ماجدة الرومي لـ«الشرق الأوسط»: أنظاري تتجه نحو المبدع محمد عبده... وللكلام بقية

تأثرت بالحفاوة التي استقبلت بها في جدة

ماجدة الرومي في حفلات موسم جدة (حسابها على إنستغرام)
ماجدة الرومي في حفلات موسم جدة (حسابها على إنستغرام)
TT

ماجدة الرومي لـ«الشرق الأوسط»: أنظاري تتجه نحو المبدع محمد عبده... وللكلام بقية

ماجدة الرومي في حفلات موسم جدة (حسابها على إنستغرام)
ماجدة الرومي في حفلات موسم جدة (حسابها على إنستغرام)

في كل مرة تقف ماجدة الرومي على المسرح، تُحدث حالة فنية لا تشبه غيرها. تسرق بصوتها الألباب، وتعانق الروح بكلماتها النابعة من القلب. يلحق بها جمهورها إلى آخر الدنيا، ليس فقط من أجل التمتع بعذابة صوتها وقوته، بل أيضاً للتزود بحفنة من ثقافتها وفكرها الحر. فتتوجه إليهم برسالة معينة تروي غليلهم بكلمات ليست كالكلمات.
لبت الرومي دعوة السعودية، كي تشارك ولأول مرة في «حفلات موسم جدة»، فتألقت أمام جمهور جاء بالآلاف ليستمتع بغنائها. وتصدر وسم (هاشتاغ) «ماجدة الرومي في جدة» التراند على موقع «تويتر». قدمت في الحفل مجموعة من أغانيها المعروفة، من بينها «عيناك ليالٍ صيفية»، و«اسمع قلبي»، و«مفترق الطرق»، و«لا تسأل»، و«لا تغضبي»، و«العالم إلنا»، و«كلمات». وخصت لبنان بأغنية «ست الدنيا يا بيروت» التي تفاعل معها الحضور بشكل لافت.
وبفستان بزرقة بحر جدة، اعتلت الرومي المسرح على وقع تصفيق الجمهور، وما أن أطلت أمامهم، راحوا يلتقطون لها صوراً تذكارية بالمناسبة.
حفلة وصفها بعضهم بالحلم، إذ حملت الرومي جمهورها وحلقت بهم بين الغيوم، وأنستهم كل الهموم والمآسي والمشكلات التي يعيشونها. فكانت أمسية من الخيال كما غرد أحد الحضور.
وشكل حضور الرومي في جدة جسر تواصل بين الشعبين اللبناني والسعودي، وطبعت الجمهور بكلام تؤكد فيه على ذلك. وتسألها «الشرق الأوسط» عما إذا هي تتمسك بالحفاظ على موقعها هذا، فتجد بالكلام من القلب غناءً من نوع آخر؟ ترد: «التواصل في الأساس موجود وقائم، فنحن أبناء المنطقة الواحدة، واللغة الواحدة، والحضارة المشتركة، والتواصل بين شعبينا كان قائماً دائماً. فاللبنانيون الذين يعملون في المملكة هم في وطنهم الثاني، وحضوري في جدة تأكيد على عمق العلاقة بين الشعبين اللبناني والسعودي ومتانتها. أنا هنا كي أجمع القلوب، وأحاول أن أُصلح من موقعي وقدر استطاعتي ما أفسدته السياسة عن قصد أو عن غير قصد». وتتابع في سياق حديثها: «لطالما كان الفن رسالة حضارية إنسانية سامية تجمع بين الشعوب. وهي بالطبع قادرة على الوصول حتى من دون لغة ولا كلمات، والغناء من القلب جوهر عنوانه الصدق».

                                                        ماجدة الرومي حيت جمهورها في السعودية بقلب مرسوم بيديها (حسابها على إنستغرام)
تكمل الحديث مع صاحبة ألقاب كثيرة وبينها «الماجدة»، و«مطربة المثقفين»، و«ملاك الطرب العربي» وغيرها، تسرقك بصوتها الهادئ، وبنبرتها الرصينة والواثقة، هي المعروفة بشغفها وحبها الكبيرين للوطن العربي. وتروي لـ«الشرق الأوسط» عن الذكرى التي احتفظت بها من حفل جدة: «في هذه المدينة الجميلة لفتني شعبها الطيب، والاستقبال الرائع الذي أقيم لي وللفرقة، والحفاوة البالغة التي أُحطنا بها أثرت فينا جداً جداً جداً. ولفتني أيضاً جمال البحر الأزرق الممتد أمام عينيَ، كثوب مرصع بالماس، والسماء التي لم تعكر صفوها غيمة، ولم تُطاوِلْ شمسَها أجنحة العتمة. كانت رحلة أكبر من النسيان».
اتسمت حفلة ماجدة الرومي في جدة بانسجام تام للحضور مع أغانيها وبتفاعل ملحوظ معها، فكانوا يترقبون كل لحظة من لحظات وصلاتها الغنائية مأخوذين بأدائها الأنيق وبإطلالتها المتألقة. وشاركت متابعيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمقتطفات من البروفات الخاصة في حفل جدة، وكذلك بمقتطفات من اللحظات التي سبقت اعتلاءها المسرح.
وفي سؤال عما إذا كانت تفضل عند اعتلائها المسرح أن يكون الجمهور ملكاً لها قلباً وقالباً تقول: «لقد غنيت وحدي منذ البدايات حتى الآن، ولكن حدثت دائماً استثناءات، وقد تحدث بالتأكيد في المستقبل. كيف لا وقد كنتُ قد غنيت في حفلات سابقة مع جوزيه كاريراس، ويوسو أندور، والراحل زكي ناصيف، ضمن ظروف ومناسبات معينة، فالظروف الخاصة قد تحدث دوماً».
من الأغنيات التي أنشدتها ماجدة الرومي في حفل جدة، واحدة خصت بها لبنان، «ست الدنيا يا بيروت»، وعلا تصفيق الجمهور تفاعلاً وحماساً. فهل هي صرخة قصدتِ إيصالها في هذه المناسبة؟ تجيب: «لقصيدة (ست الدنيا يا بيروت)، مكانة خاصة جداً عندي. هذه قصيدة لنزار قباني كتبها لبيروت الحزينة والمدمرة بعد حرب السنتين، بداية الحرب الأهلية في لبنان. ولحنها لي يومها الموسيقار الراحل الدكتور جمال سلامة. عندما اخترتها، طلبت غناءها عبر مكالمة هاتفية مع الراحل نزار قباني، وكان في لندن في تلك الفترة. أما بيروت فكانت تحترق وتُدمَر وسط قصف غير مسبوق في عام 1989، طلب مني الشاعر قباني يومذاك، أن تكون عملاً كـ«اللامارسييز) الفرنسي، فغنيتها على المسرح، صيف عام 1991، ومنذ ذلك التاريخ لم تغب عن أي من حفلاتي». وتضيف: «نعم هي كانت دائماً بمنزلة صرخة ودعوة لإعمار بيروت في زمن الحرب. وكانت في زمن السلم عنوان إباء وفخر بمدينة هي سيدة العواصم وشرفة الدنيا. وما تعرضت له بيروت عام 2020 من دمار تسبب بتهديم نصف مناطقها بعد تفجير 4 أغسطس (آب)، أعاد قصيدة (ست الدنيا يا بيروت) إلى الواجهة بقوة، لأنها صرخة وجع كل لبناني».
من ناحية ثانية، تحضر ماجدة الرومي مجموعة من الأعمال الجديدة، وقد سجلت وأنجزت واحدة منها أخيراً بعنوان «عندما ترجع بيروت». وهي من شعر الراحل نزار قباني، ولحنها اللُبناني يحيى الحسن، ومن توزيع ميشال فاضل. وتعلق: «من المتوقع أن تصدر في وقت يتزامن مع اقتراب الذكرى الثالثة لانفجار بيروت، أي في 4 أغسطس المقبل، الذي أعده ذكرى اغتيال الشعب اللبناني الشهيد كله وبيروته الحلوة».
وعما إذا ممكن أن تغني بالخليجية، تقول: «غنيت الكثير من القصائد بالعربية الفصحى. وأيقنت أنها هي التي تجمعنا مهما اختلفت لهجاتنا من لبنان إلى مصر إلى الخليج العربي إلى المغرب العربي. اللهجات كثيرة جداً، لكن لغتنا العربية واحدة، وهي تجمع الكل تحت سماء مباركة واحدة، وقبة أصيلة واحدة، ومن ثَم هي لها مكانتها عند كل عربي أصيل».
وتتوقف الرومي عند غنائها بالمصرية، وتقول: «حدث أيضاً أن غنيت باللهجة المصرية الغالية جداً على قلبي، والقريبة مني قربها لكل الأرض العربية. وحييت أيضاً بعض البلدان العربية الحبيبة، كالجزائر بلد المليون شهيد، وتونس عاصمة الياسمين، والمغرب أرض الفرح، ببعض الأغاني الفولكلورية الجميلة الرائعة التي تخص هذه الأوطان الحبيبة. أما فيما يتعلق بالخليج بالذات، فإن كل أنظاري تتجه صوب الكبير المُبدِع محمد عبده وأعماله الرائعة. وللكلام بقية وموعد ولقاء».
لا تفوت الرومي الفرصة لإبداء رأيها بالوضع اللبناني. فهي على تماس دائم مع الناس، وتقف على همومهم عن قرب، تماماً كما فعلت إثر انفجار بيروت. حين جالت بينهم واستطلعت أراءهم وتعرفت إلى همومهم وعزتهم بضحاياهم. وغالباً ما حملت حفلاتها رسائل مباشرة عن لبنان ورجال السياسة فيه. كما كررت أكثر من مرة دعمها ووقوفها إلى جانب الجيش اللبناني. فكيف تنظر اليوم إلى أوضاع لبنان؟ ترد: «لبنان في خطر شديد، وكلنا يعلم ذلك. الأرض تُسرَق منا كل يومٍ أكثر. ولكن نحن نعلم أيضاً أن هذه الشدة المرعبة إلى زوال، وسنطويها بإرادتنا تماماً كما طوينا غيرها من المصائب، لأن الله معنا. فهو رب هذا البلد الحبيب وخالقه. لا لن يلتفت إلى الخائنين والمجرمين، بل سيلتفت إلى كل صلاة طالعة من صميم القلب، ولن تذهب دموعنا ومعاناتنا وصمودنا واستبسالنا في الدفاع عن أرضنا وسيادة لبنان، سُدى، لن تذهب دماء الشهداء إلى التراب دونما رجعة. بل ستُزهر سلاماً وأمناً وحباً. فالله يُمهِل ولا يُهمل. لا بد في الأرض من حق، ولا بد من فجرٍ آتٍ. فكل الحروب إلى نهايات وتبقى أوطاننا. كل الطغاة إلى جهنم وتبقى ديارنا. ومهما طال الزمن تبقى كلمة الله فوق كل كلام البشر».
الصفاء الذي تتمتع به الرومي وهي تتحدث أو تغني، ينعكس إيجاباً على محبيها. فهل في رأيها الساحة الفنية اليوم، تفتقد هذا الصفاء؟ «من طبعي أنني صوفية الميول. صلاتي لا تفارقني ثانية، ورأي رب العالمين في مسلكي مهم جداً وله الأولوية في عمري. وبعد، لا صداقات متينة لي في المجال الفني، لذا لا أعرف الكثير عن مسلك باقي الفنانين. وبناءً عليه، لا يسعني أن أحكم من موقعي على أحد، وأتمنى للجميع الخير والتوفيق. فمهما كبرنا في هذه الأرض، ومهما نجحنا، ومهما تمجدنا وتدللنا، في النهاية سنواجه الموت يوماً ما. وأرجو في ذلك اليوم ألَا أقف فارغة اليدين أمام ربي. رضا الله له كل القدسية في نفسي. لن أحيد عن دربه، ويبقى أن صوتي هو طريقي إلى السماء وللحديث بقية».
وتختم لـ«الشرق الأوسط» متوجهة إلى أهل المملكة العربية السعودية: «أحبكم كثيراً، وأدام رب العالمين السعودية حرة آمنة أبية مزدهرة قوية بقيادتها الشريفة وشعبها الحبيب إلى الأبد».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
TT

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل. وكشف لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات التي يتولاها نائب رئيس الحكومة طارق متري بالتنسيق مع وزير العدل عادل نصّار قطعت شوطاً للتوصل مع دمشق إلى تفاهم يفتح الباب أمام التوافق على مشروع يتعلق بالاتفاقية القضائية، في هذا الخصوص، فور إقرارها في مجلس الوزراء للمباشرة بالإفراج عنهم على دفعات.

وأكد المصدر الوزاري أن متري كان تسلّم من الجانب السوري ملاحظاته على مسودّة أولى تتعلق بالاتفاقية القضائية التي أعدها الجانب اللبناني، وقال إن الوزير نصّار تولى بالتعاون مع عدد من القضاة النظر فيها، ولفت إلى أنه أعاد صياغة مشروع الاتفاقية آخذاً بعدد من الملاحظات التي تسلّمها من الفريق السوري المكلف بملف المحكومين، والموقوفين السوريين.

صيغة معدلة للاتفاقية

وكشف أن الصيغة المعدّلة التي أعدها الجانب اللبناني أُودعت، أول من أمس، لنظيره السوري، وقوبلت بإيجابية بوصفها خطوة تمهّد لإغلاق هذا الملف. وقال إن التوجه اللبناني يقضي بالإفراج في مرحلة أولى عن 300 محكوم سوري بالسجن لأكثر من 10 سنوات، على أن يكون هؤلاء أمضوا 10 سنوات سجنية، وأن يمضوا ما تبقى من عقوبتهم في السجون السورية، ويُترك القرار في هذا الخصوص للسلطات المختصة في سوريا للإفراج عنهم، أو سجنهم لتمضية السنوات المتبقية من الأحكام الصادرة بحقهم.

وأكد المصدر الوزاري أن معظم المشمولين بالإفراج عنهم ينتمون إلى «جبهة النصرة»، ما يسهم في تحقيق انفراج على طريق فتح صفحة جديدة باعتبارها مقدمة لتطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين، بخلاف ما كانت عليه إبان الفترة التي أمضاها بشار الأسد رئيساً للجمهورية، قبل أن يلجأ إلى روسيا ومعه عدد من كبار الضباط الملاحقين سوريّاً ودولياً على خلفية ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية شملت آلاف السوريين، عدا الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً.

تعاون عون وسلام مع الشرع

ورأى أن إطلاق الدفعة الأولى من المحكومين ينم عن رغبة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، والحكومة نواف سلام في التعاون إلى أقصى الحدود مع الرئيس أحمد الشرع، وصولاً لإيجاد الحلول للمشكلات العالقة بين البلدين على قاعدة تمتين العلاقات على أساس الاحترام المتبادل لخصوصية كل منهما. وقال إن متري يتولى مواكبة ملف العلاقات الثنائية، بدءاً بإيجاد حلول لقضية المحكومين.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وكشف المصدر أنه تم الإفراج حتى الساعة عن نحو 110 موقوفين سوريين. وقال إن الجانب اللبناني أوعز لنظيره السوري بأن يتقدم بطلبات إخلاء سبيل لما تبقى منهم في السجون للنظر فيها من قبل السلطات القضائية، خصوصاً أن أكثريتهم كانوا أحيلوا إلى محكمة الجنايات التي لم تنظر في التهم المنسوبة إليهم. وأكد أن وضع ملف المحكومين السوريين على نار حامية سيؤدي إلى تخفيف الاكتظاظ الذي تشكو منه السجون، والنظارات في قصور العدل، ومخافر قوى الأمن الداخلي.

عنصر في الأمن السوري يتحدث إلى راكبي دراجة نارية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

ولفت مصدر أمني بارز إلى أن بعض وسائل الإعلام كانت تحدثت عن وجود تجمّع لضباط سوريين من فلول النظام السابق في بعض البلدات العكارية وطرابلس، لكن تبين من خلال حملات الدهم، والمسح الأمني لهذه المناطق، إضافة إلى البقاعين الشمالي، والغربي، التي تولتها الأجهزة العسكرية، والأمنية، أنه لا صحة لكل ما تناقلته، وأن معظم الأسماء التي أوردتها يقيمون حالياً في روسيا.

وتوقف أمام اللقاء الذي كان عُقد أخيراً في طرابلس وحضره متري إلى جانب عدد من المرجعيات الروحية، والسياسية الشمالية، وقال إن جميعهم أكدوا عدم وجود فلول للنظام السوري السابق في شمال لبنان، وشددوا على تعاونهم مع الأجهزة الأمنية في حال تبين وجود تجمعات معادية للنظام في سوريا.

وكشف وجود عدد من الضباط من الرُّتب العادية المنتمين إلى الطائفة العلوية مع عائلاتهم. وقال إنه لم يسجل حتى الساعة أي نشاط لهم، سواء كان عسكرياً أو أمنياً، واستغرب ما تردد سابقاً عن وجود معسكر يشرف عليه العميد سهيل حسن المقيم في روسيا، وهذا ما تبين أيضاً من خلال حملات الدهم التي شملت بلدات عكارية بالتوازي مع ضبط المعابر بين البلدين بإشراف الأمن العام اللبناني.

زيارات سورية إلى بيروت

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن مستشار الرئيس السوري خالد الأحمد يتردد إلى بيروت، ويلتقي في غالب الأحيان متري، كونهما يواكبان الاتصالات الخاصة بملف العلاقات بين البلدين، والنظر في الأمور الطارئة، إلى جانب بعض القضايا التي ما زالت عالقة، وهي بحاجة إلى حلول، خصوصاً أنها مزمنة، لامتناع النظام السوري السابق عن معالجتها.

وبحسب المعلومات، فإن الأحمد ومعه العميد عبد الرحمن الدباغ المكلف بمتابعة الملف الأمني مع الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية زارا مؤخراً بيروت، والتقيا عدداً من رجال الأعمال السوريين المقيمين في لبنان، وشجعوهم على العودة إلى سوريا لمزاولة أعمالهم منها في ضوء سياسة الانفتاح الاقتصادي التي يرعاها الرئيس الشرع.

كما أن الدبّاغ بتكليفه بملف العلاقات الأمنية بين البلدين زار منفرداً بيروت لأكثر من مرة، والتقى المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، ومدير المخابرات في الجيش العميد طوني قهوجي، وبحث معهما التعاون الأمني، والتنسيق بين البلدين، ولقي منهما كل تجاوب، لكنه لم يسلمهما لائحة بأسماء ضباط من فلول الأسد، واقتصر البحث على العموميات، مبدياً ارتياحه لتجاوب القوى العسكرية والأمنية اللبنانية بمنعها أي نشاط لضباط موالين للنظام السابق.

نائب رئيس الحكومة

حتى إنه لم يأتِ على ذكر اسم أي ضابط يطلب تسليمه، وكان حضر آخر مرة إلى بيروت أول من أمس في مهمة وُصفت بأنها أمنية، والتقى اللواء شقير، فيما يستغرب مصدر وزاري إصرار بعض الإعلام على تسليط الأضواء على وجود هذا الكم من الضباط الموالين للأسد، واصفاً ما تتناقله بأنه عارٍ عن الصحة، وهذا ما كشفه متري لـ«الشرق الأوسط» بقوله، في ضوء تواصله مع القيادات الأمنية، والعسكرية، إن لبنان بخلاف ما يتردد ويشاع، لم يتلقّ طلباً سورياً بتسليم ولو ضابطٍ واحد، مؤكداً أن الحكومة اتخذت كل التدابير لمنع استخدام لبنان منصة لتهديد أمن واستقرار سوريا، أو الإساءة للعلاقة بين البلدين، انطلاقاً من رغبتنا في فتح صفحة جديدة لتنقيتها من الشوائب التي يتحمل مسؤوليتها النظام السابق.


قاسم يتهم وزير الخارجية اللبناني بـ«التلاعب بالسلم الأهلي»

صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم
صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم
TT

قاسم يتهم وزير الخارجية اللبناني بـ«التلاعب بالسلم الأهلي»

صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم
صورة مثبتة لنعيم قاسم خلال حديثه اليوم

اتهم الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، اليوم السبت، وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، بأنه «يتلاعب بالسلم الأهلي ويحرض على الفتنة»، وذلك بعد تصريحاته عن سلاح الحزب.

وقال قاسم في كلمة بُثت اليوم إن رجي يريد أخذ البلاد إلى حرب أهلية، وتأكيده أن أحد أسباب ضعف أداء الحكومة «عدم وجود وزير خارجية يعبر عن المطالب الوطنية».

وكان وزير الخارجية اللبناني قال الأسبوع الماضي إن سلاح «حزب الله»، «أصبح عبئاً على الطائفة الشيعية وعلى لبنان»، وأن هذا السلاح لا يستطيع حماية الشيعة ولا يحمي لبنان.

وزعم قاسم أنه لا يوجد وزير للخارجية، وقال إنه «عطل الدبلوماسية التي تدافع عن لبنان. هو يعمل خلافاً لسياسة الحكومة والعهد، يتلاعب بالسلم الأهلي... وتتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية معالجة هذا الخلل إما بتغييره أو إسكاته أو إلزامه بالموقف اللبناني».


المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)
شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)
شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)

يزداد في الأيام الأخيرة التناقض بين ما يعلنه لبنان الرسمي من تمسك بتطبيق القرار «1701» الصادر عام 2006 والمُعدّل عام 2024، وما تسعى إليه القوى الدولية التي باتت تتحدث علناً عن وجوب نزع السلاح وحصر القوة بيد الدولة، لا تثبيت وقف إطلاق النار فقط، في مقاربة جديدة تضع الدولة اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الدقة.

فعلى وقع التصعيد الإسرائيلي واستمرار الغارات جنوب وشمال الليطاني، تسعى الدولة اللبنانية إلى إظهار التزامها الكامل ببنود القرار «1701»، مؤكدة في بياناتها الرسمية، أن الجيش اللبناني ينفّذ واجباته ضمن الخط الأزرق، ويعمل على تثبيت الهدوء بالتعاون مع «اليونيفيل».

وكرّر الرئيس جوزيف عون أن لبنان «متمسك بوقف إطلاق النار واحترام التزاماته الدولية»، في إشارة واضحة إلى الرغبة في الإبقاء على الإطار القائم منذ 2006.

غير أن المقاربة اللبنانية لم تعد تقنع العواصم الغربية، فالمواقف الأميركية والأوروبية الأخيرة «تُظهر بوضوح أن المجتمع الدولي ينتقل من مرحلة إدارة الاستقرار إلى مرحلة فرض التغيير»، مع ارتفاع وتيرة الحديث عن ضرورة توحيد السلاح تحت سلطة الدولة، لا سيما بعد التزام الجيش اللبناني بتطبيق خطته الميدانية في الجنوب.

جدول زمني دولي لنزع السلاح

ويقول النائب السابق فارس سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن المجتمع الدولي بات واضحاً في أنه وضع جدولاً زمنياً لتنفيذ قرار نزع كل السلاح غير الشرعي في لبنان، لا سيما سلاح «حزب الله،» وليس فقط السلاح المنتشر جنوب الليطاني وفق القرار «1701».

وأوضح أن «السلطات اللبنانية على علم بهذا الجدول، وإن لم يُعلن للرأي العام، وعليها أن تتعامل معه بجدية لأن التأخير سيعرض البلاد لمخاطر سياسية وأمنية كبرى».

ورأى سعيد أن «المرحلة الراهنة تُظهر انتقالاً في المقاربة الدولية من التركيز على تطبيق القرار (1701) الذي ينظم الوضع في الجنوب، إلى المطالبة الصريحة بنزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية كافة»، (أي الـ1559)، لافتاً إلى أن «هذا التحوّل يعبّر عن إرادة دولية حازمة بوضع حدٍّ نهائي لهيمنة السلاح على الحياة السياسية اللبنانية».

وأضاف أن «ما يجري في لبنان من تصعيد كلامي من قبل (حزب الله) لا يتناسب مع الواقع، فالحزب يرفع نبرته إعلامياً، لكنه غير قادر على خوض أي مواجهة عسكرية واسعة»، مشيراً إلى أن «داخل الحزب تيارين: أحدهما ينتظر المفاوضات الإيرانية-الأميركية للخلاص، وآخر يسعى إلى إيجاد طريقٍ عربي لتسوية تنقذه من مأزقه».

مجسم صاروخ ثبته «حزب الله» في قرية قلويه جنوب لبنان مذيل بعبارة «لن نترك السلاح» (إ.ب.أ)

وأوضح سعيد أن «تطبيق القرار (1701) تعثر طيلة السنوات الماضية بسبب سلاح الحزب وتوغله داخل النظام السياسي، وقد كرّس لنفسه شبكة أمان سياسية من خلال قانون الانتخاب وتحالفاته العابرة للطوائف».

وقال: «اليوم لم يعد أمام الدولة اللبنانية ترف الوقت. عليها أن تجلس إلى طاولة واحدة برعاية الأمم المتحدة لحلّ القضايا العالقة، وأن تبادر إلى التفاوض وفق منطق الدولة لا منطق الحزب فنحن في سباق مع الوقت لأننا حال تجاوزنا هذا العام، ولم نجد مخارج سياسية للسلاح، فالاعتقاد بأن كل لبنان سيتعرض لدخوله مجدداً في دائرة العنف».

«1701» فقد صلاحيته

وتجد الدولة اللبنانية نفسها مضطرة إلى الدفاع عن سياسة الشرعية الدولية، في حين أن أبرز القوى الفاعلة داخلها، أي «حزب الله»، لا يعترف عملياً بحدود القرار «1701» كما تفسره دول القرار.

ويقول أستاذ القانون، الدكتور علي مراد، لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان «يعيش واقعاً بالغ الصعوبة في ضوء موازين القوى التي أفرزتها الحرب واتفاق وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تجاوزت معادلة الخطوة بخطوة التي حاولت الحكومة اللبنانية تثبيتها بعد قرارها الأخير بحصر السلاح بيد الدولة».

وأوضح مراد أن موازين القوى انقلبت اليوم أكثر من أي وقت مضى لصالح إسرائيل، ولا سيما بعد سقوط النظام السوري وعجز «حزب الله» عن الرد، عادّاً أن على الجميع، وفي مقدمتهم الحزب، أن «يتعاطوا مع الواقع بموضوعية، لأنّ القرار (1701)، كما فُسِّر في عام 2006، لم يعد قابلاً للتطبيق اليوم، بعدما تبدّلت الظروف التي أُقرّ فيها».

وأضاف أن «الوضع الراهن أصعب بكثير، خصوصاً أنّ (حزب الله) لم يبادر في حينه بتسليم سلاحه وفق مندرجات القرار، ما جعل أي تطبيق لاحق أكثر تعقيداً». ورأى أنّ «وقف إطلاق النار وفق التفسير الذي اعتمد بعد الحرب لم يعد ممكناً حالياً، بل أصبحت الأمور أكثر صعوبة وتعقيداً».

وشدد مراد على أن قبول الدولة اللبنانية بفكرة التفاوض غير المباشر يحملها مسؤولية الدفاع عن المصلحة الوطنية، من خلال «التعبير عن شروطها الواضحة في وقف العدوان، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار»، لافتاً إلى أن «هذه الأهداف لم يعد سلاح (حزب الله) قادراً على تحقيق أيٍّ منها».

ورأى أن «القرار (1701) بنسخته للعام 2006 لم يعد قائماً، ونسخته الحالية من وقف إطلاق النار تجاوزها الواقع»، داعياً الدولة اللبنانية و«حزب الله» إلى التعامل مع موازين القوى كما هي، «لا بالإنكار أو الهروب إلى الأمام كما يفعل الحزب اليوم».