقَّعة في 17 أغسطس (آب) 2019، وهو واحد من أهم الشعارات التي ترفعها القوى الثورية في الشارع.
الحكومة المدنية، حسب خريطة الطريق التي رسمها خطاب البرهان ستنحصر مهامها في التحضير لانتخابات في غضون عام واحد، يدعمها المجلس الأعلى للقوات المسلحة والدعم السريع، والذي لا يزال تشكيله مبهماً في ظل إرهاصات بتنحي الفريق أول عبد الفتاح البرهان وإفساح المجال حسب التراتبية الهيكلية للجيش.
هذه الترتيبات التي وردت في خطاب البرهان ليست وليدة اللحظة بل جرى التداول حولها في الاجتماعات التي عُقدت بين قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري في بيت السفير السعودي بالخرطوم، ولكن آخر اجتماع بين الفريق أول شمس الدين الكباشي ممثلاً للمكون العسكري، وطه عثمان ممثلاً لقوى الحرية والتغيير، شهد مفاجأة غير متوقعة عندما رفض الأخير الجلوس مع المكون العسكري وغادر المكان لحظة وصول الكباشي.
وخلال أكثر من شهر أُدير حوار داخلي في المؤسسة العسكرية حول الإجراءات التي وردت في خطاب البرهان ثم اطّلعت عليه القوى الدولية لصيقة الشأن بالملف السوداني وأبدت موافقتها عليه كاملاً.
الحكومة المدنية التي تمثل «الخطة ب» في حال استمرار استعصام قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) بالعمل الثوري ورفض خطاب البرهان، رُشحت لها شخصيات مدنية غير ذات ارتباط حزبي، والأرجح أن يتولى منصب رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد الغني، المحامي، حسب مصادر مطلعة، إلى جانب أسماء أخرى رُشِّحت لتقلد حقائب وزارية إضافةً لأطراف عملية السلام التي تحافظ على نصيبها من المقاعد السيادية والوزارية والبرلمانية، حسب نص اتفاق السلام الموقَّع بعاصمة جمهورية جنوب السودان جوبا في الثالث من أكتوبر 2020.
المفاجأة الأكبر في حال تنفيذ «الخطة ب» هي صعود اللواء المتقاعد عبد الرحمن الصادق المهدي لمنصب رئيس مجلس السيادة، وهو إعداد مبكر لدور ريادي لحزب الأمة بعد الانتخابات المزمع إجراؤها بنهاية الفترة الانتقالية.
موقف القوى الإقليمية والدولية الأكثر اهتماماً بالشأن السوداني يتجاوز الدعم السياسي للمرحلة المقبلة إلى دعم اقتصادي يستعيد العون الدولي المجمد منذ 25 أكتوبر 2021 وشراكات أخرى تستهدف تقوية الاقتصاد السوداني ضد مخاطر الانزلاق نحو الهاوية.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

احتراق محطة كهرباء بمدينة الزاوية الليبية إثر هجوم بطائرة مسيرة

حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
TT

احتراق محطة كهرباء بمدينة الزاوية الليبية إثر هجوم بطائرة مسيرة

حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)
حريق هائل اندلع الثلثاء في مصفاة الزاوية جراء هجوم بالمسيرات (أ.ف.ب)

أعلنت الشركة العامة للكهرباء في ليبيا صباح اليوم الأربعاء أن محطة تحويل الكهرباء جنوب مدينة الزاوية الواقعة بشمال غرب ليبيا تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها عن الخدمة، وفقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وأضافت، في منشور على صفحتها على «فيسبوك»، أنه فور وقوع الحادث، تحركت الفرق الفنية التابعة للشركة إلى الموقع للوقوف على حجم الأضرار وحصرها، والبدء في اتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة لمعالجة تداعيات الحادث والعمل على إعادة التغذية للمناطق المتضررة وفق الإمكانات الفنية المتاحة.

وحذرت الشركة من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، وما قد يترتب عليها من تداعيات مباشرة على استقرار الشبكة العامة، مشيرة إلى أن «فقدان المزيد من محطات التحويل وخطوط ومكونات نقل الطاقة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، قد تصل إلى حدوث إطفاء جزئي أو عام للشبكة الكهربائية».

وأكدت الشركة أن الاعتداءات والاختلالات الأمنية التي شهدتها مدينة الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار جسيمة لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، إلى جانب تأثيرها المباشر على برامج الصيانة لوحدات الإنتاج بمحطة كهرباء الزاوية.


توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
TT

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية محادثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، في العاصمة الليبية طرابلس، وذلك خلال زيارة للأخير تستمر يومين، وتشمل أيضاً بنغازي، في وقت تشهد فيه البلاد تحركات سياسية ودبلوماسية متسارعة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والعسكري المستمرة منذ سنوات.

وأدرجت حكومة «الوحدة» الزيارة، في إطار «التشاور والتنسيق المستمر بين البلدين حول عدد من الملفات محلّ الاهتمام المشترك»، في وقت تأتي فيه المحادثات على وقع تحركات دولية وإقليمية متسارعة حول الأزمة الليبية، وفي مقدمتها المبادرة الأميركية المطروحة لتسوية الأزمة.

وانصبّت محادثات الدبيبة وفيدان على تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين، إلى جانب مستجدات المسار السياسي الليبي، وسبل دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار.

كما تناول اللقاء ملفات التعاون بين ليبيا وتركيا، وسبل تطويرها في عدد من المجالات، بما يخدم مصالح البلدين، وفق البيان الحكومي، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه الملفات أو نتائج المباحثات.

وتكتسب زيارة فيدان أهمية خاصة، لكونها تشمل طرابلس وبنغازي، بما يعكس اتساع نطاق الاتصالات التركية مع الأطراف الليبية، في وقت تتابع فيه أنقرة عن كثب المبادرات المطروحة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسسي في البلاد.

من لقاء سابق جمع بين الدبيبة واردوغان في أنقرة (الرئاسة التركية)

ومن المقرر أن يجري وزير الخارجية التركي في بنغازي محادثات مع عدد من المسؤولين والقيادات العسكرية في شرق ليبيا، في إطار سعي تركيا لتعزيز التواصل مع مختلف مراكز القوة في البلاد.

ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن مصدر دبلوماسي تركي أن أجندة فيدان تتركز على تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الراهنة في المسار السياسي الليبي، وأهمية الاستقرار في البلاد، إلى جانب متابعة المبادرات الأميركية ومسار الأمم المتحدة السياسي.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتأتي التحركات التركية في توقيت حساس بالنسبة إلى المشهد الليبي، مع استمرار الاتصالات بشأن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، والتي تتضمن، وفق ما تم تسريبه عن ملامحها، إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد، مع تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، في حين يبقى الدبيبة رئيساً للحكومة.

وتبدي أنقرة منذ أعوام انفتاحاً متزايداً على بناء علاقات مع مختلف مراكز القوة في ليبيا، ولا سيما شرق البلاد، بعدما ارتبط دعمها خلال حرب طرابلس (2019 - 2020) بشكل وثيق بحكومة «الوفاق الوطني» السابقة في غرب ليبيا.

ويعكس انتقال الاتصالات التركية من طرابلس إلى بنغازي توجهاً نحو توسيع هامش الحركة في الملف الليبي، وعدم حصر العلاقات في طرف واحد، خصوصاً مع تعقد المشهد السياسي والعسكري وصعوبة التوصل إلى تسوية، من دون إشراك القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وبحسب المصدر الدبلوماسي الذي نقلت عنه «الأناضول»، فإن أنقرة تسعى إلى تعزيز الحوار مع المسؤولين الليبيين «من دون التمييز بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها»، مع التشديد على أهمية حماية الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين في شرق المتوسط على أساس مبدأ «رابح - رابح».

كما يتضمن الموقف التركي دعم جهود الأمم المتحدة، الرامية إلى إجراء انتخابات «نزيهة وموثوقة وشفافة» في ليبيا، مع التأكيد على التعاون مع مختلف الأطراف الليبية والمجتمع الدولي لدفع المسار السياسي إلى الأمام.

ويمثل الملف الاقتصادي جانباً رئيسياً من التحرك التركي، في ظل رغبة أنقرة في تطوير تعاونها القائم مع ليبيا في قطاع الطاقة على أساس المنفعة المتبادلة، وتنفيذ مشروعات جديدة، إلى جانب ضمان استمرار أنشطة الشركات التركية في ليبيا بصورة آمنة ومستدامة.

ويحظى قطاع المقاولات بصفة خاصة بحضور لافت للشركات التركية في ليبيا، فيما تسعى أنقرة إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتوسيعها، بالتوازي مع تثبيت حضورها السياسي والأمني في بلد يحتل موقعاً استراتيجياً في منطقة شرق المتوسط.

وتسارعت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة الاتصالات التركية مع قيادات سياسية وأمنية وعسكرية ليبية من المعسكرين، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة أنقرة للملف الليبي، ويثير تساؤلات بشأن حدود هذا الانفتاح وأهدافه في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أجرى وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي، ومستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، محادثات مع الجانب التركي، ممثلاً في رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين، ووزير الخارجية هاكان فيدان.

وجاءت هذه الاتصالات بعد أقل من أسبوعين على زيارة صدام حفتر إلى تركيا، حيث التقى فيدان وبحث معه آخر التطورات في ليبيا والقضايا الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد استقبل الدبيبة في 18 أبريل (نيسان) الماضي، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، في أحدث لقاء رفيع المستوى بين الجانبين.

وتحمل التحركات التركية المتزامنة بين طرابلس وبنغازي دلالات تتجاوز الاتصالات الثنائية، إذ تأتي في مرحلة تعيد فيها القوى الدولية والإقليمية حساباتها بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في ليبيا، بينما تحاول أنقرة الحفاظ على نفوذها ومصالحها، وفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفاعلة في أي تسوية مقبلة.


«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
TT

«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)

تابع الشاب المصري هاني جاد بقلق الأزمة التي تعرض لها الطالب الجامعي عمرو عمارة، بعد أن تلقى اتهامات «تتعلق بالاتجار بالمخدرات»، لمجرد ملكيته لرقم هاتف جوال لم يستخدمه واستغله آخرون؛ ما دفعه للاستعلام عن الأرقام المسجلة باسمه، فاكتشف وجود خطين، تبعها بعدد من الإجراءات التي لا يعلم ما إذا كانت كافية أم أنه يحتاج للمزيد، ولذلك بدأ يركز على توعية المحيطين به ودفعهم للاستعلام عن الأرقام الهاتفية، تجنباً لوقوعهم ضحايا لـ«جرائم مجهولة».

وكانت محكمة الجنايات المصرية قد قضت غيابياً على الطالب عمارة بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة، كانت تستخدم خطا مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب منذ أيام، قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجلت خطاً باسمه لاستكمالها التارجت، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل لهذه العصابة.

وعكس عمارة الذي قدم بطاقته طوعاً، وشهد على لحظة خروج الخط، دون أن يتوقع ما قد يجلبه ذلك من مشكلات، شكا آلاف المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من اكتشافهم وجود العديد من الخطوط المسجلة بأسمائهم دون أن يعلموا عنها شيئًا، وسط تساؤلات عن الإجراءات اللازمة، وقلقهم من احتمال تورطهم في «جرائم لم يرتكبوها».

وتوجه جاد، الذي يعمل في شركة المياه الحكومية بمحافظة الشرقية (دلتا النيل) قبل أيام إلى فرع شركة الاتصالات للاستعلام عن هذه الخطوط، ومعرفة كيف نُسبت له دون علمه، لكنه لم يخرج بإجابات واضحة، فطلب وقف هذه الخطوط، ووقَّع على استمارة معنونة بـ«عدم حيازة وإيقاف خط»، بينما يترقب حالياً ما سينتهي إليه تحقيق النيابة العامة مع شركات الاتصالات في مصر حول القضية، والتفكير فيما إذا كان سيتخذ إجراءات قانونية أخرى تحميه من التورط في أي قضية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين، اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

وقال المحامي حسن شومان لـ«الشرق الأوسط» إن «قضية شرائح الجوال خطيرة، وقد توقع الشخص في قضايا كبيرة تتعلق بالأموال، مثل سرقات إلكترونية أو نصب، أو قضايا جنائية كالتحرش والمخدرات... وغيرها؛ لذا لا تجب استهانة الشخص الذي اكتشف وجود شريحة باسمه بذلك، واتباع الإجراءات».

ونصح شومان المواطنين في البداية بالتوجه إلى فروع الشركات التي أصدرت الخطوط باسمه، والاستعلام عن هذه الأرقام، وتوقيع استمارة إنكار ملكية للخط ووقفه، ثم التوجه إلى قسم الشرطة، وعمل محضر يثبت فيه عدم معرفته شيء عن هذه الأرقام، ويطالب شركة المحمول بتوضيح كيف خرجت باسمه، لافتاً إلى أن «الأمر قد ينطوي على قضايا تزوير».

وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية أن 100 شخص ترددوا على 9 أقسام لتحرير محاضر ضد شركات المحمول بسبب شرائح الجوال.

مقر الشركة المصرية للاتصالات الرئيسي في ميدان الجيزة (الشرق الأوسط)

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد وجَّه في بيان، أخيراً، المتضررين بالتقدم بشكوى للجهاز. وطمأن المواطنين بأن «مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه، أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية».

وأضاف شومان موضحاً: «صحيح أن التحقيقات القانونية تستطيع إثبات ما كان الخط في حوزة صاحبه المُسجل باسمه أم لا وقت ارتكاب جريمة، لكن مجرد حدوثها دون إنكار سابق لهذا الخط قد يعرضه للتوقيف احتياطياً لانتهاء الإجراءات، أو القبض عليه لحين إعادة إجراءات المحاكمة لو صدر حكم غيابي ضده، لذا ننصح باستباق كل ذلك بالتقدم بمحضر ضد شركات المحمول».

وقضية عمارة التي ذاع صيتها أخيراً ليست الأولى من نوعها. ويقول المحامي محمود فراج لـ«الشرق الأوسط» إنه رفع قضية ضد رقم يبعث رسائل إزعاج وتحرش وتشهير بموكلة لديه، وبعد الحكم الصادر بخمس سنوات ضد صاحب الخط تنازلت موكلته عن القضية لتأكدها أن «الخط لم يكن في حيازة الشخص المُسجل باسمه، وأن شخصاً آخر استغله وارتكب جرائمه في حقها».

وشدد فراج على أهمية الوعي القانوني بما قد يحدث للشخص من مجرد وجود اسمه على خطوط لا يستخدمها، والتحرك بتقديم شكاوى في الجهات المختصة، ومحضر في قسم الشرطة.

وفوجئ الصحافي محمود العمري بوجود عدة شرائح اتصالات باسمه، ليس له صلة مباشرة بها ولم يستخرجها. وقرر تحرير محضر ضد الشركة، واتخاذ الإجراءات القانونية وصولاً لطلب تعويض، كما توجه إلى فرع للشركة للحصول على ما يثبت تسجيل هذه الشرائح باسمه، لكن الموظف رفض تسليمها إياه، متوقعاً في بوست عبر «فيسبوك» أن تكون الشركات قد أصدرت توجهات بذلك، لكنه أكد الاستمرار في الإجراءات.

ويشير المحامي محمد الصاوي إلى أن «الحصول على تعويض من شركات المحمول مرتبط بحدوث ضرر على الشخص، الذي صدر خط باسمه، لكن عدم وقوع ضرر لا يستوجب تعويضاً»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بينما يقول حسن شومان إن موكلين كُثراً يأتون لمكتبه يسألون عن الإجراءات التي عليهم اتباعها، وعن إمكانية حصولهم على تعويض، في التباس واضح لدى المستخدمين.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أكد «العمل على تعزيز وسائل التحقق من هوية المستخدمين، ومن بينها منظومة التحقق البيومتري، بما يرفع مستوى دقة البيانات، ويعزز أمن وسلامة خدمات الاتصالات».