ماريون كوتيار لـ«الشرق الأوسط»: لا ألعب الشخصية ذاتها مرتين

ظهورها في دور إديت بياف وضعها بمقدمة الممثلات الفرنسيات الناجحات

ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»
ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»
TT

ماريون كوتيار لـ«الشرق الأوسط»: لا ألعب الشخصية ذاتها مرتين

ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»
ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»

منذ أن ظهرت الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار، في دور المغنية إديت بياف، بفيلم «الحياة وردية» (لا في أون روز)، وهي في مقدمة الممثلات الفرنسيات الناجحات على ضفتي المحيط.
ليس فقط أن المغنية معروفة حول العالم، وليس لأنها كانت مغنية تبث العاطفة بصرف النظر عما إذا كان المستمع يجيد الفرنسية أم لا، بل لأن اختيار المخرج أوليفييه دان للممثلة التي ستتحمل تبعات أداء هذه الشخصية كان اختياراً مناسباً.
ماريون كوتيار (46 سنة) بدأت التمثيل في التسعينات حين كانت في الـ18 من العمر، وكان عليها أن تمر عبر بوابة الأدوار الصغيرة، ومن ثِم الكبيرة، والشخصيات المختلفة قبل أن تصل إلى «الحياة وردية» سنة 2007 لتجد أنها وصلت، للمرة الأولى، إلى منطقة عالمية.

لقطة من «الحياة وردية»

عن هذا الفيلم نالت الأوسكار ومجموعة كبيرة أخرى من الجوائز. وعبره تخطت فرنسا إلى السينما الأميركية حين اختارها المخرج تيم بيرتون، لتظهر في فيلمه «السمكة الكبيرة» لاعبة دور جوزفين، زوجة بطل الفيلم بيلي كرودوب. كانت تجربة مهمة إذ ضمها ذلك الفيلم إلى مجموعة من الممثلين الكبار أمثال ألبرت فيني، وجيسيكا لانغ، وهيليلنا بونام كارتر.
عدد الأفلام التي مثلتها منذ 1994، قرابة 75 فيلماً. آخرها دراما عُرضت في مهرجان «كان» الأخير تحت عنوان «أخ وأخت»، أرنو دسبليشن الذي دار حول امرأة في نحو عمر كوتيار الفعلي تضطر بسبب وفاة والدتها، لزيارة منزل العائلة بعد طول انقطاع. هناك تلتقي بأخيها الأكبر سناً الذي لم تحاول التواصل معه منذ سنوات عدة. اللقاء يبدأ فاتراً بل وجافاً، لكن المناسبة ومراجعة المرأة لنفسها تفرضان عليها أن تغير منهجها حيال شقيقها الذي كان يبادلها حالة الجفاء نفسها.
خلال المهرجان، جلسنا نتحدث عن هذا الفيلم، الذي حققه أرنو دسبلشَن وعن اختياراتها من الأدوار وبضع أفلام سابقة لها تشعر بأن لكل واحد منها خصوصية مختلفة.

كما ظهرت في «أخ وأخت»

- اختلاف في كل شيء
> تتناول الكثير من الأدوار التي تؤدينها شخصيات مركبة، لديها دوافع مختلفة وأحياناً متناقضة، كما الحال في فيلمك الأخير «أخ وأخت». كيف تؤمنين هذا الجانب على النحو المطلوب؟
- سؤال صعب لأن المطلوب مني الحديث عن أكثر من شخصية مثلتها، وكل واحدة لها عناصر مختلفة في أغلب الأحوال. لكن في الفيلم الذي ذكرته، نعم هناك مشاعر متناقضة وهذا ضروري في الأفلام. ضروري أن تكون الشخصيات مختلفة في دوافعها. هذا يسري على كل شخصيات الفيلم. بالنسبة لي لا أحكم لها أو عليها.
> هل لأن هذا الحكم سيتطلب موقفاً محدداً أو خشية أن يأتي التقديم نمطياً؟
- هناك بالفعل هذان الاعتباران. الحكم على الشخصية سيؤدي إلى التنميط غالباً. بالنسبة لدور أليس في هذا الفيلم، هي شخصية سيئة جداً. هذا حين نتعرف عليها وحتى تجد نفسها في ظروف عائلية بسبب وفاة والدتها ولقائها بشقيقها والحديث معه لأول مرة منذ سنوات عديدة. عند هذا الحد نجدها تتحول إلى إنسانة لديها عاطفة حيال الناس لم تكن تتوقعها.
> ولم تكن تعرف التعبير عنها كذلك. صحيح؟
- تماماً. هي الآن تقترب من الخمسين وتجد أنها كانت لا تعرف كيف تتواصل مع الآخرين حتى مع أخيها.
> هل يختلف التحضير الذي تقومين به في كل مرة، أو أن هناك أساساً ثابتاً واحداً تنطلقين منه وتحافظين عليه؟
- الأمر مختلف في الواقع من فيلم لآخر. هل تتذكر «وجه ملاك» (Angel Face)؟
> لا. لم أشاهده؟
- هل شاهدت «ماكبث» و«يومان وليلة» مثلاً؟
> طبعاً.
- ما بين «يومان وليلة» (2015)، و«أخ وأخت» (2022)، اختلاف كبير في كل شيء. لذلك التحضير يختلف في كل مرة. كذلك بالنسبة لدوري في «ماكبث» أو «وجه ملاك» أو أي فيلم آخر. ما هو ثابت، كما تقول، هو رغبتي في سبر دواخل كل شخصية من الصغر. أحاول أن أتعرف على حياتها وهي صغيرة ومن ثَم وهي شابة وصولاً إلى ما هي عليه الآن كما ترد في السيناريو.
> ما الذي اكتشفته بالنسبة لشخصية أليس في هذا الفيلم الأخير؟
- ما أحببته في هذه الشخصية هو أنها كانت مستعدة لكي أضيف عليها الكثير وأنا أضفت فعلاً الكثير من المعلومات حولها. كان هناك قدر كبير من الخيال الذي أتاحته لي الشخصية. تستطيع أن تقول إنني ركبتها بحرية كبيرة وفي الوقت ذاته التزمت بالنص الذي تعيش على صفحاته منذ البداية. لقد خُلقت هناك وهناك أحداث مهمة تقع في هذا النص ولا بد من الالتزام بذلك.

الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار

- راحة للممثل
> سمعت أنك تتحاشين الحديث مع الممثلين الآخرين خارج إطار العمل، ولا حتى بين اللقطات.
- لا. غير صحيح. ليس على هذه الصورة. ما يحدث هو أنني أحتاج لوضع مسافة بيني وبين الممثلين الرئيسيين إذا كان الأمر يستدعي ذلك. مثلاً في هذا الفيلم حرصت أن أتصرف على هذا النحو تماشياً مع الدور. لكنها ليست قاعدة عامة.
> هل تتبعين منهجاً معيناً في التمثيل؟ هل أنت «Method Actor»؟
‪ - ‬ لا. لا أملك في الواقع منهجاً مسبقاً. يختلف الأمر من فيلم لآخر.
> مثلت «يومان وليلة» للأخوين داردين قبل سنوات، وأذكر أنني قرأت تصريحاً لك قلت كم أحببت الطريقة التي ينفذها الأخوان، والتي تتعلق بالدور الذي قمت به. هل نستطيع العودة إلى هذا الفيلم لأن هذا سيساعدني في فهم طريقتهما في العمل.
- طبعاً. تحدثت عنهما كثيراً ولا أدري أي تصريح قرأته عن هذا الموضوع، لكن الحقيقة هي ذاتها. غالباً ما تحدثت عن إعجابي الشديد بمنهجهما في العمل. هما مثلي يُألفان بحثاً شاملاً عن كل شيء يتعلق بالفيلم، من الشخصيات إلى الملابس وتصميم أماكن التصوير وكل شيء. بالنسبة للشخصيات يعدان ملفاً ويناقشانه مع الممثل، وهذا يسهل المهمة أمام الممثل بالتأكيد.
> إذن ما هو الدور الذي تبحثين عنه في كل مرة أو تفضلين القيام به؟
- ما يجذبني إلى الدور؟ في الحقيقة لم ألعب الشخصية ذاتها مرتين. لم أجد نفسي بحاجة لتكرار ذاتي. أحتاج لأن تختلف الشخصيات التي أمثلها كل واحدة عن الأخرى لأنه من المثير لاهتمامي أن أساهم بتأليف الشخصية التي سأرتديها.
> شاهدت «شبح إسماعيل» الذي عرض هنا (في كان) سنة 2017 وللمخرج دسبلشَن نفسه. ما هي المزايا الخاصة التي يتمتع بها فيلم من إخراجه بالنسبة إليك؟
- أعتقد أن أفلامه عموماً تعكس أفكاراً منفتحة على كل شيء. لم أر كل أفلامه لكني شاهدت الكثير منها ودائماً ما شعرت بأنه يعرف أكثر مما يبدي على الشاشة، لكنه لا يبدي على الشاشة إلا ما هو ضروري للفيلم. أعتقد أنه يرتب أفكاره بحيث لا تخرج عن تحكمه بها، لذلك هي هادفة وتنجح فيما تهدف إليه. شخصياً أحب العمل معه وأقدر كفاءته.
> عندما مثلت بطولة «حياة وردة» (La Vie en Rose) سنة 2007 بدا كما لو أن العالم اكتشفك للمرة الأولى علماً بأنك كنت أمضيت أكثر من عشر سنوات منذ ظهورك الأول في السينما. هل تتمنين لو أن «حياة وردة» أو فيلماً مثله طرق باب مهنتك قبل ذلك التاريخ؟
- بصراحة لا أدري. وليس بإمكان أحد فعل شيء حياله. بما أنك أثرت الموضوع، نعم هي فكرة طريفة لو أن الفيلم حدث قبل ذلك التاريخ وأصبحت نجمة على نحو أبكر، لكن في الوقت ذاته هل كانت لدي الخبرة الكافية لو حدث ذلك لنقل قبل خمس سنوات؟ لا أدري.
> لديك أدوار ناجحة في أفلام قبل «حياة وردة»، لماذا تعتقدين أن هذا الفيلم بالتحديد وجد انتشاراً عالمياً تميز عن سواه؟
- أعتقد لأن إديت بياف هي أكثر شهرة من أن لا يستطيع أي فيلم يتناول قصة حياتها الاستفادة على صعيد النجاح إعلامياً ومادياً. وأعتقد أن أي ممثلة جيدة وأعمالها غير منتشرة أو معروفة سابقاً، كانت ستنطلق بعد هذا الفيلم لو مثلته. بالنسبة لي ربما كنت في المكان المناسب وفي الوقت المناسب.
> لاحظت أنه لا يوجد لك أفلام جديدة مقبلة في هوليوود، كما كان الحال قبل سنوات قليلة. ما السبب؟
- أعتقد أن هوليوود لديها ما يكفي من المواهب لتؤمن ما تريده من أفلام (تضحك). لديها ما يكفي بالفعل وليست بحاجة لممثلة أوروبية. بطبيعة الحال لا أنتمي إلى أي مشروع جاهز لمجرد أن أحداً اقترح ظهوري فيه. أريد أفلاماً مفيدة ولا أهتم بالظهور في السينما لمجرد إنه أميركي.
> هل تفضلين العمل تبعاً لنظام أوروبي؟
- هو نظام مريح، ولكن إذا لم يكن الفيلم الأميركي المعروض عليّ يحتوي على سبب جوهري للقيام به لا أقبل به.


مقالات ذات صلة

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

يوميات الشرق أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مصر: صعوبة تنفيذ بعض القوانين تقود حراكاً برلمانياً لتعديلها

مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
TT

مصر: صعوبة تنفيذ بعض القوانين تقود حراكاً برلمانياً لتعديلها

مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)
مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

تسبب صعوبات تنفيذ عدد من القوانين المصرية حراكاً برلمانياً للمطالبة بـ«تعديل بعض موادها»، حيث قال عدد من نواب البرلمان لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا مانع من تعديل بعض القوانين إذا استدعى الاحتياج المجتمعي ذلك».

وتعددت مقترحات قدمها أخيراً برلمانيون في مجلسَي النواب والشيوخ (غرفتي البرلمان المصري) بتعديل تشريعات، تثير جدلاً مجتمعياً وشكاوى من آليات واشتراطات تطبيقها.

ويواجه تنفيذ قانون «الإيجار القديم»، الذي أُقر في يوليو (تموز) الماضي، وسط حالة من الجدل والاعتراضات، صعوبات كبيرة، أبرزها المخاوف الاجتماعية من طرد ملايين المستأجرين، والأعباء الاقتصادية، ونقص الوحدات السكنية البديلة؛ ما أدى إلى جدل واسع بين المُلاك والمستأجرين. بينما لا تزال شكاوى مصريين حاضرة من إجراءات تنفيذ قانون «التصالح في مخالفات البناء»، رغم إجراء تعديلات على بعض مواده عام 2023، ومن بينها «تحدي بطء تعامل المراكز التكنولوجية والأجهزة المحلية في إجراءات التصالح، والشكاوى من قيمة الرسوم التي يفرضها القانون».

كما يواجه قانون «فصل موظفي الحكومة من متعاطي المخدرات» طعوناً دستورية، وسط مطالب بضرورة «منح القانون للمتعاطي فرصة ثانية للتعافي، بدلاً من الفصل الكامل من العمل».

ورغم وجود مطالب من برلمانيين بتعديل قانون «الإيجار القديم»، بسبب الشكاوى المجتمعية، يرى وكيل «لجنة الإدارة المحلية» بمجلس النواب، محمد عطية الفيومي، أنه «لا حاجة ضرورية لإدخال تعديلات في الوقت الحالي على القانون»، مشيراً إلى أن «التشريع يحقق التوازن بين المالك والمستأجر، ويعالج قضية لم يقترب منها أحد على مر عقود».

ويرى الفيومي أن «بعض المستأجرين يمارسون ضغوطاً لإجراء تعديل جديد على القانون، رغم أن التشريع راعى شواغل المستأجرين بكل فئاتهم، كما ألزم الحكومة بتوفير بدائل سكنية لمحدودي الدخل منهم وغير القادرين».

بنايات في العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

كما أشار الفيومي إلى أن هناك حاجة ملحة للنظر في «إجراءات تنفيذ قانون التصالح في مخالفات البناء، بسبب تعقيدات تنفيذه، ومن بينها كثرة الرسوم لأكثر من جهة حكومية»، مبرزاً أن «قانون فصل متعاطي المخدرات ينطوي على ظلم مجتمعي بسبب عقوبة الفصل المبالغ فيها»، وقال إن التشريع «يجب أن يتسم مع حاجة المجتمع، ويحقق العدالة والحرية في الوقت نفسه».

من جهته، يقول عضو «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب، صلاح فوزي، إن «القوانين يمكن تعديلها إذا اقتضى الاحتياج المجتمعي لذلك»، مبرزاً أن «اللجان النوعية بالبرلمان ولجان الإصلاح التشريعي معنية بقياس الأثر التشريعي لكل قانون بعد إصداره، ومدى تحقيق الهدف منه، وحال تبين وجود عوائق في التطبيق يمكن إجراء تعديل على القانون».

ويرى فوزي أن «التشريعات ذات الطبيعة الاقتصادية يجب أن تحظى بثبات تشريعي، بما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي»، مؤكداً أن «باقي القوانين يمكن أن تشهد تعديلات كلما كانت هناك حاجة مجتمعية وتشريعية لذلك»، وعَدَّ ذلك «من اختصاص المشرع وهو البرلمان».


ليبيا: خوري تدافع عن مسار «4+4» لتجاوز خلافات «النواب» و«الدولة»

شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)
شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)
TT

ليبيا: خوري تدافع عن مسار «4+4» لتجاوز خلافات «النواب» و«الدولة»

شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)
شكشك مستقبلاً خوري وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)

دافعت البعثة الأممية لدى ليبيا عن اللجوء إلى تشكيل لجنة «4+4»، المعروفة بـ«المجموعة المصغرة»، التي تروم إيجاد مقاربة للخروج من حالة الانسداد الراهنة بين مجلسي النواب و«الدولة»، ودعت إلى إبعاد التشكيلات المسلحة عن عمل المؤسسات الرقابية.

النائب العام المستشار الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأرجعت ستيفاني خوري، نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية، إطلاق «المجموعة المصغرة» إلى استمرار الخلافات بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وقالت إنهما «لم يحرزا تقدماً كافياً نحو الخطوات اللازمة لخريطة الطريق، منذ إعلان المبعوثة هانا تيتيه عنها أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) من العام الماضي».

وأوضحت خوري في تصريحات لقناة «ليبيا الأحرار»، مساء الخميس، أن «المجموعة المصغرة» ستعمل على أول خطوتين في «خريطة الطريق»، وهما تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وتعديل بعض البنود الشائكة في القوانين اللازمة للانتخابات. وتضم هذه المجموعة ممثلين عن حكومة «الوحدة» ومجلسي النواب و«الأعلى للدولة» والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني».

وأوضحت خوري أن «المجموعة المصغرة» ستعمل على بحث المواضيع المعرقلة لعمل مجلسي النواب و«الدولة» في تطبيق «خريطة الطريق» وباقي القضايا العالقة.

وكانت تيتيه قد قالت في إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، إن «(المجموعة المصغرة) تأتي في إطار مقاربة لتحديد سبل الخروج من حالة الانسداد الحالية، وتمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق، استناداً إلى التوصيات الواردة في تقرير اللجنة الاستشارية».

الدبيبة وشكشك في اجتماع سابق لبحث ضبط ملف المحروقات وتعزيز رقابة التوريدات يناير الماضي (حكومة «الوحدة»)

كما قالت أيضاً إنه «إذا لم يحرز تقدم كاف؛ فسأعود إلى هذا المجلس لتقديم اقتراح، من شأنه الدفع قدماً بالعملية، استناداً إلى أحكام الاتفاقات السياسية القائمة»، مضيفة: «أود التأكيد على أنه في حين توجد مبادرات ثنائية أخرى، تتضمن التواصل مع الفاعلين السياسيين الليبيين، فإن البعثة تواصل تركيز جهودها على إحراز تقدم في خريطة الطريق، بما يفضي إلى إجراء انتخابات وطنية».

ويعارض المجلس الرئاسي الليبي و«الأعلى للدولة» تشكيل «لجنة مصغرة»، فيما يرى الأخير أن البعثة الأممية «انحرفت عن مسار عملها»، وأجمل ذلك في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وتعتمد «خريطة الطريق» الأممية على ثلاثة محاور هي: إقرار إطار قانوني للانتخابات الرئاسية والنيابية، واستقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بالإضافة إلى توحيد المؤسسات عبر سلطة تنفيذية واحدة، ومواصلة «الحوار المهيكل» لمعالجة ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية.

وقال المجلس الأعلى للدولة إن عدداً من أعضائه بحثوا عبر اجتماع تشاوري مع نظرائهم من مجلس النواب عن إقليم «فزان» سبل الدفع بالمسار الدستوري والنيابي قدماً، كما ناقشوا عدداً من القضايا والهموم المشتركة، «التي تمس إقليم فزان وعموم ليبيا».

شكشك يتوسط خوري (إلى اليمين) وأولريكا ريتشاردسون في ديوان المحاسبة 23 أبريل (ديوان المحاسبة)

وفي ختام الاجتماع، الذي عقد بالمجلس مساء الخميس، أعلن الحاضرون عن التوصل إلى توافق مشترك، وصياغة رؤية منهجية موحدة للمرحلة المقبلة، تستهدف ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى خطوات عملية، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات، وتلبية الاحتياجات الأساسية، وتعزيز مسارات التنمية، تحقيقاً للصالح العام للدولة الليبية.

في غضون ذلك، قالت البعثة الأممية إن خوري وأولريكا ريتشاردسون، نائبتي الممثل الخاص للأمين العام، ناقشتا مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك، عدداً من الموضوعات المتعلقة بالنفط، واستقلالية المؤسسات الرقابية في ليبيا.

وأكدت النائبتان، بحسب البعثة (الجمعة)، على «ضرورة أن تظل مؤسسات الرقابة مستقلة ومحمية من أي تدخل من أطراف سياسية، أو تشكيلات مسلحة»، وشددتا على تعزيز دور هذه المؤسسات في «كشف الفساد وضمان الشفافية في إدارة المالية العامة، بما يسهم في ترسيخ الحوكمة الرشيدة في مختلف أنحاء ليبيا».

وخلال الاجتماع، رحبت خوري وريتشاردسون بـ«الإنهاء الكامل» لترتيبات (النفط مقابل الوقود) في شهر فبراير (شباط) الماضي، وحضتا الأطراف الليبية كافة على «تجنب العودة إلى ترتيبات غير شفافة، استنزفت كميات كبيرة من الموارد العامة على حساب الشعب الليبي».

وانتهت خوري وريتشاردسون بتهنئة 101 من موظفي ديوان المحاسبة، حصلوا على شهادات بصفة مدققين معتمدة دولياً. وعدّتا هذا الإنجاز «يعزز القدرات الفنية للديوان، بما يمكنه من أداء دور رقابي مستقل وموثوق على مؤسسات الدولة، وإنفاق الأموال العامة».

من جانبه، قال ديوان المحاسبة إن الاجتماع تناول آخر تطورات الوضع العام، ومخرجات مسارات الحوار الاقتصادي، والتحديات التي تواجه مؤسسات الدولة. وتم التشديد على أهمية تعزيز دور المؤسسات السيادية، وعلى رأسها مكتب مراجعة الحسابات، في تعزيز الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، خاصة خلال هذه المرحلة الحرجة، التي تتطلب رقابة فعالة لتنظيم الإنفاق العام، وحماية الأموال العامة، ودعم الاستقرار الاقتصادي.

وشدد شكشك على «أهمية دور الأمم المتحدة في دعم الاستقرار المؤسسي»، مؤكداً «ضرورة تكثيف الدعم الدولي لتمكين المؤسسات السيادية من أداء مهامها بكفاءة واستقلالية».

ويصدر ديوان المحاسبة - الذي يعد أكبر جهاز رقابي في ليبيا - تقريراً سنوياً، يتناول فيه عدداً من وقائع الفساد في المؤسسات الحكومية، والمبالغة في رواتب قطاع السفارات والقنصليات والبعثات، بجانب رصد التوسع في الإنفاق ببذخ على شراء سيارات فارهة للمسؤولين، واستئجار طائرات خاصة دون مبرر.


حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.