العلم... بهجة لا تنتهي

إنه وسيلتنا المختبرة في معرفة أصل الكون والحياة والوعي

صورة من موقع جامعة «ساري» لجيم الخليلي
صورة من موقع جامعة «ساري» لجيم الخليلي
TT

العلم... بهجة لا تنتهي

صورة من موقع جامعة «ساري» لجيم الخليلي
صورة من موقع جامعة «ساري» لجيم الخليلي

أظنُّ أنّ أغلبنا ممن عاش طفولته وشبابه اليافع في ستينات وسبعينات القرن العشرين لم يزل يتذكّرُ ذلك المسلسل الفاتن (ستار تريك Star Trek) بنسخته الأولى غير الملوّنة وشخوصه المميزين الذين كانوا في عصر براءتنا الطفولية أقرب إلى نسخ حية من الأبطال الملحميين. كانت مقدّمة المسلسل مبهرة بموسيقاها التي نقلت لنا الإحساس بالكون البعيد الذي نعرف أننا ربما لن نبلغه يوماً ما. كم كانت بهجتنا تتصاعد مع تعاظم الدفق الموسيقي المشحون بالإثارة عندما يقول الصوت البشري: «هذه هي رحلات سفينة الفضاء إنتربرايس... التي تسعى لاكتشاف عوالم جديدة... والبحث عن أنواع جديدة من الحياة... والذهاب بشجاعة إلى حيث لم يذهب إنسانٌ من قبلُ!!».
إنّ مهمّة سفينة الفضاء (إنتربرايس) هي ذاتها مهمة العلم: الذهابُ إلى حيث لم يذهب إنسانٌ من قبلُ. هي مهمّة اختراق عوالم جديدة وتوظيف نتائج تلك المهمة لصالح النوع البشري. إنها مهمّة لانهائية، وهذا المسعى اللانهائي هو ما يمنحُ العلم ذلك القدر اللانهائي أيضاً على حثّ مكامن الدهشة والبهجة في أرواحنا وعقولنا.
وبات من الواضح أنّ فترة الإغلاق الإجباري عامَي 2020 و2021 جاءت هدية كبرى للبعض منّا لكي يتمكّنوا من إكمال مشاريعهم المنتظرة، ومن هذه المشاريع كتابة كتبٍ لطالما قاتلوا في سبيل انتزاع الوقت المطلوب لكتابتها. أحدُ هؤلاء هو الفيزيائي والفيلسوف العلمي والباحث في تاريخ العلم جيم الخليلي، عراقي المولد وبريطاني الجنسية، الذي صار أحد أقطاب تبسيط العلم ونشر المعرفة العلمية على مستوى العالم عبر كتبه ووثائقياته وحواراته الكثيرة فضلاً عن برنامجه ذائع الصيت «LifeScientific» الذي تبثه قناة «بي بي سي».

كنتُ قد عرضتُ سابقاً في «الشرق الأوسط» قراءة في كتابه «العالم كما تفهمه الفيزياء» الصادر عام 2020 عن دار نشر جامعة «برينستون» الأميركية، ويمكن للقارئ الشغوف مراجعة تلك المادة لكي يتعرّف أكثر على شخصية الخليلي ومؤلفاته.
يواصلُ الخليلي جهوده التأليفية الحثيثة، وكان من نتائج تلك الجهود أن نشرت له جامعة «برينستون» قبل بضعة أسابيع (بالتحديد يوم 12 أبريل «نيسان» 2022) كتابه الأحدث الذي اختار له عنوان (بهجة العلم The Joy of Science).
ينتمي الكتاب إلى فئة الكتب التي تُعنى بالفلسفة العلمية، وإذا ما شئنا الدقة فإنه ينتمي إلى فئة الكتب التي تُعنى بفلسفة المنهج العلمي؛ لكنْ لا ينبغي أن يذهب المرء بعيداً في التصوّر بأنّ الخليلي يكتب بطريقة (فلاسفة العلم) المعروفة. يعتمدُ الخليلي مقاربة تبسيطية في الكتابة رغم رصانتها الفائقة، وهو يسعى للإجابة عن سؤال مركزي واحد: لماذا صار العلم وسيلتنا الوحيدة في معرفة واستكشاف طبيعة الواقع (بمعنى العالم المادي) الذي نعيش فيه؟ ولماذا صار العلم أداتنا المعتمدة في البحث عن الأصول الثلاثة الكبرى: الكون والحياة والوعي؟
يبدأ الخليلي كتابه بتقديم مقتضب، تليه مقدمة على قدر غير يسير من الإسهاب الممتع، ثم يأتي متن الكتاب الذي يتوزّعُ على فصول ثمانية يتناول الخليلي في كلّ منها موضوعاً ينتمي إلى ميدان المنهجية العلمية. سيلاحظ القارئ أنّ عناوين الفصول لم تأتِ بالشكل التقليدي الذي اعتدناه، بل ارتأى الكاتب أن يجعلها بصيغة سؤال أو عبارة تقريرية تنطوي على شيء من الحس الدرامي.
من الموضوعات الخاصة بفلسفة المنهج العلمي التي يتناولها الخليلي في كتابه هذا: مسألة العلم الحقيقي والعلم الزائف، وظاهرة التعقيد في العلم، والأحجيات والألغاز، والفهم البشري والمحاولة الحثيثة لمقاربة الحقيقة، والرأي الشخصي في مقابل الشواهد التجريبية، وضرورة معرفة انحيازاتنا الشخصية قبل محاكمة آراء الآخرين، وضرورة عدم الخوف من تغيير آرائنا المسبقة، وأن نجعل البحث عن طبيعة (الواقع) الحقيقية فضيلتنا الكبرى في العلم. لعلّ القارئ سيلحظُ أنّ هذه العناوين تنطوي على شيء من أخلاقيات البحث العلمي، وليس هذا بغريب؛ فالبحث العلمي الحقيقي أحد العناصر التي تشحذ الأخلاقيات البشرية وتُعلي مناسيب العقلنة والحياد والرؤية الموضوعية والتفلّت من أَسْر القيود الذاتية المسبقة المفروضة على الفرد. يختم الخليلي كتابه هذا برؤية استنتاجية، يعقبها مسردٌ لشرح بعض المفردات الواردة في متن الكتاب، ثمّ يقدّمُ لنا لائحة مطوّلة (كعادته في كتبه الأخرى) ببيبلوغرافيا توثيقية وقراءات إضافية موسّعة.
ربما يكون مسلسل «ستار تريك» هو الدافع لأن يختار شباب كثيرون في العالم العلم مهنة مستقبلية لهم، وقد تكون قراءة بعض الكتب الملهمة هي الدافع لدى آخرين مثلما حصل مع الخليلي الذي يكتب في العبارات الاستهلالية من تقديمه للكتاب: «عندما كنتُ طالباً شاباً في منتصف ثمانينات القرن الماضي قرأتُ كتاباً عنوانه (في الإقرار بالعرفان للدهشة To Acknowledge the Wonder) الذي كتبه الفيزيائي البريطاني إيوان سكوايرز. تناول الكتاب أحدث الأفكار المعروفة –آنذاك- في الفيزياء الأساسية، ولم أزل أحتفظ بنسخة من ذلك الكتاب على أحد الرفوف في مكتبتي بعد ما يقاربُ العقود الأربعة من ذلك التاريخ. صحيحٌ أنّ بعض المواد في ذلك الكتاب قد تقادمت في يومنا هذا؛ لكني لم أزل أعشقُ عنوان الكتاب. عندما كنتُ في تلك السنوات البعيدة أتطلّعُ لمهنة في الفيزياء كانت فرصة معرفتي بالدهشة التي يقدمها لنا العلم هي ما ألهمني حقاً لتكريس كلّ حياتي اللاحقة للعلم...».
أتساءل دوماً إلى حد بات معه هذا التساؤل هاجساً ملحّاً لي مثلما يجب أن يكون لكلّ صانعي السياسات التعليمية والقيمين على شؤون التعليم (ما قبل الجامعي والجامعي): لماذا يخفتُ عند شبابنا ذلك الشغف الطاغي بالعلم وهُمْ في مقتبل أعمارهم؟ ربما تكون الأسباب الثلاثة التالية مفاتيح لفهم هذه الظاهرة التي يتوجب أن تكون ميداناً لدراسات معمّقة:
السبب الأول- ضبابية صورة العالم في حياتنا اليومية. العقبة الأولى تكمنُ في أنّ العلماء يفتقدون كونهم صوراً مرئية حقيقية أمام الآخرين. إذا كان معظم الناس لا يعرفون عالماً حقيقياً (بلحمه ودمه كما يقالُ في الأمثال المتداولة)، وإذا كانت مرجعياتهم الثقافية عن العلماء هي ما يرونه في الأفلام والعروض التلفازية فسيكون من العسير على هؤلاء الناس أن يتطلعوا لمهنة في الحقل العلمي في المستقبل.
يمثلُ العلمُ الخلفية التي تتأسسُ عليها حياتنا اليومية. قد يبدو العلمُ معظم الوقت خبيئاً عن أنظارنا وبعيداً عن حاجاتنا اليومية ولا نتعامل معه إلا لماماً عندما نسمعُ –على سبيل المثال– بشأن مذنّب يقترب من الأرض، أو عندما نتطعّمُ بنوع جديد من اللقاحات؛ لكننا في الغالب لا نعرفُ شيئاً عن العالِم الذي اكتشف ذلك المذنّب مثلما لا نعرف شيئاً عن الفريق البحثي الذي طوّر ذلك اللقاح. كيف السبيلُ إلى حلّ هذه العقبة؟ أرى أنّ الحلّ يكمنُ في تكريس الصفة الحقيقية للعلماء؛ أي بمعنى زيادة مساحة الزمن الذي يظهر فيه العلماء أناساً حقيقيين يهتمون بأمر معضلاتنا البشرية وليسوا محض كائنات مريخية أو خرافية تهتم بشؤونها الخاصة البعيدة عن المجال العام.
السبب الثاني- الصور النمطية (Stereotypes) التي تتمثلُ في تأكيد صورة نمطية للعالِم بكونه «المجتهد المهووس بالعمل Nerd» الذي يبدو منعزلاً عن معرفة السياقات الاجتماعية السائدة والأعراف السلوكية المعتمدة. الخصيصة النمطية هنا ذات ميزات معروفة: العلماء ذوو شعر أشعث ولا أصدقاء لهم سوى أشخاصٍ بذات صفاتهم، وهم منسحبون اجتماعياً ويُبدون نمطاً من الجبن والتخاذل في المواقف التي تتطلبُ تفاعلاً اجتماعياً مؤثراً، وإنهم ما صاروا علماء إلا ليكون لهم العلم مهرباً يختفون فيه من عبء مواجهة الواقع ومتطلبات الحياة الحقيقية.
لا أظنُّ ثمة ما هو أسوأ من التعميمات التي تتقنّعُ في شكل بائس من التوصيفات الاختزالية الجامعة؛ فالمجتمع العلمي له من الخصائص المتباينة والمتعاكسة مثل تلك التي نشهدها عند أي مجتمع آخر من المهنيين (الأطباء والمهندسون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع مثلاً).
السبب الثالث- ضغوط العوامل القاتلة للشغف العلمي: الطريق لأي مهنة علمية طريق طويل تكتنفه مصاعب شتى؛ لذا كان الشغف عنصراً أساسياً في هذه المهنة. من غير الشغف، ومع تزايد وعورة الطريق سيفقد المرء حماسته وستضيع بوصلته. إذا أراد أحدنا أن يكون عالماً سيحتاجُ بالتأكيد لإكمال دراساته العليا ثم يتوجب عليه أن يتبعها بدراسات ما بعد الدكتوراه، وعليه أن يتوقع قدراً من المداخيل المالية أقلّ مما يكسبه محلّل نظم حاسوبية أو سمسار أوراق مالية في البورصة أو مهندس في أي حقل هندسي. سيكون شاقاً على المرء في بعض الأحايين أن يمضي حثيثاً في تحقيق أحلامه والإبقاء على شعلة تطلعاته حية متوهجة بفعل ضغوط شتى؛ لكن لا بد من تدريب النفس على مواجهة مثل هذه الضغوط، فهو يعرف أنّ بوسعه إحداثَ فرقٍ في هذا العالم، وهو ليس من هؤلاء الذين لا يعنيهم شيء سوى الحصول على مرتّب مالي كبير نهاية كلّ شهر.



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.