ماريون كوتيار لـ«الشرق الأوسط»: لا ألعب الشخصية ذاتها مرتين

ظهورها في دور إديت بياف وضعها بمقدمة الممثلات الفرنسيات الناجحات

ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»
ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»
TT

ماريون كوتيار لـ«الشرق الأوسط»: لا ألعب الشخصية ذاتها مرتين

ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»
ماريون كوتيار كما بدت في «الحياة وردية»

منذ أن ظهرت الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار، في دور المغنية إديت بياف، بفيلم «الحياة وردية» (لا في أون روز)، وهي في مقدمة الممثلات الفرنسيات الناجحات على ضفتي المحيط.
ليس فقط أن المغنية معروفة حول العالم، وليس لأنها كانت مغنية تبث العاطفة بصرف النظر عما إذا كان المستمع يجيد الفرنسية أم لا، بل لأن اختيار المخرج أوليفييه دان للممثلة التي ستتحمل تبعات أداء هذه الشخصية كان اختياراً مناسباً.
ماريون كوتيار (46 سنة) بدأت التمثيل في التسعينات حين كانت في الـ18 من العمر، وكان عليها أن تمر عبر بوابة الأدوار الصغيرة، ومن ثِم الكبيرة، والشخصيات المختلفة قبل أن تصل إلى «الحياة وردية» سنة 2007 لتجد أنها وصلت، للمرة الأولى، إلى منطقة عالمية.

لقطة من «الحياة وردية»

عن هذا الفيلم نالت الأوسكار ومجموعة كبيرة أخرى من الجوائز. وعبره تخطت فرنسا إلى السينما الأميركية حين اختارها المخرج تيم بيرتون، لتظهر في فيلمه «السمكة الكبيرة» لاعبة دور جوزفين، زوجة بطل الفيلم بيلي كرودوب. كانت تجربة مهمة إذ ضمها ذلك الفيلم إلى مجموعة من الممثلين الكبار أمثال ألبرت فيني، وجيسيكا لانغ، وهيليلنا بونام كارتر.
عدد الأفلام التي مثلتها منذ 1994، قرابة 75 فيلماً. آخرها دراما عُرضت في مهرجان «كان» الأخير تحت عنوان «أخ وأخت»، أرنو دسبليشن الذي دار حول امرأة في نحو عمر كوتيار الفعلي تضطر بسبب وفاة والدتها، لزيارة منزل العائلة بعد طول انقطاع. هناك تلتقي بأخيها الأكبر سناً الذي لم تحاول التواصل معه منذ سنوات عدة. اللقاء يبدأ فاتراً بل وجافاً، لكن المناسبة ومراجعة المرأة لنفسها تفرضان عليها أن تغير منهجها حيال شقيقها الذي كان يبادلها حالة الجفاء نفسها.
خلال المهرجان، جلسنا نتحدث عن هذا الفيلم، الذي حققه أرنو دسبلشَن وعن اختياراتها من الأدوار وبضع أفلام سابقة لها تشعر بأن لكل واحد منها خصوصية مختلفة.

كما ظهرت في «أخ وأخت»

- اختلاف في كل شيء
> تتناول الكثير من الأدوار التي تؤدينها شخصيات مركبة، لديها دوافع مختلفة وأحياناً متناقضة، كما الحال في فيلمك الأخير «أخ وأخت». كيف تؤمنين هذا الجانب على النحو المطلوب؟
- سؤال صعب لأن المطلوب مني الحديث عن أكثر من شخصية مثلتها، وكل واحدة لها عناصر مختلفة في أغلب الأحوال. لكن في الفيلم الذي ذكرته، نعم هناك مشاعر متناقضة وهذا ضروري في الأفلام. ضروري أن تكون الشخصيات مختلفة في دوافعها. هذا يسري على كل شخصيات الفيلم. بالنسبة لي لا أحكم لها أو عليها.
> هل لأن هذا الحكم سيتطلب موقفاً محدداً أو خشية أن يأتي التقديم نمطياً؟
- هناك بالفعل هذان الاعتباران. الحكم على الشخصية سيؤدي إلى التنميط غالباً. بالنسبة لدور أليس في هذا الفيلم، هي شخصية سيئة جداً. هذا حين نتعرف عليها وحتى تجد نفسها في ظروف عائلية بسبب وفاة والدتها ولقائها بشقيقها والحديث معه لأول مرة منذ سنوات عديدة. عند هذا الحد نجدها تتحول إلى إنسانة لديها عاطفة حيال الناس لم تكن تتوقعها.
> ولم تكن تعرف التعبير عنها كذلك. صحيح؟
- تماماً. هي الآن تقترب من الخمسين وتجد أنها كانت لا تعرف كيف تتواصل مع الآخرين حتى مع أخيها.
> هل يختلف التحضير الذي تقومين به في كل مرة، أو أن هناك أساساً ثابتاً واحداً تنطلقين منه وتحافظين عليه؟
- الأمر مختلف في الواقع من فيلم لآخر. هل تتذكر «وجه ملاك» (Angel Face)؟
> لا. لم أشاهده؟
- هل شاهدت «ماكبث» و«يومان وليلة» مثلاً؟
> طبعاً.
- ما بين «يومان وليلة» (2015)، و«أخ وأخت» (2022)، اختلاف كبير في كل شيء. لذلك التحضير يختلف في كل مرة. كذلك بالنسبة لدوري في «ماكبث» أو «وجه ملاك» أو أي فيلم آخر. ما هو ثابت، كما تقول، هو رغبتي في سبر دواخل كل شخصية من الصغر. أحاول أن أتعرف على حياتها وهي صغيرة ومن ثَم وهي شابة وصولاً إلى ما هي عليه الآن كما ترد في السيناريو.
> ما الذي اكتشفته بالنسبة لشخصية أليس في هذا الفيلم الأخير؟
- ما أحببته في هذه الشخصية هو أنها كانت مستعدة لكي أضيف عليها الكثير وأنا أضفت فعلاً الكثير من المعلومات حولها. كان هناك قدر كبير من الخيال الذي أتاحته لي الشخصية. تستطيع أن تقول إنني ركبتها بحرية كبيرة وفي الوقت ذاته التزمت بالنص الذي تعيش على صفحاته منذ البداية. لقد خُلقت هناك وهناك أحداث مهمة تقع في هذا النص ولا بد من الالتزام بذلك.

الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار

- راحة للممثل
> سمعت أنك تتحاشين الحديث مع الممثلين الآخرين خارج إطار العمل، ولا حتى بين اللقطات.
- لا. غير صحيح. ليس على هذه الصورة. ما يحدث هو أنني أحتاج لوضع مسافة بيني وبين الممثلين الرئيسيين إذا كان الأمر يستدعي ذلك. مثلاً في هذا الفيلم حرصت أن أتصرف على هذا النحو تماشياً مع الدور. لكنها ليست قاعدة عامة.
> هل تتبعين منهجاً معيناً في التمثيل؟ هل أنت «Method Actor»؟
‪ - ‬ لا. لا أملك في الواقع منهجاً مسبقاً. يختلف الأمر من فيلم لآخر.
> مثلت «يومان وليلة» للأخوين داردين قبل سنوات، وأذكر أنني قرأت تصريحاً لك قلت كم أحببت الطريقة التي ينفذها الأخوان، والتي تتعلق بالدور الذي قمت به. هل نستطيع العودة إلى هذا الفيلم لأن هذا سيساعدني في فهم طريقتهما في العمل.
- طبعاً. تحدثت عنهما كثيراً ولا أدري أي تصريح قرأته عن هذا الموضوع، لكن الحقيقة هي ذاتها. غالباً ما تحدثت عن إعجابي الشديد بمنهجهما في العمل. هما مثلي يُألفان بحثاً شاملاً عن كل شيء يتعلق بالفيلم، من الشخصيات إلى الملابس وتصميم أماكن التصوير وكل شيء. بالنسبة للشخصيات يعدان ملفاً ويناقشانه مع الممثل، وهذا يسهل المهمة أمام الممثل بالتأكيد.
> إذن ما هو الدور الذي تبحثين عنه في كل مرة أو تفضلين القيام به؟
- ما يجذبني إلى الدور؟ في الحقيقة لم ألعب الشخصية ذاتها مرتين. لم أجد نفسي بحاجة لتكرار ذاتي. أحتاج لأن تختلف الشخصيات التي أمثلها كل واحدة عن الأخرى لأنه من المثير لاهتمامي أن أساهم بتأليف الشخصية التي سأرتديها.
> شاهدت «شبح إسماعيل» الذي عرض هنا (في كان) سنة 2017 وللمخرج دسبلشَن نفسه. ما هي المزايا الخاصة التي يتمتع بها فيلم من إخراجه بالنسبة إليك؟
- أعتقد أن أفلامه عموماً تعكس أفكاراً منفتحة على كل شيء. لم أر كل أفلامه لكني شاهدت الكثير منها ودائماً ما شعرت بأنه يعرف أكثر مما يبدي على الشاشة، لكنه لا يبدي على الشاشة إلا ما هو ضروري للفيلم. أعتقد أنه يرتب أفكاره بحيث لا تخرج عن تحكمه بها، لذلك هي هادفة وتنجح فيما تهدف إليه. شخصياً أحب العمل معه وأقدر كفاءته.
> عندما مثلت بطولة «حياة وردة» (La Vie en Rose) سنة 2007 بدا كما لو أن العالم اكتشفك للمرة الأولى علماً بأنك كنت أمضيت أكثر من عشر سنوات منذ ظهورك الأول في السينما. هل تتمنين لو أن «حياة وردة» أو فيلماً مثله طرق باب مهنتك قبل ذلك التاريخ؟
- بصراحة لا أدري. وليس بإمكان أحد فعل شيء حياله. بما أنك أثرت الموضوع، نعم هي فكرة طريفة لو أن الفيلم حدث قبل ذلك التاريخ وأصبحت نجمة على نحو أبكر، لكن في الوقت ذاته هل كانت لدي الخبرة الكافية لو حدث ذلك لنقل قبل خمس سنوات؟ لا أدري.
> لديك أدوار ناجحة في أفلام قبل «حياة وردة»، لماذا تعتقدين أن هذا الفيلم بالتحديد وجد انتشاراً عالمياً تميز عن سواه؟
- أعتقد لأن إديت بياف هي أكثر شهرة من أن لا يستطيع أي فيلم يتناول قصة حياتها الاستفادة على صعيد النجاح إعلامياً ومادياً. وأعتقد أن أي ممثلة جيدة وأعمالها غير منتشرة أو معروفة سابقاً، كانت ستنطلق بعد هذا الفيلم لو مثلته. بالنسبة لي ربما كنت في المكان المناسب وفي الوقت المناسب.
> لاحظت أنه لا يوجد لك أفلام جديدة مقبلة في هوليوود، كما كان الحال قبل سنوات قليلة. ما السبب؟
- أعتقد أن هوليوود لديها ما يكفي من المواهب لتؤمن ما تريده من أفلام (تضحك). لديها ما يكفي بالفعل وليست بحاجة لممثلة أوروبية. بطبيعة الحال لا أنتمي إلى أي مشروع جاهز لمجرد أن أحداً اقترح ظهوري فيه. أريد أفلاماً مفيدة ولا أهتم بالظهور في السينما لمجرد إنه أميركي.
> هل تفضلين العمل تبعاً لنظام أوروبي؟
- هو نظام مريح، ولكن إذا لم يكن الفيلم الأميركي المعروض عليّ يحتوي على سبب جوهري للقيام به لا أقبل به.


مقالات ذات صلة

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

يوميات الشرق أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

إطلاق نار في مناطق من مالي تضم إحداها مقر المجلس العسكري الحاكم

مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)
مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)
TT

إطلاق نار في مناطق من مالي تضم إحداها مقر المجلس العسكري الحاكم

مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)
مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)

سُمعَت صباح اليوم السبت أصوات عيارات نارية في عدد من مناطق مالي، من بينها كاتي القريبة من العاصمة باماكو حيث يقع مقر إقامة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا، حسب ما قال شهود ومصدر أمني ونائب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

كذلك سُمعَت أصوات إطلاق نار في غاو، كبرى مدن شمال مالي، وفي سيفاري بوسط الدولة الأفريقية، ولم تعلن أي جهة بعد مسؤوليتها عنه.

وتشهد مالي، الواقعة في منطقة الساحل الصحراوي، منذ أكثر من عشرة أعوام نزاعاً وأعمال عنف تنفذها جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش»، ويحكمها عسكريون تولوا السلطة بعد انقلابين في 2020 و2021.

وابتعد النظام العسكري في مالي عن فرنسا وعدد من الشركاء الغربيين، كما فعلت النيجر وبوركينا فاسو اللتان يحكمهما أيضاً مجلسان عسكريان، واختار التقارب سياسياً وعسكرياً مع روسيا.

وكانت مجموعة «فاغنر» التي كانت تدعم سلطات مالي منذ عام 2021، قد أعلنت في يونيو (حزيران) 2025 انتهاء مهمتها لتتحول إلى منظمة خاضعة مباشرة لسيطرة وزارة الدفاع الروسية.

واتخذ النظام العسكري إجراءات قمعية ضد الصحافة والأصوات المنتقدة، وعمد إلى حلّ الأحزاب السياسية والمنظمات ذات الطابع السياسي.

وكان المجلس العسكري تعهّد تسليم السلطة إلى المدنيين في موعد أقصاه مارس (آذار) 2024، لكنه لم يفِ بوعده.

وفي يوليو (تموز) 2025، أولى النظام العسكري غويتا الرئاسة لخمس سنوات قابلة للتجديد «قدر ما يلزم» ومن دون انتخابات.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...