الشاعر القصاص والفنان عبلة يتبادلان القصيدة واللوحة

في أمسية استضافها منتدى عفيفي مطر بغاليري «ضي»

جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن
جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن
TT

الشاعر القصاص والفنان عبلة يتبادلان القصيدة واللوحة

جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن
جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن

افتتح منتدى عفيفي مطر بغاليري «ضي» في حي الزمالك الراقي، بالقاهرة، أنشطته بأمسية جمعت بين الشعر والفن التشكيلي، وذلك على هامش معرض استعادي ضم كثيراً من أعمال الفنان المصري محمد عبلة، وشارك في الأمسية عبلة، والشاعر جمال القصاص، وقدمها الشاعر والكاتب الصحافي محمد حربي، الذي أشار في البداية إلى أن القصاص هو «من القلائل في المشهد الشعري المصري الذين يجيدون قراءة الفن التشكيلي بعمق شعري، وتربطه بأعمال محمد عبلة وشائج قربى من الجمال والإبداع. لذلك سنستمع إليهما وهما يتبادلان الأدوار، صعوداً إلى الشعر واللوحة معاً».
وذكر القصاص في مداخلته أن «محمد عبلة يصنع نقطة حميمية لعناق الشعر والفن التشكيلي في أعماله، كما أن علاقة الشعر بالتشكيل تأتي من خلال تجربتي شاعراً ومعايشتي للفن التشكيلي، ففي أعماقي فنان تشكيلي هارب، يكتب الشعر بمنظور بصري، ويحيل مرجعيته إليه، وليس للبلاغة التقليدية المعتادة. زمن الفنان التشكيلي هو زمن الصورة، يشكلها ويرسمها بإحساسه ومدى علاقته باللون والفراغ، والخط والمساحة، وكل المفردات التي تكوّن العمل الفني، الذي يصنع في النهاية الصورة الفنية، أما زمن الشاعر فتشكله اللغة، ينفتح من خلالها على ذاته والعالم من حوله».
وذكر القصاص أنه حين اقترح على الفنان محمد عبلة أن يسمي معرضه الاستعادي «مراحل» كان يعني ذلك، «فكل فنان مجرّب ومغامر له مراحل، ومحطات فنية، يراكم فيها معرفته وطرائقه الجمالية ويغادرها إلى محطة أخرى، لكن دائماً هناك علاقة بين كل محطة وسابقتها، من هنا يمكن القول إن مرحلة الطفولة مهمة جداً في تشكيل أي مبدع، وهي ليست مرتبطة باللغة فقط، ولكن بوعي الفنان. مناخات الطفولة حتى الآن تومض في لوحات محمد عبلة، وهي التي تقي الفن من عطب الشيخوخة، وتمنحه زمناً متجدداً. نحن نبحث دائماً عن طفولة الأشياء، والفن واللغة والزمن، والحب والحرية، والجمال، فهي تعني أننا نستطيع أن نصعد إلى الأعلى، وتعني أن الفنان يبحث عن لحظة خاصة، يستمدها من النور الداخلي الذي يصنعه فنه وينعكس على ذاته، وهذه اللحظة الخاصة يبحث عنها الشاعر أيضاً، يصنع من خلالها تميزه وتفرده، وخصوصيته، وهناك نقطة مهمة تتجلى بين التشكيل والشعر، تتركز في فكرة الكم المفتوح، فالشعر الحقيقي لا يمكن تأويله في دلالة محددة، وكذلك اللوحة لا تستطيع أن تقبض على معنى تام ونهائي لها، لأنها قابلة مع كل قراءة ومشاهدة أن تمنحك نفسها بشكل جديد. في أعمال محمد عبلة هناك ما يمكن أن نسميه (قصائد بصرية)، تكاد تفك الإطار وتخرج وتحتضن مشاهدها وتعانقه. مغامرة عبلة في الفن تستند على روافد كثيرة وتراكمات متنوعة من الخبرة، التي تلتقي فيها كل حدوسات المعرفة الإنسانية والفكرية والفنية والجمالية، والمسألة هنا ليست في تراكم الخبرة، لكن فيما يفعله الفنان بها وقدرته على استغلالها في الانفتاح على عالمه وذاته ومشاعره وعلى العالم الخارجي أيضاً».
ويستند عبلة في مغامراته التشكيلية، حسب رأي القصاص، على ركيزتين أساسيتين، الأولى أن الفن لديه فعل معايشة مستديمة لكل مفردات الطبيعة والحياة والواقع بكل انكساراته وصعوده، سياسياً واقتصادياً، وهو مسلح دائماً بالتأمل، بالقدرة على النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، والتقاط المصادفة، ليصنع منها فنه، فهو قادر على صناعة لوحاته من فجوة أو حفرة في الشارع، أو شق في جدار، إن فكرة المعايشة اليومية يرفدها حجر آخر وركيزة أخرى، وهي الابتكار، فعبلة فنان حلول ابتكارية بامتياز، للخامة واللون والشكل والخط، والرؤية، وهي حلول متحركة، بقوة الفن والشعر معاً، ففي أعماله ثمة تجليات شعرية مغوية، من أبرزها شعرية الضوء، التي تجلت في معرضه الممتع «أضواء المدينة» ومغامرة اللعب مع النور الاصطناعي، عكس ما هو معتاد في الفن. فالضوء يتراءى في عزلته متجسداً في مصباح عمود إنارة يرعش تحت رذاذ المطر، وكأنه صدى لرعشة المدينة نفسها، في المقابل هناك الضوء الكرنفالي الصاخب في سهرات السمر بالمراكب النيلية، وفي طقوس الأفراخ الشعبية. وهناك شعرية اللون، وهي البطل الذي يضبط إيقاع كل الشعريات الأخرى، وهناك شعرية الحكاية، والطبيعة والمكان، بخاصة في لوحات المنظر الطبيعي، وشعرية النار والطرق في الأعمال النحتية، التي تستخدم الصب بخامة البرونز. ومن أرق شعريات عبلة شعرية الماء والنيل. حيث يظهر السطح رجراجاً بألوانه وكائناته، النيل عنده يعتبر قصيدة مفتوحة على هموم البشر والناس، وبعدهما الفكري والبصري، وقد غاص في قاع النيل الذي عاني من البشر وتصاريف الزمن، محتفياً بالونس به وشعرية مائه، بتجددها وحركيتها الدائمة.
وعرج القصاص على أعمال عبلة الغرافيكية، مشيراً إلى أن ما يلفت النظر، برغم صلادة الخامة، هو طابعها الشعري، وإيقاعها الموسيقي الخاص الذي يصل باللون إلى قوة إيحاء داخلية تضفي جواً من الدفء والبهجة على الإشارات والرموز في اللوحات التي ترتكز على بساطة التكوين وعفوية الخطوط والأشكال، والميل إلى ألوان تلقائية متفجرة وناصعة والانفلات من إيقاع البناء الهندسي الصارم، مع الاهتمام بالضوء وعنصر الحركة، ما يساهم في إبراز الفراغ والإيحاء به وتنظيمه على مسطح الكتلة بشكل انسيابي تلقائي، وفي سياق من العلاقات الجمالية الجديدة الخاصة.
ومن جهته، تحدث الفنان محمد عبلة عن علاقته بالشعر من خلال دواوين وقصائد جمال القصاص، وقال إنه من أوائل من كتبوا عن معارضه، وقد عرفه عن طريق الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر، وقد كان بالنسبة له ميزاناً لمعرفة الغث والسمين في الحركة الثقافية المصرية. وقال عبلة: «كنت أتردد وقتها على أتيليه القاهرة، وقد شعرت أن هذا هو المكان الذي يمكنني من خلاله أن أرى مصر، وقد كان عفيفي يشير لي إلى من يمكن أن أقيم معهم علاقات مجدية ومفيدة، كان عفيفي يرى أن جمال القصاص شاعر صاحب خصوصية، وقد دفعني هذا لقراءة شعره مبكراً، وحين بدأت في إقامة معارض لي كان هو أيضاً يتابعني، ويهتم بما أقدم من فن، وأنا أعتبره من أهم شعراء مصر حالياً وهو قادر على الابتكار في إطار قصائده، فهو لا يستعير ابتكارات غيره ولا مغامراتهم، وحين نقرأ قصائده نجدها دائماً تشكل تكوينات جديدة وتخريجات مبتكرة للغة، هناك علاقات خاصة جداً بكل لفظ يخلق من خلاله عوالم جديدة ومدهشة بما فيها من استعارات خاصة به، وهو قادر على استنباط الجديد دائماً».
ولفت عبلة إلى أن علاقته بالشعر والشعراء جعلته يدرك قيمة الاختزال والتكثيف والاختصار، فبعد أن درس الفن في مصر والنمسا وسويسرا، وقام بتدريسه أيضاً، فهم ماهية الفن الحديث والمعاصر، وكان دائماً حريصاً على ألا تكون مغامراته داخل تاريخ الفن، وألاعيبه، وقال: «هناك فنانون كثيرون تشعر في أعمالهم بقوة التعبير في ألوانهم أو ملامسها، أو في حلولهم التكعيبية والتجريدية التي يلجأون إليها وتظهر في أعمالهم ويقدمونها بشكل جميل، أما أنا فقد كنت دائماً أبتعد عن الوقوع في فخ اللعب مع الفن، وقد استعضت عن ذلك باستخدام ما لديّ من معرفة للعب مع ذاتي وحياتي وتاريخي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.