رحيل حسن عبد الله شاعر الطفولة والأمهات الذي لم يتزوج

ترك خلفه عشرات الرسومات والقصص غير المنشورة

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

رحيل حسن عبد الله شاعر الطفولة والأمهات الذي لم يتزوج

حسن عبد الله
حسن عبد الله

وكأنما هذا الغمام المكفهرّ الجاثم فوق صدر لبنان، ما كان ينقصه سوى رحيل شاعر من وزن حسن عبد الله. مريض كان وجسده ليس على ما يرام، لكن فعل الرحيل بحد ذاته، يحرّض على المراجعة والاعتراف، وقول ما لا يبوح به المرء في حضرة صاحب المقام. هذا ما يفسر شلال المشاعر المحبة والمعجبة، الذي انهمر بمجرد الإعلان عن غياب صاحب «ظل الوردة».
لم يقل أحد، لهذا الأديب الحقّ، في حياته، إنه من بين الأكثر شاعرية وصدقاً في جيله، وإنه لم يعط ما يستحقه من اهتمام وضوء. الشعر بالنسبة له جزء من حياة يتنفسها، طريقة في وصف ما يحيا، وأسلوب في التعبير عن مكنونات نابضة. وهذا ليس بالقليل. فإن لم تكن حداثة الشعر هي التصاقه العضوي بحياة الكاتب، فما هي الحداثة، إذن؟
لم يعرف حسن عبد الله نفسه إلا شاعراً. كل ما في طفولته كان يدفعه إلى ذلك. والده الذي يقرض الشعر، عمتاه العاشقتان قصص بني هلال وسيف بن ذي يزن، وعيشه في البرية، مصادقته الزهر والشجر والدردارة، التي ستعطي اسمها لواحد من أشهر دواوينه، وهي تلك البحيرة التي كان يقضي على أطرافها الكثير من وقته في بلدته الجنوبية.
يختصر حسن عبد الله، بسنين عمره، منذ ولادته في الخيام جنوب لبنان عام 1944 وحتى وفاته الأليمة يوم 21 يونيو (حزيران) 2022، تاريخ لبنان الحديث. فهو عاش في الحدث، أصبح جزءاً منه، وكتب عنه. من الازدهار الكاذب وكدح العمال، إلى الحرب القذرة، ومظلومية الضحايا، حيث تحولت قصائده الملحنة أناشيد أثناء المعارك. واكب حسن عبد الله عودة السلم الزائف، وشهد نهايته الأليمة قبل أن يغمض عينيه. كانت قصائده، هي الحكاية حين تتحول شعراً.
بعد أن تخرج الشاعر - الذي بدأ تدوين قصائده طفلاً صغيراً - من دار المعلمين في بيروت عام 1965، اشتغل في التعليم في قرى الجنوب والبقاع، بعيداً عن بيروت التي اعتادها. انتابه إحساس شديد بالوحشة من الريف وأجوائه الهادئة، إلى أن تمكن من نقل عمله إلى صيدا قبل الحرب الأهلية عام 1972 والسكن في بيروت. من بيروت كانت الانطلاقة المحترفة، الكتابة في الصحف، نشر القصائد في مجلات مثل «الطريق» و«مواقف»، المشاركة في مهرجانات مثل المربد، المشاركة في الأمسيات الشعرية. تلك كانت وسيلته الفضلى للتواصل مع الناس، قبل أن يصدر ديوانه الأول «أذكر أنني أحببت» عام 1978 ومن ثم مطولته «الدردارة» عام 1980، وفي هذه الفترة أيضاً أخذ يكتب قصصاً وشعراً للأطفال. وهنا ستتفتق موهبته عن عالم جديد، ليس ببعيد عن عالمه الشعري القصصي أصلاً. فهو شاعر راوية، يقص الحكايات الشيقة الرشيقة، كيفما أراد. في قصّه تلقائية وحكمة وصور حتى يمكن أن يطلق عليه اسم شاعر المشاهد التي تسمعها كما تراها بأذنيك. له من الدواوين «راعي الضباب» الذي صدر عام 1999 و«ظل الوردة» عام 2012.
أبدع أيضاً مع الأطفال، ومع أنه نال عن أدبه هذا الجائزة تلو الأخرى، إلا أن حظه من الصحافة والترويج، لم يكن أفضل من شعره الذي لم يحتف به بالقدر الذي يستحق. هل لأنه كسول، أم لأنه لم يكن يعبأ بتظهير ما يبلغه من مراتب كما يحلو لآخرين أن يفعلوا؟
تم تكريمه في مهرجان السينما الدولي الحادي عشر للأطفال في القاهرة. ومنحته وزارة الثقافة المصرية العام 2002 جائزة عن مجمل أعماله الأدبية للأطفال. وفي عام 2012 نال جائزة الإبداع الأدبي في حقل أدب الأطفال من «مؤسسة الفكر العربي». ومن ثم «جائزة الشيخ زايد» لأدب الأطفال عام 2016. والسنة التي تلتها حصل على جائزة مخصصة للأدب الموجّه للأطفال المتوحّدين في فانكوفر الألمانية.
لم يكثر حسن عبد الله، لم يستفض، اكتفى بدواوين أربعة، مقطرة كالماء الزلال، وترك خلفه عشرات من قصص الأطفال التي لم تنشر، وستكون زاداً لهم من بعده، تعيدهم إلى لغتهم بهية ممشوقة العبارة، نضرة الفكرة، مشوقة الحبكة. الأديب الظريف، المرح، الساخر، البريء، الحيوي، المشاكس، الذي اعتادته مقاهي شارع الحمراء، يرحل ويترك خلفه ظله وروحه النضرة.
حسن عبد الله متعدد المواهب، استعاد طفولته بالقصص وبلوحاته التي أخذ يرسمها مستوحياً طبيعة الجنوب ومراعي بلدته، التي أحبها وكتب عنها، بقدر ما ابتعد عن أرضها ووداعتها، باحثاً عنها في مخيلته. في معرضه «مقام الأخضر»، في بيروت وضم أربعين عملاً، بعد خمس سنوات من الرسم، بدا كم هو مخلص لمزاجه، ينقطع عن الشعر حين يشاء، وينكب على الرسم حين يريد، ويحكي للأطفال قصصهم، متى بدا راغباً في ذلك. قال حول رسومه «كنت أعيش في بلدة محاطة بالزرع والاخضرار والمروج والأودية، ولا شك أن لوحاتي هي ترجمة للطبيعة في بلدتي الخيام».
غنى له عديدون، وأهدى حسن عبد الله مارسيل خليفة واحدة من أشهر أغنياته التي لا يتوقف الجمهور عن طلبها في حفلاته:
أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها...
أجمل الأمهات التي انتظرتهُ،
وعادْ...
عادَ مستشهداً.
فبكتْ دمعتين ووردة
ولم تنزوِ في ثياب الحداد.
لم تَنتهِ الحرب
لكنَّهُ عادَ
ذابلةٌ بندقيتُهُ
ويداهُ محايدتان...
أجمل الأمهات التي… عينها لا تنامْ
تظل تراقبُ نجماً يحوم على جثة في الظلام...
لم يتزوج حسن عبد الله، لكنه أجاد، كما لم يفعل غيره، الكتابة عن مشاعر الأمهات، ومخاطبة الأطفال، والبقاء في دائرة الحب الذي ينتج فيضاً أدبياً لا يضاهى.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)
جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

شهد الشهر الماضي منعطفاً دراماتيكياً في تاريخ سوريا، الدولة التي مزَّقتها سنوات من الحرب الأهلية التي لم تنتهِ إلا في ديسمبر (كانون الأول) 2024. فبعد 16 شهراً من فرار الديكتاتور بشار الأسد إلى موسكو، بدأت السلطات الانتقالية السورية أخيراً باعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، المسؤولين عن أبشع جرائم الحرب. وقد تكون هذه نقطة تحوُّل للحكومة الوليدة، لكن من غير الواضح إلى أي اتجاه ستتجه، بحسب خبراء دوليِّين.

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

في الأسابيع الـ6 الماضية، ألقت قوات الأمن القبض على عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم السارين عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد وشخصية خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، ضابط المخابرات المتهم بقيادة مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم، وهو ما وثَّقه القتلة في ذلك الوقت بالفيديو.

اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى أحد أعمدة نظام الأسد (الداخلية السورية)

الاعتقالات أُعلن عنها عبر سيل من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى التلفزيون السوري. الأسماء معروفة لدى معظم السوريين، فهم «الرأس المدبر» لنظام قمعي وحشي. وتزامنت الاعتقالات مع بدء محاكمة عاطف نجيب، الذي كان أول المختارين، رمزياً، لأنه الرجل الذي أسهم تعذيبه العنيف لمعارضي الأسد اليافعين في إشعال فتيل انتفاضة 2011 التي أدت إلى سقوطه بعد أكثر من عقد من الزمان.

في العاشر من مايو (أيار) الحالي، جلس عاطف نجيب، ابن عم الأسد، في إحدى قاعات محكمة دمشق، مكبلاً بالأصفاد داخل قفص معدني، مرتدياً زي السجن المخطط الباهت. كان نجيب يشغل منصب رئيس الأمن في محافظة درعا الجنوبية عندما اعتُقل تلاميذ المدارس وعُذِّبوا لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد على جدران مدارسهم. سُجن التلاميذ لمدة 45 يوماً، وبحلول وقت إطلاق سراحهم، كانت درعا تشهد مظاهرات أسبوعية سرعان ما امتدت إلى باقي أنحاء البلاد.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

كان هذا ثاني مثول لنجيب أمام المحكمة. تلا القاضي 10 تهم، من بينها القتل والتعذيب. وُجِّهت التهم غيابياً إلى بشار وشقيقه ماهر الأسد. ونظراً لفرارهما إلى موسكو، لا يتوقع أحد اعتقالهما قريباً، لكن هذا الإجراء رمزي، كما كتب فضل عبد الغني، رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «لقد نُقل الأسد من موقع الرئيس السابق، وصاحب السلطة المطلقة، إلى موقع المتهم أمام القضاء السوري».

كان بعض «فتيان الكتابة على الجدران»، الذين أصبحوا الآن بالغين، موجودين أيضاً في المحكمة. وكان القاضي الذي يرأس الجلسة، فخر الدين العريان، قد حُكم عليه بالإعدام سابقاً من قبل النظام الذي سيحكم عليه الآن.

تزامن كل هذا مع توجيه اتهامات جديدة لأكبر مرتكبي الجرائم في الحرب الأهلية السورية. لم يكن هذا التسارع وليد الصدفة، ولم تكن المساءلة هي الدافع الوحيد، بحسب موقع «سليت»، فقد تعرَّض الرئيس أحمد الشرع، رئيس الحكومة الانتقالية، لضغوط متواصلة من عائلات الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان السورية، ونشطاء المجتمع المدني، وعواصم غربية تدرس تخفيف العقوبات، لإثبات جدوى خطابه حول العدالة الانتقالية. وقد أمضى العام الماضي في بناء أسس المساءلة، وإنشاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم صدر في مايو الماضي، ولجنة المفقودين التي تُولي العدالة الانتقالية أولويةً قصوى.

سيارة محترقة قرب مقر وزارة الدفاع السورية في حي الباب الشرقي بدمشق الثلاثاء نتيجة انفجار سيارة مفخخة (د.ب.أ)

لكن الأمن هو المحرِّك الآخر. لم تختفِ شبكات النظام السابق، فبعض الشخصيات لا تزال تمتلك أسلحةً وأموالاً ونفوذاً محلياً، فضلاً عن صلات بجهات خارجية، لا سيما روسيا وإيران. لدى هذه الشبكات دوافع لاستغلال الوعود غير المُحقَّقة للمرحلة الانتقالية في بلدٍ تتسم فيه سلطة الدولة الجديدة بالتفاوت، وتشهد فيه أسعار الوقود والكهرباء ارتفاعاً حاداً، ويكافح فيه السوريون لإطعام أسرهم. وكان افتتاح المحاكمة الأولى وسيلةً لتلبية أحد هذه المطالب على الأقل.

«تتعرَّض السلطات لضغوط مشروعة من المجتمع، فيما يتعلق بالعدالة والاقتصاد؛ والآن، عليهم أن يستجيبوا، لذلك لا يمكنهم تجاهل مطالب الشعب»، كما يقول معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة «اليوم التالي»، وهي منظمة تعمل على دعم الانتقال الديمقراطي في سوريا.

من بعض النواحي، كان اعتقال هؤلاء الرجال الجزء الأسهل. أما المشكلة الأصعب فهي بناء نظام قضائي من الصفر لمحاكمتهم. ثمة فراغ في القضاء بعد إقالة معظم قضاة عهد الأسد. وتحاكم الحكومة الانتقالية عاطف نجيب بموجب قانون العقوبات لعام 1949، وهو قانون كُتب للقتل العادي، لا للجرائم ضد الإنسانية. ودون برلمان فاعل، سيتعيَّن تأجيلُ سنِّ قوانين جديدة تفي بالمعايير الدولية لجرائم الحرب.

عاطف نجيب يدفع عن نفسه التهم بممارسات أمنية ضد أهالي محافظة درعا 2011 (سانا)

يقول النقاد إنَّ الإطار القانوني المحلي غير كافٍ. فلا يوجد قانون ينصُّ على مسؤولية القيادة في القانون السوري. وتقتصر ولاية لجنة العدالة الانتقالية على جرائم عهد الأسد، مستثنيةً انتهاكات قوات الأمن الجديدة خلال المجازر الساحلية التي استهدفت العلويين العام الماضي، والعنف الطائفي ضد الدروز في مدينة السويداء الجنوبية.

يُمثل حجم القضايا المحتملة تحدياً آخر. فقد سجنت الحكومة الانتقالية الجديدة ما يُقدَّر بنحو 4 آلاف مسؤول سابق في النظام؛ ولا يزال آلاف آخرون، بمَن فيهم مَن ارتكب جرائم تعذيب بحق المعتقلين، في البلاد.

على سبيل المثال، اتُّهمت امرأة تُدعى هالة، كانت تُعرَف داخل سجون النظام باسم «مونيا»، من قِبَل ناجين، في أثناء عملها حارسةً في مركز احتجاز المخابرات الجوية سيئ السمعة، بأنها شاركت في التعذيب وسوء المعاملة خلال عهد الأسد. وقد أبلغ الضحايا السلطات بعد أن رأوها تعمل علناً حلاقة في حي راقٍ بوسط دمشق، ونشرت صوراً لتسريحات محلها، على الإنترنت. تَعرَّف المعتقلون السابقون على وجهها وصوتها. وأُلقي القبض عليها في مارس (آذار).

جثمانا طفلَي قال أقاربهما إنهما قُتلا جراء انفجار ناجم عن مخلفات الحرب خلال لعبهما في قرية بريف إدلب الشرقي يوم 21 مايو (أ.ب)

وكشف موقع «سليت»، عن أنَّ أكثر من 300 طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق، حضروا حلقة نقاش عُقدت مؤخراً، قدّمها متخصصون قانونيون دوليون في جرائم الحرب، من بينهم ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتجول لشؤون جرائم الحرب. ويهدف البرنامج إلى إنشاء برنامج عملي يُشرك الطلاب فوراً في العمل القانوني، ويُزوّدهم بأدوات تُساعد القضاة والمدعين العامين. ويقول راب: «إنّ كيفية بناء القضايا، وتحديد ما إذا كانت هناك جريمة، ومناقشة أشكال المسؤولية، هي مفتاح النجاح».

يقول بعض المسؤولين الحكوميين للموقع، إنَّ الهدف هو إجراء 500 محاكمة على مدى السنوات الـ5 المقبلة، لكن راب يقول: «حتى هذا الهدف قد يكون صعب المنال: سيواجهون صعوبةً في إقامة 500 محاكمة، وسيتعيَّن عليهم اتخاذ خيار استراتيجي بشأن مَن سيحاكمون».

ستكون لتلك الخيارات أهمية بالغة بالنسبة لمجتمع مُصاب بصدمة نفسية، وسيُصرّ أفراده على أن يكون لهم رأي في القرارات. إنَّ الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عملية عدالة انتقالية شفافة وتعزيز سيادة القانون لأول مرة في سوريا.


أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
TT

أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)

أفاد إشعار نُشر في السجل الاتحادي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة مددت تصنيف وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

إلى ذلك، تخطّى الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني عبر تنفيذ عمليات توغل واجتياح شمال ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان، بالتزامن مع إنذار وجّهه إلى سكان النبطية، في مؤشر على انتقال المواجهات إلى مرحلة ميدانية أكثر اتساعاً.

وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن عمليات تهدف إلى وقف مسيّرات «حزب الله»، فيما شهد محور زوطر الشرقية مواجهات عنيفة مع إعلان الحزب التصدي لمحاولات تقدّم إسرائيلية باتجاه مجرى النهر باستخدام الصواريخ والقذائف والمسيّرات الانقضاضية.

كما توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل مناطق في صور وبنت جبيل وجزين والبقاع الغربي، حيث تعرضت مشغرة لسلسلة غارات عنيفة شكّلت ما يشبه «حزاماً نارياً».

وفي موازاة التصعيد، ينعقد الجمعة في واشنطن اجتماع عسكري لبناني - إسرائيلي برعاية أميركية، يُنظر إليه من الجانب اللبناني على أنه تقني بامتياز ويهدف إلى بحث تثبيت وقف إطلاق النار وانتشار الجيش جنوب الليطاني.


بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
TT

بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)

حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة، القائد الجديد لكتائب القسام، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في جنازة بشوارع مدينة غزة الأربعاء، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ويأتي موكب الجنازة بعد يوم من مقتل عودة على يد إسرائيل في إطار حملتها للقضاء على كبار قادة «حماس» على الرغم من وقف إطلاق النار. وقال الجيش الإسرائيلي إن عودة قُتل في عملية دقيقة في غزة، مساء الثلاثاء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من مقتل سلفه، عز الدين الحداد، في هجوم إسرائيلي على مبنى سكني في قطاع غزة.

ويعني مقتل الحداد وعودة تبقي عدد قليل من القادة المسلحين في غزة لقيادة «كتائب القسام» في وقت وصلت فيه المفاوضات، بوساطة الولايات المتحدة، بين إسرائيل و«حماس» إلى طريق مسدود بشأن المضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمستقبل غزة.

فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته بمدينة غزة 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

«حماس» تنعى عودة

ونعت حركة «حماس» في بيان الأربعاء محمد عودة الذي قدمّته بأنه «القائد القسامي الكبير».

وجاء في البيان: «ننعى إلى شعبنا الفلسطيني وأمَّتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم القائد القسامي الكبير البطل الشهيد محمَّد عودة (أبا عمرو) الذي ارتقى إلى ربّه شهيدا» مساء الثلاثاء «برفقة زوجته واثنين من أبنائه» في قصف إسرائيلي بمدينة غزة.

وأشار البيان إلى أن عودة كان من مؤسسي العمل العسكري في «حماس»، وذكر أنه «كانت له بصمات واضحة في كل مراحله ومحطّاته المباركة، حتى طوفان الأقصى، بناءً وإعداداً وتخطيطاً». وعدّ قتله «انتهاكاً سافراً لكل القيم والأعراف والقوانين والشرائع السماوية».

مشيّعون: المقاومة لن تتوقف

قالت عائلة عودة إن الغارة الإسرائيلية التي استهدفته أسفرت أيضاً عن مقتل زوجته وابنه. وحمل المشيعون الجثث الثلاث المغطاة بأكفان بيضاء مروراً بمبان دمرها القصف خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية التي استمرت عامين على غزة.

وقال أبو العبد عودة، أحد أقارب محمد عودة، إن الحملة الإسرائيلية لن تثني الفلسطينيين عن الانتفاض.

وأضاف في مسجد بمدينة غزة خلال الجنازة: «هذه المسيرة مش هتتوقف، ونضال الشعب الفلسطيني في كل الأصعدة هيظل مستمر». ويقول مسؤولون في قطاع الصحة في غزة إن الغارة التي أسفرت عن مقتل عودة وزوجته وابنه خلّفت أيضاً ثلاثة قتلى آخرين وأكثر من 20 مصاباً، ودمّرت الطابق العلوي من مبنى سكني في حي الرمال بمدينة غزة.

وبحث عمال الإنقاذ تحت الأنقاض، في وقت سابق من الأربعاء، عن مزيد من القتلى والمصابين.

فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته بمدينة غزة 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل: عودة ضالع في هجوم 7 أكتوبر

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن عودة كان يرأس شعبة المخابرات في «حماس» وقت الهجوم عبر الحدود على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي تلاه اندلاع حرب غزة، مضيفاً أنه عُين قبل نحو أسبوع ليحل محل عز الدين الحداد، أعلى قائد عسكري بالحركة، الذي قتلته إسرائيل في 15 مايو (أيار).

وقالت مصادر مقربة من «حماس»، إن عودة ربما كان آخر عضو متبق في مجلس القيادة العليا لكتائب القسام.

رجل فلسطيني يتفقد موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة 27 مايو 2026 (رويترز)

وقتلت إسرائيل عشرات من قادة «حماس» منذ بدء حرب غزة، وتوعّدت بقتل أو اعتقال أي شخص تقول إنه كان ضالعاً في هجمات السابع من أكتوبر 2023.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان، إن «حماس» لن تمارس بعد الآن سيطرة مدنية أو عسكرية على غزة، وإن خطة لما وصفها بأنها «هجرة طوعية» من القطاع ستنفّذ أيضاً «في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة».

ويرفض الفلسطينيون أي محاولة لتهجيرهم من قطاع غزة.

وتشير إحصاءات من مسؤولي صحة في غزة إلى أن نحو 900 فلسطيني قُتلوا في ضربات إسرائيلية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر. ولا تحدد تلك الإحصاءات عدد المدنيين والمقاتلين من بين القتلى.

وقال الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قُتلوا على أيدي مسلحين خلال الفترة نفسها.

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (رويترز)

ولا تفصح «حماس» عن أرقام الخسائر في صفوف مقاتليها. وتقول إسرائيل إن ضرباتها بعد وقف إطلاق النار تهدف إلى منع الهجمات أو منع الناس من الاقتراب من الخط الفاصل بين المناطق الخاضعة لسيطرتها والأراضي التي تسيطر عليها «حماس» بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

ووصلت المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس» إلى طريق مسدود حول تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تشمل نزع سلاح الحركة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي.

وتسيطر إسرائيل على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة بعد سريان وقف إطلاق النار المتفق عليه في أكتوبر، وتسيطر «حماس» على شريط ضيق من الأراضي الساحلية.