«الشانزليزيه السعودي» وأكبر بحيرات الخليج في صور للذاكرة

فنانون حكوا قصته لـ«الشرق الأوسط» في معرض «أماكن» بالظهران

طالب المري أمام عمله المكون من 9 صور لـ«بحيرة الأصفر» (الشرق الأوسط)
طالب المري أمام عمله المكون من 9 صور لـ«بحيرة الأصفر» (الشرق الأوسط)
TT

«الشانزليزيه السعودي» وأكبر بحيرات الخليج في صور للذاكرة

طالب المري أمام عمله المكون من 9 صور لـ«بحيرة الأصفر» (الشرق الأوسط)
طالب المري أمام عمله المكون من 9 صور لـ«بحيرة الأصفر» (الشرق الأوسط)

درج بين قدامى سكان مدينة الخبر (شرق السعودية) تسمية شارع الملك خالد بـ«الشانزليزيه السعودي»، خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي وما بعدها، باعتباره المركز الاقتصادي والتجاري للمدينة آنذاك، وكان يجذب المتسوقين والتجار والزوار من جميع الأطياف، على غرار «الشانزليزيه» الشهير في العاصمة الفرنسية باريس، لتعود للذاكرة تلك الحقبة المزدهرة عبر 140 صورة التقطها المصوّر بدر عواد البلوي.
يصف البلوي مشروعه الذي سماه «المدينة على قيد الحياة»، بأنه «عبارة عن دراسة شعرية للتغيرات الديموغرافية وطبيعة المدينة نفسها والحياة المتغيرة لسكانها». إذ دفعته التغيرات الجذرية التي تحدث الآن في مدينة الخبر على قدم وساق، إلى توثيق ما تبقى من المعالم القديمة وذكرياتها، قبل أن تختفي، من خلال الصور والأفلام والمقابلات التي أجراها البلوي، لترصد هذه التغيرات والتحولات، قائلاً: «لقد شهدت بعض تلك الأيام المشرقة، حينما كنت أتجوّل صغيراً مع والدتي أو أخواتي، ومن ثَم خطرت لي أهمية هذه المنطقة».

- المدينة الحيّة
يتحدث البلوي لـ«الشرق الأوسط» خلال مشاركته في معرض «أماكن» الذي يستضيفه حالياً مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) في الظهران، مبيناً أنه اعتمد إجراء المقابلات على شكل سلسلة يوصي بها كل شخص بآخر، وأشار إلى أن مشروعه استفهامي، يطرح السؤال إن كانت مدينة الخبر لا تزال حيّة كما السابق، مضيفاً: «يعتقد البعض أن المدينة ماتت بعد ذاك الازدهار الذي عاشته قبل عقود، وهناك من يرى أنها لا تزال حيّة ومنتعشة وينتظرها ما هو أجمل، واختلاف هذه الآراء شدني لمواصلة العمل الذي لا يزال مستمراً».
بدأ البلوي مشروعه الذي استخدم فيه وسائط مختلفة عبر التقاط الصور الفوتوغرافية «للتواصل مع إحساس المكان ومبانيه والأشخاص الذين عاشوا فيه والمعالم المعروفة» حسب قوله، سارداً قصص عدد ممن عاشوا تلك الحقبة، ومنهم أكرم شودري، الذي يدير مطعم سقراط، ويشاع أنه أول مطعم غربي للبرغر في السعودية، افتتح عام 1969، وينقل عنه البلوي القول: «يأتي بعض الناس إلى مطعمي من أجل الذكريات، إذ اعتاد كبار السن المجيء إلى هنا مع أطفالهم. وكبر الأطفال وأصبحوا يأتون مع أطفالهم، لذا يأتي إلى اليوم نحو 3 أجيال».
الفنان الكوري كيم سونغ باي، يقيم في مدينة الخبر في استديو الرسم الخاص به منذ عقود عدة، يظهر في مشروع البلوي قائلاً: «لم يكن المكان مكتظاً في السابق، كان البقاء فيه مريحاً جداً، وكان الجو ممتازاً للغاية للعمل على رسوماتي، ومع ضخ الأموال في التطوير، أصبح هناك الكثير من المباني التجارية، والمقاهي، والصالونات، والمطاعم، تبدو الأمور مختلفة كثيراً».
ويظهر تفاوت الأشخاص الذي التقاهم البلوي أمراً لافتاً لفهم التحولات التي عاشتها مدينة الخبر، تحديداً شمالها النابض، بما فيها التغيرات الحياتية للعديد من المغتربين الذين استوطنوها وشعروا بالانتماء إليها، منهم الباكستاني أشرف علي خان، الذي يعمل صانع وفنّي ساعات، حين قدم إلى الخبر عام 1990 كان عازباً، واستمر فيها إلى اليوم، بعد أن تزوّج وأصبح لديه أطفالاً وعائلة.
يقول المصوّر بدر عواد البلوي «لكل واحد يعيش هنا، قصته الخاصة وعلاقته الفريدة مع المكان»، علماً بأن البلوي ولد في عام 1985 في الخفجي (شرق السعودية)، وهو كاتب ومصوّر يقيم في مدينة الخبر. نشر أول كتاب تصويري له في عام 2014 حمل عنوان (الطريق إلى الشمال: 85 مشهداً يمكن أن تقابله في طريقك إلى شمال غربي المملكة العربية السعودية).

ذكريات الخبر تجذب مرتادي معرض «أماكن» (الشرق الأوسط)

- بحيرة الأصفر
على بعد خطوات من مشروع التوثيق المرئي لمدينة الخبر، يلفت زائر معرض «أماكن» زاوية لمشروع فني بديع آخر، يتناول بحيرة الأصفر الواقعة في منطقة الأحساء، وهي تعد أكبر بحيرة في منطقة الخليج، بعمل للمصور طالب المري، الذي يستخدم التبسيط أسلوباً فنياً في وضع الصورة لتكون عبارة عن جزء واحد ما عدا عنصر صغير لافت للعين.
يتحدث المري لـ«الشرق الأوسط»، عن عمله المكوّن من 9 صور، مبيناً أنه استغرق منه نحو 5 أشهر، لخلق مزامنة بينه وبين المكان وإيجاد إحساس التصوير، لكونه يحرص على صنع علاقة مسبقة مع المكان قبل تصويره، قائلاً: «كنت أذهب في إجازات نهاية الأسبوع، وأجلس في اليوم الواحد نحو 6 ساعات».
بعد أن يصل المري للحالة التي يقصدها، يبدأ في قراءة المشهد وفهم سلوك الحياة في المكان، كما يقول. خصوصاً أن صوره تظهر العديد من الطيور التي احتاج المري مراقبتها بدقة لالتقاط الصور بهذا الإحساس الفريد، ناحية البحيرة التي تجذب آلاف الطيور المهاجرة كل عام بفضل تنوعها البيئي. يقول المري: «تتناغم البحيرة مع الماء والطيور والأعشاب، ولا أسمع سوى صوت الطيور وحفيف الهواء عندما يحرك العشب والماء». ويضيف: «في كل مرة أزور هذه البحيرة، أجد نفسي مرتبطاً بهذا المكان، وكأنني أنتمي له».
جدير ذكره أن المري ولد في مدينة الخبر عام 1979، وهو مصور فوتوغرافي ذاتي التعليم، وقد كُرمت أعماله الفوتوغرافية من قبل مسابقات عالمية مثل مسابقة Big Picture الأميركية لعام 2020، ومسابقة Nature›s Best Photography الأميركية لعام 2020، ومسابقة آيفون للتصوير الفوتوغرافي لعام 2021. ومسابقة سيينا لعام 2021، ومسابقة إكسبوجر الإماراتية 2022، وأكثر من نسخة لجائزة ناشيونال جيوغرافيك.

- الفن والأماكن
العلاقة بين الفن والمكان وطيدة وقديمة، تنقلها الأعمال الفنية المدهشة التي يقدمها معرض «أماكن»، وهنا تقول فينيشيا بورتر، القيمة على المعرض: «اتخذ هذا المعرض الذي بدأ حياته الأولى في جدة، حياة جديدة في موقعه الثاني، بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) في الظهران». وخلال كلمتها في حلقة نقاشية عن الفن نُظمت في إثراء، مساء يوم الجمعة الماضي، قدمت بورتر وصفاً فنياً شيقاً لكل عمل.
وتحدث لـ«الشرق الأوسط»، الفنان التشكيلي عبد الرحمن السليمان، الذي يحتفي المعرض بأعماله، قائلاً إن التجارب السعودية الشابة المشاركة في المعرض توعد بمستقبل فني مبهر للجيل الجديد. وتأتي مشاركته هذه تمثيلاً لجيل الرواد، باعتباره فناناً غزير الإنتاج وكاتباً وثق باجتهاد المشهد الفني أثناء تطوره في المملكة خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين.
تجدر الإشارة إلى أن معرض «أماكن» هو النسخة التاسعة لمعرض «21.39 فنّ جدة»، ويأتي بمشاركة 28 فناناً عالمياً ومحلياً، بالتعاون مع (ساك) ومجموعة المنصورية، حيث يعد المعرض متنقلاً للمرة الأولى منذ نشأته في مدينة جدة، وذلك بتنسيق من القيمة الفنية فينيشيا بورتر.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.