بحثاً عن ربيع جابر... بين أزقّة بيروت وسطور رواياته

الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)
الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)
TT

بحثاً عن ربيع جابر... بين أزقّة بيروت وسطور رواياته

الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)
الروائي اللبناني ربيع جابر (يوتيوب)

حتماً ستجد تلك الإبرة التائهة بين القشّ، قبل أن تجد أثراً لربيع جابر في شوارع بيروت وأزقّتها. كالشبح يتنقّل الروائي اللبناني في مدينته المُلهمة سيراً على الأقدام. يهرب من العيون والعيون تترصّده. يبحث عنه محبّوه وقرّاؤه في شارعٍ بيروتي أو في سطرٍ مكتوب، من دون جدوى.
يفضّل هذا الكاتب الغامض العيش بين الأوراق، كما شخصيات رواياته. أَغلِقْ عليه كتاباً، تَمنَحْه كل ما يريد من هذه الدنيا.
قبل 10 سنوات، صعد ربيع جابر إلى المنصة لتسلم الجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر». كانت تلك المرة الأولى - وربما الأخيرة - التي يلمح له الجمهور فيها وجهاً. وجهٌ خبّأه بيَدِه حيناً وبرأسه المطأطئ خفَراً أحياناً. بصوتٍ خفيض وبكلماتٍ معدودة، شكر لجنة التحكيم على منحها جائزة العام لروايته «دروز بلغراد».

لم تكد تنتهي الاحتفاليّة حتى خرج ربيع من القاعة، هارباً من عدسات الصحافة وأسئلتها. عاد إلى غرفته في الفندق تاركاً الجميع خلفه يتساءلون عن الرجل الذي لا يحب الأضواء ولا الدعوات ولا التكريم. من غرفته، انتقل مباشرة إلى مطار أبوظبي، حيث استقلّ الطائرة وحيداً، عائداً إلى بيروت.
منذ ذلك اليوم، توارى ربيع جابر عن الأنظار لكنه حافظ على صِلَة الحبر بينه وبين قرّائه. بعد «دروز بلغراد»، أصدر رواية «طيور الهوليداي إن». سرديّة تاريخيّة معاصرة عن بيروت الحرب الأهليّة، المشلّعة بين «شرقيّة» و«غربيّة» لم تُرِدهما المدينة لنفسها.
كانت تلك الرواية الثامنة عشرة لجابر، وقد ظنّ الجميع أنّ عشراتٍ أخرى سوف تَليها، نظراً لغزارة إنتاج الكاتب الذي أصدر 18 كتاباً في أقلّ من 20 عاماً، وهو كان بالكاد قد بلغ الأربعين من عمره. لكن بعد أن أطلقَ سراح طيور الهوليداي إن، غاب جابر صورة وحبراً.

ربيع جابر على قيد القراءة

انقضى أكثر من 10 سنوات على الإصدار الأخير، وحتى اللحظة لا يمرّ أسبوع من دون أن يرنّ جرس الهاتف في «دار التنوير للطباعة والنشر» للسؤال عن ربيع جابر. فللدار حصريّة نشر كتب ربيع ولا بدّ أن يكون أهلُها على تواصلٍ معه.
قارئة من باريس تتصل للاطمئنان عنه وللسؤال عن سبب غيابه. جامعة في الولايات المتحدة الأميركية تدعوه إلى محاضرة وتكريم. صحافي يقتفي أثره ليكتب مقالاً أو ليُجري المقابلة الحلم.
يحترم صاحب دار النشر، حسن ياغي، صمتَ جابر. وهو قد يكون من القلّة القليلة القادرة على اختراق جدار الصمت هذا بين الحين والآخر. يخبر «الشرق الأوسط» أنّ آخر لقاءٍ جمعهما كان منذ شهرين. يُطَمئن محبّي ربيع مؤكّداً أنه «بخير وبصحّة جيّدة». يضيف: «كلما التقيتُه بعد غياب، رأيتُه ضاحكاً».
حالياً وكما في كل آنٍ منذ مسكَ أول كتاب في حياته، يمضي وقته في القراءة. يقول ياغي إنه لم يلتقِ أحداً يقرأ بقَدر ما يفعل ربيع جابر: «لم أذكر كتاباً أمامه إلا وعرفه». ويبدو أنّ القراءة تمتدّ حبلَ خلاص بين جابر والحياة، فهو قال يوماً إنّ «القراءة هي الوسيلة الوحيدة كي أتأكد أنني موجود وأشعر بالتوازن النفسي».

ربيع جابر إذن في حالة قراءة دائمة، لكنه لا يكتب أو على الأقل يكتب بينه وبين ورقِه، ولا نيّة واضحة لديه للنشر في الوقت الراهن. عندما يسأله ناشره عن غيابه الأدبي الذي طال، يجيبه: «لم أكتب يوماً من أجل المال ولا الشهرة».
يحب ياغي اللقاءات النادرة التي تجمعه بجابر، يتشوّق للجلوس مع رجل «لم يتخلَّ عن شفافيته ولا عن ابتسامته العريضة». يصِفُه بـ«الأليف، والطريف، والودود»، ليتّضح أنّ اعتزال الحياة الاجتماعية لا يعني بالضرورة القسوة والجفاء. أما في حالة ربيع جابر، فقد يكون التواري ناتجاً عن الزُهد الذي اختاره سبيلاً.
فحسب صديقه الصحافي إبراهيم العريس: «ربيع جابر متواضع وزاهد بالدنيا. لا يريد منها شيئاً. لا جوائز، ولا مقابلات، ولا حتى تحويل رواياته إلى أفلام ومسلسلات». العريس الذي تعرّف إلى جابر خلال عملهما معاً في جريدة «الحياة»، يتحدّث عن شخصٍ يحترف لعبة الظلّ، ولا يسوّق لنفسه أبداً، إلى درجة أنك قد تمضي بجانبه شهوراً في المكتب ذاته من دون أن تعرف أنه الروائي الشهير ربيع جابر.
يخبر العريس «الشرق الأوسط» أنه لم يحاول اختراق عزلة جابر، لكنه نجح في التقرّب منه ومصادقته. ورغم كثرة صمته، فإن الأحاديث عن الطبخ كانت إحدى المفاتيح التي تُطلق لسانه. «إلى جانب مواظبته على شرب المتّة، يعشق ربيع الطبخ وسيرتَه»، يقول العريس ويضيف: «يتحدث لساعات عن البهارات والصلصات. يتقن الطبخ اللبناني والحلبي والتركي وحتى العباسي».
مع العلم أنّ الطعام ثيمة متكرّرة في روايات جابر، غير أنّ ذلك لم ينعكس على عاداته الغذائيّة. فمعروفٌ عنه أنه يفقد الكثير من وزنه عندما يكون في طور التحضير لرواية. يتذكّر العريس: «حين كنا نراه نحيفاً فوق العادة، كنا نقلق بداية ونظنّه مريضاً. ثم نستوعب أنه مُنكبٌ على تأليف رواية جديدة».

مخيّلة أوسع من بيروت
يوم نزل ربيع جابر من بعقلين في الجبل اللبناني إلى بيروت لدراسة الفيزياء في الجامعة الأميركيّة عام 1989. وقع في شَرك المدينة التي سمّاها «مدينة العالم» في ثلاثيته الصادرة بين 2003 و2007. لم ينفر من بيوتٍ شوّهها الرصاص وأبنية طحنتها القذائف. تآلفَ معها وحاول اختراع حياة جديدة لها. وهو لم يكتفِ بالوقوف على الأسفلت، بل انجذب إلى العالم السفليّ، فراح يسبر أغوار بيروت لتولد بعد سنوات روايته الخياليّة «بيريتوس مدينة تحت الأرض».
في مكتبة الجامعة، غاص في التاريخ ونقّب في أرشيف الصحف التي عاصرت الحكم العثماني للبنان، لتخرج لاحقاً روايات واكبت المرحلة مثل «سيّد العتمة» و«يوسف الإنجليزي».
ما زال جابر حتى اليوم مسحوراً بالطوبوغرافيا البيروتيّة، وكأنه حفظ المدينة شبراً شبراً، بنسخاتها التي لا تُحصى لفرط ما تراكمت تحتها وفوقها الأنقاض. كل يومٍ تقريباً، يخرج من بيته البيروتي حيث يعيش وزوجته الكاتبة رينيه الحايك، ويتّجه مشياً إلى مكتبة الجامعة الأميركية. يقرأ، ويبحث، وينقّب.
لطالما استهواه العمل البحثي الاستقصائيّ. حسب ما يخبر الناشر حسن ياغي، هو وصل إلى حدّ تحضير استمارات وتوزيعها على السكان عندما كان في طور إعداد رواية «طيور الهوليداي إن». ويضيف ياغي أن «جابر ينطلق من أماكن وشخصيات واقعية ويخترع لهم تاريخاً خاصاً يبدو وكأنه التاريخ الحقيقي. يمسك التاريخ ويصنع تاريخاً موازياً».
يشتاق ياغي إلى تلك اللحظة التي كان يصل فيها إلى مدخل الدار في الصباح الباكر، ليتفاجأ بربيع واقفاً ينتظره أمام الباب، متأبّطاً مخطوطة كتابٍ جديد «لا تحتاج حتى إلى ترتيبٍ نَصي ولا إلى تدقيقٍ لغويّ».
وإلى أن يستفيق العالم العربي على رواية جديدة لربيع جابر، يبقى الرجل زاهداً بالظهور في زمنِ اللهاث خلف الضوء. يتماهى مع «ك»، بطل رواية «البيت الأخير»، الذي يركض في عتمة الشوارع تحت المطر، ولا يعرف وجهتَه سوى بحر بيروت.

 


مقالات ذات صلة

تعزيز «منصة الابتعاث الثقافي» السعودية بخدمات جديدة

يوميات الشرق تعزيز «منصة الابتعاث الثقافي» السعودية بخدمات جديدة

تعزيز «منصة الابتعاث الثقافي» السعودية بخدمات جديدة

أضافت وزارة الثقافة السعودية خدمات جديدة إلى «منصة الابتعاث الثقافي» بميزات متعددة تهدف من خلالها إلى تعزيز العدالة في ترشيح المبتعثين. وتحتوي المنصة على التفاصيل والمعلومات التي يحتاجها المهتمون بالابتعاث الثقافي، ومحتوى توعوي عنه، فضلاً عن تمكينهم من التقديم على برامجه، ومتابعة طلباتهم، وإنهاء كافة الإجراءات المتعلقة بذلك. وتعد المنصة بمثابة رحلة متكاملة تبدأ من خلال الدخول على صفحة برامج الابتعاث ليظهر مساران للتقدم، وهما: الدارسون على حسابهم الخاص، والحاصلون على قبول مسبق، ومن ثم الانطلاق في التقديم بإنشاء الملف الشخصي الموثق بالتكامل مع أنظمة وخدمات مختلف الجهات الحكومية، ومن ثم تعبئة الب

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مسنّون «يروّجون» لشيخوخة سعيدة

مسنّون «يروّجون» لشيخوخة سعيدة

ينشر مسنّون على إحدى المنصات الاجتماعية فيديوهات مضحكة لأنفسهم مزيلين الأفكار السابقة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وفي سن التاسعة والثمانين، تعيش دولوريس التي تستخدم اسم «دولي برودواي» على «تيك توك» «أفضل أيام حياتها»، وتشارك مقاطع فيديو طريفة لمتابعيها البالغ عددهم 2.4 مليون متابع. لا شيء يوقف هذه «السيدة الكبيرة» اللبقة التي تظهر تارة وهي ترقص على أغاني فرقة «أبا». وقال سيرج غيران عالم الاجتماع والمتخصص في الشيخوخة: «لم تعد للسن اليوم علاقة بما كانت عليه في السابق»، ومع سقوط الصور النمطية «لم يعد المسنون أشخاصاً يحتاجون حصراً إلى الأدوية والهدوء، بل يمكنهم أيضاً أن يكونوا في أفضل أحوالهم!»،

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تنامي «المعتقدات الشاذة» يثير المخاوف في كينيا

تنامي «المعتقدات الشاذة» يثير المخاوف في كينيا

حالة من الذعر تعيشها كينيا مع توالي العثور على رفات في مقابر جماعية لضحايا على صلة بجماعة دينية تدعو إلى «الصوم من أجل لقاء المسيح»، الأمر الذي جدد تحذيرات من تنامي الجماعات السرية، التي تتبع «أفكاراً دينية شاذة»، خلال السنوات الأخيرة في البلاد. وتُجري الشرطة الكينية منذ أيام عمليات تمشيط في غابة «شاكاهولا» القريبة من بلدة «ماليندي» الساحلية، بعد تلقيها معلومات عن جماعة دينية تدعى «غود نيوز إنترناشونال»، يرأسها بول ماكينزي نثينغي، الذي قال إن «الموت جوعاً يرسل الأتباع إلى الله».

يوميات الشرق كم يُنفق اليابانيون لتزيين سياراتهم بالرسوم المتحركة؟

كم يُنفق اليابانيون لتزيين سياراتهم بالرسوم المتحركة؟

ينفق مجموعة من اليابانيين آلاف الدولارات على تزيين مركباتهم بشخصيات الرسوم المتحركة والشرائط المصوّرة وألعاب الفيديو المفضلة لديهم، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتُطلَق على هذه السيارات أو الدراجات النارية أو المقطورات تسمية «إيتاشا»، وهي كلمة مركبة تُترجم إلى «السيارة المُحرِجة» وتعكس السمعة السيئة التي كانت تحظى بها هذه الموضة لدى ولادتها في الأرخبيل الياباني في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إلا أنّ العقليات تغيرت مذّاك، وباتت شخصيات الرسوم المتحركة والشرائط المصوّرة وألعاب الفيديو تُعد «ثقافة ثانوية» تحظى باعتراف أكبر في المجتمع الياباني. ولتزيين سيارته الفاخرة من نوع «جاغوار إكس جاي

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
يوميات الشرق في اليوم العالمي للتراث... 6 معالم لبنانية بمتناول الجميع مجاناً

في اليوم العالمي للتراث... 6 معالم لبنانية بمتناول الجميع مجاناً

في 18 أبريل (نيسان) من كل عام، يحتفل العالم بـ«اليوم العالمي للتراث»، وهو يوم حدده المجلس الدولي للمباني والمواقع الأثرية (ICOMOS) للاحتفاء به. ويتم برعاية منظمة «اليونيسكو» ومنظمة «التراث العالمي لحماية التراث الإنساني». ويأتي لبنان من ضمن الدول التي تحتفل به. ويعوّل سنوياً وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى على هذه المناسبة، فيفتح أبواب بعض المعالم مجاناً أمام الزائرين لمدة أسبوع كامل. في رأيه أن مهمته تكمن في توعية اللبناني بموروثه الثقافي، فيشجعه على الخروج من حالة الإحباط التي يعيشها من ناحية، وللتعرف على هذه المواقع عن قرب، من ناحية ثانية.


هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط»: الإخلاص للقضايا المحلية يقود إلى العالمية

هيفاء المنصور (إنستغرام)
هيفاء المنصور (إنستغرام)
TT

هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط»: الإخلاص للقضايا المحلية يقود إلى العالمية

هيفاء المنصور (إنستغرام)
هيفاء المنصور (إنستغرام)

ترى المخرجة السعودية هيفاء المنصور أن تحوّل المشهد السينمائي في المملكة خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد اتساع في الإنتاج، بل تغير في طبيعة الأسئلة المطروحة، موضحة أن وجود أصوات متعددة اليوم منح السينما السعودية حيوية حقيقية، لكنه في الوقت نفسه نقل المسؤولية من إثبات الوجود إلى تعميق الرؤية، فالحرية الفنية باتت أوسع، بما يفرض على المخرج التفكير بشكل أدق فيما يقدّمه، ولماذا يقدّمه.

هيفاء المنصور التي تستقبل دور العرض السعودية أحدث أفلامها «المجهولة» خلال أيام، بعد مشاركته في مهرجاني «تورنتو» و«البحر الأحمر»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل لا يقوم على حادثة بعينها، رغم انطلاقه من فرضية دفن امرأة بلا هوية بدافع الشرف.

موضحة أن «الفيلم نتاج بحث طويل في قصص غير مكتملة، وحكايات لم تُروَ، وخوف اجتماعي صامت من الفضيحة غالباً ما يتقدّم على الخطيئة نفسها»، لافتة إلى أن «العمل اشتغال رمزي، لكنه رمز نابع من واقع نفسي واجتماعي، حتى حين لا يجد طريقه إلى التوثيق العلني»، على حد تعبيرها.

تستقبل الصالات السعودية الفيلم مطلع العام الجديد (الشركة المنتجة)

تدور أحداث الفيلم حول «نوال» السيدة المطلقة صاحبة الـ29 عاماً التي تحصل على وظيفة إداريّة روتينيّة في مخفر الشّرطة المحلّيّ، تقوم فيها برقمنة الملفّات القديمة، وتتغيّر حياتها عندما يتمّ العثور على جثّة فتاة مراهقة ترتدي زيّا مدرسيّاً، دون أيّة وثائق تعرّف بها، وتقرّر «نوال» أن تبدأ التحقيق في هذه القضية بنفسها.

تقول المخرجة إن اختيارها جعل البطلة «نوال» موظفة أرشيف في مخفر الشرطة لم يكن تفصيلاً إجرائياً، بل قراراً درامياً ونفسياً، فالموقع الهامشي، يسمح برؤية ما يُهمَل عادة، ويضع الشخصية في منطقة مراقبة صامتة قبل أن تتحول تدريجياً إلى طرف متورط أخلاقياً، لافتة إلى أن الفيلم لا يسعى إلى تقديم تحقيق جنائي تقليدي، بقدر ما يتتبّع مساراً داخلياً لامرأة تجد نفسها أمام سؤال لا تستطع تجاهله.

وفيما يتصل بغياب المؤسسة أو حضورها الخافت داخل الفيلم، تصف هيفاء هذا الأمر بأنه «اختيار واعٍ يهدف إلى عزل الفرد داخل مأزقه»، مشيرة إلى أن حضور المؤسسة غالباً ما يكون مجرّداً وثقيلاً، بينما ما يهمها هو اللحظة التي يُترك فيها الفرد وحيداً أمام قرار لا يمكن تفويضه، ولا الاحتماء فيه بأي بنية أكبر.

وتوضح المخرجة أن البناء السردي المتدرّج في «المجهولة» مقصود، وأن الالتباس جزء أساسي من التجربة، فهي، كما تقول، «لا أميل إلى تقديم إجابات جاهزة، وأثق في قدرة المشاهد على المشاركة في بناء المعنى، خصوصاً أن التوتر في الفيلم لا يصنعه تصعيد الأحداث، بل الإحساس، والتفاصيل الصغيرة، والصمت، والفجوات التي تترك مساحة للتفكير».

وفي حديثها عن كسر صورة «البطلة التقليدية»، تلفت هيفاء إلى أنها لا تبحث عن شخصية مُرضية أو نموذجية، بل عن شخصية صادقة، «فالسينما كثيراً ما قدّمت النساء إما بوصفهن ضحايا مثاليات أو رموزاً مبسطة، بينما الواقع أكثر تعقيداً، و(نوال) تتحرك في مساحة رمادية أخلاقياً، وهو ما يجعلها شخصية مزعجة أحياناً، لكنها أقرب إلى الحقيقة»، وفق قولها.

شارك الفيلم ضمن فعاليات مهرجان البحر الأحمر (الشركة المنتجة)

وعن موقع «نوال» بين الضحية والفاعلة، ترى المخرجة السعودية أن الشخصية تجمع بين الاثنين. فالظروف، كما تقول، تفسّر المسار لكنها لا تلغي المسؤولية، وهذا التوتر بين الفعل والظرف هو ما يمنح الشخصية بعدها التراجيدي، بعيداً عن الأحكام السهلة.

وفي تفضيلها الاشتغال على التحليل النفسي مقابل حضور أقل للبنية الاجتماعية المحلية، توضّح هيفاء أن السينما، بالنسبة لها، تبدأ من الداخل، فالمجتمع حاضر، لكنها تراه ينعكس عبر النفس والسلوك، لا عبر الخطاب المباشر أو الشرح.

وتتوقف عند القراءات التي رأت في الفيلم خطاباً موجّهاً إلى المتلقي الغربي، موضحة أنها «أثناء الكتابة لم أفكّر في جمهور محدد، ولا في المهرجانات، بل في قصة إنسانية داخل سياق مجتمعي محلي واضح»، مؤكدة أن «الأعمال الصادقة محلياً هي الأكثر قابلية للفهم خارج حدودها، لأن العالمية، في نظرها، لا تتحقق عبر تخفيف الخصوصية، بل عبر الالتصاق بها والإخلاص لها».

وعن السينما النسوية، تقول هيفاء المنصور إنها لا تؤمن بتقديم نساء مثاليات أو «نبيلات»، بل ترى أن تقديم نساء معقّدات، غاضبات، ومتردّدات هو الأكثر صدقاً واحتراماً لتجربة المرأة. فالتناقض، في نظرها، ليس ضعفاً درامياً، بل جوهر التجربة الإنسانية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان تورنتو (الشركة المنتجة)

وفيما يتصل بمفهوم «العالمية»، تعود هيفاء المنصور للتأكيد على أن الانطلاق من المحلي لا يشكّل عائقاً أمام الوصول إلى الآخر، بل هو شرطه الأساسي، فكلما ازداد العمل تجذّراً في سياقه الثقافي والإنساني، ازدادت قدرته على العبور من دون وساطة. لافتة إلى أن «هذا الوعي يتقاطع مع التحولات التي تشهدها السينما السعودية اليوم، حيث يدفع ازدهار الإنتاج وظهور أصوات نسائية متعددة إلى إعادة التفكير باستمرار في الأدوات والأسئلة، باعتبار السينما مساراً مفتوحاً على التحوّل، لا موقعاً مستقراً عند صيغة واحدة»، على حد تعبيرها.

وتتوقف هيفاء المنصور عند فترات ابتعادها عن العيش داخل المجتمع السعودي، موضحة أن «المسافة قد تمنح أحياناً قدراً أكبر من الوضوح، من دون أن تعني قطيعة مع المكان»، فالعلاقة بالمكان، كما ترى، لا تُقاس بعنوان السكن، بل بالذاكرة والهوية والأسئلة التي تعود وتلحّ مهما طال الغياب.

رغم ردود الفعل النقدية التي حملت ملاحظات على العمل من النقاد، فإن هيفاء المنصور تؤكد أن الفيلم لو أعيد العمل عليه اليوم لن تقوم بتغيير أي شيء فيه، معتبرة أن «كل فيلم مرتبط بصدق لحظته».


برفقة قط وكلب... بوتين يظهر في رسوم متحركة لتهنئة الروس بالعام الجديد (فيديو)

شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة الروسي للأطفال «بروستوكفاشينو» إلى جانب النسخة الكرتونية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء بموسكو (رويترز)
شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة الروسي للأطفال «بروستوكفاشينو» إلى جانب النسخة الكرتونية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء بموسكو (رويترز)
TT

برفقة قط وكلب... بوتين يظهر في رسوم متحركة لتهنئة الروس بالعام الجديد (فيديو)

شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة الروسي للأطفال «بروستوكفاشينو» إلى جانب النسخة الكرتونية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء بموسكو (رويترز)
شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة الروسي للأطفال «بروستوكفاشينو» إلى جانب النسخة الكرتونية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء بموسكو (رويترز)

ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مشهد قصير في مسلسل ​رسوم متحركة روسي شهير للأطفال، موجهاً رسالة بمناسبة العام الجديد للأمة برفقة قط وكلب ناطقين.

وذهل سكان قرية بروستوكفاشينو، القرية الخيالية التي سمي المسلسل باسمها، عندما ظهرت نسخة الرسوم ‌المتحركة لزعيم ‌الكرملين، محاطة بالكلب ‌شاريك ⁠والقط ​ماتروسكين، ‌لتحية الروس في مطلع العام.

وأبدى البالغون المرافقون لأطفالهم في مدينة ملاهي بروستوكفاشينو في موسكو آراء إيجابية بحذر.

وقالت امرأة: «لا أعرف. أعتقد أن أي شيء ⁠يمكن أن يحدث في الرسوم المتحركة. لم ‌لا؟».

وقالت زائرة أخرى ‍إن الأطفال ‍يعرفون من هو بوتين، ورؤيته ‍في الرسوم المتحركة «ربما تكون مهمة ومثيرة للاهتمام بالنسبة لهم». وأضافت أن ذلك قد يثير اهتمام المشاهدين ​خارج البلاد.

شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة الروسي للأطفال «بروستوكفاشينو» إلى جانب النسخة الكرتونية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء بموسكو (رويترز)

ومهدت لظهور بوتين في المسلسل يوليانا سلاشيفا رئيسة ⁠مجلس إدارة ستوديو (سويوزمولتفيلم)، التي قالت إن روسيا تبيع أفلام الرسوم المتحركة التي تنتجها لدول شيوعية سابقة ودول في الشرق الأوسط، وتسعى إلى تعزيز وجودها في الصين.

وأضافت أن ظهور الرئيس في مسلسل بروستوكفاشينو سيكون بمثابة «قوة ناعمة» تسهم ‌في الترويج لروسيا وثقافتها.


مصر: حملات رقابية مكثفة على مراكز «مخالفة» لعلاج الإدمان

وزارة الصحة شنت حملات ضد مراكز علاجية مخالفة (يوتيوب)
وزارة الصحة شنت حملات ضد مراكز علاجية مخالفة (يوتيوب)
TT

مصر: حملات رقابية مكثفة على مراكز «مخالفة» لعلاج الإدمان

وزارة الصحة شنت حملات ضد مراكز علاجية مخالفة (يوتيوب)
وزارة الصحة شنت حملات ضد مراكز علاجية مخالفة (يوتيوب)

كثفت وزارة الصحة المصرية حملاتها ضد مراكز مخالفة لعلاج الإدمان، بعد أيام من واقعتي الهروب الجماعي من أحد المراكز العلاجية، والحريق الذي نشب قبل يومين في مصحة أخرى، وأعلنت الوزارة في بيان، الأربعاء، إغلاق 32 مركزاً غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي في محافظات الإسكندرية، والشرقية، والبحيرة، والدقهلية، بسبب مزاولة النشاط دون تراخيص، ومخالفة الاشتراطات الصحية والقانونية.

ونظمت الوزارة حملات تفتيشية مشتركة بين إدارة العلاج الحر بالمديريات الصحية، والمجلس القومي للصحة النفسية، بالتعاون مع الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية، أسفرت عن إغلاق هذه المنشآت المخالفة، وفق تصريحات للدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة.

وشملت الإغلاقات في محافظة الإسكندرية (شمال مصر) 8 مراكز بمناطق أبو تلات والعجمي، كما أغلقت 11 مركزاً بمدينة العاشر من رمضان في محافظة الشرقية، وفي مناطق الكنج بالإسكندرية، ودمنهور بمحافظة البحيرة أغلقت 11 مركزاً أخرى، وفي محافظة الدقهلية (دلتا مصر)، فقد تم المرور على مركزين مرخصين؛ وتم تحرير محاضر ضدهما بخصوص مخالفات دوائية، وفق بيان الوزارة.

إغلاق مراكز لعلاج الإدمان غير مرخصة (وزارة الصحة المصرية)

وكانت الوزارة علقت على فيديو انتشر قبل أيام لهروب جماعي من إحدى مصحات علاج الإدمان في الجيزة، بعد انتشار فيديو لهروب عشرات النزلاء، وسط حالة فوضى في الشوارع المحيطة، حيث تحركت سريعاً لغلق المصحة النفسية بعد ثبوت أنها غير مرخصة، وأحالت القائمين عليها للنيابة. وأكدت أنها مستمرة في تنفيذ حملات تفتيشية موسعة على المنشآت الطبية غير المرخصة على مستوى الجمهورية.

من جانبه، أكد الدكتور هشام زكي، رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص، اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المراكز المخالفة، مع استمرار الحملات الرقابية في جميع المحافظات. وقبل يومين نشب حريق في إحدى دور رعاية الشؤون الصحية بالقليوبية (شمال القاهرة) في مبنى مخصص بوصفه مصحة لعلاج الإدمان، أدى لوفاة 7 من النزلاء، كما جرى نقل 11 مصاباً إلى مستشفيات بنها.

ووصف استشاري الطب النفسي بالأكاديمية الطبية العسكرية، الدكتور جمال فرويز، هذه المخالفات والحوادث بأنها «تراكمات لمخالفات من سنوات عدة»، مضيفاً لـ«لشرق الأوسط» أن «المشكلة تكمن في أن الحملات التي تشنها وزارة الصحة لا تظهر إلا بعد وقوع حوادث، في حين من المفترض تنظيم تلك الحملات بشكل دوري»، وأرجع سبب انتشار المراكز غير المرخصة إلى «ارتفاع قيمة علاج الإدمان أو المرض النفسي وصعوبة اشتراطات ترخيص هذه المراكز أو المستشفيات، مما يجعل مدمنين متعافين أو غيرهم يفتتحون مركزاً على سبيل تحقيق المكسب المادي، ويتنقلون في أماكن مختلفة كلما عرفوا أنه قد تم رصدهم».

وأوضح الدكتور أحمد النحاس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية للمجلس القومي للصحة النفسية، أن المراكز التي تم إغلاقها وفق بيان الوزارة خالفت قوانين تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية، وقانون الصحة النفسية، بالإضافة إلى اشتراطات مكافحة العدوى وقانون البيئة، مما يشكل خطراً جسيماً على حياة النزلاء.

وحسب استشاري الطب النفسي جمال فرويز، فإن عدد المستشفيات الحكومية المخصصة لعلاج الإدمان أو الطب النفسي بمصر لا تزيد على 22 مستشفى، ما لا يناسب عدد السكان الذي يصل إلى 110 ملايين نسمة، بخلاف الوافدين المقيمين من جنسيات مختلفة.

جانب من المراكز المخالفة التي تم إغلاقها (وزارة الصحة)

و«جاءت الحملات الرقابية المكثفة لوزارة الصحة في توقيت بالغ الحساسية، بعد واقعتي (الحريق) و(الهروب الجماعي) اللتين كشفتا بصورة صادمة حجم المخاطر والانتهاكات التي قد يتعرض لها المرضى داخل مراكز علاج تعمل خارج إطار القانون وتفتقر لأبسط معايير السلامة والرعاية الطبية»، وفق الخبيرة الحقوقية والناشطة بقضايا المجتمع المدني، هبة عادل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الحملات تؤكد أن المخالفات داخل بعض مراكز علاج الإدمان لا تقتصر على إجراءات إدارية أو نقص تراخيص، بل تمتد إلى تعريض حياة المرضى للخطر، وحرمانهم من حقهم الدستوري في الصحة والعلاج الآمن»، مطالبة بمجموعة إجراءات وقائية لضمان الأمان والانضباط في هذه المراكز، من بينها «وضع ضوابط صارمة وموحدة لترخيص مراكز علاج الإدمان، وإعلانها بشفافية، وإجراء تفتيش دوري ومفاجئ تشارك فيه جهات متعددة، وليس جهة واحدة، وضمان نقل المرضى إلى مؤسسات علاجية معتمدة تراعي المعايير الطبية والحقوقية، وسرعة توفير بدائل للمراكز المغلقة.

يشار إلى أن نسبة التعاطي في مصر وصلت إلى 5.9 في المائة، بينما بلغت نسبة الإدمان 2.4 في المائة وفق أحدث بيانات المسح القومي الشامل للتعاطي والإدمان الصادر في عام 2020، وتتتبع مصر حجم مشكلة تعاطي وإدمان المخدرات كل 5 سنوات، وأوضحت دراسة بموقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة الوزراء، أن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي ووزارة التضامن الاجتماعي، عقدا اجتماعات تحضيرية عام 2024 لبدء إجراء المسح القومي الشامل لظاهرة تعاطي وإدمان المواد المخدرة بالتعاون مع الجهات المعنية في وزارات عدة.